//

«حكاية السيد البرغي»… حين يتحول الأدب إلى محاكمة للذات وآلة الاستبداد

عرض
11 mins read

في زمنٍ لم يعد فيه الاستبداد حكرًا على حدود دولة أو نظام بعينه، بل بات ظاهرة تتخذ أشكالًا متعددة في أنحاء العالم، تأتي رواية «حكاية السيد البرغي» للروائي السوري سومر شحادة، الصادرة عن دار الآداب، لتقدم تأملًا عميقًا في العلاقة المعقدة بين السلطة والفرد، وبين الخوف والضمير، وبين الإنسان والآلة التي يذوب داخلها حتى يفقد ملامحه.

لا تمنح الرواية قارئها مكانًا محددًا أو زمنًا واضحًا. فالعالم الذي تدور فيه الأحداث بلا أسماء ولا خرائط، وكأن الكاتب يتعمد تحرير النص من خصوصيته السورية ليجعله صالحًا لقراءة أي تجربة استبدادية، حيث تتشابه الأنظمة وتتكرر آليات القمع مهما اختلفت الجغرافيا.

في قلب هذا العالم يقف موظف يعمل في مؤسسة تحمل اسمًا ساخرًا هو «الإصلاحية»؛ مؤسسة يُفترض أنها معنية بالإصلاح، بينما تؤدي عمليًا وظيفة رقابية واستخباراتية تخدم نظامًا مجهول الهوية. وعلى امتداد عشرين عامًا، لم يشكك الموظف يومًا في طبيعة عمله، بل اعتبر نفسه مجرد منفذ للأوامر، أو كما تصفه الرواية: «برغي» صغير في آلة ضخمة.

لكن هذا اليقين يبدأ بالتصدع عندما تقع بين يديه مقالة للكاتب ممدوح حداد، تصف الموظفين الرقابيين بأنهم “براغٍ في آلة تطحن وعي الناس”. عبارة واحدة فقط كانت كافية لتوقظ أسئلة دفنها الرجل طويلًا، ولتفتح بابًا لم يعد قادرًا على إغلاقه.

يتحول فضوله المهني إلى رحلة شخصية. يبحث عن الكاتب، ويقرأ روايته «عطر الليل»، التي تصبح بدورها رواية داخل الرواية. ومن خلال القراءة لا يراقب النص فحسب، بل يجد نفسه مراقبًا من النص نفسه، وكأن كل صفحة تكشف جزءًا من حياته التي عاشها تحت وطأة الطاعة والخوف.

يعتمد سومر شحادة هنا على لعبة سردية ذكية؛ فالرقيب الذي اعتاد إصدار الأحكام يصبح موضوعًا للفحص النفسي. وبينما يحاول كتابة تقرير يدين الكاتب، يجد نفسه عاجزًا عن إكمال المهمة، لأن الكلمات التي يقرأها بدأت تهدم الصورة التي صنعها عن نفسه طوال سنوات.

ولا يحتاج الكاتب إلى أحداث صاخبة أو مواجهات مباشرة ليكشف قسوة الاستبداد؛ فالرواية تتحرك بإيقاع داخلي هادئ، بينما تتصاعد العواصف في أعماق الشخصية الرئيسية. الخوف هنا ليس مجرد تهديد خارجي، بل يتحول إلى حالة ذهنية دائمة. حتى خارج مكان العمل، يشعر الموظف أن الكاميرات تلاحقه، وأن النظام يقرأ أفكاره قبل أن ينطق بها.

هذا الاستبطان النفسي يمنح الرواية طابعًا كافكويًا واضحًا، حيث تصبح الرقابة جزءًا من تكوين الإنسان نفسه، لا مجرد مؤسسة تفرض سلطتها عليه. فالآلة لا تكتفي بإخضاع الأجساد، بل تنجح في إعادة تشكيل الوعي، حتى يغدو الفرد رقيبًا على ذاته قبل أن يكون رقيبًا على الآخرين.

وفي موازاة هذا التحول، تعيد الرواية النظر في العلاقات الإنسانية التي شوهها الخوف. فحتى علاقة البطل بزوجته تبدو باردة ومؤجلة، وكأن الحياة المشتركة لم تستطع اختراق الجدار الذي بنته سنوات القمع والارتياب. لم يكن الرجل يعيش مع أسرته بقدر ما كان يعيش داخل منظومة من الشك والرقابة والصمت.

ومن خلال شخصية ممدوح حداد، لا يقدم شحادة بطلاً خارقًا في مواجهة السلطة، بل كاتبًا يحمل هشاشته الإنسانية، ويعجز بدوره عن تغيير الواقع. إلا أن الأدب، في المقابل، يمتلك قدرة مختلفة؛ فهو لا يهزم النظام مباشرة، لكنه ينجح في زعزعة يقين أحد أفراده، ويدفعه إلى إعادة اكتشاف نفسه.

تكمن قوة الرواية في أنها لا تجعل الحرية شعارًا سياسيًا، بل سؤالًا وجوديًا. فالبطل لا يخوض معركته مع النظام بقدر ما يخوضها مع ذاته، محاولًا استعادة الإنسان الذي ابتلعته سنوات الامتثال والطاعة.

وفي نهايتها، يختار السيد البرغي أن يتحرر من موقعه داخل الآلة، لكن الرواية لا تقدم هذا الاختيار بوصفه انتصارًا كاملاً أو خلاصًا نهائيًا، بل باعتباره بداية مواجهة مؤلمة مع الذات، بعدما أدرك حجم ما فقده خلال سنوات الخضوع.

بهذا البناء المركب، تؤكد «حكاية السيد البرغي» أن الأدب لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يمتلك القدرة على تفكيك البنى النفسية التي يصنعها الاستبداد، وأن الرواية قد تتحول إلى مساحة لاستعادة الوعي، وإلى فعل مقاومة هادئ يبدأ من الداخل قبل أن يواجه الخارج. إنها رواية عن الإنسان حين يكتشف متأخرًا أنه لم يكن سوى قطعة صغيرة في آلة، وعن الكتابة التي تستطيع أن تمنحه فرصة أخيرة لاستعادة صوته.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

تكريم الذاكرة الثقافية في حضرموت.. جولة تحتفي برواد الأدب والفن وإرثهم الإبداعي

القصة التالية

«100 كمان».. زياد الزواري يعيد إحياء التراث التونسي بروح أوركسترالية معاصرة

الأحدث من