/

” جين اوستن حين يصبح الحبر دفئا ” 

بقلم .. دعاء هزاع الجابري 

في ليال يغمرها المطر كوشاح من نغم خافت ويتمدد فيها الشتاء طويلا ، كأنه يسعى لأن يروي حنينا أزليا لا يرتوي ، نفتش عن كلمات تشعل في أعماقنا جمرة دفء لا تطفئها الرياح ، ونبحث عن حكاية تنصت لقلوبنا أكثر مما نحسن نحن الإصغاء إليها ، عن سطور تعرف كيف تحملنا برفق إلى عالم يتلاشى فيه وجع الدنيا ، ويعلو فيه صوت الروح صافيا بلا ضجيج 

هناك ، بين صفحات كتاب وآخر ، حيث تصفر الأوراق بمرور السنين ، كما لو أنها تحفظ ذاكرة اللمس ، تتفتح لنا أبواب لا يصل إليها النهار ، وتولد كلمات تبحر بنا على مهل نحو موطن دفء يأبى الفراق ، موطن يتشبث بنا حتى آخر لحظات بزوغ الفجر ، وكأن الفجر ذاته يتردد قبل أن يطل ، خشية أن يقطع علينا حلاوة التجلي في تلك اللحظة الساكنة بداخلنا 

نلتف بليل محاك من الكلمات ، ليل يشبه حضنا ناعما لا يرى ، وفي أيدينا فنجان شاي إنجليزي يتصاعد بخاره ، كأنه روح الكتاب القادمة 

إلينا بدفئها ، وعلى الطاولة قطعة كعك تفوح منها رائحة البيوت القديمة ، تلك البيوت التي لا تستعاد إلا بين دفتي رواية وأخرى ، ومع كل فصل جديد  نسافر بلا إذن : إلى تلال إيرلندا المسكونة بالندى ، إلى قلاع اسكتلندا حيث ينام الزمان شامخا ، إلى أزقة باث التي تخبئ بين حجارتها أنفاس قرون مضت ، ونمسك بحقائب من خيال ، ونلف أوشحة من شوق يعتصرنا ، ونمضي في دروب لم نعرفها إلا حين كتبتها لنا يد كانت تؤمن بأن العالم لا يتسع إلا للحلم إذا جاء مكتوبا ، تلك اليد ، يد امرأة نسجت من الرقة وطنا ، ومن البساطة رحلة ، ومن الحكاية موقدا يذيب صقيع هذا العالم ، امرأة ليست روائية فحسب ، بل سحر ودفء في قلب هذا الكون الشاحب 

إنها جين أوستن ، التي كتبت لنا قصصا لا تقرأ بل تعاش ، قصصا نضعها على صدورنا كما توضع الذكريات الثمينة ، ونرتلها في ليالي الوحدة كترنيمة تمنح القلب سببا للنبض ، وشغفا متجددا للحياة ، هي التي جعلت الكلمات تمشي على أطراف أصابعها كي لا تكسر صمت الأحلام ، ووهبتنا شخصيات تشبهنا : تحب مثلنا ، وتنتظر مثلنا ، وتخطئ وتخاف وترتجف كما ترتجف قلوبنا الساكنة وسط ضجيج هذا العالم ، امرأة أعادت إلينا دفء الروح حين كدنا نفقده ، ومنحتنا حكايات تفتح لليل نافذة ، وللروح ملاذا ، وللقلب لغة لا يعرفها سواه 

ففي أعمالها وجدنا حنينا يوقظ ذاكرتنا ، ودفئا يسكب الطمأنينة في قلوبنا وشغفا يعيد إلينا رغبتنا في الكتابة ، كأنها تضع القلم بين أيدينا وتهمس : اكتبوا ، فالعوالم لا تخلق إلا بالكلمات  

وهكذا ، يبقى أثرها فينا ممتدا لا يذوب بمرور الوقت ، ولا يتلاشى مهما تغير العالم من حولنا ، ويبقى معها ذلك الشعور الجميل بأن : الأدب ليس مجرد حكاية تقرأ ، بل وطن يحتوينا حين يبرد كل شيء ، فحين نغلق آخر صفحة ، يبقى دفء الحكاية عالقا في أطراف القلب ، لنقف أمام سؤال لا يبحث عن جواب ، بل عن دهشة أطول عمرا : من أي عالم جاءت جين أوستن يا ترى؟ ، أمن عالم يعرف كيف ينصت للقلوب قبل أن تنطق؟ أم من زمن كانت فيه المشاعر تكتب على مهل ، وتصان كما تصان الأسرار الجميلة؟ ، لعلها أتت من مكان لا يخضع لقسوة الواقع ، من ضفة أخرى للعالم ، حيث الحب لا يشيخ ، والرقة لا تهزم ، والكلمات تولد وفيها دفء البشر جميعا ، أو ربما لم تأت من عالم بعيد ، ربما كانت واحدة منا لكنها رأت ما عجزنا عن رؤيته ، وسمعت ما تجاهلناه طويلا ، فكتبت كي تترك لنا أثرا يدل الطريق ، وكي تهمس في آذاننا كلما اشتد البرد : إن في الحكاية خلاصا ، وفي الأدب حياة أخرى ، وفي الكلمات وطنا لا يخذل ساكنيه

لتبقى جين أوستن هكذا سؤالا جميلا لا نريد له جوابا ، لأن بعض الأسئلة خلقت كي تبقى مضيئة ، تماما كأثرها فينا ” دافئا ، وصامتا ، وأبديا ” .

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

انتعاش سوق النشر بروايات الخيال العلمي

القصة التالية

«أثَرُها» يفتح أبوابه لإبداعات 30 فنانة تشكيلية في بيكاسو إيست

الأحدث من