تحملت الكثير من العقبات لكي تصل إلى طموحها الذي حملها على خوض تجارب لم تكن تتوقع أنها ستواجهها في طريق الوصول إلى حلمها تحدت كل الظروف والعادات والتقاليد التي ما أن تجتاز واحدة تظهر لها أخرى في طريقها إلى أن استطاعت أن تصل إلى حلمها الطفولي لكي تصبح مذيعة وفنانة لم تستهين للحظة واحدة بحلمها ولم يقل شغفها يوما بل استمرت في السعي والبحث…
فرح قائد مذيعة أحبت الإذاعة منذ الطفولة وبدايتها كانت مع الإذاعة المدرسية ومن خلال الإذاعة المدرسية كانت تصدح بصوتها الشادي بأغاني احبتها منذ طفولتها … فرح قائد ليست مذيعة فقط بل هي فنانة وعازفة للعود في فرقة موسيقية خاصة بالنساء تقول فرح :”بدأت تجربتي الأهمية عندما كنت طالبة في المدرسة اكتشفت انني امتلك كم كبير في هذا المجال ومن تم تكون لدي حلم أن أصبح مذيعة في المستقبل وانطلقت بعد أن درست الإعلام واخترت تخصص الإذاعة والتلفزيون واتجهت نحو حلمي في هذا المجال ومن حسن حظي أنني خلال بحثي عن الإعلام وفي عامي الثاني في الكلية بدأت في الكتابة القصصية والمقالة وصادف أن وجدت اعلان عمل في الإذاعة فتقدمت لها وتوفقت ومن هنا كانت البداية الحقيقية لي في مجال الإعلام “.
البرامج المجتمعية والنسوية
تواصل فرح قائلة:”في مجال العمل الإذاعي ركزت على البرامج المجتمعية التي تلامس الناس خصوصا قضايا السلام والطفل وحقوق المرأة والبيئة بدرجة رئيسية لأنني كنت أشعر كوني امرأة علي أن أتحدث عن قضايا النساء “.
تجربة فنية
تتحدث فرح قائد عن تجربتها الفنية أن علاقتها بالفن منذ الصغر نمى في داخلها حبه فكانت تستمع إلى الأغاني والموسيقى وكان حلمها أن تغني على مسرح …
وواصلت حديثها قائلة :”تحقق هذا الحلم عندما انضممت إلى الفرقة الموسيقية النسائية وكنت عازفة العود كانت تجربتي بسيطة لكنها تركت في نفسي أثرا كبيرا “.
واوضحت في حديثها قائلة:” مجال الفن دخلته من خلال الرغبة والميول فقد بحث عن الفرص التي ترفع من مستواي الفني ومن خلال عملي في الإذاعة كنت اركز على الجوانب الفنية حيث صادف أنني التقيت بأشخاص في هذا الجانب وكانوا بوابة لدخولي إلى المجال الفني لأصبح بعد ذلك الفنانة فرح “.
صعوبات فنية وإعلامية
فرح التي ما تزال مستمرة في الوصول إلى طموحاتها الفنية والإعلامية تقول :”كثيرة هي الصعوبات التي وقفت أمام حلمي ففي المجال الفني واجهت التنمر بشكل كبير ولا أحد من يشجعني على الاستمرار في الفن إلى جانب الأوضاع السياسية هناك أعمال بالجانب الفني وكثير من الشباب يعيشون مع أحلامهم في قوقعة دون الانطلاق وانا كنت واحدة من هؤلاء الشباب صحيح حلمي توقف بسبب لقمة العيش والبحث عن فرصة عمل بشكل أكبر وتركت الجانب الفني على أمل أنه في يوم من الايام ساعود إليه لاني حاليا اركز بالجانب المهني في وظيفتي كإعلامية بشكل أكبر “.
وتواصل فرح حديثها بأسى :”نظرة المجتمع للفن رغم أنني لا التفت إلى هذا الجانب ولكن يعتبر من ضمن الصعوبات التي واجهتها حيث أن العائد المادي لا يكف للفنان”.
وعن الصعوبات بالعمل الإعلامي تقول فرح :” لايختلف عن الجانب الفني من حيث الصعوبات ولكن هناك اختلاف فالفرص قليلة والتنافس كبير صحيح أنني محظوظة في حصولي على فرصة العمل في مجال الإعلام ولكن غيري يتعب كثيرا ليجد فرصة للعمل “.
فرقة نسائية
وعن فرقتهن الوسيقية النسائية تتحدث فرح عن تجربتها فيها قائلة :”بدأت فرقتنا الموسيقية كنوع من المفاجآت المجتمعية هناك من فرح بها عند تأسيسها وهناك من هاجم جهودها وشعر بالصدمة أن نساء يحملن الات موسيقية شنت حملات ضدنا آنذاك بشكل مستميت لإيقاف الفرقة ولكننا استمرينا رغم هذا غير. ان العائق الوحيد الذي جعلنا نتوقف هو العائد المادي “.
جريمة الإلكترونية
تقول فرح عن إحدى تجاربها التي مرت بها أنها تعرضت للجريمة الإلكترونية عندما تم انتحال شخصيتها في مرحلة ما ولكنها تجاوزتها نفسيا والان وحسب قولها فإنها تنظر لها على أنها كانت إحدى الصعوبات التي عاشتها وأصبحت ضمن التحديات التي تجاوزتها بسلام ..
حلم
وتواصل حديثها قائلة:”لدي حلم أسعى إلى تحقيقه وهو أن أصبح ملهمة في المجالين الفني والإعلامي وما زلت في البيت اتدرب على العزف ولكن على الجيتار فلقد استبدلت العود به لأسباب خارجة عن إرادتي”.
ليس الحوار كمتن نوعيّ لسؤالات وإجابات هو ما يلفتُ في حوار د.محمّد طروس للرّوائي والإعلامي اللّامع ياسين عدنان. هو ليس السّبب الّذي يجعلنا أيضا نهتمّ بنشرهِ، بل الأجواء، خاطفة المخيّلة الّتي تتّسعُ كلّما غُصتَ في عوالم الشّاشة الصّغيرة الّتي نُعرّفها على أنّها مرناة وحسب، شاشة تصلُحُ لكلّ فُرجَةُ من كلِّ نوع. هنا يُسلّطُ الضَوء على الأشياء الصّغيرة بتفاصيلها، الأشياء الّتي تؤثِّثُ لثقافة الفُرجَة، ولغة التّواصل الشَّغِف بالفنّ وأهل الفنّ، الفنّ النّوعي الّذي يشملُ الأدب، المسرح، والفكرعموما عبر برنامج “بيت ياسين” الّذي أسّسَ لزوايا دفئهِ عدنان نفسُهُ بكلّ ما اكتسبهُ من لباقةٍ وفكر في بناء مسرح نوعيّ لثقافة متفرّدة تسطو على المُشاهد بجاذبيّة نادرة. نحنُ إذن إِزاءَ ظاهرة وليس أيّ طقس عابر لمواسم الفُرجًة، وتحليقٍ شاهق المسافة بينَ الرّؤية والرّؤيا بينهما الشّغفُ، فَراشٌ يثرثرُ ويتلوّن..
(رجاء بكريّة)
حوار: محمّد طروس، (المغرب)
- يا سين عدنان، أنت تشتغل في التلفزيون منذ زمن، وتقدم البرامج الثقافية بوتيرة أسبوعية منذ 2006. حدثني عن دهشة البداية، ثم حدثني أيضا عن المسافة التي قطعتها لتتحول من منشط إلى نجم؟
أولا لنتفق على ألا نجومية هناك. في البرنامج الثقافي، النجم الحقيقي هو السؤال. السؤال والفكرة وأسلوب بناء الحلقة هم نجوم البرنامج. أمَّا الصحافي المذيع والمنشط فليس أكثر من وسيط. نجاحُه يُقاس في نظري بمدى توفُّقه في طرح الأسئلة الحقيقية وصياغتها بلغة صافية تجعل السؤال يصل واضحًا للضيف والمتفرج على حد سواء، وتجعل القلق الفكري الكامن وراء السؤال يتسرَّب إلى عقل المشاهد ووجدانه. هذا من حيث المبدأ. أما بالنسبة لدهشة البداية، فمرة أخرى، لا دهشة هناك. فأنا ابن الساحة الثقافية والأدبية، وكان لي على الدوام ذلك الشعور بالمرارة الذي يحسُّه غيري من الأدباء والكتّاب تجاه التلفزيون الذي لم ينفتح بما يكفي على الأفق الثقافي. بل وتكرَّس هناك وَهْم لدى البعض بأن طبيعة التلفزيون الترفيهية تجعله بالضرورة بعيدا عن الأفق الذي تنشده الثقافة. وكنت على الدوام متحفظا على هذا التصور ببساطة لأنني أعتقد أن للتلفزيون، خاصة حينما يكون عموميا ووطنيا، دورا تربويا تثقيفيا لا يجب التخلي عنه. لذا حينما وجدت نفسي مع بداية 2006 أمام مسؤولية إعداد وتقديم برنامج “مشارف” على القناة المغربية “الأولى” بوتيرة أسبوعية، وجدت الفرصة مواتية للمساهمة في تجسير ما كنت أتصوره هوة قائمة بين الثقافة والتلفزيون. وهكذا حرصت على امتداد 12 سنة عبر “مشارف” على إتاحة الفرصة لجمهور المتعلمين الواسع بمن فيهم أولئك الذين استقالوا من القراءة وتوقفوا عن اقتناء الكتاب لجعلهم قريبين مع ذلك من الجديد الثقافي والأدبي وجعلهم يتقاسمون مع المثقفين والأدباء المغاربة أسئلتهم وقلقهم الثقافي. كان سؤالي المركزي هو: كيف نحوِّل السؤال الثقافي إلى شأن عام لا يخص النخبة المثقفة وحدها، بل يمكن أن يشاركهم فيه عموم المواطنين – المشاهدين؟ هذا هو السؤال الذي اتخذته رهانًا لي واشتغلت لسنوات في أفقه.
