استعراض الأقسام

نصوص

/

في تلك المسافة الرمادية التي لا يرى فيها الصمت ولا يسمع ، تتكاثف الأسئلة الأكثر إلحاحا ، أسئلة لا تطرق الأبواب بل تسكن الجدران الداخلية للروح ، هناك حيث نتقن ارتداء الهدوء كما لو كان قدرا مكتوبا ونؤجل ارتباكنا العميق إلى زمن غير مسمى ، فتمضي ذواتنا مثقلة بما لم يقل وبما كان يجب أن يقال ولم يجد جرأة الظهور ، فالصمت ليس دائما فراغا بل امتلاء خفي وتراكم غير مرئي للأوجاع ، وليس دائما بحكمة وعبرة بل شكل مؤجل من التعب ، تعب يتخفى في هيئة اتزان وكبرياء وعنفوان 

فنحن لا نعيش حياتنا كما حلمنا بها بل كما نحتملها ، ونعيد تشكيل ذواتنا مرارا لا وفق رغباتها الأولى بل وفق قدرة الروح على الصمود ، فنصبح على ما يمكننا احتماله لا على ما تمنيناه ، فالصمت الذي نلوذ به ليس دائما انسحابا من العالم بل محاولة يائسة أحيانا لإعادة ترتيب الداخل حين يصبح الخارج أثقل من أن يحمل ، فنصمت لأن اللغة تخذلنا ولأن بعض التجارب ترفض أن تسمى ولأن الوعي حين يتخم بالأحداث يحتاج إلى فراغ مؤقت ومساحة بيضاء ليعيد تعريف نفسه بعيدا عن الضجيج 

وهكذا نجد أنفسنا نغذي هذا الصمت بتجاهل متعمد ، لا كفعل إنكار بل كاستراتيجية وجودية للبقاء ، فليس كل ما يرى يواجه وليس كل ما يؤلم يقاوم فورا ، فأحيانا يكون التريث شكل آخر من أشكال الحكمة وأحيانا أخرى تأجيلا واعيا للانكسار ، لكن الصبر مهما بدا نبيلا يبقى حالة زمنية مؤقتة له حد أقصى وبعده يتحول إلى عبء أخلاقي على الذات ، إذ يطالبها بالتحمل على حساب صدقها مع نفسها ، وحين نبلغ ذلك الحد لا نثور عبثا ، فالانتفاضة هنا لا تكون انفجارا انفعاليا بل لحظة وعي حاد تشبه استيقاظا متأخرا للذات من سباتها الطويل ، هو انشقاق داخلي بين ما كناه وما لم نعد قادرين على احتماله ، وفي تلك اللحظة يتبدد الخوف من العواقب لأن السؤال لم يعد : ماذا سيحدث بعد ذلك؟ بل يصبح : كيف أمكننا البقاء كل هذا الوقت دون أن ننهار؟ 

وعندها نكتشف أن السكينة التي بحثنا عنها خارجنا كانت مؤجلة في الداخل  ومحاصرة بين طبقات من الصمت القسري والصبر المختار ، سكينة لم تضع بل علقت مؤقتا في انتظار لحظة نضج وجودي تسمح لنا باستعادتها دون أوهام ، لان السكينة في معناها العميق ليست غياب الاضطراب بل القدرة على التعايش معه دون أن نفقد جوهرنا ، حيث نمر في الحياة بمحطات لا نختارها لأن الحرية كما نكتشف متأخرين ليست في اختيار الظروف بل في تأويلها ، فنحن كائنات ملقاة في هذا العالم محملة بأسئلة أكثر من الإجابات ومطالبة بالعبور رغم الغموض ، ومع كل محطة مفروضة يتآكل تعريف قديم للذات ويعاد بناؤه على أسس أكثر هشاشة لكنها أكثر صدقا فالهشاشة هنا ليست ضعفا بل اعترافا إنسانيا بحدودنا 

ومن هذا العمق يتسلل إلى وعينا سؤال الزمن : ماذا يعني أن تثبت أعمارنا على هذه الأرض؟ أهو الثبات في الشكل أم في المعنى؟ ، لندرك حينها أن البقاء وحده لا يكفي وأن الامتداد الزمني بلا اتساق داخلي ليس حياة بل تكرار منهك للأيام ، لذلك نتمسك بتلك الأسس الأولى التي تربينا عليها ، لا بوصفها قيودا أخلاقية جامدة بل كبوصلة وجودية تعيدنا إلى أنفسنا كلما فقدنا الاتجاه ، ومن

هناك حيث المسافة الفاصلة بين الصمت والانتفاضة تتشكل هويتنا الحقيقية ونتعلم أن الاتزان ليس حالة دائمة بل تفاوض مستمر مع الذات ، وأن الحرية ليست في أن نقول كل شيء ولا في أن نصمت عن كل شيء ، بل في أن نعرف متى يصبح الصمت خيانة للذات ومتى تصبح المواجهة ضرورة أخلاقية ،

ومن خلال ذلك نمضي في هذا الوجود لا بحثا عن يقين كامل بل عن معنى قابل للعيش نعيد به تعريف أنفسنا مع كل عبور ، لنفهم أخيرا أن السلام الداخلي ليس نهاية الرحلة بل شكل من أشكال الشجاعة ، شجاعة أن نكون كما نحن دون أقنعة ودون صمت يتجاوز حده المشروع .

قال الأكاديمي الأوغندي محمود ممداني (1946)، أستاذ “كرسي هربرت ليمان للحكم” في “جامعة كولومبيا”، إنّ “حلّ الدولتين في نماذج استعمارية عديدة يخلق كيانين: دولة ذات سيادة، ومحمية”، مشيراً بشأن “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” BDS إلى أنه “يمكنها المساهمة في عزلة الاحتلال على الصعيد الدولي، لكن هناك حاجة إلى القيام بالمزيد من أجل أن يزدهر البديل غير الصهيوني في إسرائيل نفسها”.

جاء ذلك في محاضرته التي افتتحت ندوة “الاستعمار الاستيطاني والأصلانية والصراع الفلسطيني ضد الصهيونية”، أمس السبت، وتنظّمها كل من دورية “عمران” للعلوم الاجتماعية الصادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، و”معهد الدوحة للدراسات العليا”، و”كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بالمعهد”.

وحملت محاضرة ممداني عنوان “فلسطين/ إسرائيل من منظور ما بعد الفصل العنصري: الدولة – الأمة وحداثة ما بعد الاستعمار”، وفيها ركّز على “العلاقة بين الدولة- الأمة”، و”الحداثة ما بعد الاستعمارية”، و”العنف المتطرّف”.

وبيّن المحاضر أن الحاجة الآن، كما كانت الحال في جنوب أفريقيا، هي إلى ثورة معرفية تفتح الطريق أمام ثورة سياسية، مضيفاً أنّ “اللحظة الفارقة الفلسطينية تأتي عندما تقود الدينامية نفسها التي أدّت فيها وحدة المضطهَدين إلى عزل المضطهِدين، ذلك عندما لا يكون المضطهَدون وحدهم من يسعون للتغيير السياسي، بل أيضاً كثير من المؤّيدين الحاليّين للنظام الصهيوني”.

وفي رأيه، فإنّ الوصول إلى هذه المرحلة يستدعي نوعاً جديداً من الوعي السياسي داخل “إسرائيل”، يقوم على الاعتراف بأنّ مسألة ازدهار اليهود والحياة اليهودية لا يتطلّبان دولة صهيونية.

أمّا فحوى الدرس الجنوب أفريقي عنده، والعبرة التي يجب إيصالها إلى الإسرائيليين بأكبر قدر ممكن، فهي أنّ “اليهود لا يحتاجون إلى دولة يهودية ليكون لهم مقام آمن في فلسطين/ إسرائيل”.

استحضار تجربة ومقارنتها بأُخرى هي لمزيد من التنوير لا المطابقة بالحرف

وحسب ممداني، فإن الدرس الذي يجب أن تتعلّمه “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” هو أنها في حاجة إلى البناء على المكاسب التي حقّقها “التجمّع الوطني الديمقراطي” (بلد)، لا أن تعتبر أنها بديل له. سيكون إنجاز ذلك بمنزلة توفير إطار سياسي لليهود الإسرائيليين المعادين للصهيونية، وحتى لغير الصهيونيين منهم”. والأفكار، كما يتنبى ممداني، ليست هي ما يصنع العالم، بل تلك التي تتبلور إلى مؤسسات وحركات اجتماعية.

