استعراض الأقسام

الكتب

في كتابه «مواقع للتذكّر»، يقدّم الباحث الإثيوبي Abebe Zegeye تجربة فريدة تتجاوز حدود التوثيق البصري إلى فضاء أعمق من التأمل في معنى الفن وهويته. ليس الكتاب مجرد عمل غني بالرسوم التوضيحية، بل هو دعوة مفتوحة لإعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها الفن الأفريقي، بعيدًا عن القوالب الجاهزة والرؤى المستوردة.

ينطلق زيغايي من Ethiopia، حيث تتشكّل أولى محطات الذاكرة، مصطحبًا القارئ في رحلة مع الموسيقي Mulatu Astatke، الذي لم يذِب في الموسيقى الغربية، بل أعاد تشكيلها بما يخدم الإيقاع الإثيوبي ويحفظ روحه الخاصة. في هذا السياق، لا يبدو المزج مجرد تجربة فنية، بل فعلًا واعيًا لصون الهوية.

ومن الموسيقى إلى التشكيل، يفتح الكتاب نافذة على العالم الإبداعي للفنان Yitbarek Getachew، حيث يتحوّل الفن إلى طاقة إلهام متجذّرة في البيئة والثقافة، تعكس خصوصية التجربة الإثيوبية وتفرّدها.

تتجلّى قيمة الكتاب أيضًا في سعيه لبناء أرشيف بصري أفريقي نابع من الداخل، يوثّق الإنسان الأفريقي بصوته وصورته، بوصفه ردًّا معرفيًا على تاريخ طويل من الهيمنة الاستعمارية التي صاغت صورة القارة من الخارج.

وفي قراءة نقدية عميقة، يتوقّف زيغايي عند أعمال المصوّر Chester Higgins، مستكشفًا من خلالها ثيمة “غربة المكان”، حيث تتداخل السياسة بالدين، والفن بالمجتمع، ضمن رؤية بصرية تحمل أبعادًا إنسانية مركّبة. ويختتم الكتاب بفصل يضيء على معرض مهم، إلى جانب فهرس نقدي يربط بين الفن الأفريقي المعاصر وسياقاته المتعددة، بما في ذلك حضور المكان والعملات في تشكيل العمل الفني.

في زمنٍ طالما احتكر فيه الآخر كتابة السردية الأفريقية، يأتي هذا الكتاب كصوت أصيل يعيد الاعتبار للرؤية الداخلية، ويؤكد أن الفن الأفريقي ليس موضوعًا للقراءة فحسب، بل تجربة تُكتب من داخلها.

ويُذكر أن زيغايي يشغل منصب مدير مركز البحوث والتنمية في التعلّم (CRADLE) في Addis Ababa، حيث يواصل اهتمامه بقضايا الهوية والسياق الاجتماعي في أفريقيا، مؤسسًا لخطاب معرفي ينتمي إلى جذوره بقدر ما ينفتح على العالم.

كرم نعمة يعيد صياغة الذكاء الاصطناعي كقصة رمزية

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.

عن/ الشرق الاوسط

//

روايات نشرت على مدى 65 عاماً وكتبت في جغرافيات مختلفة

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً – ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.

عن| سوسن الابطح

زمنٍ كانت فيه المدن تُعَلِّق أسماءها على واجهات المحلات وتُميّز الأصوات العالية، وُلدت صناعةٌ هادئة صناعة الكتاب تعمل في الظلال كما لو أنها خائفةٌ من الأضواء. أعرف ورشةً لا مكان لها على الخرائط؛ يسكنها كاتبٌ مسافر في المدينة بحبره، ومصمِّمٌ يبني للورق وجهًا، ومحرِّرٌ يقطف العبارات كفاكهةٍ ناضجة،في الصباح يأتون وهم يحملون في جيوبهم خبزاً رخيصاً وكومة أحلامٍ لا تكلّ، وفي الليل يغادرون حاملين نسخًا معدودة، وكأنهم يخرِجون مولودًا من بيتٍ صغير إلى شارعٍ لا يعرفه.

الكتاب هنا صناعةٌ من ضوءٍ مقطوع كل صفحة تُصنع من مئات البدايات المهجورة ،فكرة بدأت على منديل، فصل وُلد ثم طار، عنوان رفض أن يبقى ليس فقط الحبر أو الورق ما يجعل العمل عسيراً، بل شبكةٌ من عوائقٍ مرئيةٍ وغير مرئية. أذكر مرةً بحثت عن ناشر في حارةٍ يبدو أن الكتب فيها أصبحت ترفًا؛ استقبلني رجلٌ من طرازٍ قديمٍ، نظر إليّ بعينين متعبة، وقال: “نص جيد، لكن من يشتريه؟” كانت الإجابة كالسوائل التي تهرب من أصابعي: القارئ غائب، المال محدود، والوقت يسرقنا بلا هوادة.

