صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» عملٌ فكري لافت بعنوان «تدجين الفكر المتوحش» للأنثروبولوجي البريطاني جاك غودي، بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس، ليعيد طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، ويقود القارئ إلى مراجعة إحدى أكثر المسلّمات رسوخاً في فهمنا للإنسان وتاريخه.
ينطلق الكتاب من مفارقة عميقة: في تلك المساحة التي تتداخل فيها الأسطورة مع العقل، وتتشكّل فيها صورة «الآخر» على مرآة الذات، يطرح سؤالاً بسيطاً في صياغته، مربكاً في دلالاته: هل الفارق بيننا وبين ما نُسميهم «بدائيين» حقيقي، أم أنه نتاج أدواتنا قبل أن يكون نتاج عقولنا؟
عبر رحلة تحليلية متأنية، يعمل غودي على تفكيك ما يُعرف بـ«القسمة الكبرى» بين المجتمعات، تلك الثنائية التي رسّخت تصوراً حاداً يفصل بين «نحن» العقلانيين و«هم» غير العقلانيين. غير أن هذا التصنيف، كما يكشف الكتاب، ليس أكثر من بناء ذهني هش، أنتجته سياقات تاريخية ومعرفية، لا حقائق إنسانية جوهرية.
ومن هنا، ينفتح أفق التساؤل الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف كامناً في طبيعة العقل، فأين يكمن إذن؟
يقدّم المؤلف إجابته عبر فكرة مركزية تُعد من أكثر أطروحات الكتاب إثارة: إن التحوّل في أنماط التفكير لا يرتبط بالعقل ذاته، بل بالأدوات التي يستعين بها، وفي مقدمتها الكتابة. ففي المجتمعات الشفهية، كانت المعرفة متحركة، مرتبطة بالذاكرة والسياق، بينما جاءت الكتابة لتمنح اللغة بُعداً بصرياً، قابلاً للتفكيك والتنظيم وإعادة الترتيب. ومع هذا التحول، ظهرت أشكال جديدة من التفكير: القوائم، التصنيفات، الجداول، والأنساق المنطقية الدقيقة.
بهذا المعنى، يصبح «تدجين الفكر» توصيفاً لعملية تاريخية حقيقية، حيث لم يعد العقل يعمل في فضاء عفوي مفتوح، بل داخل بنى تنظّمها الوسائط المعرفية. ومع ذلك، لا يقع غودي في اختزال التفسير، بل يرفض ردّ كل شيء إلى عامل واحد، مؤكداً أن تطور الفكر الإنساني نتاج شبكة معقدة من التفاعلات بين التكنولوجيا، والبنية الاجتماعية، والسلطة، والثقافة.
ولعل أكثر ما يمنح الكتاب طابعه الإشكالي، هو تفكيكه لفكرة «التفكير البدائي». إذ يبيّن أن ما يبدو لنا أقل منطقية، ليس كذلك في جوهره، بل هو نمط مختلف من تنظيم المعرفة، مرتبط بسياق حي لا يعتمد على التجريد الرمزي. ففي تلك المجتمعات، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات ذهنية لا تقل تعقيداً، لكنها تعمل ضمن شروط مختلفة.
«تدجين الفكر المتوحش» ليس مجرد دراسة أنثروبولوجية، بل دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نُعرّف بها أنفسنا والآخرين، وفي الأدوات التي نظن أنها منحتنا التفوق، بينما قد تكون هي التي أعادت تشكيلنا على نحوٍ لم ننتبه له بعد.