ويراجع المحاضر المفهوم المركزي في حداثة الغرب؛ ومفاده أنّ الثقافة هي السياسة والعكس صحيح، مشيراً إلى أن هذا المفهوم “مركزي لدى المستعمِرين، على الأقل منذ منتصف القرن التاسع عشر”. وعليه يسأل: “لماذا علينا أن نفترق عن ذلك المفهوم، للبحث عن بدائل إمّا دولة واحدة أو دولتين؟”. هنا يدعو إلى “عدم الخلط بين بين الثقافة والسياسة، فالأولى تنتمي إلى الشتات وهي عابرة لحدود الدولة”.

ومن أفريقيا استحضر ممداني نموذجَي الجزائر وجنوب أفريقيا، “حيث هُزم الاستعمار فيهما هزيمة نكراء، مع فارق بين التجربتين، حيث غادر المستعمرون في جلّهم الجزائر عقب الاستقلال، ولكن العكس حصل في جنوب أفريقيا”. وفي هذه الأخيرة يجد ما يعنيه، وما يعتقد أن الفلسطينيّين يمكنهم تعلّم شيء منه، مستدركاً: “أنا غير مهتم بالتسويق لهذا النموذج، فأنا لست مندوب مبيعات. لكنّني مهتم باستكشافه وتحليله لنصل إلى تجربة أفضل”.

كيف يمكننا أن نشير إلى الهنود: هل هم هنود أم سكان أصليون في أميركا؟

لا يُنكر ممداني أنّ التجارب التاريخية لها خصوصياتها، غير أنه يضيف بأنّ “استحضار تجربة ومقارنتها بأُخرى هي لمزيد من التنوير لا المطابقة بالحرف”. يستبق الحديث عن جنوب أفريقيا التي يجد تشابهاً كبيراً بينها وبين فلسطين، بما قال إنه المثل الأعلى للإسرائيليين، وهو الولايات المتحدة الأميركية، كما أنه نموذج للعنصريّين في جنوب أفريقيا. فقد تأسّست أميركا على قمع مجموعتين كبيرتين هما الهنود الحمر والعبيد الأفارقة.

ونقل لنا السؤال الذي تداوله الأميركيون المسيطرون: “كيف يمكننا أن نشير إلى الهنود هل هم هنود؟ أم سكان أصليون في تلك الأرض؟”، واستدرك بالقول: “المتحف الذي خُصّص للحضارة ما قبل كولومبوس في واشنطن يُسمّى ‘المتحف الوطني لأميركا الهندية’، ولا يُسمى المتحف الوطني لأميركا الأصلية”.

ويتساءل هنا لماذا؟ ثم يجيب: “لكي تكون أصيلاً يتعيّن الاعتراف بالهنود أعضاء مؤسّسين للولايات المتّحدة الأميركية، ولكنهم ليسوا كذلك. فالدستور الأميركي يعتبرهم خارج نطاق الولايات المتحدة وحكومتها، وأكثر من ذلك وضعهم في خانة الأعداء”.

ونتج عن ذلك، حسب رأيه، “أمّة مستقلة محلّية شأنها شأن الذين يعيشون في الضفّة الغربية، وهذا ليس إلّا قناعاً للاستعمار. وكانت السلطات التي تعيش في هذه المحميات تحت سيطرة ما يُسمى ‘مكتب الشؤون الهندية’، وهو لا يختلف عن البيروقراطية الكولونيالية، التي كانت تسيطر في أي بلد أفريقي على نحو غير مباشر. هذا هو حل الدولتين الذي يختصره بدولة ذات سيادة مع محمية ليست ذات سيادة بالمطلق.

مقابل ذلك، “كان العبيد الأفارقة يعملون في أراض يملكها البيض، بينما أراضي الهنود سُلبت منهم، والأفارقة مفصولون عنصرياً ومحكومون في آلاف وآلاف من المجمّعات الصناعية والزراعية”.

ما فعلته الولايات المتحدة مع السكّان الأصليين يفعله الاحتلال مع الفلسطينيّين

وأضاف في هذا السياق: “عاش العبيد تحت الدولة الواحدة، ما وفرّ سياقاً سياسياً لبناء التحالفات التي أفضت الى كفاح للتخلّي عن العبودية. والأفارقة يشكّلون 15%، وهم على ذلك أقلّية، لكنهم أصبحوا قوّة لا يُستهان بها بعد الحرب الأهلية، وحركة الحقوق المدنية، وحقبة إعادة البناء وتعزيز حقوقهم أخيراً من خلال حركة حياة السود مهمة”.

وفي كلمة، في هذا السياق، يقول إنّ حل الدولتين “فرض محمية هندية وموطناً متشظياً سياسياً، بينما حلّ الدولة الواحدة قدّم إمكانية التحالفات والتغيير”. هذا هو النموذج المستلهم مثلما يراه: “ما فعلته أميركا مع السكّان الأصليين تفعله إسرائيل التي لا تسعى لتغيير الفلسطينيّين ولا تريد استعبادهم، بل أن تحل محلّهم وتُفكّك واقعهم السياسي”.

ومضى قائلاً: “في جنوب أفريقيا حصل المستوطنون على الاستقلال عام 1910، وأرسلوا وفداً إلى أميركا الشمالية لدرس النموذج الأميركي ونظروا إلى محميات الهنود الحمر لكي يفحصوا مدى السيطرة على الأفارقة”.

النسخة التي طُبّقت على الأرض في جنوب أفريقيا يقول إنها ذاتها نسخة من اتفاقات أوسلو في فلسطين، حيث جاءت كلّ اتفاقية بـ”بانتوستان”، وهذا يشبه السلطة الوطنية الفلسطينية للحفاظ على الأمن الداخلي، وحصلت “البانتوستانات” على دعم السلطات البيضاء الحاكمة.

ويحاجج ممداني بأنّ التغيير الكبير في جنوب أفريقيا رشّح في السبعينيات، إذ حقّقت مقاومة التمييز العنصري إنجازات عظمى، لافتاً إلى أنّ السود لم يذهبوا إلى خيار الدولة القومية الذي يزعم أنّ جنوب أفريقيا ذات أغلبية من السود بينما الهنود والملوّنون والبيض أقلّيات، حتى يمكن للسود أن يعلو كعبهم، بل جرى التفكير على نحو مغاير مفاده أن جنوب أفريقيا لا تقوم على العرق.

محمد هديب

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان

ملأَ الصَّخَبُ رُدهةَ العيادة، بيد أنّه لم يكُنْ أوّلَ ما بثَّ الذُّعْرَ والاشمئزاز. سبقَ ذلك صوتُ الجرّارِ الزِّراعيّ الذي استخدمهُ الرّجالُ الخمسة لجَرّ البَغلِ المُحتضر. اختلط الصَّوتان ببعضهما؛ الجَرّارُ الدّابّةُ والبغلُ العَثِرُ بشحيجِه. نفَرٌ من الناس ادّعوا أنّ الرّجال لم يحملوه بالمقطورة، إنَّما ربطوه مُباشرةً بالجَرّار، وشآبيبُ الدّم تنفرُ من بَدَنِه اللّاهث طولَ الطريق.

وحدَه صدقي، مُنظّمُ الدَّور في العيادة، أفادَ بأنّ البغلَ نُقِلَ بالمقطورة، وعندَما رمَوهُ منها انتفضَ على قدميه. في حين نسُوا وهم يهربون إرجاعَ المقطورة إلى وضعيَّتها أثناء القيادة، فحطّمتْ قوساً حجريّاً ومرايا سيّاراتٍ ثلاث.

لم يكن الطّبيبُ الستينيّ ليستوعبَ التهديد من قتْلِ البغلِ أمام ناظريه وفي فناء عيادَتِه. لو ذبحوا دجاجةً لحقّقوا مُبتغاهُم أسرع، وأعفوا أنفسهم من عناءِ الإعدام. فالبغلُ، رغمَ اكتهالِهِ، حَرونٌ شَمُوسٌ، ما أنْ وطأ الأرضَ حتى رمَحَ على قائمتيه الخلفيّتَيْن، ناشباً طولَهُ الفارعَ في السّماء، فبدا كلُّ مَن يتربَّصُ به قزَماً مُجلّلاً بالغُبار.