هناك من يظن أن المظلومية التي تلاحق هذه الصناعة تأتي من رقابةٍ رسمية فقط. لا، الرقابة أعقد: رقابة الخوف من قِبل المجتمع، رقابة السوق الذي يفضل الخفيف على العميق، ورقابة الجهل الذي لا يعرف طقوس القراءة. الكاتب يصبح متهمًا بتبذير الكلام إذا لم يُحَقِّق مبيعات، والناشر يُحاكم إذا خاطر بتمويل كتابٍ لا يوافق ذوق السوق. وفي ظاهرةٍ أكثر قسوة، يتعلّم بعض الأدباء أن يهمّشوا أنفسهم طواعيةً كي لا يُطردوا من سوقٍ لا رحمة فيه.

رغم ذلك، لا تمُتُّ الروح. هناك ركنٌ مظلم في المقاهي، حيث يُجتمع قارئون كالمتمردين، يحملون نصوصًا مطبوعة على طابعاتٍ منزلية، يقرأون بصوتٍ منخفض وكأنهم يؤدون طقسًا سريًا. أذكر سيدةً مسنةً تقرأ قصصًا لأطفالٍ لا يملكون سوى جهازٍ صغيرٍ على الطاولة يشتري لهم ألعابًا افتراضية، وتقول للكاتب بابتسامةٍ تعلو وجهها: “أنت تحفظ دنياي من الضياع.” هذه الجملة وحدها تقلب المظلومية إلى معنى—لا قيمة للكتاب عند من لا يعرف احتياجه، لكن هناك دائمًا من يعرف.

صناعة الكتاب في بلادنا مُطالبةٌ بصبرٍ أسطوري. أحيانًا تتطلب ثمنًا شخصيًا: تنازلات، ساعاتٍ بلا نوم، وظائفٍ نهارية تمنعك من الكتابة ليلًا. وفي المقابل، تُعطى نادرةً من الاعتراف؛ جائزاتٌ تُمنَح كذباً أو تُنسى، مراجعاتٍ سريعة لا تتجاوز ثلاثة أسطر، أو أصواتٍ نقديةٍ تتنافس على رفض الأعمال بدلاً من قراءتها. هذه لعبةٌ مُرهِقة—لكنها أيضًا المكان الذي تُولد فيه الشجاعة.

ما الذي يجعل هذه الصناعة مظلومة؟ ليس فقط قلة الموارد أو غياب القارئ، بل أيضاً أن المجتمع نفسه لا يعترف بالكتاب كصنعةٍ تنتج قيمًا حقيقية. عندما يُعامل الكاتب كمتعةٍ ثانوية أو كوسيلةٍ للتسلية، يتقلص دوره من صانعٍ للذاكرة إلى مُنتِجٍ استهلاكي. ولأن الثقافة تُبنى على تراكمٍ يوميّ، فإن إهمال الكتاب يعني إهمال التاريخ، إضاعة حكاياتٍ كانت ستكوّن ذاكرة الأجيال المقبلة.

لكن القصص الصغيرة تنقذنا. في أزقة الحارات، يظهر ناشرٌ مستقل يطبع خمسين نسخة بتمويلٍ ذاتي، ثم يوزع بعضها على المكتبات، وبعضها على الأصدقاء. يخرج مشروعٌ رقمي من غرفةٍ صغيرة يكتشف مواهبٍ كانت مخفية. وفي المدارس، حين يبدأ معلمٌ بسيطٌ بتشجيع الأطفال على كتابة قصصهم، تنشأ بذرة قد تتحول إلى حقل. هذه الحركات الشفافة لا تصنع ثورةً فجائية، لكنها تبني شيئًا لا يُقاس بالأرقام: ثقافة تُقدر الحكاية.

أكتب هذا الكلام كمواطنٍ شاهد وألمس، لا كخبيرٍ بعيد. أحب أن أتصور يومًا تأتي فيه دور النشر لتَجِد جمهورًا لا يكترث بالإعلانات، بل يبحث عن نصٍّ يُحركه. أتخيل مكتباتٍ في الأحياء، ليس فقط لعرض الكتب، بل كمراكزٍ للتلاقي والحوار. أتخيل مؤسساتٍ صغيرة تدعم الكُتّاب مادياً فلا يضطرون للعمل في وظائفٍ تدفِن نصوصهم في أدراج الساعات.