- ومع ذلك، اسمح لي بأن أراجعك. فحينما أتحدث عن النجم وعن النجومية فأنا أتحدث هنا لغة التلفزيون، وأفكر بمنطق التلفزيون. التلفزيون صناعة، وهو صانع للنجوم. لهذا أكرر: كيف تحولت أثناء ممارستك للعمل التلفزيوني من منشط إلى نجم له حضور وقادر على ممارسة نوع من التأثير على جمهورك، ما أمّن لبرنامجك الأول “مشارف” الاستمرار لأكثر من عقد من الزمن قبل أن يقودك إلى تجربة أرحب في “بيت ياسين”؟
هناك أكيد أمور لها علاقة بالقبول. لحسن الحظ أن الكاميرا قابلتني بحدبٍ منذ البداية، ولم تصددني. ربما تلقائية الحوار، وأنا حريص على ألا يُفقدني الإعداد تلقائيتي وتلقائية الحوار الذي أديره. فرغم أن برنامجي ليس مباشرا إلا أنني كنت على الدوام حريصا على الاشتغال في ظروف المباشر. هكذا أضمن للحلقة تلقائيتها وطراوتها. حتى الارتباكات الصغيرة، التلعثم، أحرص عليه وأغتني به وأحوِّله إلى عنصر مُعزِّز لمصداقية الحوار. ثم هناك الإعداد الجيد الذي أشرت إليه قبل قليل. لا يمكنني أن أناقش كاتبا في كتاب لم أقرأه شخصيا. وهذا يمنحني فرصة توليد الأسئلة. والأسئلة المُولّدة التي تنبعُ من صلب الحوار أو التي تُستلُّ طرية من جواب الضيف، انطلاقا من معرفتك المسبقة به واطلاعك القبلي على إنتاجه واستيعابك لفكره ولمضامين كتابه أو كتبه، هي التي تعطي للحوار حيويته وتُخلف أثرا طيبا في نفسية المتلقي. هل يمكن اعتبار هذه العناصر مؤثرة فيما أسميتَه “صناعة النجم”؟ لست متأكدًا. إنما دعني أُضف أيضا أن هذه الصناعة تتمُّ في الغالب خارج الورشة الإعلامية حيث تُنتج المادة التلفزيونية، بل في منطقة أخرى هي منطقة التسويق والترويج والماركوتينغ. أنت فقط توفر لهم بعض الأسباب والضَّمانات. وهنا أعطي مثالا بالبرنامج الجديد “بيت ياسين”، لنتوقف عند عنوانه. فحينما اقترح عليّ المنتج الفني للبرنامج الأستاذ مشهور أبو الفتوح “بيت ياسين” عنوانًا، تهيبتُ في البداية ولم أتحمس. بل بدأت أحشدُ له ولإدارة القناة البدائل وأقترح عليهم العنوان تلو العنوان. لكن المنتج كان على العكس مني متحمسًا لهذا العنوان بالذات. كانت قناة الغد قد تعاقدت مع منشط تلفزيوني له تجربة لا بأس بها في الميدان، وهي تريد استثمار هذه التجربة بدءا بالاسم الشخصي وانطلاقا منه. إصرار المنتج الفني على هذا العنوان بالذات يعود ربما إلى كونه ابن منطق التلفزيون فيما أنا رغم كل هذه السنوات من العمل التلفزيوني أحرص على أن تظل قدماي على الدوام فوق أرض الثقافة لا تبرحُها.
- ومع ذلك، فقد برحتَ أرض الثقافة، وإلا ما كنت لتنجح في التلفزيون. لأن النجاح في العمل التلفزيوني وهو ما يوصل بالضرورة إلى “النجومية” يقوم ليس فقط على الصناعة كما ذكرت. لكن يجب أن تكون للمنشط استعدادات. طبعًا شخصية المنشط حاسمة. لكن هناك تفاصيل أخرى مثل كيف يتحكم هذا الأخير في أدائه الجسدي، الهندمة، والإيتوس بشكل عام. المؤكد أنك بذلت مجهودًا في هذا الصدد؟
هذا طبيعي. لكن المؤكد أيضا هو أنني كنت في حالة تفاوض وتجاذب دائمة ما بين المرجعيتين والخلفيتين. حينما انطلق برنامج مشارف في 2006 عشت منذ البداية قلق الهندام. لا تنس أنني كنت قادمًا من تجربة شعرية متمردة اسمها “الغارة الشعرية” التي أطلقناها في مراكش مع بداية التسعينيات من القرن الماضي. لذلك لم أكن أتخيل نفسي أطل على الناس وأنا أرتدي بذلة وربطة عنق. ما زلت أذكر مقالة مضيئة للشاعر الصديق قاسم حداد نشرها تحت عنوان “الذهاب إلى الشعر بعنق حرة”. وحكى عن أول ملتقى شعري عربي يشارك فيه خارج البحرين سنة 1970، وكيف جاء إلى بيروت بربطة عنق لم يعرف كيف يرتديها، وفيما هو يبحث عمن يعينه على ذلك، نصحه شاعر سوداني بأن يترك ربطة عنقه جانبًا. فالأفضل أن يذهب المرء إلى الشعر بعنق حرة. كذلك، وجدت نفسي محرجًا وأنا ألج استوديوهات القناة الأولى الرسمية. ارتديت ربطة العنق خلال أول أيام التصوير فقط، ثم نبذتُها تمامًا. وفضّلت بدوري الذهاب إلى السؤال الثقافي بعنق حرة. هكذا بقيت وفيا لأسلوبي البسيط في اللباس: قميص فوقه سترة (جاكيت)، وسروال جينز في الغالب. أحيانًا أرتدي بذلة، لكن دائما بلا ربطة عنق. خلال 12 سنة كنت أسجل حلقات “مشارف” بملابسي الخاصة. لم يحدث أن اقترحوا عليّ في القناة جهة تتكلف بأمر الملابس كما حصل مع برامج أخرى. وهذا بقدر ما كلفني أن أجدد دولاب ملابسي باستمرار، بقدر ما حرَّرني وجعلني أحافظ على أسلوبي لا أغيره. أما الحركة، خصوصا حركة اليدين، فكان تدبير أمرها صعبا عليَّ في البداية. فأنا من النوع الذي ينخرط في النقاش بكل جوارحه، وهذا يجعلني أستعمل يدي وجسدي بكثافة خلال النقاش. عادة اكتسبناها من حلقات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أيام النضال الطلابي بالجامعة، ومن نقاشاتنا الثقافية المطوّلة في دور الشباب. هذا الأمر أتعبني جدا في البداية. كيف تُحيّد جسدك ويديك أثناء الحوار؟ تمرين قاس أخضعت نفسي له في السنوات الأولى كمن يُخضع نفسه لحِمْيةٍ مضطرا. ولعلي توفقت نسبيا في لجم يديَّ والحدّ من انفلات حركتي أمام الكاميرا.
- ونحن نتحدث عن استعدادات المنشط وشخصيته، يجب ألا ننسى لغة هذا الأخير ودورها في تجسير الهوة مع المشاهد خصوصا إذا كان يحمل رهان تحويل السؤال الثقافي إلى شأن عام لا يخص النخبة المثقفة وحدها. كيف أمكنك تحقيق مثل هذا الرهان في وقت نعرف فيه أن لغة الثقافة ليست دائما في متناول المشاهد العادي؟
“..لا أُخفيكَ أنَّ سؤالَ اللُّغةِ ظلَّ دائماً يُؤرّقُني: كيفَ أفتحُ نقاشاً ثقافِيّاً وفكريّاً وأدبيًّا بِلغةٍ سهلةِ المأخذِ مُتاحةٍ لعمومِ المُشاهدين. لغَةٌ سلسةٌ دونما إسفاف، فصيحةٌ بلا تفاصُحٍ، رصينةٌ من غير تَقْعير، مبذولةٌ دونما ابتذال؟”
كنتُ على الدوام مشغولا بهاجس اللغة. أردتها منذ البداية لغةً حيّةً تتيح الحوار السلس مع الجميع. رغم تخصّصي الجامعي في الأدب الإنجليزي فأنا مرتبطٌ بالعربية وآدابها قارئا وكاتبا منذ اليفاع. إنما في البرنامج كان عليَّ أن أقدِّم مُقترحي الخاص: بلورة لغة إعلامية رشيقة لا تتنازل عن فصاحتها ولا تتعالى مُتفاصحةً على المشاهدين.
لذا كنت على الدوام أدافع عن العربية بأسلوبي، دون مزايدة ولا ادّعاء. لست أصوليًّا لغويًّا، وأنبذ الانغلاق. أؤمن أنّ اللغات حيّة، وأعتبر التفاعل بينها أمرا طبيعيا بل ومطلوبا. فهناك أكثر من 1600 مفردة فارسية دخلت إلى قاموس اللغة العربية، بل حتى القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين يتضمن أكثر من أربعين كلمة فارسية. مما يعني أن الصفاء اللغوي الخالصَ محضُ وهمٍ ومجرّدُ أسطورة. لذا لا أعرف شخصيا كيف أغلق على “عربيتي الفصحى” النوافذ، ولا أريد حمايتها من لغتي المغربية الدارجة، حيث التلاقي أهلٌ والتساكن سهلٌ بين الأمازيغية والضّاد ولغات الجوار.
لكن لنتفق مع ذلك على أن المعركة الحقيقية التي تبقى أشقَّ وأكثر تعقيدًا هي كيف نؤمِّن للمثقفين – من حملة الأقلام ومنتجي الأفكار وصُنّاع الوجدان – حقّهم المشروع في التواصل مع قرّائهم، الذين لا يقرؤون، عبر الوسيط المتاح والأكثر ديمقراطية: التلفزيون؟ كيف تساهم برامجنا في بلورة لغةٍ قادرةٍ على النفاذ إلى قلوب الناس وعقولهم؟ لغة تختلف عن لغة الكتب والأطاريح الجامعية. لغة رشيقة لا تتعالى على المشاهدين. خصوصا وأنني مقتنع تماما بأنه عبر التلفزيون لا الكتب والندوات يمكننا أن نحوِّل الشأن الثقافي اليوم إلى شأن عام، وعبر التلفزيون والإذاعة قبل الصحف والمجلات يمكن للمثقف أن يساهم في خلق نقاش عمومي حقيقي في المجتمع. لكن، لتحقيق هذا الهدف، يجب أولًا تحرير الخطاب من الأجهزة المفاهيمية ولغة التخصص والمرجعيات والإحالات والأسماء الطنانة التي يتغيّى منها البعض إبهار المشاهدين فيما هم في الواقع يعرقلون التواصل معهم ويدفعونهم دفعا إلى تغيير القناة. نوقف التسجيل أحيانًا حينما نحس بأننا ابتعدنا عن الفكرة وبدأنا نؤثث لحظة النقاش بالمفاهيم والإحالات وأسماء المفكرين. الجمهور العام يريد أفكارًا واضحة. هو مستعد لأن يبذل مجهودًا، لكن لا يجب أن نطرده خارج مدار النقاش بالإغراق في اللغة الأكاديمية أو بالانغلاق داخل لغة بالغة الجزالة. من المهم أن نترك النوافذ مفتوحة على عربيتنا لكي يجدها الجمهور قريبة في المتناول. إن اللغة الوسطى التي بلورتها نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية هي مكسبٌ علينا المحافظة عليه. هذه اللغة العصرية البسيطة الرشيقة المُيسَّرة التي بلورها الإعلام تبقى لغة أصيلة خرجت من رحم العربية الفصحى لكنها تطوّرت عبر الاحتكاك بالسجلات الشفهية واللغات الأجنبية المتداولة في بلداننا. وطبعًا، لا ضرر في أن يسترسل الكلام الفصيح ما لم يكن الاسترسال مفتعلا، ولا بأس من الاستطراد بلسان عامّي، فقد يُسعِف القول الدّارج بما لا تستطيعه المعاجم والقواميس. لكن، لنتفق على أن الدّارجة والفصحى والعربية الوسطى التي بينهما تبقى تنويعات داخل مكوّن واحد، ذاك أن لغة الشعب تبقى امتدادا للفصحى، فلا قطيعة هناك. وكل تجريم لمثل هذا التفاعل يبقى مصادرةً على المطلوب ومعاندةً للطبيعة: طبيعة اللغة ذاتها.