يُقالُ إنّ للقبائل مُعتقداً: إذا أرادَت صيد الغزلان تتركُ لها منفذاً لتهربَ منه، لأنّها إذا ما حوصرت من أربع جهات تختفي وتتبدّد. لكنْ ماذا عنِ البغال، التي إنْ تلمّست غريزتُها الأذى، تُلقِ بنفسِها من شاهق… تنتحر. المُهمُّ ألَّا تدعَ يداً طويلة تغدرُ بها؛ يبدو أنَّ ما تقولُه الأساطير لا ينسحبُ على الواقع دائماً.

راقبَ البَلديّون الرّعاديدُ المشهدَ مِن طُوَقِ بيوتِهم، دون أن يُغيثوا طبيباً طالما عدُّوهُ مسيحاً يبرِئ أسقامَهم المُتكاثرة. صرخةٌ شاحبةٌ أُطلِقتْ من غلامٍ غيرِ مرئيٍّ: “إيّاكُن. إيّاكن البغل يا عمّي، لأنو مرصود”. لم يُسمَعْ غيرُ ذاك الاعتراض، فالاحتجاج بطبيعة الحال كان من أجل البغل لا الطّبيب!

بعدها حلّ شَللٌ مُطبق؛ إذ غُربِلَ لَبَانُ البَغلِ برشقتَيْ طلقٍ من بندقيّة “بيريتّا” مُخصّصةٍ لصيد الطُّيور، فهوى مثلَ ماردٍ خانتهُ قواه، راطماً خطمَه بحجرٍ صقيل، كاظّاً على لسانِه بأسنان خشبٍ، مُسْلِماً رأسَه المُشظَّى تحتَ الأقدام العَفِرَة.

تمارضُوا مَلقاً كما استغلّ بعضُهم الفُرصة ليعرِضَ خدماتِه

انتهتْ معركتُهم معه حَيّاً، وبدأتْ معركتُهم معهُ مَيْتاً، أعملَ رجلٌ الْمِهَدّة في قوائم البغلِ الأربع. ما لم يتكسَّرْ من عظامِه خلعَهُ بالمِقراط أو نشَرَه. بينما بَقرَ اثنان بطنَهُ بمعوَلٍ مُدبّبٍ غير حادٍّ، حتّى استحالَ أشلاءً موزّعةً بين غرفتي الانتظار والمُعاينة. أمسكَ أحزمُ الرِّجال مِعى الحيوان ونكثَ روثها صارخاً بعينيِ الطَّبيب: “فْتاح تمَّك المرّة الجاي منشان إحشيلك إياه بخراك… حاشا السّامعين”، ثمّ مسحَ العالقَ على يَديه ببياضِ حائطٍ نظيف.

مُلطّخينَ بدمِ البغل انسلُّوا إلى جَرَّارِهم الخَرِب، عندها حطّمَ خروجُهم قوساً حجريَّاً وعدّةَ مرايا، وكأنّ هولَ الإعدام لم ينقصْه سوى إمضاءٍ أخير.

بدأ المُحيطُ ينسربُ صوبَ العِيادة، وأطلقت جمهرةٌ اللّعناتِ على ذلك الصّنفِ من البَشر: “الله يهدّ جبرهن على حالهن… لا رحمة ولا شفقة”، متعاطفين مع مسيحِهم المُحترَم، يُلَملمون أشلاء الحيوان الضّخمة، ثمّ سرعان ما زادَ عددُهم. استغلّوا انكسارَ مِثالٍ ما كانوا ليحسبوه مُنهزِماً أمام حفنة أوباش.

طوى الطّبيبُ حقدَه أمامَهم، وبادَلَهم ابتساماتٍ صفراء، ولم يُعِرْ فضولَهم الخبيث أيَّ جواب: “أكيد هذا لأنك ثابت وما بترضخ لابتزاز ولاد الحرام، مش هيك يا حكيم؟”، “يِمكنُّن مِنْ متعاطي الحبوب، المُعيذْ الله!”. حتى ذلك الغلام الخَفِيّ حاولَ الظّهورَ على أكتاف الحُطام، كالأطفال ثقيلي الدّم. فاقتحَمَ المشهد مُردّداً عبارَته مباشرةً، لا من وراء صخرٍ كتيمٍ: “ما تْخاف يا حكيم، هذا البغل ما بيموت، وحياة البَرَكة إنّو عزيز ومرصود هيك بيقول جدّي، بدّو يرجع وينتقم منُّن”. نظرَ الطَّبيبُ إليه شزراً، ثم تجاهلَه دون انتباه. كلُّ ما فعلهُ أنَّهُ انهمَّ بإزالة الرّوث واللَّحم العالق على عُلَبِ الدّواء، وتطهير ميزان حرارة فموي صُودِفَ فوق مكتبِه لحظتها.

لم ينقطعِ المُراجعون عن العيادة رغمَ الفوضى، والرَّوائح النّتنة. فتمارَضُوا مَلقاً، كما استغلّ بعضُهم الفُرصة ليعرِضَ خدماتِه في تنظيف العيادة مقابلَ معاينة مَجّانيّة، أو علبة دواء تُصرَفُ بنصفِ ثمنها… هكذا حتّى انحسرَ اكتظاظُ الخوف عن روحِ المكان، وحلّ رضا مُريح لم يُعرَف مصدرُه. قيل: إنَّ دمَ شُؤمٍ قد تفجّرَ، وهو لا غروَ قربانٌ عن البلد وأهلِه. وقِيلَ: إنَّ ثلاثَ بناتٍ توأم وُلِدْنَ لامرأة عرجاء ظَنّوها عاقراً طويلاً، وما كانَ رجُلُها ليفرَح كلَّ الفرح لولا سرٌّ غيرُ مفقوهٍ يلفّ البنات التوأم… وقيلت ادّعاءاتٌ كثيرة.

يبدو أنَّ ما تقولُه الأساطير لا ينسحبُ على الواقع دائماً

سرَتْ شائعة البغل المرصود، وأنّ روحَه لن تنفكّ تطوفُ بالمكان أربعينَ يوماً، وقد تلتبِسُ بأحد المارّة في المحيط إذا ما حانتْ لها ساعةُ غَفلة. لكنّ أحداً لم يُولِ تلك الرّوحَ حذَراً، بقدر الخوف الذي أُولِيَ لعيونٍ تتبعُ أولئكَ الأوباشَ، وترصدُ المكانَ لصالِحِهم… بعد عدّة أيام، أخبرَ الطبيبُ مُنظّمَ دوره أنّ المغادرة مُتاحَة كونه ينوي الذهابَ صوبَ قلبِ المدينة في إجازة مفتوحة. أراد من وارء ذلك معاقبة بلديّين تخلّوا عنه، حسبَ زَعْمِهِ، في وقتِ مِحنتِه.

على الطريق، شعرَ صدقي وكأنّ الصباحَ لا يتزحزحُ من مكانِه، نظرَ من نافذة الباص إلى تلال جرداء مُرقّشة بنقاطٍ غبراء تتحرّكُ ببطء، إنّها مجرّد بغالٍ برّية مسكينة.

أقلقَ قدومُه في غير موعدِ الإجازة أمَّه، إلّا أنّها ما برحتْ تقطفُ تفّاحاتِ الدّم من تحت جلد الجدّة المُعمِّرة. لم يقوَ على التّملُّص من الرّواية المكرورة لجدّته عن أبيه المقتول منذ 30 عاماً، ها هو يسمعها طازجةً للمرّة الثانية في أقلّ من عشرة أيام، استمع إلى “كيفَ قُتِل والدُه غِيلةً لأنّه شهمٌ نبيلٌ وأعداؤه أجبنُ من أن يواجهوه”، استمعَ إلى أنّهم تربّصوا به ليلاً، وإمعاناً في التَّمثيل علّقوا جُثّتَه في سقف مزار نبيّ الله ذي الكَفل في آخر حيّهم المَحظيّ بالتّشريف.

وقبل أن تُنهي الجدة مرويَّتَها التي لا تكلُّ عن تكرارها، اخلتطَ حابلُ الدّم الجديد بنابل الدّم القديم. سَهمَ نظرُه، وفمُ الجدّة لا يَني يبخُّ رائحةَ الموت المترصِّد. وشخصُ والده، يطوفُ في مقام نبيّ الله باكياً، ويُغَلُّ كما قربانه جَاثياً، ولا يُقبَلُ منه. أمّا أمّه فيتقطّعُ جلدُها بتفّاحاتٍ من دَمٍ، وصوتُ شحيجٍ مجهولُ المصدر يُصمُّ الآذان، أماراتُ إنطاقٍ بالحقّ ولو بعد حين.

