استعراض الأقسام

دراسات ومقالات

 

هناك في أقصى الجنوب من خرائط اللغة ، حيث تمتزج الشمس بالأسطورة وتكتب الأرض حكاياتها بالحبر والدمع ، يولد ” الأدب اللاتيني ” ككائن حي يتنفس الذاكرة ويقاوم النسيان ، ففي مدن تشبه الحلم مثل ” بوينس آيرس ، وليما ، ومكسيكو سيتي ” لم يكن الأدب يوما ترفا ثقافيا بل كان ضرورة وجود ، كان صوتا يخرج من بين شقوق القهر ومن ذاكرة الشعوب التي عاشت بين استعمار طويل ، وثورات لم تهدأ وأحلام أكبر من حدود الجغرافيا 

لقد تميز الأدب اللاتيني بأنه لا يفصل بين الواقع والخيال بل يذيبهما في كأس واحدة ، ففيه قد تمشي الأرواح بين الأحياء وقد تتحدث الأشجار وقد يصبح الزمن دائرة لا خطا مستقيما ، وهذا ما جعل ما يعرف ” بالواقعية السحرية ” ليس مجرد أسلوب بل فلسفة ترى أن الحقيقة أوسع من أن تقيد بالعقل وحده ،

لذلك حين نذكر هذا الأدب تنهض أسماء لا تقرأ بل تعاش مثل ” غابرييل غارسيا ماركيز ” الذي لم يكن يكتب الروايات كمجرد رواية بل خلق بها عوالم كاملة مثال ” مئة عام من العزلة ” حيث العائلة مرآة القارة والزمن حكاية تتكرر بأشكال مختلفة ، اما ” خورخي لويس بورخيس ” فهو الأخر قد جعل من المتاهة فكرة ومن الفكرة كونا ، حتى بدا وكأن الكتابة عنده لعبة ذهنية بين الحقيقة والوهم ، ولا يمكن من ذلك أن نغفل عن ” ماريو بارغاس يوسا ” ذاك الذي حمل السياسة على كتفي الرواية ، وجعل من النص ساحة لصراع السلطة والحرية 

أن هذا الأدب ” الأدب اللاتيني ” لا يكتب بالحبر فقط بل بالتاريخ ايظا ، فكل سطر فيه يحمل صدى القارة من : أصوات الفلاحين ، أنين المدن ، وصرخات الثورات ، لذلك.هو أدب مشحون بالهوية ومتخم بالأسئلة ومشبع بقلق الإنسان الباحث عن معنى في عالم مضطرب ، ومع ذلك كله يبدو اليوم وكأنه منسي ، أو على الأقل لا يحظى بما يستحق من ضوء ، ربما لأن العالم المعاصر يميل إلى السرعة ، بينما هذا الأدب يحتاج إلى تأمل كامل ذا استثناء ، لأن صوته عميق إلى حد أنه لا يستهلك بسهولة ، في حين أن المركزية الثقافية اليوم ما زالت تميل إلى تضخيم صوت واحد وتهميش ما عداه ، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الأدب اللاتيني لم يكن يوما هامشا ، فلقد غير شكل الرواية العالمية وفتح أبوابا جديدة للخيال وعلم العالم أن الحكاية ليست مجرد سرد بل رؤية للعالم 

أن بصمته ليست تحصيل حاصل ، بل هي ندبة جميلة في وجه الأدب العالمي التي تذكرنا بأن هناك دائما طرقا أخرى لرؤية الحقيقة ، وأن الإنسان مهما اختلفت لغته فهو يحمل في داخله الحكاية ذاتها وهي ” حكاية البحث عن ذاته ، وعن معنى وجوده في هذا الكون الواسع ” ، لذلك هو أدب لا يموت ، لأنه ببساطة كتب من قلب الحياة نفسها ، وحين نغادر هذا العالم الموشى بالحكايات ، ندرك أن الأدب اللاتيني لم يكن ترفا ولا زخرفة لغوية بل كان ضرورة تشبه التنفس ، فقد علمنا كما قال ” ماريو بارغاس يوسا ” : أن الحياة من دون أدب ستكون خطأ فادحا ، وكأن الكلمات ليست مجرد حروف بل خلاص خفي يرمم أرواحنا ويعيد ترتيب فوضى العالم داخلنا ، فمن دون الأدب تفقد الحياة صوتها وتبهت معانيها ونغدو عابرين بلا ذاكرة ، أما به فنصبح أكثر إنسانية وأكثر قدرة على أن نحيا لا أن نوجد فقط .