- طبعا، هناك وعي نظري واضح بالمسألة اللغوية، وفعلا قوة برامجك تتجلى أيضا في تلك اللغة الأنيقة غير المتعالية كما وصفتها. لكن اللغة بالنهاية معطى ثقافي. والتلفزيون في رأي البعض وسيلة ترفيه لا أداة تثقيف. كيف دبّرت هذا التباعد بين الثقافة والتلفزيون أنت المنشغل بالثقافة المشتغل في التلفزيون؟
صحيح أن العلاقة بين الثقافة والتلفزيون ملتبسة، وتجسير الهوة بينهما ليس مسألة سهلة بسيطة. لكن مع ذلك يجب الانطلاق من مفارقة أكثر غرابة في مجتمعنا العربي. وهي أنه بقدر ما تُسرف شعوبنا في استهلاك الصور وبشراهة، تتعامل النخبة المثقفة لدينا مع الصورة ووسائطها بالكثير من الحيطة والحذر، وأحيانا بتجاهل. وإذا كان البعض يتفادى التلفزيون، خصوصا القنوات الوطنية، بسبب شُبهة تماهيها مع الخطابات الرسمية، فإن من مثقفينا العرب من يرى أن التواصل عبر التلفزيون من حيث المبدأ يشكل إساءة إلى نُبل الكلمة ونيلا من شرف الثقافة. هكذا تحافظ هذه الفئة من المثقفين على نقائها باتقاء الظهور على الشاشة دون أن تطرح للتفكير إمكانية المراهنة على هذا الوسيط الحيوي في معركتها الأساسية، معركة دعم دينامية التثقيف والتحديث داخل المجتمعات العربية.
لقد انتقلت شعوبنا العربية مع الأسف من الشفاهية إلى استهلاك الصورة قبل أن تكتسب عادة استهلاك الصحيفة والمجلة والكتاب. لأجل ذلك سرعان ما اكتسح التلفزيون المشهد ليصير المرجع الأول لدينا، بل والوحيد بالنسبة للفئات الأمية من مجتمعنا العربي. وحينما يغيب المثقف عن هذا المعترك، فإن الجوّ سيخلو طبعا لغيره، وكلنا يعرف من يصول ويجول على شاشاتنا العربية اليوم ومَن اكتسح المشهد.
وإذا كانت فئة من المثقفين تتحاشى الظهور التلفزيوني، فإن المثقف الذي اقتنع بأهمية هذا الوسيط وأولوية التواصل مع الناس عبره لا يجد الطريق معبّدة نحو عقول المشاهدين. فزمن الثقافة في التلفزيون محدود أصلا، ومقصي إلى فترة الجزء الثاني من السهرة وأحيانا إلى منتصف الليل بعيدًا عن فترات الذروة التي ينذرها التلفزيون لفئات أخرى محظية عادة ما تستفيد من الزمن التلفزيوني بحاتمية لافتة: ممثلين وفكاهيين حتى ولو كانوا مبتدئين، مطربين ومطربات حتى ولو كانوا من الدرجة الثانية، سياسيين وحزبيين حتى ولو كانوا مجرد تجار انتخابات. لكن منطق التلفزيونات العربية قدَّر أن هؤلاء أقرب إلى الوجدان العربي وأقدر على مخاطبته من نخبة ثقافية وأدبية وفكرية “متحذلقة” تدّعي أنها هي من يصنع الوجدان. هكذا يخصِّص التلفزيون العربي لمحظيِّيه مساحة البث الكافية ليتواصلوا مع مشاهديهم الأعزاء في أوقات الذروة، وهو أمر بقدر ما يحبط الأدباء والمفكرين والفاعلين الثقافيين في بلادنا العربية يعكس توجيهًا للمشاهدة وتبخيسا لصُنّاع الوجدان من أدباء ومبدعين ومثقفين.
وعموما التلفزيون اليوم سلطة حقيقية وسط مجتمعات يجب أن نعترف بأن حسّها النقدي ضعيف. لذا فالنماذج التي تسوَّق في فترات الذروة هي بالتأكيد، في تقدير العموم، أهمّ من تلك التي لا تظهر إلا في منتصف الليل. بغضِّ النظر عن الفكرة والخطاب والرؤية، فزمن البث ومساحته سلطتان حاسمتان تُرجِّحان الكفة لصالح فئات ضد أخرى.
- لكن، برأيك، من سمح للتلفزيون بأن يُعلي من قيمة المشتغلين بالتمثيل مثلًا ويقلل من شأن المثقفين عبر اختيارات البرمجة والبث؟
طبعا للتلفزيون حساباتُه المشروعة، فالمنافسة على أشدِّها بين القنوات، والمُشاهد ملول متبرِّم وشدُّ انتباهه وضمان ولائه يحتاج إلى مجهود جبار. لأجل ذلك تبذل إدارات التلفزيونات العربية قصارى جهدها لكي تظل دائما عند حسن ظن “مشاهديها الأوفياء”. ولأن الوفاء اليوم صار قابلا للقياس، فللمتابعة نِسَبٌ معلومة والمُعلِنون يتعاملون مع المحطات التلفزيونية بناء على هذه النسب لتتطور الأمور باتجاه مقاربة تشاركية صار معها المعلنون ينتجون برامجهم أحيانا أو يفرضون نجومهم خصوصا في الدراما والكوميديا الرمضانية، وكل ذلك في سياق عربي نعرف أعطابه السياسية والاقتصادية وتردِّي وضعه التربوي والاختلالات التي طالت منظومة القيم لديه.
إن التلفزيونات التي نحكي عنها عمومية في الغالب ويسري عليها ما يسري على المرفق العمومي، لذا فهي مطالبة بما نطالب به باقي المرافق العمومية من خدمات يجب تقديمها للمواطنين لتبرير وجودها وتسويغ ما تحصل عليه من دعم مالي حكومي مموَّل من جيوب دافعي الضرائب. لذلك نتجرّأ على طرح السؤال التالي: ماذا عن دور الوسيط التلفزيوني في بلدان تحتاج إلى تأهيل حضاري وتنمية بشرية كبلداننا؟ أوليس مطالبا بالاضطلاع بمهام الإعلام والتربية والتثقيف، إلى جانب الترفيه طبعا؟ السؤال مزعج والتحدي صعب، لذلك فضلَتْ أغلب القنوات العربية التعامل معه بمنطق “كم من حاجة قضيناها بتركها”. هكذا تحوَّلت الشعوب والمجتمعات إلى “مشاهدين أعزاء” الكل يخطب ودهم بالحق والباطل، وتكرست هيمنة شركات الإعلان وشركات الإنتاج المرتبطة بها مُوَطِّدة حضورها في كواليس المحطات العربية لتفتح إنتاجنا التلفزيوني على أفق تجاري محض. فتغيرت المعايير لتُتوَّج نسبة المشاهدة قيمة القيم، بل هي التي تحدِّد قيمة المنتوج التلفزيوني، ليصير المضمون الجاد والعمق الفكري والوظيفة التربوية مجرد كلام فارغ لا يصمد أمام ديكتاتورية نسبة المشاهدة وحمِيَ وطيس المنافسة بين القنوات وها نحن نلهث جميعا باتجاه المجهول.
وحتى الآن ما زلنا لم ننتبه إلى أن هذه المنافسة تتمُّ أصلًا في المعترك الخطأ. فالتنافس على الرفع من نسب المشاهدة بجميع الوسائل والمواد حتى لو كانت خردة مسلسلات مكسيكية رخيصة أو مجموعة من السيتكومات الملفّقة، والفوز بأكبر نصيب ممكن من كعكة الإعلانات حتى ولو جاء ذلك على حساب هوية القناة والتزاماتها إزاء المجتمع، مثل هذه المنافسة لا نجد فيها رابحًا. لأننا ببساطة قد نكسب المزيد من المشاهدين وبالتالي المزيد من الإعلانات لكننا نخسر الإنسان. وأعتقد أن قنواتنا الوطنية والعربية، خصوصا تلك المُلزَمة بواجب الخدمة العمومية أو المشغولة بهواجس التحديث والتنوير، معنية بمصاحبة المشروع المجتمعي الشامل في مجال التنمية البشرية. إذ لا يمكن للدولة أن تفتح أوراشا اقتصادية وتنموية، خصوصا على مستوى التنمية البشرية، دون أن يساهم الإعلام – والتلفزيون بالخصوص – في مصاحبة هذه الأوراش بمجهود محسوس في مجال تأهيل الإنسان على المستوى الثقافي والتربوي والقيمي. وهنا لا أتصوّر أن بإمكان المسلسلات المكسيكية أن تفي بالغرض مهما علت نسب مشاهدتها. لا بد من إنتاج أصيل أوّلًا، ولا بد من مواد وفقرات أكثر جدية ومسؤولية: دراما وطنية عميقة وذكية تنصت لتحولات المجتمع وتفتح مشاهديها على خيارات هادفة وتُروِّج من خلال أبطالها لقيم إيجابية سواء انتمت إلى المنظومة القيمية الأصيلة كقيم التكافل والتآزر والقناعة، أو إلى المنظومة الحديثة بكل ما تكثفه من قيم المواطنة والحرية والاختلاف واحترام الآخر. برامج إخبارية تقارب مادتَها بموضوعية ومهنية وبروح تحليلية نزيهة. وبرامج ثقافية تصدُر عن اقتناع بأولوية الثقافة في معركة التنمية البشرية وبناء المواطنة الفاعلة وتأخذ بعين الاعتبار أهمية وحساسية دور الوسيط التلفزيوني في تثقيف المجتمع خصوصا مع اكتفاء الغالبية العظمى من مواطنينا بالتلفزيون كوسيط يقدّم الأخبار والمعرفة في ظل ما ذكرناه من تراجع للقراءة التي لا يتجاوز متوسطها لدى الفرد العربي ست دقائق سنويا مقابل 200 ساعة بالنسبة للفرد الأوروبي.