فتحَ صدقي عينيه على نَفَسِه المُنقطِع فَوَجدَ نفْسَهَ في غرفتِه، ولم يمرَّ على نومه سوى ساعتين، لا تَسُدّان جوعَه إلى نوم عميق بعد كُلِّ ما مرَّ به. دفعَه الأرق إلى شُبّاك غرفته، أخذ يدخّن بشراهةٍ، وأصواتُ الأذكارِ والآيات تنبعثُ من جِوارات الحيّ، ومُكبّراتٌ تُؤْذِنُ باقتراب المَولد، وأخرى بـ”واذكُرْ إسماعيلَ واليسَعَ وذا الكفلِ وكلٌّ منَ الأخيار”.

امتدّتِ الإجازة فبدأ الحيُّ يُصبِحُ مُتنفّساً، ويتحسّنُ أداءُ نومه، إذ خفّف توتُّرَه السيرُ اليوميّ، والتردّدُ إلى مقام نبيِّ الله. تلقّى اتّصالاً من الطبيب حدّثَهُ فيه عن النّقابة التي ستفتَحُ تحقيقاً في الاعتداء، كونَه جزءاً من اعتداءات مُتسلسلة. أحسّ أنّ قاعدةً تسنُده في مواجهة كلام جدّتِه الذي دَهمَهُ بجبَلِ خوفٍ أسود أثقل من موقعةِ إعدام الشّاحِج الحمراء. لم يستطع تسمية ذلك الإحساس، عبّ نفَسَاً عميقاً وتفطَّنَ إلى منزلة رماديّة… لعلّه الرّضا.

بطاقة

كاتب قصة من مواليد عام 1992، مُجاز من قسم اللّغة العربية في “جامعة دمشق”. نشر مقالات في النقد الأدبي في مواقع وصحف عربية عدّة. يُحرِّرُ “صحيفة المُتلمِّس”، وهي منصة إلكترونية تأسّست عام 2020 وتُعنى بالكتابات النقدية حول الآداب والفنون والترجمة وتكتبها مجموعة من الأسماء العربية الشابة. كذلك عمل في إنتاج محتوى صوتي، بالإضافة إلى عمله في الصحافة الثقافية.

أنس الأسعد

وصل البريد الإلكتروني الذي ينتظره إمره بعد شهرين، وأثناء قراءته لرسالة محرر دار النشر، شعر أنه اقترب من تحقيق هدفه، لكنه سقط فجأة في الهاوية. فقد كتب له جُملاً مهذبة يهنِّئه فيها على روايته المختلفة والتجريبية، ولكن للأسف يصعب نشرها وفقاً لخطّهم التحريري.

كان هذا هو قرار إعدام الرواية، وقرار ظالم هكذا كان ينبغي أن يُقال بهذا التهذيب. الرواية جيدة، لكنها لا تناسبهم. قال إمره لنفسه: “هل يخدعون طفلاً؟ لقد نشروا كتباً سخيفة من قبل، مثل كتاب “انذُر نفسكَ لله”.. ألا توجد قيمة لروايتي مقارنة بمثل هذه الكتب؟”.

كان إمره يعرف أن مثل هذه الكتب تُقرأ كثيراً، وتحصد الكثير من الإعجابات على فيسبوك. كلما كانت الجملة سيئة أعجبت الناس على مواقع التواصل الاجتماعي. مثلاً، تكتب إحداهنّ: “يَنسى العقل من يرحل، ولكن هل ينساه القلب؟”، فتجد التعليقات الكثيرة بـ”لا يَنسى.. لا يَنسى”، وبعض التعليقات يظن أصحابها أنهم أكثر ذكاء فيكتبون: “اتركي من يترككِ، وابحثي عن الذي يليق بكِ”.

جُنّ إمره عندما تذكّر أن الأدب في بلده وصل إلى هذه المرحلة. فكَّر أن يفتح صفحة على فيسبوك باسم مستعار، لكتابة مثل هذه الأشياء السخيفة التي تعجب الناس، ربما يربح بعض النقود، لكنه تراجع عن ذلك، لأنه مهما كتب بشكل سيئ، فلن يكتب مثل هؤلاء. فالكتب التي قرأها سوف تؤثّر في النهاية على كتابته. ومهما تعذَّب إمره، كان عليه أن يقبل بالأوضاع الحالية كما هي، لأنه وُلد في زمن فساد المجتمع.

فكّر في أن يصبَّ بعض الزئبق الساخن في أُذنَي الناقد

الشيء الذي أزعج إمره هو التقرير الذي أرسله له المحرر بالخطأ. حيث أرسل رواية إمره وروايات أخرى لأحد النقاد ثم أرسل بالخطأ تقرير الناقد اللاذع عن الرواية. أصبح هذا التقرير أحد أبرز أسباب عوامل هدم أحلام إمره. كان الناقد قد كتب:
“عزيزي نجاد…

الروايات التي أرسلتها لي في الأيام السابقة سيئة وضعيفة، لكن بينها رواية وقحة وصاحبها يثق في نفسه أكثر من اللازم. هذا الطفل الذي يُدعى إمره كاراجا، لم ير أي شيء في الحياة بعد، وقد غاص في الأدب العالمي. عيسى، باراباس، كافكا، ماذا حدث لهؤلاء الكُتّاب الشباب. لماذا لا يبحثون عن موضوعاتهم الخاصة في الحياة التي يحاربونها؟ لا تؤاخذني، هذا الولد لن يكتب شيئاً بأفكاره هذه، ولن يصبح كاتباً أو ما شابه. إذا أرسل لك كتاباً مرّة أُخرى، فرجاء لا ترسله لي لأنه أزعجني كثيراً. وقراري واضح”.

تحت هذه الأسطر كان يُكتب اسم الناقد، حَذَاقات حِصَارلي جيل، وملاحظة: “لا يوجد تغيير في موعد يوم السبت، أليس كذلك؟”. وكان يفهم من هذه الجملة أن الناقد والمحرر صديقان مقرّبان ويلتقيان خارج العمل أيضاً. انزعج إمره كثيراً مما حدث، وبحث على الإنترنت وهو يقضم أظافره التي أوشكت على الانتهاء، فوجد أن الناقد في الخامسة والخمسين من عمره، وكان معلّماً للأدب في مدرسة مجهولة. كان شَعره قد تساقط، وله وجه رقيق بلا شارب، ونظّارة. عرف إمره أن الناقد متزوج ولديه طفل، وربما يلتقي هو والمحرر بشكل عائلي. كان شكل الناقد لا يوحي أن لديه طفلا.

خرج إمره وتمشَّى في الشوارع لساعات دون أن يدري إلى أين يذهب، مشى جانب الطريق بين السيارات وهو يتخبط في الناس. أخيراً ذهب إلى طريق الساحل، على اليسار سور بيزنطي، وعلى اليمين بحر مرمرة والسفن الراسية فيه تبدو كاللوحة. لم يهتم إمره بهذا المنظر لأنه كان منشغلاً بالاستعداد للانتقام. أول ما سيفعله أنه سيكتب رسالة بلهجة حادة إلى الناقد والمحرر، وستصبح هذه الرسالة عن دور النشر والمحررين والنقاد مدخل إمره إلى تاريخ الأدب. ثم سيذهب ليعرف مكان عمل الناقد، وعنوان بيته، وأماكن تحركاته، وسيجهّز عقاباً ذكيّاً للناقد بما يليق بخيال روائي.

■ ■ ■

كتب إمره رداً للمحرر بعد ثلاثة أيام. كان عنوان البريد الإلكتروني: “إلى المحرر والناقد”. انتظر ثلاثة أيام لكي يهدأ قليلاً حتى لا تمتلئ رسالته بالشتائم وهو لا يريد ذلك. أراد أن يُثبت لهما أنهما يخطئان في ما يفعلان، وأن التاريخ شهد الكثير من أمثالهما، لكنهم لم يستطيعوا حجب الأدب الحقيقي. بدأ رسالته بشرح قصة الكاتب سعيد فائق، الذي سأله القاضي عن عمله فقال له كاتب، فقال القاضي لكاتبة المحكمة: “اكتبي يا بنتي، إنه بلا عمل ويدور في الفراغ”.