عودة للمثقف اليومي العربي. هو في وضع لا يحسد عليه. لم يقدّم مشروعا فكريا خاصا. المشروع الفكري – الثقافي الغربي المسقط عربيا تحرك بعيدا عن الأساسيات وصار مشاريع فكرية مفصلة على مجتمعات تزداد تعقيدا. ما عاد بوسعنا الاستعارة. المشروع الفكري الغربي صار نقيضا لواقعنا العربي. ضع صراع الأيديولوجيات جانبا لأن أيّ توافق بين الليبرالية الغربية والانغلاق الإسلاموي في منطقتنا مستحيل. السياسيون الغربيون منافقون أو متأقلمون. يقبلون الإسلاموية على علاّتها لأسباب أمنية وسياسية. المثقف الغربي ليس بصدد قبول مثل هذه المساومات.

المثقف اليومي العربي اليوم مجموعة تناقضات في شخصية واحدة. تستطيع أن تجد مثقفين عربا تنقلوا من اليسار إلى القومية إلى الإسلاموية وصولا إلى الشعبوية. هؤلاء كانوا نسخا قديمة من التأثر بالتيارات الجارية في حينها. المثقف الحالي يجمع من هذه الأفكار سوية وأكثر من هذا. يتغير اتجاه الريح، ولكنه لا يغير اتجاهه، بل يزيد على تناقضاته اتجاهات جديدة. يرى المجتمعات تعيد تشكيل نفسها، فيقوم بتقديم التناقضات سوية في إطار يعتبره فكريا.

الميديا الحديثة تساعده على هذا. مفكرنا يبرز إعلاميا حتى قبل أن يبرز فكريا. مثقفنا سلعة يومية تتداولها الفضائيات، بعض الأحيان أكثر من فضائية في اليوم الواحد. من لديه هواية اللعب بريموت كونترول التلفزيون يعرف هذا. نفس الوجه الفكري يتنقل، ويعيد تشكيل أفكاره ومفرداته بحسب طبيعة القناة الفضائية. اللغو كثير وسيضيع ما يقوله. لا يوجد مشروع فكري أو ثقافي له مدوّن في كتاب أو مكتوب في موقع ليحاسب عليه أو أن تطاله أقلام النقاد. المفكر أو المثقف أصبح مشهدا تلفزيونيا.

الإعلام مفيد للشهرة. ولكنه في النهاية مشروع فضيحة فكرية للسذج من مدّعي المعرفة والثقافة والفهم والفكر. الشبكات الاجتماعية مليئة بالمشاهد من برامج يقول فيها مفكرنا الشيء وضده خلال أيام أو أشهر، وإذا كان محظوظا خلال سنوات. من حق المرء أن يغير أفكاره. لا يوجد ما يجبر المثقف على الالتزام بفكرة معينة طوال عمره. ولكن من حق الناس على المثقف أو المفكر أن يثبت على رأيه في ذلك اليوم أو الأسبوع أو المرحلة. هو ليس حلوى بنكهات وألوان مختلفة.

الانفتاح الفكري ليس تقلبا. هذا ما نحن بحاجة إليه. أن نستطيع أن نفهم التغيرات العميقة التي تجتاح العالم، وتجتاح عالمنا العربي تحديدا، كي نستطيع أن نسهم فيها فكريا وثقافيا. من دون هذا الانفتاح سيكون من الصعب النهوض بمشروع فكري أو ثقافي عربي. والانفتاح هنا بالتأكيد ليس على الطريقة القديمة من الإسقاطات الفكرية والثقافية العربية من/عن النتاج الفكري الغربي. لا نريد أن نقول السرقات الفكرية فهي أيضا كثيرة.

مشكلة هذا التحدي عويصة. إذا استثنينا المثقف أو المفكر اليومي المتنقل بين الفضائيات فهو لا يصلح لهذه المهمة، فأن قولبة الفكر في إطار ثابت مهمة صعبة. وكي نتأقلم مع التغيرات فأن الانفتاح يخرجنا من مناطق الراحة التقليدية. يريد البعض أن يضع المفكر ضمن قالب وصايا عشر تحسم كل شيء. علينا أن نتخيل كيف أن المشروع الفكري – لو حدث – سيولد خديجا ويبقى خديجا. الوصايا تضع سقفا لما يمكن أن نصل إليه حتى من قبل أن نبدأ. لكن العقلية السائدة، سواء الفكرية أو الاجتماعية، تريد هذه القولبة وهذه الأسقف.