في النهاية، صناعة الكتاب في الوطن العربي ليست مجرد مهنة؛ هي طقسٌ إنساني. ربما تبدو مظلومة لأن صوتها منخفض، لكنها تبقى الحبل الذي يربط بين أجيالٍ لا تريد أن تُنسى. إن أردنا أن نُنهي تلك المظلومية، فليس بالكلام وحده بقدر ما هو بالممارسات اليومية: شراء كتاب، حضور قراءة، تشجيع ناشرٍ صغير، وتعليم طفلٍ كيف يُحبّ صفحةً جديدة. بهذه الأشياء الصغيرة تتراكم مقاومةُ الهشاشة، ويصبح لكل نصٍ موضعٌ آمنٌ ليولد ويكبر.

لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في عيادات طب الأسنان مجرّد فكرة تُناقش في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً يتسلّل بهدوء إلى تفاصيل الممارسة اليومية. فقبل أن يجلس الطبيب مع مريضه، تكون الخوارزميات قد بدأت بالفعل في قراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات، ممهّدةً لمرحلة جديدة من التشخيص والدقة.

في هذا السياق، يبرز كتاب حديث للدكتور عميد خالد عبد الحميد بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry»، بوصفه محاولة جادة لفهم هذه التحوّلات العميقة، لا من زاوية تقنية فحسب، بل من منظور فكري وأخلاقي أيضاً. فالكتاب لا يكتفي برصد صعود الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، بل يسعى إلى مساءلة أثره على جوهر القرار الطبي، وعلى العلاقة الحساسة بين خبرة الطبيب وحدود تدخل الخوارزميات.

ينطلق المؤلف من سؤال لم يعد افتراضياً: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تطوّر الممارسة الطبية دون أن تُفرغها من بعدها الإنساني؟ هنا يقدّم رؤية متوازنة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته العالية على التحليل والدقة، يظل أداة مساعدة تعزّز القرار الطبي ولا تستبدل به. فالحكم السريري، كما يوضح، لا يُبنى على البيانات وحدها، بل يتشكّل عبر تجربة إنسانية تراكمية يعيشها الطبيب مع مرضاه.

ولا يقف الكتاب عند الجانب التقني، بل يغوص في تعقيدات الأسئلة الأخلاقية التي تفرضها هذه الثورة: من يتحمّل مسؤولية التشخيص عندما تشارك الخوارزميات في صنع القرار؟ كيف يمكن ضمان شفافية الأنظمة الذكية وعدالتها؟ وأين تنتهي حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ في هذا الإطار، يطرح المؤلف مفهوم «الشراكة الذكية»، حيث تتكامل قدرات الإنسان والآلة دون أن يُلغِي أحدهما الآخر، في صيغة تحافظ على إنسانية الطب وتستفيد في الوقت ذاته من قوة التقنية.

وقد صدر الكتاب بنسختين؛ إنجليزية موجّهة للقارئ العالمي، وأخرى عربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة النقاش داخل العالم العربي، ونقل هذا التحوّل من فضائه الدولي إلى سياقه المحلي، بما يفتح الباب أمام حوار علمي ومعرفي أوسع.

الكتاب هو خلاصة مسار بحثي وكتابي ممتد، جمع فيه المؤلف عدداً من مقالاته ودراساته المنشورة في الصحافة العلمية، لا سيما في صفحة «علوم» بصحيفة «الشرق الأوسط»، حيث دأب على تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب من زوايا متعددة تجمع بين العلم والفلسفة.

وقد لقي العمل صدى في الأوساط العلمية الدولية، إذ أشارت مجلة «British Dental Journal» إلى أهميته في تقديم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج، مع التأكيد على أن القرار الطبي النهائي يظل مسؤولية الطبيب وحده.

الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن، ويواصل عبر كتاباته الإسهام في بناء وعي نقدي حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية في المجال الصحي.

في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات بسرعة لافتة، يذكّر هذا الكتاب بأن الطب لن يتحوّل إلى معادلة رقمية صِرفة، بل سيبقى توازناً دقيقاً بين دقة التقنية وحكمة الإنسان. فجوهر الممارسة الطبية لا يكمن في البيانات وحدها، بل في القدرة على فهم الإنسان… قبل تشخيص مرضه.


تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة. في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً. تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي. بيع الأفكار تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية. وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها. من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري». وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر. حضور مُتخيّل في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة». ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون». وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع. تدريب على المشي تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها. في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص. ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل. هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر. حرر هذه المقاله واعد صياغتها لنشرها في موقع جدارية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي من صعيد مصر مسرحاً رئيسياً لتأملاته في الهامش الاجتماعي والمكاني. فالنجع في الرواية لا يظهر مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء مكتظ بالمهمشين الذين يكتفون بالكفاف ويكافحون من أجل البقاء. وهكذا يغدو المكان بنية ضاغطة تعيد إنتاج الفقر والقهر، تماماً كما تعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

الرواية، الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع في القاهرة، تمهّد لعالمها السردي عبر شبكة من الحكايات اليومية و«النميمة» القروية التي تشكّل متنفساً لأهل النجع في مواجهة قسوة النهار ووحشة الليل. فالحكاية هنا ليست مجرد تسلية؛ بل آلية للبقاء ووسيلة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، حيث يلتف الناس ليلاً حول «كانون» الشاي الثقيل يتبادلون الأخبار والقصص. ومن هذه التهيئة الجماعية تنطلق شرارة الحدث الأساسي في الرواية: اختفاء الشابين «حامد» و«صباح»، وما يثيره ذلك من شائعات وتكهنات بين أهل القرية.

سيزيف معاصر

يستدعي الراوي، الذي تربطه بـ«حامد» علاقة قديمة، صورة هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنية، الذي يعمل «فاعلاً» بالأجر اليومي ويهوى الغناء الصعيدي. وعلى الرغم من أن أهل القرية يطلقون عليه لقب «الأبله»، فإن السارد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن أدانته الجماعة اجتماعياً.

اختيار مهنة «الفاعِل» ليس تفصيلاً عابراً؛ فـ«حامد» يبدو أقرب إلى سيزيف معاصر، عالق في طاحونة العمل اليومي. يبدأ نهاره بحمل الأثقال مقابل أجر زهيد، لا يطلب منه سوى ما يكفي لشراء «دخان المعسل»، بينما يهب بقية يوميته لأمه. هكذا يتكرر الفعل ذاته كل يوم في دورة لا تتغير، بما يحيل إلى استعارة الطاحونة التي تمنح الرواية عنوانها.

ويرسم العديسي ملامح القرية ببطء مشهدي؛ القيظ الحاد، وحقول القصب والذرة، وأسطح البيوت الفقيرة. فالطقس هنا ليس مجرد خلفية؛ بل سلطة رمزية تهيمن على المشهد. فالحرّ «يتبختر» بين الحقول والطرق، كأنه يعلن سيطرته على الجميع، تماماً كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها على حياة الناس. وفي هذا المناخ المشحون تنتشر الشائعات بسرعة، لتتغذى القرية الصغيرة على «فضلات الأخبار»، بينما يتحول خبر هروب «حامد» و«صباح» إلى مادة يومية للسخرية والتندر، بوصفهما عاشقين خرجا على تقاليد النجع.

نباهة شعبية

تكشف علاقة «حامد» بالراديو وأغاني المداحين وأغاني «الكف» جانباً إنسانياً مهماً من شخصيته. فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة حين يلاحظ أن كثيراً من أهل القرية، رغم أميتهم، يتفاعلون بعمق مع معاني القصائد الصوفية التي يرددها المداحون، حتى تلك التي كتبها شعراء كبار مثل ابن الفارض وابن عربي. ويعترف الراوي بعجزه عن تفسير هذه القدرة الحدسية على التقاط المعنى، في إشارة إلى وعي شعبي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

«العندليب الأسود»

في ذاكرة السارد، يظل «حامد» حاضراً كشخصية ملتبسة تجمع بين السخرية والبراءة. فأهل النجع يطلقون عليه لقب «العندليب الأسود» تهكماً على صوته الغليظ وهو يغني، لكنه مع ذلك يحرص على حضور تجمعات المداحين والموالد والأفراح، وكأنه يبحث عن مساحة اعتراف لا توفرها له حياة القرية اليومية.

وتبرز علاقة «حامد» بوالدته «شفا» بوصفها مساحة الحنان الوحيدة في حياته؛ فهي ترعاه حتى وفاتها بعطف كبير، مدركةً في الوقت نفسه هشاشة وضعه الاجتماعي والهامش الذي كُتب له أن يعيش فيه.