تحدّث بعد ذلك عن الكتب التي تحقّق نسب مبيعات عالية حول العالم، والسينما، والموسيقى، كما رفض اتهام الناقد له بتقليد الكتاب الغربيين. ألا يوجد أكثر من كاتب أميركي أو أوروبي كتب عن أفريقيا أو الهند أو اليابان، فلماذا لا يكتب كاتب تركي عنهم؟

استمر إمره في رسالته كالآتي:
“عزيزيَّ المحرر والناقد.
كنت أتمنى أن نناقش هذه الموضوعات معاً وجهاً لوجه، ولكن أتصور أنكما لن تقبلا، ولذلك أود أن أسأل سؤالاً، وأنتظر ردّكما على الأقل على هذا السؤال: “ما هي النقطة المشتركة بين هؤلاء الكُتّاب: مارسيل بروست، جيمس جويس، مارك توين، جورج برنارد شو، فرجينيا وولف، إدغار آلان بو، بنجامين فرانكلين، أبتون سنكلير، والت ويتمان، ألكسندر دوما… وبدون إطالة أنا سأجيبكما. الرابط المشترك بين هؤلاء الكتاب أن دور النشر قد رفضت نشر أعمالهم، واضطروا أن ينشروا أعمالهم بأنفسهم، حتى إن “عوليس” و”البحث عن الزمن المفقود” قد رُفضتا بنفس الشكل. إننا نحكي عن العالم الذي رفض جاك لندن ستمئة مرة. أليس لديكما الفضول لمعرفة المحررين والنقاد الذين رفضوا نشر كبار الكُتّاب، وما هو قدر هؤلاء في الوسط الأدبي، لأنهم أخذوا قرارات كهذه؟ لو أن هؤلاء الكُتّاب لم ينشروا لأنفسهم، كم كنا سنُحرم من أهم الأعمال، ومن يدري كم من الكتب التي أُلقيت في القمامة وكانت بأهمية كتاب “الحرب والسلام” و”دون كيشوت”؟ إن الروايات الكبيرة التي هي ميراث الإنسانية، هي الكتب المحظوظة التي نجت من إرهاب النقاد والمحرّرين”.

تابع إمره رسالته بهذا الشكل. كان لديه شك في قراءتهما لها بشكل كامل مثلما حدث مع روايته، وأن حل هذا الأمر أن يتحدث مع الناقد وجهاً لوجه، ويجعله يعتذر عما فعل. ولن يتم هذا الأمر بشكل طبيعي، فلن يسمعه الناقد ولن يقبل خطأه. كان يجب توفر ظروف أخرى لكي يتلقَّى الناقد عقابه.

لم يكتب إمره رسالة ثانية إلى الناقد، لأنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في الخطة الثانية. لا يريد أن يشكَّ الناقد في شيء. كان يستمتع بالتخطيط لقتل الناقد كل مساء، وفي نفس الوقت، يفكر: “كم شخصاً مثلي يخطط الآن لقتل أحدهم يا ترى؟”. ولو كان كل من خطط للقتل قد قتل بالفعل لتضاعف عدد القتلى في العالم مائة مرة. خطرت على باله خطة جيدة لتنفيذ جريمته بأن يصبَّ الزئبق الساخن في أذنيه، هكذا ستكون جريمة نظيفة وظريفة في نفس الوقت، ليس فيها مسدس وسكاكين ودماء، فقط قليل من الزئبق الساخن في أذنيه.

كان يرى نفسه سيفاً لكلّ الكتّاب الذين تحطّمت قلوبهم

فكَّر أن هذه الخطة صعبة من ناحيتين، إيجاد الزئبق وكيفية اقترابه من الناقد للدرجة التي تمكنه من وضع الزئبق في أذنيه. وبعد أن فكر قليلاً تذكر أن العثور على الزئبق ليس مستحيلاً، فهناك زئبق في الترمومترات القديمة، ولديه بعض منها. هذا يعني أن العائق الأول قد زال، يبقى العائق الثاني، وهو الاقتراب من الناقد. كان عليه أن يعرف عنوان بيت الناقد أولاً.

أخذ موتوسيكل ابن عمه وذهب إلى المدرسة التي يعمل فيها الناقد. انتظر حتى موعد انتهاء اليوم الدراسي، أكل بعض الكعك، وبدأ ينظر إلى المعلمين الذين خرجوا بعد الطلاب بوقت كثير. لم يكن الناقد بينهم، فانتظر عشر دقائق أُخرى، وعندما أوشك على الذهاب رأى الناقد. كان الرجل النحيل يرتدي قبعة ومعطفاً خفيفاً، وفي يده شنطة قديمة، ومن ثقلها كانت كتفه اليمنى منحنية قليلاً. وكان يرتدي حذاءً قديماً، ويتقدم نحو إمره. مرّ بالقرب منه ثم اتجه نحو محطة الباص. في انتظاره أخرج كتاباً من جيبه وبدأ في القراءة، ثم صعد إلى الباص الأزرق المزدحم، وتعقبه إمره بالموتوسيكل.

عبرا من طرق مزدحمة ثم نزل الناقد في المحطة الخامسة. مشى مائة متر ثم دخل إحدى الحارات، ومنها إلى بناية تشير إلى أنه من متوسطي الحال. ركن إمره الموتوسيكل أمام حديقة ودخل وراء الناقد ثم قرأ اسم حصارلي جيل على زرِّ جرس البناية في المنزل رقم 8. كان مدخل البناية قديماً ومظلماً، والحوائط بلا دهان، وكانت رائحة الكُرُنب تفوح من البناية. كان المنزل رقم 8 في الطابق الثالث يطل على البناية من الخلف. أحذية كثيرة أمام أبواب المنازل الأُخرى، ولم يكن أمام باب منزل الناقد غير ممسحة الأرجل. لاحظ إمره أن باب منزل الناقد ليس فيه عين سحرية، لأنه قديم للغاية وأوشك على السقوط. كان يرغب في لقاء الناقد أولاً، ويثبت له أنه على حق، قبل أن يدخل بيته هكذا في صمت، ولذلك كان عليه أن يجد خطة أُخرى. يجب أن يجد وقتاً تكون فيه زوجة الناقد وابنه خارج البيت. ولكن كيف سيرتب هذا؟ لم يكن هناك أماكن أُخرى تأتي إلى عقله. إذا رأى الناقد وتحدث معه، فهل من الممكن أن يشرح له ما يريد؟ حتى موضوع صبِّ الزئبق الساخن في أذنيه لم يكن مناسباً أن يفعله أمام الناس.

فكر إمره أولاً في شراء قطع من الغاتو ووضع السم فيها وإرسالها إلى بيت الناقد، وكانت ستكون طريقة بسيطة لموته، ولكن عائلته هي المشكلة، لأنه لم يكن يريد أن يُجري مذبحة كاملة لكل العائلة. تخيَّل شكل ابن الناقد وهو يأكل الغاتو بسعادة بجوار أمه البريئة. ولكن إذا فعل هذا فلن يتحدث إلى الناقد أيضاً، وهو يريد أن يتحدث معه ويثبت له أن أمثاله من يضرُّون بالأدب. يريد أن يجعل الناقد نادماً عما فعل وأن يعتذر له. كان إمره يرى نفسه سيفاً لكلِّ الكُتّاب الذين تحطّمت قلوبهم.

بعد أن حلّ المساء، ركب إمره الموتوسيكل وانطلق بين زحام إسطنبول. كان ينظر إلى الناس في العربات ويفكر في عدد الذين يخططون مثله الآن للقتل.

قضى تلك الليلة في تطوير الخطط لجريمة القتل، وفي اليوم التالي ذهب أمام بيت الناقد ولكن بدون الموتوسيكل. اختار وقتاً مناسباً، رأى الناقد وهو يدخل البناية بنفس ثيابه التي رآه بها من قبل، ودخل آخرون من بعده. لم يكن بينهم من هم في عمر زوجته أو ابنه.