مثل هذه التقييدات الساذجة هي ما يؤدي إلى التراجع الفكري وخسران الأرضية لصالح التيارات الفكرية الدينية أو المتعصبة. وصايا عشر قومية ووصايا عشر يسارية ووصايا عشر شعبوية ووصايا عشر قومية – يسارية ووصايا عشر قومية – يسارية – شعبوية – دينية، والحبل على الجرار. صحيح أن المفردات المستخدمة على لسان المفكرين والمثقفين كثيرة ومتعددة، لكنها لا تخفي الطابع النمطي والتزمت لما يصفونه بالفكر. وما يزيد حزن المتابعين والمتأملين خيرا في ثورة فكرية أو ثقافية قادمة، أن التزمت صار وصفة، حتى في حال وصايا التناقضات. يأتيك من ينظر بيسار ديني شعبوي. بماذا تردّ عليه؟ تسكت وتمضي.

المثقف والمفكر لا يتطوران لأسباب “تسويقية” بل يجب أن تكون هذه الأسباب حقيقية. هناك الكثير من الأدوات المعرفية المتاحة مما تؤهل لقيام ثورة فكرية وثقافية في مجتمعاتنا تبني على الأسباب الحقيقية. لا أدري لماذا نعجز مرات ومرات عن التقاطها. ربما لم يحن الوقت بعد.

د. هيثم الزبيدي

الرائدات الأوائل اهتممن بالكتابة وليس التبشير بآيديولوجيا

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.

عن \د.رشيد العناني

في أقصى الشمال حيث يطول الليل حتى يكاد يصبح ذاكرة لا تمحى ، وتشتعل الأرواح بدل الشمس ، ولدت ” روسيا ” لا كبلاد فحسب بل كحالة إنسانية متفردة وقصيدة طويلة كتبت بالحبر والثلج وتوارثتها الأجيال منذ زمن القياصرة حتى نبض الحاضر فلم تكن الثقافة الروسية يوما زينة على هامش التاريخ بل كانت قلبه الخفي النابض بالفكرة والوجدان ، فمن قصور القياصرة التي صاغت ملامح السلطة إلى أكواخ الفلاحين التي حفظت روح الأرض ، تشكلت هوية لا تشبه إلا نفسها   هوية صنعت من المعاناة معنى ومن الصمت لغة ومن الشتاء الطويل تأملا عميقا في ماهية الإنسان ، حيث في تلك الأرض لم يكن ” الأدب ” ترفا بل ضرورة وجودية ، فقد جلس هناك ” فيودور دوستويفسكي ” ينصت لاهتزازات الروح البشرية ويغوص في أعماقها حتى كشف تناقضاتها القاسية ، بينما كان ” ليو تولستوي ” يكتب الحياة بكل اتساعها ممتدا من تفاصيل القلب إلى مصائر الأمم ، أما ” أنطون تشيخوف ” فقد التقط لحظات الإنسان الهشة وحولها إلى مرايا تعكس الحقيقة دون ضجيج ، ومن رحم تلك الروح ولد أيضا ” ألكسندر بوشكين ، الذي صاغ اللغة كأنها موسيقى وأعاد للهوية الروسية صوتها الشعري الأول 

ولم تكن الفنون أقل إشراقا دون سواها فقد ارتفعت الموسيقى كصلاة خفية في أعمال ” بيوتر إليتش تشايكوفسكي : حيث تتراقص الألحان بين الحزن والأمل ، بينما حمل ” إيغور سترافينسكي ” التمرد الفني إلى آفاق جديدة كاسرا القوالب ومعلنا ولادة زمن مختلف ، وفي الأداء كان صوت ” فيودور شاليابين ” صدى للروح الروسية بكل ما فيها من عمق وهيبة 