منطقة رمادية

يتداخل صوت الراوي مع ذكرياته عن «حامد» في طبقتين سرديتين: استعادة طفولة مشتركة، وتأمل متأخر في طبيعة هذا الفتى المختلف. فالراوي يشعر منذ الصغر بأن «حامد» ليس طفلاً عادياً، بسبب قوته الجسدية وشروده الدائم وصمته الطويل ونظرته الزائغة. ومع ذلك لا يحسم السارد طبيعة هذا الاختلاف؛ بل يتركه مفتوحاً، مانحاً الشخصية عمقاً إنسانياً يتجاوز الأحكام الجاهزة التي أطلقها المجتمع عليه.

بين الحب وسلطة الجماعة

مع عودة «حامد» و«صباح» إلى النجع، يتسع الصراع بين سلطة التقاليد وتمرد الفرد. وهنا تكشف الرواية عن تبادل مواقع السخرية والهامش، وكأن القرية نفسها مضطرة لإعادة تعريف مركزها. غير أن رهان «حامد» في النهاية يبدو بسيطاً وبالغ الإنسانية: الوقوع في الحب، والتعلق بأغاني الصعيد الشجية التي يجد فيها صدىً لمشاعره، بينما تبادله «صباح» الهوى بالحساسية ذاتها.

بهذا المعنى، تقدّم «طواحين الهوى» سردية عن الهامش الإنساني في الريف المصري، حيث تتقاطع السخرية مع القهر، وتدور حياة الناس في حلقة يومية تشبه دوران الطاحونة، فيما تظل الحكايات ملاذهم الوحيد لمقاومة قسوة الواقع.

/

تنطلق الباحثة البريطانية كاتي دا كونها لوين في كتابها الجديد «غرفة الكاتب: العوالم الخفية التي تشكّل الكتب التي نحبها» (منشورات جامعة برنستون، 2026) من سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: ما الذي يفعله المكان بالنص الأدبي؟ وكيف تسهم الغرفة أو المكتب أو المقهى في تشكيل إيقاع الكتابة وبنيتها؟

مستحضرةً مقولة فرجينيا وولف عن ضرورة امتلاك «دخل ثابت وغرفة يمكن قفلها»، تعيد المؤلفة النظر في الأمكنة التي وُلدت فيها أعمال كبرى من الأدب الحديث، لا بوصفها تفاصيل هامشية في سِيَر الكتّاب، بل كمفاتيح لفهم طبيعة نصوصهم.

من غرفة وولف الخاصة، إلى الطاولة المشتركة لدى إميلي برونتي، ومن مكتب سيغموند فرويد وأريكته الشهيرة، إلى مقاهي باريس التي كتب فيها إرنست همنغواي دفاتره الصغيرة؛ ترسم دا كونها لوين خريطة دقيقة للعلاقة بين الحيّز المادي وشكل العمل الأدبي.

ولا تتوقف الرحلة عند الفضاءات التقليدية، بل تمتد إلى غرف الفنادق التي اختارتها مايا أنجيلو عمداً لتكتب فيها، والحافلات التي حوّلتها لورين إلكين إلى مكتب متنقّل، وطاولات المطابخ التي شكّلت فضاء عمل جماعي لدى أودري لورد ومؤسِّسات دار نشر «نساء ملوّنات».

يغطي الكتاب طيفاً واسعاً من الأسماء، من جيمس بالدوين والأخوات برونتي وأغاثا كريستي وتشارلز ديكنز وجون كيتس، مروراً بـسيلفيا بلاث وويليام شكسبير، وصولاً إلى أسماء معاصرة مثل زادي سميث وهيلاري مانتل.

بين السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي، يفكّك الكتاب صورة «الإلهام الغامض»، ليقدّم قراءة تُبرز تداخل العزلة والرفقة، والاستقرار المادي والمكاني، في تشكيل التجربة الإبداعية. فالمكان، كما تقترح دا كونها لوين، ليس خلفية صامتة، بل عنصر فاعل في نحت الأفكار وتحديد إيقاعها.

وينتهي العمل بفكرة بسيطة وعميقة في آن: الكتابة فعلٌ يولد في عالم ملموس — من طاولةٍ ومقعدٍ وضوء نافذة — قبل أن يتحوّل إلى كتابٍ على رفّ، يخفي وراء صفحاته أثر المكان الذي شهد ولادته.

في «جدارية»، يبدو هذا الإصدار دعوةً لإعادة النظر في أمكنة الكتابة اليوم، والتفكير في العلاقة الخفية بين الجدران التي نكتب بينها، والنصوص التي تبقى بعدها.