- لأجل ذلك يصير تعزيز البرمجة الثقافية في التلفزيون مطلبا حيويا؟
بالفعل. يجب تعزيز البرمجة الثقافية في كل التلفزيونات العربية الواعية بدورها الحضاري والتربوي. يجب أن تكسب الثقافة مساحات جديدة على الشاشة لأن التلفزيون كوسيط صار يلعب اليوم دورا محوريا في صناعة الرأي العام والوجدان الجمعي. وعلينا أن نختار، هل نريد شعوبا يقظة لها حد أدنى من المعرفة والوعي والقدرة على التمييز؟ أم نريد كائنات استهلاكية هشة لا مناعة لها ومستعدة لابتلاع أي خطاب مهما كان سطحيا وحتى لو كان خطيرا وتتلقى الفرجة السطحية والتفاهات برضى وتسليم؟ عمومًا حاجة التلفزيون إلى الثقافة وأهمية الوسيط التلفزيوني في الترويج للثقافة والخطاب الثقافي يفتحنا على نقاش طويل وجدّي نحن مهزومون فيه إذا ما واجهَنا خبراءُ نسب المتابعة بمنطقهم وحساباتهم وما يبرِّرون به اختياراتهم التجارية المحضة من إكراهات. لذلك نحتاج وباستعجال إلى قرارات سياسية شجاعة من طرف الحكومات إذا كانت لهذه الأخيرة مشاريع مجتمعية حقيقية وكانت تحتاج شعوبها فعلا في معارك المستقبل وفي تحديات بناء الإنسان.
لقد شاهدنا كيف لعبت بعض الفضائيات العربية لعبة الإعلام السياسي التحريضي ونجحت في ذلك سياسيا وتجاريا، وكيف ردت عليها فضائيات أخرى مهمة بالمسلسلات المكسيكية الماراطونية المُدَبلجة وهو ما وجدت فيه بعض الأنظمة السياسية والقنوات الرسمية التابعة لها فرصة لاسترداد المشاهدين خصوصا من النساء وفئة الشباب. لكن، أعتقد أن الوقت قد حان لكي يجرب التلفزيون العربي طريقا ثالثا لا تحريض فيه ولا استبلاد.
إن الثقافة هي عنوان هذا الطريق الثالث. لكنّ جزءا مهما من الإعلام المرئي العربي يعيش في انفصال تام عن أية خلفية ثقافية، وبدأ يبتعد بالتدريج عن مقاربة قضايا السياسة والمجتمع والفن انطلاقا من منظور ثقافي. رغم أن للثقافة دورا جوهريا في تأطير المجتمع وتخليق الحياة العامة وتحصين المجال السياسي من التطرف والمذهبية المنغلقة، وكذا في إضفاء المعنى والروح والدلالة على الإنتاج الفني بمختلف أصنافه. والإحساس بأن بإمكاننا اليوم أن نتطور ونتقدم ونساهم في تحديث الفن والمجتمع والعمران والسياسة بدون حاجة إلى الثقافة وبدون خلفية ثقافية تؤطر ذلك كله أمر يدعو فعلًا إلى القلق.
هناك هوة سحيقة اليوم بين النخبة الثقافية والمجتمع. والتلفزيون العمومي الذي يُفترض فيه أن يضع إمكاناته ومساحات بثه في خدمة المواطنين لا المعلنين مُطالبٌ بفسح المجال أمام المثقفين للمساهمة في تأطير المجتمع وتوعيته فكريا وتحصينه ثقافيا وتفتيح مداركه وتعزيز قدراته على النقد والحوار. هذه مسؤولية التلفزيون العمومي وواجبه كمرفق يقدم خدمة للمجتمع، ومسؤولية المحطات التلفزيونية الخاصة التي ما زالت تؤمن بأن للتلفزيون دورًا في التحديث وبناء الإنسان. فلماذا نجد كل صعوبات الكون في تنبيه التلفزيونات العربية إلى أدوارها البديهية، وفي إقناعها بأنها مطالبة باحتضان مثقفي الأمة وإعطائهم الفرصة ليطلوا عبر شاشتها ويُسمِعوا أصواتهم من خلالها؟
إن الإعلام بشكل عام، وليس التلفزيون فقط، يتحمل مسؤولية كبرى في لعب دور الوساطة ما بين الثقافة والأدب من جهة والمجتمع من جهة أخرى. لكن المشكلة هي أن الإنتاج الرمزي لا يحظى بالاعتبار اللازم في قنواتنا العربية لأن منطق الاستهلاك لا يعترف بما هو رمزي. والإنتاج الثقافي والإبداع الأدبي يدخلان في إطار الإنتاج الرمزي الذي يساهم في صناعة الوجدان العام ويرفع من تحضُّر المجتمعات. والأدب بالخصوص ما زال مظلومًا في مجتمعاتنا العربية. فلا أحد من خبراء نسب المشاهدة يبدو مستعدا لاستيعاب أولوية أن يساهم التلفزيون في دعم الأدب والإنتاج الأدبي وأن يعتبر ذلك جزءا من دوره في بناء مجتمعات متزنة، منفتحة، بل وحالمة أيضًا بالمعنى المنتج الخلاق لهذه الكلمة.
وإذا كان المثقفون العرب اليوم من مختلف الأقطار يطالبون بمضاعفة المادة الثقافية وتعزيزها بمساحات أوسع في خرائط البرمجة وأيضا بتوقيت أفضل يتيح لهم التواصل مع أكبر عدد من مواطنيهم، فإن الحاجة إلى الثقافة في التلفزيونات العربية تتعدّى هذه المطالب إلى تحديات أكثر جوهرية. فما نحتاجه اليوم باستعجال هو توسيع مجال الثقافة أوّلًا لتتجاوز حدود الأدب والإنتاج الفكري والفلسفي. نحتاج فعلا إلى إخراج البرامج الثقافية من شرنقة النظرة الأدبية الضيقة إلى الأفق الثقافي الواسع. فإضافة إلى الانشغال بالأسئلة الأدبية والإبداعية والفكرية، من المهم أن تتحوّل البرامج الثقافية إلى منابر يمارس من خلالها الفاعلون الثقافيون في البلاد العربية حوارهم مع المجتمع وقضاياه. فتبنّي المقاربة الثقافية لقضايا المجتمع يمكنه أن يحتل مكانة محورية في صلب السياسة التحريرية لبرامجنا. نحن في أمس الحاجة إلى صوت المثقف ليدلي بدلوه في الشأن السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي، وليقترح تحليله الخاص لمختلف الظواهر السياسية والاجتماعية. وهناك اليوم العديد من الموضوعات المطروحة للنقاش المجتمعي في العالم العربي نتصوّر أن المقاربة الثقافية قد تُنْصِفها أكثر مما تفعل لغة السياسة وذرائعية السياسيين. بل حتى ونحن نعيش الحراك، وكنا قبل سنوات في قلب حراك ديموقراطي قوي في إطار ما سمي بالربيع العربي، حينها اكتشفنا كم نحن في حاجة ماسَّة إلى صوت المثقف لصناعة رأيٍ عامٍ يعرف ما يريد أيضًا وليس فقط ما لا يريد. إن الديمقراطية أفكار ورؤى ونقاش، وهي تصدر عن الفكر وتأتي من الكتب مهما تغزَّلنا بحيوية الشارع. إن الديمقراطية حوار أفكار وصراع مشاريع مجتمعية وبناء مؤسسات، قبل أن يكون غضبا وشعارات. والتلفزيون الذكي هو الذي يستطيع في مثل هذه الظروف الخاصة وفي لحظات التحول الدقيقة إتاحة المجال أمام النقاش المعرفي بطريقة تخدم إعمال العقل وتعيد للتفكير النقدي موقعه داخل الفضاء التلفزيوني العمومي وداخل المجتمع، والمراهنة على الحوار لكي نذهب به أبعد من الشعار.
كيف صرت كاتبًا؟
سبقت القراءة كما هو حال الكتاب.
أغرمت بالروايات منذ سن العاشرة. كانت أمي وقتها أمينة مكتبة ، لكن الكتب أشعرتني بالملل حتى تلك اللحظة ؛ ومن باب الصدق فقد أحببت الكتب المصورة! ثم في يوم ما ، قرأت رواية أمتعتني: “مرتفعات وذرنغ” لإملي برونتي. … اقرأ في ركن بالمكتبة بدلًا من ذلك الحين ، أمضيت أغلب إجازات الصيفية. الأطفال في ذلك العمر ، معدل الرعب ، دفع نفسي إلى الركض. أتذكر قراءة “الحرب والسلم” و “آنا كارنينا” و “التربية العاطفية” و “مدام بوڤاري” واحدة تلو الأخرى … فوُلدت رغبة بالكتابة من حب القراءة. كانت عبارة عن مسابقة في القصة القصيرة مدرسة اللغة الفرنسية في الصف العاشر ، وكتبت قصة رومانسية مطعمة بعناصر خارقة الطبيعة كان تصنيفها في المنتصف ما بين [نصوص] ستيڤن كينغ و «الجواب» ، ففزت ….
هل تشعر بأنك كنت منذورًا للكتابة؟ هل القراءة بالنسبة لك؟
قالت أنا أشعر بالوقت الذي نكتب فيه. فالكتابة امتداد للقراءة ، الطريقة التي أفضلها للهروب الواقع والحياة اليومية ومصاعبها.
والحقيقة أن الإحباط الذي يدفعه إلى العالم الواقعي.
كيف تعثر على الحكايات لرواياتك؟ من أين ينبع إلهامك؟
يكتب ستيڤن كينغ بحكمة في كتابه “الكتابة: سيرة صنعة”: “يبدو أن القصة الجيدة تأتي حرفيًا من العدم ، مبحرة إليك مباشرة من السماء الخاوية”. وظيفة منظمة تصنيفها ومعرفة ما يمكن أن تكون رواية في تيار.
لدي عدة مصادر للإلهام: تجاربي الخاصة ، والأحداث الحالية ، والقصص والروايات بكلمة. كما أني أستمتع بالاستمتاع بالناس: في المطاعم والمقاهي والمترو والأسواق. أسميه “تذوق الآخرين” مثل فيلم [جان پيير] باكري. يساعد في مساعدتك على المساعدة في المواقف والحوار والمشاعر … وما يستحوذ شيء على انتباهي ، وفي مرحلة ما من الأفكار الأفكار فتتكون حبكة.
فكرة جيدة ، فكرة جيدة ، فكرة جيدة ؛ وشيئًا فشيئًا تجتمع الأفكار بين الأفكار فتكون أساسًا لقصة.
كيف تشيد قصصك؟ كيف تعمل؟
أبقي على مبدأ أساسي في البال: ألف كُتبًا ترغب في قراءتها. وليس هناك وصفة له! إذ تعمل وسُتعطب متع الكتابة. فبدلًا عن نظام محدد من القواعد ، أحاول حكي قصة “صادقة” تعبر عما أشعر به في ذلك الوقت.
إذا كنت ترغب في القيام برواية ، فعليًا ، فعليًا أن تقوم بإجراء عملية تمهيدية.
يمكن أن يكون تركيب هذا الشكل ، تشبه دقة الساعة ، مستهلكًا للوقت بشدة: العمل على سلاسة الفصول ، وسرد الأفكار ، وضمطفات الحبكة وتقسيم المشاهد كما لو أنه فيلم ….
في نفس الوقت ، أكِد في العمل على شخصيات رئيسية ، إذ معرفتهم أكثر فأكثر كي أتعرف عليهم فتحدث الكيمياء الغامضة إلى الشعور السليم مباشرة في نهاية عملية الكتابة.