أما العمارة فهي الأخرى تحمل ذات الأهمية ، فهي ليست رحجارة صامتة بل قصائد قائمة في وجه الزمن ، فحين يمر الزائر أمام ” الكرملين ” لا يرى مجرد حصن سياسي بل يلمس تاريخا متراكما كطبقات الذاكرة ، وحين تتلألأ قباب ” كاتدرائية القديس باسيل ” بألوانها، يشعر وكأنها حكاية مرسومة على صفحة السماء ، اي أن هناك لا يمكن للعين أن تعبر دون أن تدرك أن الثقافة قد سكنت الحجر كما سكنت الإنسان ، فقد أثرت هذه الروح العميقة في الشعب الروسي حتى صاغت منه إنسانا يميل إلى التأمل ويبحث عن المعنى خلف كل شيء ، إنسانا يرى في الألم تجربة ، وفي الصبر قوة ، وفي الفن خلاصا ، حيث لم تكن هذه الثقافة مجرد إرث يحكى بل كانت طريقا للارتقاء الفكري والسلوكي والروحي ، حتى غدا الإبداع جزءا من الهوية لا خيارا خارجها 

وهكذا من زمن القياصرة إلى اليوم.لم تنطفئ الشعلة ، فما زالت روسيا تكتب نفسها لا بالحبر وحده ، بل بالفكر ، بالفن ، وبروح تعرف كيف تحول أقسى الفصول إلى ولادة جديدة ، إنها ثقافة لا تروى كقصة من الماضي بل تعاش كحقيقة مستمرة تذكر العالم بأن الجمال قد يولد من القسوة ، وأن الإنسان حين يصغي لروحه يستطيع أن يخلد أثره في الزمن ، لتبقى بذلك الثقافة الروسية شامخة كصمت الثلج حين يحمل في داخله ألف حكاية ، وعميقة كأرض خبأت في طبقاتها ذاكرة الشعوب ، لا تبهت مع الزمن ولا تنحني لعابر الأيام ، وكما يقول المثل الروسي القديم : ليس الجمال فيما تراه العين ، بل فيما تشعر به الروح ، فكأن روسيا بثقافتها كاملة لم تخلق لترى فقط ، بل لتعاش وتفهم وتحفر في أعماق الإنسان حيث لا يصل إلا ما هو خالد .

في عالم يزداد ضجيجه كل يوم ، يكتشف الانسان بصمت ان اكثر ما يتلاشى فيه ليس الوقت ولا المسافات بل الدفء الانساني نفسه ، وشيئا فشيئا يتغير ايقاع الحياة وتصبح العلاقات اقل بساطة مما كانت وتفقد الكلمات بعضا من صدقها القديم ، فلا يحدث ذلك كحدث صاخب يلفت الانتباه بل كتبدل خفي في روح العالم ، وكان البرودة تسللت الى القلوب دون ان يراها احد ، وعند تلك اللحظة يبدأ الانسان في الشعور بان العالم الذي كان يعرفه قد اصبح مختلفا ، حيث نفس الوجوه تمر امامه ونفس الطرق يسير فيها لكن المعاني التي كانت تمنح الاشياء قيمتها لم تعد كما كانت ، ومن هنا يبدأ التأمل العميق في سؤال قديم يتجدد مع كل جيل : كيف اصبح العالم اكثر ازدحاما بالبشر ، واقل امتلاء بالمحبة؟ 

فهناك لحظات في حياة الانسان لا تأتي كالصدمات العنيفة بل كتحول صامت في نبرة العالم من حوله ، لحظات لا يشعر فيها المرء بان الدنيا قد تبدلت فجأة بل يكتشف ببطء مؤلم ان شيئا ما لم يعد كما كان ، فلم تعد الطيبة تقابل بالطمأنينة التي تستحقها ، ولم يعد الصدق يجد تلك الثقة البسيطة التي كانت تمنحه معناه ، حتى اصبح الحذر لغة خفية تسري بين الناس واصبحت المسافات النفسية اطول حتى بين القلوب التي كانت يوما متقاربة ، ففي زمن مضى كان الانسان يطمئن الى الكلمة كما يطمئن المسافر الى ضوء بعيد في اخر الطريق ، وكان الوعد يحمل وزنا اخلاقيا يربط القلوب قبل ان يربط المصالح ،  اما اليوم فقد اصبح العطاء مخاطرة والصدق استثناء والنقاء حالة نادرة في عالم تعلم ان يتقن فن الاقنعة اكثر مما يتقن فن الصراحة 

