هل كان الشعر العربي، عبر تاريخه الطويل، مجرد تعبير جمالي، أم أنه أدى دوراً أعمق في إعادة تشكيل الوعي ومساءلة القيم السائدة؟ هذا السؤال يشكل المحور الرئيس لكتاب «شعرية الأفكار وصيرورة الأنوار» للدكتور عبد الفتاح أحمد يوسف، أستاذ الأدب والدراسات النقدية الحديثة بجامعة البحرين، والصادر حديثاً عن دار الروافد الثقافية في بيروت.
ينطلق الكتاب من قراءة جديدة للقصيدة العربية بوصفها فضاءً لإنتاج الأفكار، لا مجرد وعاء للبلاغة والإيقاع، متسائلاً عن قدرة الشعر على تجاوز الواقع الاجتماعي وإعادة صياغة رؤى أكثر انفتاحاً تجاه الإنسان والعالم. ويطرح المؤلف سؤالاً معرفياً لافتاً حول طبيعة الأفكار الأدبية، وما إذا كانت مجرد تراكمات ثقافية أم أنها مجازات معرفية تمتلك القدرة على إحداث تحولات في الوعي الجمعي.
ويعود الكتاب إلى الشعر العربي القديم، متتبعاً نماذج بارزة من شعراء المعلقات، مثل امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد والمهلهل بن ربيعة، ليبرز كيف حملت نصوصهم قيماً تجاوزت سياقها التاريخي، من الدعوة إلى التسامح ونبذ العصبية، إلى الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية، والتمرد على أنماط التمييز الاجتماعي.
ويخصص المؤلف مساحة مهمة لتجربة عنترة بن شداد، معتبراً أن قصيدته لم تكن مجرد سيرة بطولة، بل خطاباً يواجه البنية الاجتماعية التي كرّست التمييز بين الأسياد والعبيد، مقدماً نموذجاً شعرياً يحتفي بالإرادة والحرية وتجاوز القيود الاجتماعية. كما يتوقف عند شعر زهير بن أبي سلمى الذي دعا إلى إيقاف الحروب والثأر، وجعل من السلام قيمة إنسانية تتجاوز حدود الوعظ الأخلاقي إلى رؤية حضارية أكثر اتساعاً.
ولا يقتصر الكتاب على العصر الجاهلي، بل يمتد إلى صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، متتبعاً تحولات الخطاب الشعري في علاقته بالسلطة والمجتمع. ويبرز أسماء مثل أبو تمام وأبو نواس وبشار بن برد وأبو العلاء المعري، بوصفهم شعراء خاضوا مواجهة فكرية مع الخرافة والجمود، ورسخوا مكانة العقل والمعرفة في مواجهة الموروثات المغلقة.
ويرى المؤلف أن القصيدة العربية الكلاسيكية كانت مساحة للبحث عن الذات، وسعت إلى بناء عالم أكثر رحابة في مواجهة القيود التي فرضها الواقع الاجتماعي. فمن خلال موضوعات مثل الحب والموت والبطولة والكرم والعدالة والتسامح، استطاع الشعر أن يطرح أسئلة تتجاوز زمنه، وأن يفتح آفاقاً جديدة للتفكير في الإنسان ومصيره.
كما يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين الشاعر والسلطة، مشيراً إلى أن بعض قصور الحكم وفرت بيئة احتضنت التجارب الشعرية المغايرة، وأسهمت في ازدهارها. ويستعرض في هذا السياق أثر بلاط سيف الدولة الحمداني في تشكيل تجربة المتنبي، كما يتناول دور رعاية الخلفاء والأمراء لشعراء مثل أبي تمام والبحتري، بوصفها عاملاً ساعد على استمرار الخطاب الشعري التنويري في مواجهة الضغوط الاجتماعية.
ويخلص الكتاب إلى أن الشعر العربي لم يكن مجرد سجل للأحداث أو مرآة للمجتمع، بل كان أحد أهم أدوات إنتاج الأفكار وتوسيع أفق الوعي، إذ جمع بين الخيال والعقل ليصوغ خطاباً قادراً على مساءلة المألوف، وإعادة التفكير في القيم الراسخة، وهو ما منح القصيدة العربية حضورها المستمر في الذاكرة الثقافية العربية، بوصفها نصاً إبداعياً ومشروعاً معرفياً في آن واحد.