هل تغيرت عاداتك في الكتابة بمرور السنين؟
آخذ فني بقوة شأني شأن الحِرفي.
لدى قصصي شبكات أكثف ولدى شخصياتي عمق أكبر. بيد أن متعلقًا أكثر بالتأكد من كون قرائي مستعين برواياتي ويرونها.
أهم الأسباب هي جعل القصة باعثة على الإدمان. أستعمل تقنية حديثة تسحب قارئي إلى عالمي كي أدخل في الحكاية بسرعة كبيرة. أتأكد من التأكد من أن تشتري وضمنتها والانقلابات والمفاجآت.
الجديد علي هو العفوية والثقة بالحدس. و يدفعهم أحيانًا إلى يدفعهم إلى الأمر! أمتع اللحظات هي المفاجآت. فحين تحاول الشخصيات الهروب من سلطتي وتولي زمام الأمور ، تحدث أشياء لم أتوقعها من قبل.
ما هي عادات الكتابة لديك؟ أين تعمل؟ هل تستمع للموسيقى؟ هل تكتب على الورق أم الحاسوب؟
يشبه يوم عملي يوم العامل الحرفي. أحاول الكتابة كل يوم والانضباط في ذلك دون أن أعلق بطقوس مفرطة الصرامة.
أحاول العمل في كل مكان: والمقاهي والقطارات والطائرات. أرأيت ، أرأيت ، أرأيت ، أرأيت ، أرأيت! أكتب فصلًا تلو الآخر (برجاء طباعة على حاسوب بنظام “ماك” وببرنامج معالجة كلمات مضبوط بدقة) ثم أخوض عملية تصحيح طويلة على الورق وبعدها على الحاسوب ، وهكذا ذهابًا وإيابًا وبقدر الضرورة فقط.

من تفضل في الأدب؟
تعجبني الكُتب أكثر من [المسيرة الأدبية] للمؤلفين ، فمن بين الكُتب الكلاسيكية: “عاشقها” لألبرت كوهين ، “كائن لا تحتمل خفته” لميلان كونديرا ، “الفارس على السطح” لجان جونو. أما في الشعر ، فـ [لويس] أراغون و [غيوم] أبولينيير.
بين الكتاب الحديثين: “الوصمة البشرية” لفيليپ روث ، “حقيبة عظام” لستيڤن كينغ ، الذي تعجبني قدرته على بث المفجع في العادي ، “القارئ” لبرنارد شلينك ، “نهر الغموض” لدينيس ليهاين ، “لحظة البصمة” لإياين إير ، “الكفارة” لإيان مكيوان ، “الفتاة المختفية” لجيليان فلين.
وحين يتعلق الأمر بالأمر بالكتاب الفرنسيين ، فأنا معجب بالإثارة المحبة في رسالة يكتبها كريستوف غرانج وبعالمية شخصيات تونينو بيناكويستا.
تحضر المشاعر بقوة في قصصك. ما تعريف الحب لديك؟
الحب مرتكز كل كتبي ، وأصدقك ، أكمل كتابة رواية بلا قصة فيها. فالحب أحد الأسئلة الصغيرة السريعة ، أليس كذلك؟ وشرح أن يقول: “الحب سبب معاناتنا دومًا”.
لماذا تجري أغلب قصصك في الولايات المتحدة؟
ليس لدي هوس تجاه الولايات المتحدة ، فأنا أعيش في فرنسا وأحب بلدي ، لكن الصحيح أن قيمتي تجري في نيويورك.
مكان الرواية ؛ لأنه يعتقد أن الفكر المصنوع من خلال تكوين الديكور ، وني مكان نُحِس أن يحدث أن يحدث: قصص الحب وأكثر المآسي فظاعة.
أشعر بالحاجة إلى عدة سنوات من العمر. غادرت دون خطة واضحة ، وفي يوم ما عثرت على وظيفة بائع آيسكريم ، وعملت لمدة 70 و 80 ساعة في الأسبوع! وقد عشقت مانهاتن رغمًا عن ظروف ظروف الشاق ، وكلما عدت إلى الماضي عاودني نفس الانبهار بسيرته الأولى.

ترجمة: راضي التماصي/عن تكوين
زهرة رحمة الله محمد،، كاتبة من الزمن الجميل تميزت في فضاء السرد، تعد أعمالها تجربة إبداعية يشار لها بالبنان، من انتاجها الأدبي مجموعات قصصية وهي : بداية أخرى .. لا للرجال .. وهمس القناديل.
السيدة زهرة رحمة الله تعمل صحفية محررة للأخبار فهي حاصلة على دبلوم عالي صحافة، عملت في صحيفة أكتوبر كصحفية محررة، ثم انتقلت إلى وكالة أنباء عدن/سبأ/.
ألتقيتها عبر منصة الواتس وأجريت معها هذا اللقاء.. خاص المختبر الثقافي - صوفيا الهدار
هناك عوامل تصنع الكاتب وتشكله، حدثينا عن بدايات زهرة رحمةالله؟
_ كان أبي يحب القراءة، وكان يقرأ كثيرا، وقبل النوم كان يجمعنا ويحكي لنا عن الصحابة والفتوحات الإسلامية. كان يشتري لي قصص الأطفال. في صغري، كان لدي مجموعة من قصص الأطفال، وحين تعطي الطفل كتابا، فإنك تعطيه بطاقة دعوة ليحزم حقائبه لعالم المجرات على صهوة الخيال.
هذا الشيء يفتقده اليوم أطفالنا الذين يقضون أيامهم في معارك دون كيشوتية على الآيباد، وعوالم افتراضية وأفكار مستوردة، وفي المستقبل يصبحون أشخاصا غير واثقين من أنفسهم، ذوي هشاشة نفسية، تهزمهم المواقف وسريعي الانكسار.
وحين كبرنا، كان المجتمع مستقرا والدولة كانت تشجع العلم والثقافة، وكانت هناك أعداد كبيرة من حملة الشهادات، وكان الكتاب متوفرا ومدعوما، ومن مختلف منابع الأدب العالمي، كالأدب الروسي والإنجليزي والفرنسي والألماني والأدب العربي. وكانت هناك فعاليات، كالندوات والمؤتمرات واللقاءات، وكان الشعراء العرب والأدباء والمناضلون يتوافدون إلى هنا، كانت حركة أدبية غير عادية.
كانت عدن منارة للأدب. كان هذا هو الجو السائد آنذاك، لم يكن هناك ترف، بل حياة كريمة مستورة يحياها الإنسان العادي، ،كل متطلبات الحياة الأساسية متوفرة.
زهرة رحمةالله اسم تألق في سماء الأدب اليمني، كيف استطاعت فرض حضورها الأدبي في زحمة الأسماء الذكورية؟
– لقد بدأت في الصحافة، وحولي كان معظم الأدباء، حيث كنا نلقى كثيرا من الدعم والتشجيع.
وأحب أن أشير هنا، إلى أنني لم أكن لوحدي، بل كانت هناك كاتبات رائعات مثل، شفاء منصر وأمل عبدالله ود. هدى علوي، التي تعمل الآن في الجامعة، وفاطمة، وهي ظهرت متأخرة تقريبا. كلهن اليوم مطمورات بمشاكلهن اليومية الصغيرة، ويجب البحث عنهن. وأحب أن أضيف إلى أن الأدب النسوي في عدن ظهر منذ الخمسينيات، لكن كان تحت أسماء مستعارة بسبب حاجز العادات والتقاليد. كما ظهر قلم أنيق
في فترة السبعينيات لصاحبته شفيقة زوقري، ولديها كتاب جميل “نبضات قلب”،وكتاب آخر لا أتذكره.
هذه الإضافة المختصرة قدمتها حتى
يتعرف الجيل الحالي عن ماضيه الغني، ولا ينفصل عنه.

– أهتمت كتاباتك بالتداعيات النفسية للإنسان، متناولة الكثير من القضايا الفردية والمجتمعية في قالب جميلد هل يستطيع الكاتب أن يعيد تقديم القضايا التي سبق مناقشتها بقوالب أخرى مختلفة؟
– إن الهم واحد، وكل كاتب يلتقط هذا الهم بمشاعره ويعيد ضخه، ويتنفس به، بطريقته الخاصة. هناك قوالب منها الشعر والمسرح أو سيناريو المسلسلات..
– نجد بعض الكتّاب يعطون أهمية للفكرة على حساب الجانب الفني، والبعض يستخدم الجانب الفني على حساب الفكرة. كيف يمكن للكاتب أن يحقق التوازن بين الفكرة والقالب الفني؟
– إن التوازن بين الفكرة واللغة يعطينا عملا أدبيا رائعا نجده يخاطب حواسنا كلها ويترك في أعماقنا بصمة الإبداع.
المشكلة عندنا هي أزمة القراءة، إن أردت أن تقدم فنا جميلا، عليك البحث والغوص في كل الفنون التي حولك، وأن تقرأ كثيرا. مدربو التنمية البشرية يوصون الإنسان العادي أن يقرأ عشر صفحات يوميا، فما بالك بالكاتب!القراءة يجب أن تكون عادة لدى الناس، لاسيما الشباب منهم، والكتاب الإلكتروني متوفر حالياً بالنت، وبالمجان. لكن، الشباب عندنا لا يحبون القراءة ويقضون ساعات طويلة بالألعاب وهم “مخزّنون”.
إن القراءة تجدد أفكارنا وتوسع مداركنا وتنقلنا إلى عوالم مختلفة.
– هناك العديد من الأعمال الأدبية المنشورة ورقيا أو على وسائل التواصل الاجتماعي، كيف تقيّمين واقع القصة القصيرة حاليا، ونتاج الشباب بشكل عام والعنصر النسائي بشكل خاص؟
– قرأت كثيرا من الأعمال الشبابية عبر مختلف الوسائل المتوفرة في الشعر والقصة، هناك أعمال جيدة تلامس الروح، وأخرى متاهة نضيع فيها بين السطور. إنما هناك بدايات مبشرة، والفرص متاحة عبر مختلف الوسائل، والمشكلة في الصمود، ذلك أن تكون لدى الكاتب القدرة على المواصلة
والاستمرار ، خصوصا المرأة حين تكون زوجة وأما.
– الطريق ليس معبدا أمام المرأة العربية بشكل عام والمرأة اليمنية بشكل خاص، فهل نالت فرصتها الحقيقية في العقود السابقة، وهل اختلف الوضع الآن؟
– المرأة في بلادنا كانت قد حققت الكثير من النجاحات على مختلفة الأصعدة، وكانت هناك فرص متساوية في العلم والعمل، وفي المجال الأدبي أيضا.. فالمرأة العاملة في مجال الإعلام كانت فرصتها أكبر في النشر والمشاركة.
واليوم المجال واسع للنشر والمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والكتاب متوفر وبالمجان، وعملية النشر أصبحت سهلة.