نعم الدنيا لم تتغير في ملامحها الظاهرة ، فالمدن ما زالت تضج بالحياة والطرقات تمتلئ بالناس والايام تمضي بايقاعها المعتاد ، لكن شيئا ما تبدل في روحها العميقة ، هناك برودة خفية تسللت الى العلاقات و ” براغماتية ” قاسية اصبحت تحكم كثيرا من التفاصيل الصغيرة التي كانت يوما تدار بالمودة والبساطة ، وفي عمق هذا التحول الصامت يولد داخل الانسان شعور غريب ، ليس حزنا على شخص بعينه ولا اسفا على علاقة انتهت بل حنين واسع الى زمن كان يبدو اقل تعقيدا واكثر صدقا 

انه ” الحنين ” الى تلك اللحظات التي كانت فيها المشاعر تقال ببساطة والنيات تفهم دون كثير من الشكوك والقلوب تمنح ثقتها دون ان تجبر على حساب الخسائر مسبقا ، اما الان فقد اصبح العالم سريعا الى حد يجعل المشاعر تبدو عبئا وعمليا الى حد يجعل البراءة سذاجة وباردا الى درجة لا يلتفت فيها كثيرون الى حرارة القلوب الصادقة ، لتبدأ من هنا تلك الأسئلة الداخلية التي لا تقال بصوت مرتفع ، لكنها تتردد في اعماق الروح كصدى بعيد : الى اين ذهبت البساطة التي كانت تجعل الحياة اخف؟ واين اختفى الوفاء الذي كان يمنح العلاقات معناها؟ لكن الانسان حين يطيل التأمل في هذه الاسئلة يبدأ في اكتشاف حقيقة اعمق من الحزن نفسه ، فالدنيا لم تكن يوما مكانا ثابتا ولم يكن البشر على حال واحدة عبر الزمن ، لأن التغير هو قانونها الاول والخذلان احد دروسها التي لا يتعلمها القلب الا بعد ان يمر بها ، والخسارة لغة صامتة تتحدث بها الحياة حين تريد ان تعيد ترتيب فهم الانسان لما حوله 

في عالم تتسارع فيه الإيقاعات حتى تكاد الأيام تفقد ملامحها ، وتختزل فيه معايير النجاح أحيانا في أرقام عابرة وصور سريعة الزوال ، يبقى الإنسان الطموح هو الثابت وسط هذا الاضطراب كضوء صغير لا ينطفئ ، وكبوصلة خفية تعيد للخطوات اتجاهها حين تتشابه الطرق ، لتبرز لنا من ذلك تجربة الدكتور المصري ” علي الدكروري ” ، لا بوصفها مجرد قصة نجاح مهني بل باعتبارها سيرة إنسانية تتشكل من تفاعل الفكر مع العمل ومن إيمان عميق بأن الإنجاز الحقيقي يبنى ببطء ووعي وأثر ممتد 

ففي ظهوره الأخير عبر برنامج ” بنفكر في بكره ” لم يكن الحوار استعراضا لمسيرة حافلة بقدر ما بدا تأملا هادئا في معنى الرحلة نفسها ، كان حديثه أقرب إلى جلسة مصارحة مع الزمن ، حيث تتراجع الضوضاء وتظهر التفاصيل التي لا تراها العناوين الكبيرة من : بدايات متواضعة وخطوات صغيرة ومحاولات لا تبدو استثنائية في ظاهرها ، لكنها كانت مشبعة بإصرار لا يعرف التراجع ، لقد اتسم حضوره بنبرة هادئة توحي بأن التجربة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب كي تثبت نفسها ، وأن الحكمة كلما تعمقت ازدادت بساطة ووضوحا ، فتحدث عن مسافة طويلة بين الفكرة والتنفيذ ، وعن ليال من العمل المتواصل ، حيث لا يكون الصبر انتظارا سلبيا بل فعلا يوميا من البناء والتصحيح والتعلم ، فمن هناك في تلك المساحات غير المرئية ، يتشكل جوهر النجاح الحقيقي ، ففي واحدة من عباراته التي بدت كخلاصة تجربة طويلة أشار إلى أن النجاح لا يقاس بسرعة الوصول بل بالقدرة على الاستمرار رغم الرياح ، وبالخطوات المتتابعة التي تقيم صرحا لا تهزه العواصف ، وهي رؤية تعيد تعريف ” القمة ” ذاتها ، فالقمة ليست نتيجة اندفاع سريع بل ثمرة توازن دقيق بين الرؤية والعمل وبين الطموح والصبر ، حين يصبح الطريق مدرسة وتتحول الرحلة إلى إنجاز قائم بذاته 