في اليوم التالي ذهب إمره إلى نفس المكان في نفس الوقت، ورأى الناقد وهو يدخل إلى البناية، وبعد نصف ساعة صعد إلى الطابق الثالث، وبضوء الهاتف المحمول وجد باب المنزل رقم 8. كان صوت التلفزيون والأطباق تأتي من البيوت الأُخرى، لكن منزل الناقد ساكن تماماً. وضع أذنه على الباب لكي يسمع أي شيء ولكن لم يصله الصوت. وفي هذه الأثناء، سمع إمره صوت أحدهم يفتح الباب في الطابق الثاني، وبعد توقف الصوت نزل إمره وخرج من البناية ثم نظر إلى البيت فوجد ضوءاً واحداً مشتعلاً.

فكر إمره بهذه الليلة في حياة الناقد. على الأرجح لا يوجد أحد غيره في البيت، ربما سافرت زوجته وابنه، لكن هذا الأمر غير وارد في أيام الدراسة، وربما يعيش كل منهما في بيت منفصل. كان يتوقع أن يكون الناقد وحيداً في البيت، لأنه يعود بيدين فارغتين كل يوم إلى البيت أو يأخذ أشياء صغيرة. إنه لا يشبه رب الأسرة، وبدأ إمره في الشعور بالفضول تجاه حياة الناقد. كان يبحث عن معلومات حول الناقد نهاراً، وفي الليل يخطط لقتله. كانت تأتيه أفكار مختلفة للقتل، لكن خطة الزئبق الساخن كانت تستقر في رأسه أكثر من غيرها. ولكن لسبب ما، بدأ في الشعور بمشاعر مختلفة. ليس تعاطفاً أو ما شابه. وربما كان يعجبه أن يكون قد شغل حيزاً كبيراً في حياة هذا الناقد، ولذلك كتب عنه ما كتب، رغم أنه لا يعرفه.

من الشخص الذي من الممكن أن يكون هو الأهم في حياة شخص ما؟ ربما أمه التي ولدته وربته ووهبته الحياة. ومن يكون الشخص الثاني في الأهمية بالنسبة لشخص ما، وهل من الممكن أن يكون هو الشخص الذي يأخذ حياته؟ ووفقاً لإمره، فإن أهم شخص في حياة الناقد هو أمه محمورة حصارلي جيل، والشخص الثاني هو إمره كاراجا. هل يا ترى بسبب هذه الفكرة، يذهب إمره للوقوف أمام بيت الناقد كل يوم، وهل يتعقب الناقد لهذا السبب، ويقرأ كتبه، ويحاول أن يعيش معه نفس الحياة؟ هل يحاول إمره الهروب من همومه بهذه الطريقة؟ لا، إنه يريد أن يعاقب الناقد ليس لمسألة شخصية، ولكن يريد أن يثأر لكلّ الكُتّاب الذين تعذبوا مثله. لم يكن يشك في حبّه للسلام، فهو لا يُحزن حتى النملة.

بطاقة

Zülfü Livaneli كاتب ومُخرج وموسيقي وسياسي تركي من مواليد 1946 في منطقة إيلجين بقونية. سُجن بعد الانقلاب العسكري في بلاده عام 1971 بسبب نشاطاته السياسية، ما دفعه إلى مغادرتها عام 1972؛ حيث عاش متنقّلاً بين اليونان والسويد وفرنسا والولايات المتّحدة، قبل أن يعود إليها عام 1984. أخرج عدّة أفلام، وتُرجمت أعماله الروائية إلى لغات عديدة، كما حُوّل بعضُها إلى مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية

زولفو ليفانلي

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان
  • باسل الأمين

سَنبدَأ مِنْ غَيْمَةٍ عَابِرَه.
فنجْعَل مِنْ ظلِّها خيمةً،
كائناتُ الحديقةِ تأوي إليها،
وقد تستطيلُ، فَلا بأسَ إنْ خرَقتْها،
لتفتَحَ بعضَ السَّماواتِ في سَقْفِها.
خيمةٌ، ستكونُ إذاً فسحةً لا حجاباً…
ولكنَّها فُسحةٌ نحنُ نرسِمُها،
وَنُحَدِّدُ أطرَافَها،
ونُسَيِّجُها بانتباهاتِنا الحائرهْ.

■ ■ ■

سنبدَأ مِنْ غَيْمَةٍ عابِرَهْ:
هَكذا قُلْتُ للشَّجَراتِ اللّواتي أحَطْنَ ببيتي.
فَقُلْنَ: إذا غيمَةٌ ظَهَرَتْ
نَسْتَطيلُ، ونَهفو إليها،
فترمي لنا ظلَّها
ثمَّ تبقى لدينا.. وإنْ عَبَرَتْ.

■ ■ ■

وأنتنَّ أيّتُها الشَّجَراتُ اللّواتي شَمَخْنَ،
اتَّخِذْنَ مواقِعَكُنّ،
كما الجُنْدُ عندَ بُروجِ القِلاعِ،
وراقِبنَ ما يتحرَّكُ خلفَ السِّياجِ،
وما يتحفَّزُ داخلَهُ،
وسأغرسُ – دعماً لَكُنَّ – على الحدِّ غرساً كثيراً،
فتنمو الحديقةُ إذَّاك،
تهوَى حُدوداً، وتمحو حدودا.
وتنهضُ فوقَ الثّرى،
تتنفَّسُ نحوَ العَلاءِ
وَتسمو صُعُوداً صُعُودا.

■ ■ ■

وللطّيرِ أنْ تتحرَّى مواقِعَها في الحديقة،
في كلِّ أنحائها.
فالتُراب هُنا، والصُّخورُ هُنالكَ،
والشَّجَراتُ الكبيرةُ،
والشَّجَراتُ الصَّغيرةُ،
والبيتُ، والعشبُ، والماءُ…
ما كانَ ذلكَ إلّا مَواقِعَ للطَّيرْ.

■ ■ ■

والرَّوابي التي تتموَّجُ شرقاً وغرباً،
شمالاً، جنوباً…
تجيءُ وَتخْفقُ حَوْلَ الحَديقةِ،
تجعلُها تتدرَّجُ،
تعلو وتَهبِطُ، تأتي وَتَذْهَبُ،
مثلَ الرَّوابي… وأمواجها.

■ ■ ■

والفصولُ تمرُّ…
سنُبدي لها، كلَّما أقْبَلَتْ،
سُبُلاً، شُرُفَاتٍ، مَقَاعِدَ،
كي نتحكَّمَ فيها.
وإذَّاكَ، تغمُرُنا مثلَمَا نشْتَهِي.
وتفارِقُنا مِثلَمَا نَشْتَهِي.

■ ■ ■

وإحدى الشُّجَيْراتِ،
وَسْطَ الحَديقةِ برِّيةٌ.
هيَ كانت هُنا قبلَنا بكثيرٍ.
سَنَجعلُ مِنها دليلاً لنا ولأشْجارنا.
فهْي شَاهِدَةٌ – رُبَّما مِنْ قُرون –
على كلِّ ما عاشَ أو ماتَ،
في تربةً أنبتتْها بلا سببٍ… واصْطَفَتْها.
سَنَجْعَلُ منها دليلاً لنا ولأشْجارنا.
فهيَ تعرفُ كيفَ تمرُّ الرِّياح،
وكيفَ تمرُّ الفُصولُ،
وكيفَ تروحُ الشُّموسُ وتغْدو، هُنا
حيثُ تنمو حديقتُنا.
هي بَريَّةٌ،
قاومتْ
ثَبَّتَتْ نَفْسَها في الزَّمانِ الّذي ليسَ يُبْصرُ،
لمْ تَطْلُبِ العَوْنَ، لمْ تحتَجِ العَوْنَ،
بل قدَّمتهُ لكلِّ الطُّيورِ الّتي عَبَرَتْ،
ولكلِّ جدیدٍ يلوذُ بها..
هي شاهدَةٌ
وهْيَ حارسَةٌ كلَّ غرسٍ جديد.
سنأوي إليها، ونحفظُ عهداً لها،
وسنجعلُ منها دليلاً لنا ولأشجارِنا.

■ ■ ■


وللتِّينِ بعضُ فُروخٍ،
تبقَّتْ مِنَ “الكرْمِ”.
كَرْمٍ هوَ الأصْلُ،
أصْلُ الحديقةِ والبيتِ…
كانَ عريشاً وتيناً.
وها هيَ ذِكراهُ ماثِلةٌ في الفُروخِ،
الّتي تمنَحُ الصَّيفَ بعضَ الثِّمارِ،
تقولُ لهُ: لا سبيلَ إلى اليَأسِ…
هذا هوَ التِّينُ: هشٌّ، ولكنَّهُ صامِدٌ.