– يجد البعض الكتابة شغفا، ويجدها البعض وسيلة، فهل زهرة رحمةالله لا تزال تجد الشغف في الكتابة، أم أنها فقط عندما تعجز الوسائل الأخرى عن التعبير، تلجأ للكتابة لإيصال فكرة أو تسليط ضوء على قضية معينة؟
– كنت أعشق الكتابة والحركة والسفر، ومجال عملي أتاح لي ذلك، وكان زملائي يلقبونني بالفراشة. كنت أكتب المقالات والخواطر، وكان الأستاذ القاص رحمة الله عليه حسين باصديق، يحذرني من أن تغلب الكتابة الصحفية على العمل الأدبي، وما زلت بين فترة وأخرى، حين أجد قضايا تستفز المشاعر، أكتب منشورات قصيرة وأنشرها في الجروبات.
– ما هي آخر أعمال الكاتبة زهرة رحمةالله؟
– “ليتك لم تأت”، هي آخر قصة كتبتها بعد فترة طويلة، ولا توجد، حاليا، أي مشاريع مستقبلية، إلى ما شاء الله…
تُرجمت قصائده إلى الفرنسية والإنكليزية والأوردية والإيطالية والاسبانية والفارسية.
أعطتني الغربة الكثير من الأسى،
لكنني حوّلته إلى نهر شعر
حوار: عبدالرزّاق الربيعي
على مدى أربعة عقود من الكتابة الشعرية، أسّس الشاعر العراقي المقيم في استراليا أديب كمال الدين الذي يعد أبرز شعراء الجيل السبعيني في العراق حضورا لافتا عبر مجاميعه التي جمعها في ستة مجلّدات، وترجماته عن اللغة الإنجليزية، لذا كان سؤالي الأول عن الصعوبة التي سيواجهها لو أراد وضع مختارات شعرية، فأجاب “لأني أنجزتُ، ولله الحمد، كتابة 24 مجموعة شعرية، فسيكون الاختيار، لاشك، صعباً. لكن هناك قصائد أثيرة على قلبي، وهناك قصائد لاقت صدى واسعاً عند النقاد والقرّاء، وهناك قصائد توثّق لأحداث كبرى سياسية أو إجتماعية لا يمكن تجاوزها. كل هذه الأنواع من قصائدي ستكون هي المختارة بمشيئة الرحمن.” حاولت أن أركّز في حواري معه على الترجمة، هذا الحقل الذي رفده بالكثير من ترجماته عن الإنجليزية، كذلك ترجم شعره إلى اللغة الإنكليزية، فأصدر مجموعتين شعريتين: (أبوّة) و(ثمّة خطأ)، حول صداهما عند القارئ الأسترالي، قال “لقد كانت هذه التجربة متميزة رغم صعوبتها الحقيقية، وحققت المجموعتان قبولا طيبا عند المتلقّي الذي يقرأ بالإنكليزية بشكل عام، وفي أستراليا- حيث أقيم- بشكل خاص. ففي عام 2007 أُخْتيرتْ قصيدتي (أرق) واحدةً من أفضل القصائد الأسترالية The Best Australian Poems 2007 وصدرت في أنطولوجيا خاصة في مدينة ملبورن، أشرف عليها الشاعر والكاتب الأسترالي الكبير بيتر روز Peter Rose. وفي عام 2012 ولله الحمد أُخْتيرتْ قصيدتي (ثمّة خطأ) واحدةً من أفضل القصائد الأسترالية The Best Australian Poems 2012 وصدرت في أنطولوجيا خاصة قام بإعدادها الكاتب الأسترالي الشهير: جون ترانتر Jone Tranter. وهذا بالطبع حقق لي مكانة في الشعر الأسترالي نادراً ما ينالها شاعر مهاجر. إذ أُقِيم حفل توقيع خاص بمجموعتي (ثمّة خطأ) في اتحاد أدباء ولاية جنوب أستراليا، قرأت فيه الناقدتان د. آن ماري سمث ود. هِثر جونسن دراستين عن المجموعة. طبعا هذا إضافة إلى مشاركاتي في قراءات شعرية عديدة في مدينتي أديلايد وتاونسفل ونشري لقصائدي في مجلات أدبية مرموقة مثل Southerly و Meanjin

*عدا اللغة الإنكليزية، ترجمت أشعارك لى لغات أخرى، كيف تمّ نقل خصوصية تجربتك الحروفية للغات الأخرى ؟
– تمت ترجمة مختارات من شعري إلى الفرنسية بعنوان (الحرف وقطرات الحب) من قبل المترجم والأكاديمي د. ناجح بغام وصدرت عام 2017 عن دار جناح في فرنسا. كما صدرت مختارات من شعري باللغة الإسبانية بعنوان: (دموع كلكامش وقصائد أخرى) عن دار لاستورا في مدريد عام 2017. ترجمها إلى الإسبانية المستعرب الإسباني جوزيب غريغوري، وراجعها وقدّم لها الشاعر والمترجم عبد الهادي سعدون. وترجمت د. أسماء غريب مجموعتي (أربعون قصيدة عن الحرف) إلى الإيطالية لتصدر في إيطاليا عن منشورات نووفا إيبسا إيديتوره عام 2011 .
وبعد عام على صدورها أُقيمت لي احتفالية متميزة هناك بدعوة من الناشر شاركتُ فيها رفقة المترجمة وعدد من أدباء إيطاليا. كما ترجم حمزة كوتي ود. نعيم عموري ود. رسول بلاوي وسيد كاظم القريشي مختارات من شعري إلى الفارسية. مثلما ترجم الشاعر الباكستاني اقتدار جاويد مختارات من شعري إلى اللغة الأوردية تحت عنوان (تناص مع الموت) وصدرت عن منشورات كلاسيك في مدينة لاهور الباكستانية عام 2013
* كمشتغل في حقل الترجمة، كيف يمكن للمترجم نفي عن نفسه صفة” الخيانة”؟
-هناك بديهيات معروفة في هذا المجال كضرورة تمكّن المترجم من اللغتين المترجَم عنها والمترجَم إليها، وضرورة أن يكون المترجم مشتغلا بالجنس الإبداعي الذي يُترجم عنه أو فيه. كأن يقوم شاعر بترجمة الشعر أو ناقد بترجمة النقد، وضرورة أن يكون المترجم محبّا لمن يُترجم له حتى يستطيع أن يبدع في ترجمته وخلق نص موازٍ مبدع للنص الأصلي.
* كيف تفسر هذا الاهتمام الكبير نقديا وأكاديميا بتجربتك الشعرية؟
-لقد وجد النقاد والباحثون الأكاديميون تجربة شعرية مختلفة عما اعتادوا عليه، كما وجدوها ممكنة التلقّي بشكل سلس، وممكنة الـتأويل على نحو يثير الأسئلة النقدية ممتعة وخصبة، فأحبّوها وتناولوها في عدد كبير من المقالات النقدية والدراسات والبحوث، ولله الحمد، حتى صدر عن تجربتي 12 كتاباً نقدياً لنقّاد عراقيين وعرب، مع 24 رسالة ماجستير ودكتوراه ناقشت أعمالي الشعرية في جامعات العراق والجزائر والمغرب وتونس وإيران والهند.
* عشت حياة عاصفة، حروب وحصارات، وغربة وشهدت معارك ثقافية، وزاملت كبار الشعراء، وتحولات روحية، أما آن الوقت لكتابة سيرتك؟
– كتبتُ سيرتي الحياتية أو أهم نقاطها شعراً. تلك النقاط المضيئة أو المظلمة، المفرحة أو المحزنة. وحتى أولئك الشعراء الذين التقيتهم أو زاملتهم كتبت عنهم قصائد “وثّقت” لنظرتي لهم، هكذا كتبت عن عبد الوهاب البياتي، ومحمود البريكان، ويوسف الصائغ، وخالد جابر يوسف، وجان دمّو، وصاحب الشاهر، وعيسى حسن الياسري. كما كتبتُ عن نقّاد زاملتهم من أمثال عبد الجبار عباس، وإذاعيين كمهند الأنصاري، وروائيين كسعد محمد رحيم، بل إنني كتبت عن مطربين ومطربات عراقيين وعرباً تركوا آثارهم الروحية عليّ من أمثال محمد القبانجي وناظم الغزالي وعفيفة إسكندر وفيروز وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ .
وكذلك كتبت الكثير من الشعر عن الأحداث والحصارات والحروب التي شهدها العراق والتي دمرت بقسوة هائلة النسيج الأجتماعي والثقافي فيه للأسف. إن مهمة الشاعر برأيي هو أن يعبّر شعراً عمّا يرى ويحسّ ويعاني، وأن يكون شاهد عصره الصادق الأمين. أما كتابة السيرة الذاتية فلا تستهويني.

*ماذا اعطتك الغربة؟ وماذا اخذت منك؟
– أعطتني الغربة الكثير من الأسى، لكنني- بفضل عظيم من الله- حوّلت هذا الأسى الهائل إلى نهر شعر جمّل لي الكثير مما رأيتُ أو عشتُ أو عانيتُ وإن كان شديد القسوة والألم. وكما تعرف صديقي العزيز: دائما تخرج الأعمال الأدبية الإبداعية المتميزة من نبع الآلام والمعاناة الكبرى كما يشهد بذلك تأريخ الأدب في كل مكان وزمان.
| تم هذا الحوار مع الفنانة السورية لينا شاماميان لموقع جدارية الثقافي.. ونعيد نشره الان بعد 12 سنه تقريبا . حاورها: ياسر عبدالباقي | |
شغفت بالجاز ومزجت الموسيقى الشرقية بالغربية
شغوفة بالموسيقى شغوفة بالغناء شغوفة بالتراث السوري الأصيل، حملت هذا الفن الأصيل إلى الغرب، ومزجت معه موسيقى الشرق بالموسيقى الغربية الكلاسيكية، هي ابنة بيئة اجتمعت فيها ثقافات اقتربنا منها لنعرف مدى شغفها بالفن.
شغف الغناء والموسيقى
من كلية الاقتصاد إلى المعهد العالي للموسيقى، لهذه الدرجة أنت شغوفة بالموسيقى والغناء؟
وأكثر.. بصراحة.. انتقالي من دراسة الاقتصاد في نفس عام التخرج لاحتراف الموسيقى له علاقة بأحلامي.. أنا فتاة حالمة بجدارة.. واستخدام كلمة شغف هي بحق اختصار لشعوري تجاه الغناء والموسيقى.. وأعترف بأنني من الأشخاص الذين تطغى عاطفتهم على عقلانيتهم.. بالنسبة للكثيرين كان انتقالي لدراسة الغناء لمدة خمس سنوات هو مغامرة لما يمكن إنجازه في الحياة.. وأعتقد أن هذا التحدي منحني حافزا فيما بعد لأطرح ألبومين قبل تخرجي من المعهد العالي للموسيقى.. كل ذلك كان بعفوية مما أدين به لأحلامي
أداء فطري عميق
من النادر جدا أن نجد فناناً عربياً يمارس موسيقى الجاز، كيف كان تعاملك مع هذه الموسيقى في بداية الأمر؟
بداية.. يجب أن أذكر أنني تخرجت من المعهد كمغنية كلاسيكية (قسم الأوبرا) حيث لم يكن متوفرا في المعهد نمط آخر للغناء كدراسة أكاديمية… ولكن لطالما عشقت موسيقى الجاز.. تعرفت عليها عبر فرانك سيناترا من مجموعة والدي الذي كان عاشقا للجاز..
