
في ليال يغمرها المطر كوشاح من نغم خافت ويتمدد فيها الشتاء طويلا ، كأنه يسعى لأن يروي حنينا أزليا لا يرتوي ، نفتش عن كلمات تشعل في أعماقنا جمرة دفء لا تطفئها الرياح ، ونبحث عن حكاية تنصت لقلوبنا أكثر مما نحسن نحن الإصغاء إليها ، عن سطور تعرف كيف تحملنا برفق إلى عالم يتلاشى فيه وجع الدنيا ، ويعلو فيه صوت الروح صافيا بلا ضجيج
هناك ، بين صفحات كتاب وآخر ، حيث تصفر الأوراق بمرور السنين ، كما لو أنها تحفظ ذاكرة اللمس ، تتفتح لنا أبواب لا يصل إليها النهار ، وتولد كلمات تبحر بنا على مهل نحو موطن دفء يأبى الفراق ، موطن يتشبث بنا حتى آخر لحظات بزوغ الفجر ، وكأن الفجر ذاته يتردد قبل أن يطل ، خشية أن يقطع علينا حلاوة التجلي في تلك اللحظة الساكنة بداخلنا
نلتف بليل محاك من الكلمات ، ليل يشبه حضنا ناعما لا يرى ، وفي أيدينا فنجان شاي إنجليزي يتصاعد بخاره ، كأنه روح الكتاب القادمة
إلينا بدفئها ، وعلى الطاولة قطعة كعك تفوح منها رائحة البيوت القديمة ، تلك البيوت التي لا تستعاد إلا بين دفتي رواية وأخرى ، ومع كل فصل جديد نسافر بلا إذن : إلى تلال إيرلندا المسكونة بالندى ، إلى قلاع اسكتلندا حيث ينام الزمان شامخا ، إلى أزقة باث التي تخبئ بين حجارتها أنفاس قرون مضت ، ونمسك بحقائب من خيال ، ونلف أوشحة من شوق يعتصرنا ، ونمضي في دروب لم نعرفها إلا حين كتبتها لنا يد كانت تؤمن بأن العالم لا يتسع إلا للحلم إذا جاء مكتوبا ، تلك اليد ، يد امرأة نسجت من الرقة وطنا ، ومن البساطة رحلة ، ومن الحكاية موقدا يذيب صقيع هذا العالم ، امرأة ليست روائية فحسب ، بل سحر ودفء في قلب هذا الكون الشاحب
إنها جين أوستن ، التي كتبت لنا قصصا لا تقرأ بل تعاش ، قصصا نضعها على صدورنا كما توضع الذكريات الثمينة ، ونرتلها في ليالي الوحدة كترنيمة تمنح القلب سببا للنبض ، وشغفا متجددا للحياة ، هي التي جعلت الكلمات تمشي على أطراف أصابعها كي لا تكسر صمت الأحلام ، ووهبتنا شخصيات تشبهنا : تحب مثلنا ، وتنتظر مثلنا ، وتخطئ وتخاف وترتجف كما ترتجف قلوبنا الساكنة وسط ضجيج هذا العالم ، امرأة أعادت إلينا دفء الروح حين كدنا نفقده ، ومنحتنا حكايات تفتح لليل نافذة ، وللروح ملاذا ، وللقلب لغة لا يعرفها سواه
ففي أعمالها وجدنا حنينا يوقظ ذاكرتنا ، ودفئا يسكب الطمأنينة في قلوبنا وشغفا يعيد إلينا رغبتنا في الكتابة ، كأنها تضع القلم بين أيدينا وتهمس : اكتبوا ، فالعوالم لا تخلق إلا بالكلمات
وهكذا ، يبقى أثرها فينا ممتدا لا يذوب بمرور الوقت ، ولا يتلاشى مهما تغير العالم من حولنا ، ويبقى معها ذلك الشعور الجميل بأن : الأدب ليس مجرد حكاية تقرأ ، بل وطن يحتوينا حين يبرد كل شيء ، فحين نغلق آخر صفحة ، يبقى دفء الحكاية عالقا في أطراف القلب ، لنقف أمام سؤال لا يبحث عن جواب ، بل عن دهشة أطول عمرا : من أي عالم جاءت جين أوستن يا ترى؟ ، أمن عالم يعرف كيف ينصت للقلوب قبل أن تنطق؟ أم من زمن كانت فيه المشاعر تكتب على مهل ، وتصان كما تصان الأسرار الجميلة؟ ، لعلها أتت من مكان لا يخضع لقسوة الواقع ، من ضفة أخرى للعالم ، حيث الحب لا يشيخ ، والرقة لا تهزم ، والكلمات تولد وفيها دفء البشر جميعا ، أو ربما لم تأت من عالم بعيد ، ربما كانت واحدة منا لكنها رأت ما عجزنا عن رؤيته ، وسمعت ما تجاهلناه طويلا ، فكتبت كي تترك لنا أثرا يدل الطريق ، وكي تهمس في آذاننا كلما اشتد البرد : إن في الحكاية خلاصا ، وفي الأدب حياة أخرى ، وفي الكلمات وطنا لا يخذل ساكنيه
لتبقى جين أوستن هكذا سؤالا جميلا لا نريد له جوابا ، لأن بعض الأسئلة خلقت كي تبقى مضيئة ، تماما كأثرها فينا ” دافئا ، وصامتا ، وأبديا ” .