/

حديثُ الليل والصباح على كراسي المقاهي… منجم أدبي أم وثيقة اجتماعية؟

عرض
7 mins read

في مدينةٍ مثل عدن، لا تُقاس الأزمنةُ بالساعات، بل بالأصوات التي تتبدّل على كراسي المقاهي هناك، حيث يتكئ النهار على فنجان شاي، ويُسند الليلُ رأسه إلى دخانٍ متصاعد، تبدأ الحكايات في التشكل لا باعتبارها ترفاً لغوياً، بل بوصفها ضرورةً إنسانية تُعيد ترتيب العالم.

المقهى العدني ليس مجرد مكانٍ عابر، بل مساحةٌ تتقاطع فيها الحيوات، موظفٌ أنهكه الانتظار، طالبٌ يطارد مستقبلاً غامضاً، بحّارٌ يحمل في ذاكرته خرائط قديمة، وبائعٌ يعرف المدينة أكثر مما تعرف نفسها.على تلك الكراسي الخشبية أو البلاستيكية، تُكتب نصوصٌ شفوية، قد لا تجد طريقها إلى الورق، لكنها تظل حيّة في الذاكرة الجمعية.

في الصباح، يبدو الحديث أكثر واقعيةً وصرامة، أخبار الأسعار، انقطاع الخدمات، تدبير لقمة العيش، وشكوى مكتومة من يومٍ يتكرر، هنا تتحول الجملة البسيطة إلى وثيقةٍ اجتماعية، تختزن تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف عن نبض المدينة الحقيقي بعيداً عن الخطابات الرسمية.

كل عبارةٍ تُقال، حتى وإن بدت عابرة، تحمل في طيّاتها شهادةً على زمنٍ مضطرب،أما في الليل، فالمقهى يستعيد وجهه الآخر تخفّ حدّة الواقع، ويعلو صوت الحلم تتحول الطاولات إلى منصاتٍ للسرد، حكايات حبٍ مؤجلة، ذكريات ما قبل الحرب، نكاتٌ تُخفي وجعاً عميقاً، وأحاديث عن سفرٍ قد لا يحدث هنا، يصبح الكلام أقرب إلى الأدب، لغةٌ مشبعة بالصور، ومجازاتٌ تولد من رحم المعاناة. الليل يمنح الناس شجاعة البوح، ويمنح اللغة حرية الانفلات ما بين الصباح والليل، تتشكل هوية المقهى كفضاء مزدوج، منجمٌ أدبي يستخرج الصور والتعابير من الحياة الخام، ووثيقةٌ اجتماعية تسجّل تحولات المجتمع دون قصدٍ أو رقابة فكم من كاتبٍ وُلدت فكرته الأولى على طاولة مقهى؟ وكم من باحثٍ لو أنصت جيداً، لوجد في تلك الأحاديث مادةً لا تقل أهميةً عن أي دراسة ميدانية؟

في عدن، حيث البحر شاهدٌ صامت، والميناء ذاكرةٌ مفتوحة، تظل المقاهي امتداداً للشارع بل مرآته الأصدق. لا تحتاج إلى أرشيفٍ رسمي لتفهم ما يجري؛ يكفي أن تجلس، أن تُنصت، وأن تترك الكلمات تمرّ عبرك. هناك، ستكتشف أن الحديث العابر ليس عابراً كما يبدو، بل هو نصٌ غير مكتوب، ينتظر من يلتقطه.

إن السؤال: «منجم أدبي أم وثيقة اجتماعية؟» قد لا يحتاج إلى إجابةٍ حاسمة. فالمقهى العدني، في جوهره، هو الاثنين معاً؛ مكانٌ تتجاور فيه الحقيقة والخيال، ويتحوّل فيه الكلام اليومي إلى أثرٍ ثقافي. وربما تكمن قيمته الحقيقية في هذه الازدواجية تحديداً—في قدرته على أن يكون بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد.

في النهاية، لا يُكتب الأدب دائماً في عزلة، ولا تُجمع الوثائق دائماً في مؤسسات. أحياناً، يكفي فنجان شاي، وكرسيٌ مهترئ، ومدينةٌ تتكلم بصوتٍ خافت… لتولد حكاية.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

مؤسسة جدارية الثقافية تطلق استديو الحاضنة الذكية للرسم الرقمي في عدن

الأحدث من