ولكن لم أكن أعلم الكثير عن كيفية ترجمة ما أحب إلى أن التقيت بمجموعة من عازفي الجاز في المعهد العالي للموسيقى.. وبدأت بإحياء حفلات صغيرة معهم ، وكان منهم باسل رجوب الذي أشرف على توزيع موسيقى الألبومين.. بالإضافة لحفلات مع أوركسترا الجاز السورية السويسرية..
إلا أن تعاملي لم يكن محصورا بموسيقى الجاز فقط فخلفيتي الثقافية الشرقية تمنحني أداء أعمق بالفطرة في حين أن الدراسة الأكاديمية والموسيقى التي أحبها تضفي أبعادا أخرى ربما أكثر رحابة وتنوعا.
مع فنانين أوروبيين
شاركت مع موسيقيين أو مغنيات أوروبيات أمثال الفنانة الايطالية غلوريا سكالكي والهولندية ميا بيتس وغيرهن، ماهي الأعمال المشتركة التي قدمتها معهن؟
ما زلت حتى الآن أقوم بعدة ورشات عمل مع موسيقيين من جنسيات مختلفة.. بالنسبة للمغنيات الكلاسيكيات، اقتصر الأمر على ورشات عمل تركت أثرها غنائيا.. على صعيد موسيقى الجاز ـ أسفرت ورشات العمل غالبا عن حفلات.. بالإضافة إلى مشاركتي مع الألماني مانفرد لويشتر في ألبومه (زينة).. وإلى عدد كبير من الحفلات بين سورية وألمانية..
الموسيقى غذاء الروح، هل هي فعلاً غذاء لك؟
بالنسبة لي.. هي حياة.. وكما قلت.. هي الشغف.
هي عالمي الخاص الذي أختلقته.. والذي يشاركني فيه كل من يحب هذه الموسيقى.
بعد كل هذا الوقت في الحياة كمغنية.. لم يعد في وسعي التعاطي مع أيّْ من تفاصيل الحياة سوى انطلاقا من كوني مغنية وموسيقية. وهذا ما يجعلني أتمنى لكل شخص أن يحترف هوايته..
تعدد ثقافات
حدثينا عن التمازج الموسيقي الخاص بك في غنائك والذي شمل موسيقى الجاز ممزوج بالموسيقى الشرقية والأرمنية؟’
الموسيقى بالنسبة لي هي انعكاس حقيقي لتفاصيل الحياة… وكذا هو المزيج في موسيقاي.. فأنا ابنة بيئة اجتمعت فيها ثقافات عدة.. ابتداء من خلفيتي الأرمنية والسريانية من طرف عائلتي مرورا بالموسيقى الشرقية كوني ولدت ونشأت في دمشق.. وحتى الموسيقى الصوفية التي أعشقها… بالإضافة لتأثير دراستي الموسيقى الكلاسيكية والغناء الأوبرالي على رؤيتي الموسيقية.. يجتمع معها كل ما أحبه من أنماط موسيقية مختلفة وأولها الجاز.

قنوات متخصصة
للموسيقى والألحان التراثية جمهورها الخاص، والخاص جدا، وهي فئة مهمة جدا وإن كانت قليلة كما اعتقد ، والسؤال هنا، هل تشعرين أن الأعلام العربي والقنوات الفضائية العربية مقصرة معكِ ، كونك فنانة شرقية شابة لها نبض مختلف عن ما نشاهده في القنوات الغنائية؟
مع كل حفلة أحييها تزداد قناعتي بأن ما أقدمه لا يقتصر على شريحة معينة.. أسعد كثيرا حين أرى جمهورا من مختلف الأعمار حاضرا في المسرح.. وهذا الحال يتكرر في العديد من الحفلات الثقافية وعلى وجه الخصوص في دمشق كونها عاصمة للثقافة العربية هذا العام.. والآن بتُّ أعلم أن للإعلام أوجه عدة.. ولا يمكننا أن نعتبر أن الجميع سواء.. أعتقد أن المشكلة الكبرى تتمثل في الفضائيات المختصة بتقديم الغناء الخفيف الدارج.. ولكن أعلم أن هذه القنوات لن تغطي ما أقدمه من موسيقى أنا أو غيري من الفنانين الملتزمين، لذا أتمنى أحيانا كثيرة لو كان لدينا قنوات متخصصة في بث الفنون الملتزمة، لأن هذا أقرب لما نقدمه، وعلى كل حال لكل مكانه في الفن، ولا أحد يأخذ مكان الآخر..

مغامرة الأغاني البكر
ماذا يعني التراث في غناء لينا؟
بداية عنى لي التراث مغامرة لتقديم الأغاني التي تربيت عليها وأحببتها.. .فكرت أن أقدمها بطريقتي الخاصة.. .ولكن بعد ألبوم (هالأسمر اللون).. تغير الموضوع وأصبح البحث جزءا من الموسيقى.. ضمنت الألبوم الثاني (شامات) بضعا من الأغاني البكر التي ما زالت محصورة في قراها الأصلية.. وهي أغان جميلة ولها تاريخها ذو الصلة الوثيقة بالمكان.. ومن هنا أرى أهمية التراث في مشروعي الموسيقي.. نحن هنا نتجاوز الموسيقى فقط ، لنتكلم عن إرث يمثل جزءاً كبيرا من تقاليدنا التي نحياها بالفطرة.. وهذا الموضوع بحاجة لبحث وتدوين وتصديق وإعادة قولبة وجهد كبير لنتمكن من إعادة ربطه بالوقت الحالي دون إفقاده خصوصيته..
ومع الوقت بدأت أدرك أن التراث هو عالم خاص بحد ذاته.. له جمالياته الخاصة، وبالتأكيد نحتاج أن نعيش خصوصيته كي نعيد إحياءه

جسر لتجاوز الاختلاف الثقافي
قلت مرة انك تطمحين في أن توصلي التراث العربي السوري إلى الغرب، هل نجحت؟
أعتقد بأن عدد الحضور في الحفلات ومبيعات الألبوم ومدى تفاعل المستمع هو الذي يحكم على نجاح العمل.. والحمدلله.. .قمت مع الفرقة بإحياء عدة حفلات خارج سورية في فرنسا وألمانيا والنمسا وغيرها.. وقد تفاعل المستمع غير العربي مع الموسيقى.. .وأعتقد بأن التوزيع الموسيقي ضمن قالب وآلات موسيقى الجاز قد مد جسرا ساعد على تجاوز الاختلاف الثقافي..
حفلات وجولة ألبوم
ماهي مشاريعك القادمة؟
في سورية، لدي مع الفرقة حفل يقع ضمن فعاليات دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 خلال مهرجان الأغنية العالمية، على مسرح قلعة دمشق. كما وسأقدم حفل الختام في مهرجان معرض الزهور بدمشق. أما في الخارج، فلدي جولة في أوروبا خلال الخريف القادم. كما أنني بدأت العمل على التحضير الموسيقي لألبومي الثالث.
اعداد/ أعياد عامر -خاص للمختبر الثقافي
شوقي شفيق أحد قامات قصيدة النثر العربية في وطننا العربي والذي اثرى المكتبة العربية بمجموعة كبيرة من الدواوين الشعرية وكذلك بأعماله التي ترجمها ..
.
– هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن أهم المؤثرات التي لعبت دورًا في توجهك إلى الشعر.. ومن هم الشعراء الذين كانوا مصدر إلهامك حينئذٍ ؟
-كان والدي رحمه الله أول من أدخلني إلى هذا العالم الرحب الشاسع، أما مصدر إلهامي فلم يكن شاعرا واحدا بل ثمة صف طويل من الشعراء بدءا بأبي نواس وأبي تمام وبشار بن برد وآخرين.
**
ما الذي يحرك ٲمواج حرف شاعرنا كي يكتب قصيدة ؟
محفزات كثيرة،وليس شيئا واحدا: ضفيرة امرأة تنسدل على كتفها …قطة تتسلل إلى منزلي خلسة ..غمامة تجري في فضاء رحب …وأشياء أخرى كثيرة
**
-أستاذنا الكبير شوقي شفيق، أن يصل الشاعر إلى مستوى تترجم فيه أعماله فهذا يدل على أهمية ونوعية وروعة إبداعه، خبرنا عن أول تجربة لترجمة أعمالك !
كانت مبادرة الأستاذة الباحثة والناقدة والشاعرة العربية الكبيرة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي هي أولى خطوة في ترجمة بعض قصائد من الشعر المعاصر في اليمن، وكان ذلك بتوجيه من أبينا و GODFATHER الكبير عبدالعزيز المقالح، وكان من سعادتي وبالغ فخري أن يكون من ترجمني إلى الإنجليزية هو الكبير سرجون بولص.

**
– شاعرنا الكبير شوقي طرقت كل الاتجاهات الشعرية مما لا شك في ذلك فما هو الدافع في تغيير مناحي الشعر بتقديرك كشاعر جربت ومارست ذلك من خلال التنوع بمدارسه الثلاث..؟؟
كتبت ومازلت أكتب في كل الأنواع والأشكال ..صحيح أنني انحزت مؤخرا إلى “القصيدة الأجد” كما سماها د. عبدالعزيز المقالح، وهو خيار لن أندم عليه في أي لحظة، مع أنني أحن إلى الإيقاعية.

**
– شعراء حداثيون أحبهم شاعرنا أو كان لشعرهم صدى في قلبه، حدثنا عن بعض الأسماء إن وُجد !!
عشرات بل مئات منذ رامبو، ولوتريامون، وسان جان بيرس وجاك، بريفير، وتوماس مان، وبودلير، وإدحار الان بو وأدونيس ونزار ودرويش وسعدي يوسف و..و..و

–متى كانت بدايتك في كتابة الشعر ؟
بدايتي كانت منذ واحد وخمسين عاما، وتحديدا في أغسطس 1969 يوم إحراق المسجد الأقصى..
وكانت المفارقة أن من أحرق الأقصى لم يكن يهوديا أو صهيونيا بل كان مسيحيا أستراليا متطرفا.
**
–في البدء يكون عنفوان الشعر ذا تردد عالٍ و أكثر صخبا و توهجا في مطلع التجربة الشاعرة ، و مع تدفق و سريان الوقت و اتساع التجربة يقلّ هذا العنفوان و يمسي بتوهج خفي كما يدخل في مزاج هادئ العوالم ، و هذا ما لاحظته عند أغلب كبار الشعراء ، كما لاحظته في الأعمال الكاملة للدكتور عبد العزيز المقالح قبل عام ..