غير أن ما يمنح هذه التجربة بعدها الثقافي والإنساني هو إعادة تعريف غاية النجاح ، فالمسألة، في تصوره لا تتعلق بتحقيق إنجاز فردي بقدر ما ترتبط بقيمة الأثر ، لان النجاح الذي لا ينعكس خيرا على الآخرين يظل ناقصا ، أما حين يتحول إلى فرص تخلق ومعرفة تنشر وأمل يمنح ، فإنه يغادر حدود المكسب الشخصي ليصبح طاقة اجتماعية قادرة على صناعة مستقبل أفضل 

وهنا لا تبدو الأفكار الطموحة غاية بحد ذاتها ، بل بداية لمسؤولية أكبر ، فالفكرة التي تبقى في حيز الاحتمال تظل وعدا مؤجلا ، أما حين تترجم إلى عمل منظم ومؤثر فإنها تتحول إلى قوة تغيير حقيقية ، ليتجاوز النجاح بذلك لغة الأرقام والأرباح ويدخل مجال الرسالة والمعنى ، إن تجربة ” الدكروري ” ليست مجرد حكاية صعود مهني ، بل سردية إنسانية عن العلاقة بين الفكر والفعل وبين الطموح والعطاء ، وهي تذكير بأن الرقي لا يقاس بالألقاب أو الشهادات بل بما يتركه الإنسان من أثر حي ، وبما يزرعه من فرص وأفكار في حياة الآخرين ، فالقمة في جوهرها ليست مكانا نصل إليه بل قيمة نعيش بها ، والطموح حين يقترن بالحكمة يتحول إلى أداة بناء ، والعمل حين يستند إلى القيم يصبح طريقا نحو مجتمع أكثر وعيا وأملا 

وهكذا تتحول التجربة من قصة نجاح فردية إلى رسالة أوسع بأن الإنسان هو نقطة البداية ، وأن القيم هي الأساس ، وأن العمل هو الطريق ، وأن الحلم مهما كان كبيرا لا يكفي وحده بل يحتاج إلى عقل يديره وقلب يمنحه المعنى وإرادة تترجمه إلى فعل ، حينها فقط يصبح الطموح بصمة لا تمحى ، وحكاية تمتد آثارها إلى ما بعد صاحبها كضوء يظل حاضرا حتى بعد أن يغادر المشهد .

/
بقلم .. دعاء هزاع الجابري 

في ليال يغمرها المطر كوشاح من نغم خافت ويتمدد فيها الشتاء طويلا ، كأنه يسعى لأن يروي حنينا أزليا لا يرتوي ، نفتش عن كلمات تشعل في أعماقنا جمرة دفء لا تطفئها الرياح ، ونبحث عن حكاية تنصت لقلوبنا أكثر مما نحسن نحن الإصغاء إليها ، عن سطور تعرف كيف تحملنا برفق إلى عالم يتلاشى فيه وجع الدنيا ، ويعلو فيه صوت الروح صافيا بلا ضجيج 

هناك ، بين صفحات كتاب وآخر ، حيث تصفر الأوراق بمرور السنين ، كما لو أنها تحفظ ذاكرة اللمس ، تتفتح لنا أبواب لا يصل إليها النهار ، وتولد كلمات تبحر بنا على مهل نحو موطن دفء يأبى الفراق ، موطن يتشبث بنا حتى آخر لحظات بزوغ الفجر ، وكأن الفجر ذاته يتردد قبل أن يطل ، خشية أن يقطع علينا حلاوة التجلي في تلك اللحظة الساكنة بداخلنا 

نلتف بليل محاك من الكلمات ، ليل يشبه حضنا ناعما لا يرى ، وفي أيدينا فنجان شاي إنجليزي يتصاعد بخاره ، كأنه روح الكتاب القادمة 

