حين تكتب الكتب في الظل…سيرة صناعة لايسمعها احد

عرض
11 mins read

زمنٍ كانت فيه المدن تُعَلِّق أسماءها على واجهات المحلات وتُميّز الأصوات العالية، وُلدت صناعةٌ هادئة صناعة الكتاب تعمل في الظلال كما لو أنها خائفةٌ من الأضواء. أعرف ورشةً لا مكان لها على الخرائط؛ يسكنها كاتبٌ مسافر في المدينة بحبره، ومصمِّمٌ يبني للورق وجهًا، ومحرِّرٌ يقطف العبارات كفاكهةٍ ناضجة،في الصباح يأتون وهم يحملون في جيوبهم خبزاً رخيصاً وكومة أحلامٍ لا تكلّ، وفي الليل يغادرون حاملين نسخًا معدودة، وكأنهم يخرِجون مولودًا من بيتٍ صغير إلى شارعٍ لا يعرفه.

الكتاب هنا صناعةٌ من ضوءٍ مقطوع كل صفحة تُصنع من مئات البدايات المهجورة ،فكرة بدأت على منديل، فصل وُلد ثم طار، عنوان رفض أن يبقى ليس فقط الحبر أو الورق ما يجعل العمل عسيراً، بل شبكةٌ من عوائقٍ مرئيةٍ وغير مرئية. أذكر مرةً بحثت عن ناشر في حارةٍ يبدو أن الكتب فيها أصبحت ترفًا؛ استقبلني رجلٌ من طرازٍ قديمٍ، نظر إليّ بعينين متعبة، وقال: “نص جيد، لكن من يشتريه؟” كانت الإجابة كالسوائل التي تهرب من أصابعي: القارئ غائب، المال محدود، والوقت يسرقنا بلا هوادة.

هناك من يظن أن المظلومية التي تلاحق هذه الصناعة تأتي من رقابةٍ رسمية فقط. لا، الرقابة أعقد: رقابة الخوف من قِبل المجتمع، رقابة السوق الذي يفضل الخفيف على العميق، ورقابة الجهل الذي لا يعرف طقوس القراءة. الكاتب يصبح متهمًا بتبذير الكلام إذا لم يُحَقِّق مبيعات، والناشر يُحاكم إذا خاطر بتمويل كتابٍ لا يوافق ذوق السوق. وفي ظاهرةٍ أكثر قسوة، يتعلّم بعض الأدباء أن يهمّشوا أنفسهم طواعيةً كي لا يُطردوا من سوقٍ لا رحمة فيه.

رغم ذلك، لا تمُتُّ الروح. هناك ركنٌ مظلم في المقاهي، حيث يُجتمع قارئون كالمتمردين، يحملون نصوصًا مطبوعة على طابعاتٍ منزلية، يقرأون بصوتٍ منخفض وكأنهم يؤدون طقسًا سريًا. أذكر سيدةً مسنةً تقرأ قصصًا لأطفالٍ لا يملكون سوى جهازٍ صغيرٍ على الطاولة يشتري لهم ألعابًا افتراضية، وتقول للكاتب بابتسامةٍ تعلو وجهها: “أنت تحفظ دنياي من الضياع.” هذه الجملة وحدها تقلب المظلومية إلى معنى—لا قيمة للكتاب عند من لا يعرف احتياجه، لكن هناك دائمًا من يعرف.

صناعة الكتاب في بلادنا مُطالبةٌ بصبرٍ أسطوري. أحيانًا تتطلب ثمنًا شخصيًا: تنازلات، ساعاتٍ بلا نوم، وظائفٍ نهارية تمنعك من الكتابة ليلًا. وفي المقابل، تُعطى نادرةً من الاعتراف؛ جائزاتٌ تُمنَح كذباً أو تُنسى، مراجعاتٍ سريعة لا تتجاوز ثلاثة أسطر، أو أصواتٍ نقديةٍ تتنافس على رفض الأعمال بدلاً من قراءتها. هذه لعبةٌ مُرهِقة—لكنها أيضًا المكان الذي تُولد فيه الشجاعة.

ما الذي يجعل هذه الصناعة مظلومة؟ ليس فقط قلة الموارد أو غياب القارئ، بل أيضاً أن المجتمع نفسه لا يعترف بالكتاب كصنعةٍ تنتج قيمًا حقيقية. عندما يُعامل الكاتب كمتعةٍ ثانوية أو كوسيلةٍ للتسلية، يتقلص دوره من صانعٍ للذاكرة إلى مُنتِجٍ استهلاكي. ولأن الثقافة تُبنى على تراكمٍ يوميّ، فإن إهمال الكتاب يعني إهمال التاريخ، إضاعة حكاياتٍ كانت ستكوّن ذاكرة الأجيال المقبلة.

لكن القصص الصغيرة تنقذنا. في أزقة الحارات، يظهر ناشرٌ مستقل يطبع خمسين نسخة بتمويلٍ ذاتي، ثم يوزع بعضها على المكتبات، وبعضها على الأصدقاء. يخرج مشروعٌ رقمي من غرفةٍ صغيرة يكتشف مواهبٍ كانت مخفية. وفي المدارس، حين يبدأ معلمٌ بسيطٌ بتشجيع الأطفال على كتابة قصصهم، تنشأ بذرة قد تتحول إلى حقل. هذه الحركات الشفافة لا تصنع ثورةً فجائية، لكنها تبني شيئًا لا يُقاس بالأرقام: ثقافة تُقدر الحكاية.

أكتب هذا الكلام كمواطنٍ شاهد وألمس، لا كخبيرٍ بعيد. أحب أن أتصور يومًا تأتي فيه دور النشر لتَجِد جمهورًا لا يكترث بالإعلانات، بل يبحث عن نصٍّ يُحركه. أتخيل مكتباتٍ في الأحياء، ليس فقط لعرض الكتب، بل كمراكزٍ للتلاقي والحوار. أتخيل مؤسساتٍ صغيرة تدعم الكُتّاب مادياً فلا يضطرون للعمل في وظائفٍ تدفِن نصوصهم في أدراج الساعات.

في النهاية، صناعة الكتاب في الوطن العربي ليست مجرد مهنة؛ هي طقسٌ إنساني. ربما تبدو مظلومة لأن صوتها منخفض، لكنها تبقى الحبل الذي يربط بين أجيالٍ لا تريد أن تُنسى. إن أردنا أن نُنهي تلك المظلومية، فليس بالكلام وحده بقدر ما هو بالممارسات اليومية: شراء كتاب، حضور قراءة، تشجيع ناشرٍ صغير، وتعليم طفلٍ كيف يُحبّ صفحةً جديدة. بهذه الأشياء الصغيرة تتراكم مقاومةُ الهشاشة، ويصبح لكل نصٍ موضعٌ آمنٌ ليولد ويكبر.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

القصة التالية

لماذا الثقافة في زمن الحرب لا تعكس حقيقة رؤية المثقفين فيها؟

الأحدث من