تستكينُ فُروعٌ لهُ، تنثني تعَباً، تتهاوى،
فيأبَى الخُضوعَ،
وإذْ كلُّ جَذْرٍ لهُ، يَتَخَلَّقُ كوكبةً مِنْ فروعٍ فروخٍ.
سنرعى الفُروخَ،
ونُذْكي توثُّبَها.
وَسَنَغْرِسُ تيناً جديداً،
عرائشَ أيضاً،
لينبعثَ “الكَرْمُ”
أصلاً وفرعاً.

■ ■ ■

وليسَ بعيداً مِنَ البيتِ زيتونَةٌ،
نَخَرَتْها السِّنينُ،
ولكنَّها لم تَنَلْ مِنْ تَجَذُّرِها في الزَّمانِ،
لأوراقِها ولأغصانِها نِعْمتان: سنًى ووقارٌ.
وَلَيْسَتْ لِتَأبَهَ مَهْمَا يَمُرُّ بِها.
نَهَضَ البيتُ بالقُربِ مِنها، ولسْنا لنعْرِفَ عُمْراً لها.
فهْيَ ثابتةٌ،
وَمُعَمِّرةٌ،
وَتُعلِّمُنا فرحاً هوَ كالطِّفلِ في ظلِّها.
فلتَظَلَّ هُنا قُربَنا مَعَنا
عُمْرُها يَسْتَخِفُّ بأعْمارِنا.

■ ■ ■

في الحديقَةِ ناحيةٌ للصَّنوبرِ،
بلْ لِصَنَوْبَرَتَيْنِ اثْنَتَين…
كأنَّ الهواءَ الّذي يتغلغلُ بينهما،
يتعثَّرُ مُرْتَبِكاً في حَناياهما، ويبوحُ بأسرارِهِ كُلِّها.
ثمَّ لا يتسلَّلُ مِنْ بَعْدُ إلّا سَقيماً،
كصَبٍّ يُواصِلُ شَكْواهُ…
نَجْعَلُ ناحيةً للصَّنوبرِ،
والسَّروُ لا يتردّدُ،
نترُكُهُ يَتَجَوَّلُ في كلِّ ناحيةٍ مِنْ نَواحي الحديقةِ،
غيرَ مُبَالٍ بِشَكوى الصَّنوبرْ.

■ ■ ■


والزُّهورُ انتَحَتْ كُلَّ ناحيةٍ في الحَديقَةِ،
وانتشَرَتْ وسْطَها.
لَمْ نُعِدَّ لها خطّةً أوْ نِظاماً.
تَرَكْنَا لها أنْ تُغَادِرَ أحْواضَها،
أنْ تَرَى نَفْسَها حُرَّةً في الثَّرى،
في الهواءِ،
وَحَتَّى على الصَّخْرِ،
أنْ تَتَبَعْثَرَ ألوانُها دونَ قَيْدٍ.
زُهورٌ، زُهورٌ، زُهورْ.
تَرَكْنا لها أنْ تَرَى بعضَ ألوانِها في الصُّخورْ.

■ ■ ■

والجدارُ البَعيدُ، الّذي هوَ بعضُ السِّياجِ،
سَنَجْعَلُ باباً كبيراً لهُ.
لا لشيءٍ،
سِوَى أنْ يكونَ لنا عالَمانِ:
صغيرٌ،
وآخرُ، أكبَرُ أكبَرُ…
يأتي يَطوفُ حولَ السِّياجِ،
ويدخُلُ مِنْ بابهِ…

■ ■ ■

وَالطَّريقُ إلى البَيتِ،
نجعلُ بابَ الحديقَةِ مفتاحَهُ.
ثُمَّ نتركُهُ يَتَعرَّجُ مُسْتَهْدِياً نحوَ قلبِ الحديقةِ،
كيْ يرتقي بعدَ ذلكَ،
نحوَ السَّماءِ الَّتي هَبَطَتْ،
واستقرَّتْ عَلَى الشُّرفاتِ الّتي
انطَلَقَتْ في جميعِ الجِهاتْ.

■ ■ ■

إذاً
بيتُنا هوَ شُرْفَتُنا
لنرى ما وراءَ سِياجِ الحَديقةِ،
مُنْطَلِقاً،
مُقبلاً نَحْوَنا.

■ ■ ■

فَشَرْقاً
بعيداً، بعيداً،
وَراءَ الرُّبى والقُرى،
ينتهي المَشْهدُ المُتَرامي إلى “جبلِ الشَّيخ”
قالوا: هوَ الشَّيخُ، يعرِفُ ما حَوْلَهُ،
يتبصَّرُ مِثْلَ “كبيرِ أُناسٍ” غزا الشَّيْبُ هامَتَهُ.
فالثُّلوجُ تكلِّلُهُ في الشِّتاءِ،
ولكنَّهُ يَتَخفَّفُ في الصَّيفِ،
يُجري عِمامتَهُ،
كي يُغَذِّي اليَنابيعَ،
يخرجُ بينَ الرُّبى والقُرى حاسراً.
إنَّهُ جبلُ الشّيخِ،
نجعلُ في بيتِنا شرفةً نَحْوَهُ،
مَدْخَلاً للصَّباحِ الّذي يتبلَّجُ مِنْ فوقِ هامتِهِ.
يتبلجُ أبيضَ أبيضَ،
مثلَ عِمامتِهِ في الشِّتاءِ…
ويظلُّ بصُحْبتِنا،
ثابتاً،
ذاهباً في عنانِ الفَضاءْ.

■ ■ ■

للمَساءِ كذلكَ شُرْفَتُهُ عِندَنا.
فَضِياءُ الغُروبِ الّذي يَتَسلَّلُ بينَ الغُصونِ،
يجيءُ ويجلِسُ مُعْتَذراً بيننا،
قبلَ أنْ يَتَوارى.
وَنَحنُ نُلامِسُهُ، إذْ يُلامِسُنا،
فنُداري ارتباكاً لَهُ،
ثمَّ نتركُهُ يتلاشى قليلاً قليلاً،
ليتركَ نبضاً لهُ،
في الزَّوايا الّتي تتشرَّبُهُ.
تَتَشرَّبُهُ
ثُمَّ تُغمِضُ أجفانَها.

■ ■ ■

ونحوَ الشَّمال، لنا شُرْفَةٌ.
في الظَّلامِ تَجيءُ إليها نُجومٌ،
فتملؤها.
وهيَ لا تَكْتَفي.
بلْ تُراوِدُ أبْعَدَ مَا يتراءَى لَها مِن نجومٍ
وَلَا تكتفي.
تَسْتَبِدُّ بِها نَجْمَةٌ لا تَرَاها،
تُؤرِقُها طيلةَ اللَّيلِ،
مِنْ بينِ كلِّ النُّجومْ.

■ ■ ■

وأمّا جَنوباً
فَنَحْوَ فلسطينْ.
وأكثرُ مِنْ شُرْفَةٍ هيَ كالبَرْقِ عبرَ السِّنينْ.
فواحِدَةٌ للتَّذكُّرِ،
واحدةٌ للتوجُّسِ،
واحدَةٌ للمَعَاني الّتي هاجَرَتْ، ثُمَّ آبَتْ
وتبقَى تُهاجِرُ ثُمَّ تَؤوبُ…
وأكثرُ مِنْ كُلِّ ذلكَ طيْفُ الأسَاطيرِ،
تغْدو بها، وَتروحُ،
رِياحُ الجنوبْ.