برأيك الشاعرِ ماذا تقول في هذا ؟
-كلما تقدم الشاعر في التجربة وخَبرَ نار الشعر، ولسعته شعلته كان ذلك أدخَلَ بالنسبة إليه إلى التروي والمراجعة وعدم الاطمئنان إلى التجربة في الآن ذاته وهذا ما يحدث أو بالأحرى ما ينبغي أن يحدث في لحظة ما ..
– يقال آن مساحة اليابسة تساوي مساحة الرجال ، وٳن مساحة الماء تساوي مساحة النساء في ذاكرة الشاعر عموما، هل هذا صحيح برأيك ؟
مساحة المرأة هي كل ما تحيط بالذاكرة، وبعدها تأتي الكائنات والأشياء الأخرى.

**
–هل تكتب لرضا الجمهور أم لمعالجة مشكلة وموقف ما ؟
هذا السؤال وجِّهَ إلي قبل ثلاثين عاما تقريبا. وقلت إن الجمهور خديعة كبرى ومازلت أقول ذلك أيضا ….إلى الآن.
**
–كيف تتصور آفاق المشهد الشعري العربي في المستقبل في ظل هيمنة التكنولوجيا، وكثرة التحديات؟
ثمة اشتغال حقيقي على الإبداع بالرغم من كل محاولات القمع التي تفرزها الأنظمة وتتمتع بممارستها.. لكن الفضاء الافتراضي فضح هذه الأنظمة الرثة التي تريد البقاء على توتاليتاريتها المقيتة، ما فعله ويفعله الفضاء الافتراضي لهو الإسفين الذي يندق يوما بعد يوم في نعش الدولة العميقة. ..فهل نجحت ؟؟!!
لا بد من أن تفعل..
_ الشاعر شوقي شفيق ..من شعراء اليمن الذي تحدوا القارئ بإنتاج القصيدة الجديدة،قصيدة النثر تحديداً ..
تظل قصيدة النثر لديك هي صاحبة الرؤيا من جهة، والنافذة التي استطعت أن ترسم بها عالمك الشعري الممكن من جهة أخرى..
فهل تجربتك مع الأشكال المتنوعة وجدت أي منها حريتك في التعبير عن لحظات التجلي الكاشفة فعلا ؟؟
في كل شكل أجد حرية من نوع ما ..
كنت متطرفا في تشيعي للقصيدة الأجد.. لكنني وازنت بين رؤيتي ورؤياي؛ لهذا كان لزاما علي أن أعيد قراءتي لأوازنني….
_ تساؤل مشروع: السير نحو المنزع السردي بالقصيدة الجديدة لديك..وأقصد استخدامك لتقنيات السرد في البناء المعماري القصيدة.. إلى أي مدى تستطيع أن تحدد لنا قدرة الشاعر في استخدام هذه التقنيات شعريا لتحسب على جنس الشعري وليس على جنس النثر؟؟
كان السرد في مرحلة ما يتوسل الشعرية ويستعير منها ما يفيد في تجويد النص السردي وتصعيده إلى الأعالي..الآن تستعير الشعرية من السرد ما يؤثث لجماليات إضافية في الخطاب الشعري..
أسمي هذا الفعل بـ “التضايف” …
وهو أمر مشروع برأيي.
خاص – المختبر الثقافي/
لماذا انت في المغرب ؟
انا من محافظة لحج . مواليد خورمكسر. دخلت المغرب سنه 2001 لان ابي أرسل كمستشار دبلوماسي في السفارة بالرباط.. .. أنا خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط المغرب.
– لماذا اخترت المسرح ؟
من صغري وانا مولعة بالفنون مثل الرسم و النحت و الغناء والرقص و الكتابة وخاصة التمثيل ,كنت في أي فرصه حفل مدرسي بمدينة عدن اكون على رأس قائمة المشاركين ولأننا قضينا سنوات كثيرة في ألمانيا اتيحت لي فرصة الذهاب بانتظام لمشاهدة عروض مسرحيه وسينمائية .. حقيقه كانت ولا زالت الخشبة عشقي.
– كلمينا عن مشاركتك المسرحية في المغرب وخارج المغرب ان وجدت ؟
بعد تخرجي قررت البقاء في هذا البلد الجميل للانخراط في مجال المسرح الاحترافي. أول ما تخرجت عرضت عليا اعمال مسرحية كممثلة لان التكوين في المعهد يبدا في السنتين الأولى بمبادئ التمثيل والصوت والحركة والرقص والالقاء والغناء ثم يمكن لك اختيار احد التخصصين اما السينوغرافيا او التشخيص فاخترت السينوغرافيا كتخصص في السنتين الاخيرتين والسينواغرافيا هي كل ما يتعلق بتأثيث الفضاء المسرحي من ديكور وازياء واضاءة وصوت وحتى المكياج والتسريح.. إذا في سنوات الاولى كنت استمتع بلعب ادوار عديدة حتى توجهت في الأخير لتصميم الازياء المسرحية
– على ذكر الأزياء ..درست التمثيل في المغرب ثم تخصصت في الديكور وتصميم الأزياء.. هل تصممين ديكورات المسرحيات وازياء الممثلين.. للمسرحيات التي تمثلين فيها؟
.. بخصوص تصميم ازياء وديكور الأعمال التي أمثل فيها أنا اعارض تركيم المهام في عمل مسرحي من قبل اشخاص قلل. فالعمل المسرحي يكتمل بالاشتغال في فريق عمل كبير لكل مهمته وبصمته ،فالجمالية هي تمازج كل المهام لإنتاج عمل متجانس.
– تتابعين المشهد المسرحي في اليمن رغم الفترة الطويلة لإقامتك في المغرب- هل ممكن تعطينا مقارنة بين المشهدين المسرح المغربي واليمني ؟
.. طبعا اتابع المشهد المسرحي والفني في بلدي لكن يصعب علي التواصل مع الفرق المسرحية، قمت في مناسبات عديدة بأرسال دعوات من جانبي اعرف بنفسي من خلالها ورغبتي في التواصل العملي لكن لم اتلقى أي رد ابدا .. غير أنني من خلال عدسة ياسر عبدالباقي ابقى دائما مواكبة لكل ما يحدث في الساحة الفنية.. قبل سنه حضرت لفلم عشر ايام قبل الزفة للمخرج عمر جمال وقد التقيته شخصيا و سعدت كثيرا بتبادل الافكار معه وكما ان الفلم شرفني امام زملائي المغاربة .. أظن أن المقارنة بين التجربة المغربية والتجربة اليمنية في الوقت الراهن ستكون جد قاسية وافضل ان أكون متفائلة بوجود مجهودات شخصيه رائعة في بلدي لكن استثمار الدولة في المجالات الفنية يحتاج إلى استقرار مدني واجتماعي وثقافي ف الإدارة الحاكمة في المملكة المغربية توجهت نحو تهيئ القطاع الفني بالدعم المادي واللوجستيكي .هذا وفر أرضية صحية للتطور والتجديد خاصة على مستوى مجال الفنون الحية وكل مجالات الفنون عامه.. ولا يخفى على أي متتبع للتجارب المسرحية في الوطن العربي ان التجربتين المغربية و التونسية في المجال المسرحي تعتبرا من اهم التجارب في الوقت الحالي

– هل لديك تجارب تمثيل في التلفزيون او السينما ؟
. شاركت في كثير من الأعمال المسرحية المغربية والفرنسية كما شاركت في افلام قصيرة عده ومسلسلات اجنبيه. ولكنني استمتع في الأعمال المسرحية وافضلها, للخشبة قدسيه استثنائية وسحر خاص
– حصلت على جائزتين وطنيتين في المغرب.. اكنت تتوقعين الفوز فيهما؟ حدثينا عن مشاعرك ؟
حصلت على جائزة احسن تصميم للأزياء على مسرحية نايضة 2015 وكانت أول مشاركة لي في المهرجان الوطني للمسرح الاحترافي ..المدهش أنني كنت اعاني من مشكله عدم تمكيني من البطاقة المهنية للفنان فقد كان القانون سابقا لا يمكن الاجانب من الحصول على البطاقة المهنية فكانت الجائزة بمثابة اعتراف لي في الساحة المسرحية بالمغرب .. وبمثابرة اصدقائي الفنانين النواب في قبة البرلمان تم تغيير القانون وحصلت على بطاقة الفنان. ثم بعد ذلك حصلت على جائزة افضل ازياء لمسرحية بيلماون سنة 2018 في نفس المهرجان.

في الحقيقة أنا شخصيا غالبا لا ارضى كثيرا عن اعمالي فبالتأكيد لم اكن اتوقع الجائزتين نهائيا. وفي اشتغالي لا افكر في الجوائز ولا احب التوجه بالعمل لنيلها لكن اؤمن ان العمل الفني عامه والمسرحي خاصه هو قيمة لا مادية لا يمكن حصرها بجوائز.. هي تجارب تخيب وتصيب و ما يكون صائبا في نظرك قد لا يكون صائبا في نظري، إذا فالأبداع هو كالمولود يكفي ان يكون حقيقيا لتكتمل ملامحه.. فالهدف الأول والاخير من العمل المسرحي هو الفرجة
– تداعيات جائحة كورونا.. كيف اثرت على الأنشطة الفنية والمسرحية في المغرب بصفة شخصية وعامة ؟
.. قبل زمن كورونا كنا نشتغل دون انقطاع، دائما هناك اعمال مسرحية جديدة متحركة او في طور الانجاز ومنها ما يلوح في الافق في ان واحد، فالحياة المسرحية في دينامية دائمة، عروض، مهرجانات، تداريب، اشتغال على تصاميم البحث الجمالي والدرامي والميداني أيضا مع وجود الكثير من النقد، طامحين بمجال منظم واكثر احترافية لكن تبخر كل ذلك.
مع زمن كورونا فكل المؤسسات الحيوية استعادت حركتها بعد الحجر الصحي الكلي الا دور السينما والمسرح .. ويعرف رجالات ونساء المسرح اسواء وضع قد يكونوا مروا به. حيث يعتمد العديد إذا لم يكن الغالبية العظمى على المسرح في كسب عيشهم اليومي .. أنا شخصيا لم أشعر كثيرا بالأزمة المادية لأنني اعتمد أيضا على تدريس المسرح في مؤسسات تعليمية متفرقة. لكن الازمة تجتاحني أيضا وبدون شك فلدي رغبة ملحة للخشبة ولشخصيات جديدة تنتظر ان اطرز ماضيها ومستقبلها على قطعة قماش تغدوا ثوبا استثنائيا يتماهى مع الفكرة، الكلمة والحركة.
– أخيرا- ماهي مشاريعك القادمة ؟
في مشروع فلم قادم ان شاء الله مع مخرج بريطاني يمني من محافظه لحج من عائلة البان سيتم تصويره في المغرب, , وان شاء الله سوف يتم تصويره قريبا.