إلينا بدفئها ، وعلى الطاولة قطعة كعك تفوح منها رائحة البيوت القديمة ، تلك البيوت التي لا تستعاد إلا بين دفتي رواية وأخرى ، ومع كل فصل جديد  نسافر بلا إذن : إلى تلال إيرلندا المسكونة بالندى ، إلى قلاع اسكتلندا حيث ينام الزمان شامخا ، إلى أزقة باث التي تخبئ بين حجارتها أنفاس قرون مضت ، ونمسك بحقائب من خيال ، ونلف أوشحة من شوق يعتصرنا ، ونمضي في دروب لم نعرفها إلا حين كتبتها لنا يد كانت تؤمن بأن العالم لا يتسع إلا للحلم إذا جاء مكتوبا ، تلك اليد ، يد امرأة نسجت من الرقة وطنا ، ومن البساطة رحلة ، ومن الحكاية موقدا يذيب صقيع هذا العالم ، امرأة ليست روائية فحسب ، بل سحر ودفء في قلب هذا الكون الشاحب 

إنها جين أوستن ، التي كتبت لنا قصصا لا تقرأ بل تعاش ، قصصا نضعها على صدورنا كما توضع الذكريات الثمينة ، ونرتلها في ليالي الوحدة كترنيمة تمنح القلب سببا للنبض ، وشغفا متجددا للحياة ، هي التي جعلت الكلمات تمشي على أطراف أصابعها كي لا تكسر صمت الأحلام ، ووهبتنا شخصيات تشبهنا : تحب مثلنا ، وتنتظر مثلنا ، وتخطئ وتخاف وترتجف كما ترتجف قلوبنا الساكنة وسط ضجيج هذا العالم ، امرأة أعادت إلينا دفء الروح حين كدنا نفقده ، ومنحتنا حكايات تفتح لليل نافذة ، وللروح ملاذا ، وللقلب لغة لا يعرفها سواه 

ففي أعمالها وجدنا حنينا يوقظ ذاكرتنا ، ودفئا يسكب الطمأنينة في قلوبنا وشغفا يعيد إلينا رغبتنا في الكتابة ، كأنها تضع القلم بين أيدينا وتهمس : اكتبوا ، فالعوالم لا تخلق إلا بالكلمات  

وهكذا ، يبقى أثرها فينا ممتدا لا يذوب بمرور الوقت ، ولا يتلاشى مهما تغير العالم من حولنا ، ويبقى معها ذلك الشعور الجميل بأن : الأدب ليس مجرد حكاية تقرأ ، بل وطن يحتوينا حين يبرد كل شيء ، فحين نغلق آخر صفحة ، يبقى دفء الحكاية عالقا في أطراف القلب ، لنقف أمام سؤال لا يبحث عن جواب ، بل عن دهشة أطول عمرا : من أي عالم جاءت جين أوستن يا ترى؟ ، أمن عالم يعرف كيف ينصت للقلوب قبل أن تنطق؟ أم من زمن كانت فيه المشاعر تكتب على مهل ، وتصان كما تصان الأسرار الجميلة؟ ، لعلها أتت من مكان لا يخضع لقسوة الواقع ، من ضفة أخرى للعالم ، حيث الحب لا يشيخ ، والرقة لا تهزم ، والكلمات تولد وفيها دفء البشر جميعا ، أو ربما لم تأت من عالم بعيد ، ربما كانت واحدة منا لكنها رأت ما عجزنا عن رؤيته ، وسمعت ما تجاهلناه طويلا ، فكتبت كي تترك لنا أثرا يدل الطريق ، وكي تهمس في آذاننا كلما اشتد البرد : إن في الحكاية خلاصا ، وفي الأدب حياة أخرى ، وفي الكلمات وطنا لا يخذل ساكنيه

لتبقى جين أوستن هكذا سؤالا جميلا لا نريد له جوابا ، لأن بعض الأسئلة خلقت كي تبقى مضيئة ، تماما كأثرها فينا ” دافئا ، وصامتا ، وأبديا ” .

صدرت عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات رواية «المكلا.. التي نجت»، التي توثّق سرديًا التحولات العنيفة التي شهدتها مدن ساحل حضرموت، وبصورة خاصة مدينة المكلا، خلال فترة سيطرة تنظيم القاعدة عليها، من خلال مقاربة إنسانية تبتعد عن السرد الأمني والعسكري المباشر.

وتقدّم الرواية، للباحث والأكاديمي د. صبري عفيف، قراءة سردية توثّق مرحلة سقوط مدينة المكلا بيد تنظيم القاعدة، وما رافقها من تحولات نفسية واجتماعية عميقة في حياة السكان، مركّزة على أثر العنف في تفاصيل الحياة اليومية، لا على الحدث بوصفه واقعة أمنية معزولة.

وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى توثيق التحولات التي شهدتها المدن الساحلية في جنوب اليمن خلال السنوات الماضية، تبرز رواية «المكلا.. التي نجت» بوصفها عملًا سرديًا يقدّم مقاربة مختلفة لفهم تلك المرحلة، عبر تفكيك التغيرات التي أصابت اللغة، والسلوك الاجتماعي، وأنماط الخوف والتكيّف داخل المدينة.

وقال د. صبري عفيف لـ(اليوم الثامن) إن الرواية لم تسعَ إلى تسجيل الوقائع كما تفعل التقارير أو البيانات الرسمية، بل حاولت الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر توثيق الأثر النفسي والاجتماعي لسيطرة تنظيم متطرف على مدينة ساحلية عُرفت تاريخيًا بهدوئها وانفتاحها. وأوضح أن السقوط لا يظهر في النص من خلال مشاهد الاشتباكات أو مظاهر السلاح، وإنما عبر تغيّر الفضاء العام، وانكماش الحياة الاجتماعية، وتحول الخوف إلى سلوك يومي اعتيادي، وهو ما يمنح الرواية قيمة توثيقية من زاوية غالبًا ما تُهمَل في التحليل التقليدي.

وأشار إلى أن الرواية تتعامل مع مدينة المكلا بوصفها كيانًا حيًا، لا مجرد مسرح للأحداث، حيث تتحول الشوارع، والمدارس، والأسواق، والمجالس، وحتى الصمت، إلى أدوات سرد تكشف كيف أعاد التنظيم فرض تعريف جديد لما هو “عادي”، وكيف تكيف المجتمع مع واقع مفروض دون أن يعني ذلك القبول به. ويقدّم هذا النمط من السرد قراءة أعمق لكيفية عمل التنظيمات المتطرفة داخل المدن، وسعيها إلى تطويع المجتمع عبر التحكم في إيقاع الحياة اليومية، لا عبر المواجهة الدائمة.

وفي سياق استعادة الذاكرة، تستحضر الرواية التفجير الإرهابي الذي أودى بحياة الطفلة منار صالح شرارة فوق جسر خور المكلا عام 2016، بوصفه رمزًا لانتهاك العنف لحياة المدنيين، ولا سيما الأطفال. ويَرِد هذا الحدث في النص كجرح مفتوح في ذاكرة المدينة، دون استثمار عاطفي مباشر أو خطاب إدانة صاخب، ما يمنح السرد بعدًا أخلاقيًا متماسكًا ويعزّز من صدقيته الإنسانية.

ولا تتوقف الرواية عند لحظة السقوط أو ذروة العنف، بل تمتد إلى ما بعدها، متتبعة مرحلة الانسحاب، والفراغ الذي خلّفه التنظيم، ثم إعادة بناء الأمن، وعودة المدينة إلى نفسها بصورة مختلفة. ويمنح هذا الامتداد الزمني العمل أهمية خاصة، كونه يوثّق مرحلة “ما بعد التنظيم”، وهي مرحلة غالبًا ما تغيب عن النقاش العام رغم تأثيرها العميق على المجتمع.

ومن منظور بحثي، تمثّل الرواية نموذجًا لكيف يمكن للأدب أن يكمّل العمل التحليلي، من خلال توفير مادة حيّة لفهم الأثر الاجتماعي والنفسي للتطرّف، وكيفية تشكّل أنماط الصمت والتكيّف والنجاة داخل المدن. فهي لا تقدّم إجابات جاهزة، بقدر ما تفتح أسئلة حول العلاقة بين العنف والمدينة، وبين الخوف والذاكرة، وبين النجاة وإعادة بناء المعنى.

وبهذا المعنى، لا توثّق رواية «المكلا.. التي نجت» سقوط مدينة بيد تنظيم القاعدة بقدر ما توثّق كيف عاشت المدينة هذا السقوط، وكيف واجهته، وكيف خرجت منه وهي أكثر وعيًا بثمن الصمت وبقيمة الذاكرة، ما يجعل العمل إضافة مهمّة لمسار توثيق الذاكرة اليمنية الحديثة من زاوية إنسانية تستحق التوقف عندها.

ليان صالح/ المكلا