■ ■ ■

سَنَتْرُكُ للبيتِ أنْ يَتَنامى وَيمتدَّ،
كالشَّجراتِ الّتي هيَ مِنْ عُمْرِهِ.
رافَقَتْهُ ثلاثينَ عاماً،
تُلاحِظُهُ وهوَ يزدادُ شيئاً فشيئاً.
ولكنَّها سَبَقَتْهُ علواً،
لترْعاهُ من كلِّ ناحيةٍ، لتُظَلِّلَ حتّى أعاليَهُ،
لتكونَ معَ الشَّمسِ بعضَ الفَضاءِ الّذي يتنفَّسُ فيهِ…
نَمَتْ حوْلَهُ
وهوَ مَا زالَ ينمو نموَّ الشَّجرْ.
وَصَارَتْ لهُ في التُّرابِ جُذورٌ،
مَعَ الماءِ فيها تآخى الحَجَرْ.
نَمَتْ حولَهُ الشَّجرات،
عَلَتْ،
سَبَقَتْهُ عُلُواً…
وأكثرَ ما يَتَطَاوَلُ،
أكثرُ مَا يتعمَّقُ في الأرضِ،
“كينا”.
هُوَ الشَّجَرُ المُتَمَكِّنُ،
يَحْتَرِفُ الرَّبطَ بينَ الترابِ وبين الفضاءْ
يقولونَ عنهُ:
الجُذورُ بِطولِ الفُروعِ،
… وينثرُ زهراً لهُ كالبذورِ
فينبثِقُ النّبْتُ في شُرفَةٍ أوْ جِدارْ.
وهوَ يبذُلُ مِنْ نَفْسِهِ إذْ تهبُّ العَوَاصِفُ،
يبذُلُ مِنْ حُرِّ أغصانِهِ،
كي يذود عن البيتِ،
يجعل من نفسه حاضناً أو ستارْ.
إنهُ شجرٌ يتطاولُ أكثرَ مِنْ غيرِهِ،
يتعمّق أكثر من غيره،
يحمل البيت،
يجعله آمناً في حِماهُ.
يقولونَ عنهُ: الجذور بطول الفروع،
لذلك يُحدِثُ في البيت بعض الشقوق،
يخلخلُ أسًّا له.
فنقول: هو الأسُّ،
ما كان بيت لنا قبله.
إنه تِرْبُهُ،
ومصيرُهُما واحدٌ.
والشقوق التي قد يسبِّبها،
هي بعض الملامح،
يظهرها العمر إذ يتقدّم،
لا بأس إن ظهرت في الحبيبين بعضُ العلامات،
تكشف عمر العلاقة بينهما.
إنه شجر يحمل البيت، يحنو عليه،
ويجعله ذا جذور،
تآخي مع الماء فيها الحجرْ.
ويجعله ذا فروع،
فينهض في كلِّ حين،
ويسمو سموَّ الشّجرْ.

■ ■ ■

ونجعلُ للشِّعر في بيتِنا غُرَفاً،
ونوافذَ،
كُلَّ النَوافذِ، كُلَّ الغُرَفْ.
وهوَ يفتَحُ أكثرَ ممّا جعَلْنَا لهُ.
ويعلِّمُنا أنَّ مَعْنى الإقامَةِ يَنْجُو
وَيَحلو
وَيَغْدو كثيراً
كثيراً
إذا كانَ بعضَ معاني الشَّغَفْ.

بطاقة
جودت فخر الدين (1953) شاعرٌ لبناني، له أكثر من عشرة دواوين، منها: “منارةٌ للغريق” (1996)، و”فصولٌ من سيرتي مع الغيم” (2011)، و”حديقة الستّين” (2016)، و”أكثر من عزلة، أبعد من رحلة” (2021). تُرجمت له مجموعتان إلى الإنكليزية، كما تُرجمت له قصائد إلى الفرنسية والألمانية. وهذه القصائد مختارة من مجموعته الشّعريّة الجديدة “هندسةٌ تليها تقاطُعات”، الصّادرة عن “العائدون للنشر”

(إلى إبراهيم المعمري)

أدخلُ مسقط
مثلَ ممثّل إغريقي يعودُ إلى دوره
في تراجيديا مُعاصِرة
على مَسرَحٍ عَظيم،
الجِبالُ خَشَبَتُهُ
البَحْرُ سِتارتُهُ الزّرقاء.
والتضاريسُ مسوّدات في محترف إله.
تُرى، مَنْ نَسَجَ البَحْرَ لي…

أدخلُ ومعي المدى المتخثرُ
والمَغاربُ
الشُّرفاتُ الرّجيمةُ والجنوبُ
المهاجرُ
بغداد ظهيرةٌ في حقيبة
تكدّستْ فيها مناديل ودفاتر،
يستجوبني فسيلُ نخلةٍ
ما زال يرضعُ
من ثديٍ بلاستيكيّ أسود
لأُمّ أعذاقها تقطرُ شهداً.

أدخلُ
طيفاً يُخاتلُ يقظتَه
طريقاً تقفلُ راجعةً
وغياباً يجفّ كجدول ماء..
أقلّبُ الحاضرَ
ثم أطويه شراشفَ ووسائدَ
وأوعيةً من فخّار متشقّق
داخل خزانة أبنوسٍ صينيّ
أتمدّد فوق كرسي الخشبي
سربَ طيورٍ يحطّ على غصنِ
شجرةِ لُبانٍ
بعد آلاف الأميال في الآفاق.

أدخل محمّلاً بتضاريسي
كجملٍ بسنامه
وقد صرت خيمةً لإيواء الكيان
أسألُ، متى يكون الدخولُ أرضاً…
لا طائلَ من خروجٍ معمّرٍ
وعودةٍ أضاعتْ مفاتيحَ المكان
والجهاتُ الأربع أقدامٌ لعرشِ
أمير مطرود.

أدخلُ
ذراعاي تعتصرانِ عمراً
كغسيلٍ ناقعٍ في طشت
خلفي باريس
كوميديا عربية تعرض دون انقطاع
منذ عشرات السّنين، فصلاً مأساوياً
لأمّةٍ في حفلةٍ تنكّرية
يُكشّرُ فيها المدعوون عن أنياب ومخالب
لا تعرفها الوحوش.

أدخل مسقط “عُدوليّةٌ” جاهليّة
من سفين طرفة بن العبد
تعودُ إلى مرساها على شاطئ عُمان
وقد أفرغتْ حُمولتها من اللبان والعود
والقصائد العمودية في أسواق ولغات
العالم الحديد
بعد أنْ فاض بحرٌ استوائي على حين غرّة
كان معلّقاً على جدارٍ في غرفة نومي
فهُرعتُ من سريري إلى مراكب النجدة.
أحتفي بمتاهٍ مدلّل
أقتفي آثارَ سنبلةٍ لم تصرْ خبزاً
في وادي الرافدين
أرافقُ شعاعاً قمرياً فوق كروم بعلبك
إلى معبد باخوس
أتمرأى في حدقةٍ بلّورية
لحيوان أحفوريّ على جبلٍ يمنيّ
من بحار جفت بعد الطوفان
وأنام كحصاة على شاطئ في لا…
مسقط رأسي.

أدخلُ
تمثالٌ بوذي مهشمُ الرأس
بقذيفة هاون
أطلقت عليه أيّام الخلفاء الراشدين
وهو يعود اليوم إلى معبد بلا سقف
لا زجاج ملون
ولا أوشحة برتقالية.
مُشرعاً كلّ الابواب
بيني وبيني
أرتطم بصخور شاطئية
قنينة طافية أودعَ في جوفها غريق
حشرجةً مُوقّعةً باسمي
أتعلمُ المشي عارياً كموجة
مزدحماً بنسياناتٍ ومهاوٍ
وقد أدركتُ أنّ الوصول هو المفردةُ الخطأ
التي تملأ قواميس الرحيل والإياب.
منذ اكتشاف الحدود والمنافي
أمضي بخطىً خارجاً
تظلّلني سماءٌ
بأقمارّ كأوثانٍ مهشّمة
تحنو عليّ نُسوةٌ متشحاتٌ بالسواد الأعظم
وطفولةٌ تتدلى من عنقي
كطائرٍ مشنوق.

أدخلُ مسقط
مخطوطةٌ قديمةٌ محظورة
لم تُحقّق بعد
مسوّدةُ ديوان لقصائد نثر
غير مقروءة
وتقويم لسنوات آتية لن أعيشها.. أبحثُ عن لؤلؤة سحرية
أبحثُ عنها في ليالي الخرافة والجدات
اللؤلؤةُ نائمة في بحرٍ نائمٍ في لؤلؤة..

في موعد قطعتهُ مع نفسي
قبل خمسة وستين عاماً
أرى المدينة تتكوّر مثل رُمانةٍ مفلوعة
في ظهيرة صيف
والبحرُ تمرين لانهائي
لكائنات مفتونةٍ بإيابٍ وغروب
من الدّاخل؟
كيف اختلطت البوصلة
ببُؤبؤ عيني اليسرى
اشتبكت الرّؤيةُ بالرّؤيا
وجئتُ المكان الذي أنا فيه.

  • شاعر من العراق