انتعاش عالمي لأدب الخيال العلمي مدفوعاً بالأزمات والمنصّات الرقمية
يشهد أدب الخيال العلمي في السنوات الأخيرة طفرة لافتة أعادت رسم خريطة سوق النشر العالمية، مدفوعاً بتحولات كبرى في الواقع المعاصر، من الأزمات المناخية والقلق التكنولوجي إلى صعود المنصّات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعدما ظل لسنوات يُنظر إليه بوصفه أدباً ترفيهياً هامشياً، تحوّل الخيال العلمي إلى مساحة تعبيرية عميقة تستكشف مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل سريع التغيّر، ما انعكس على ارتفاع مبيعاته وعودة النقاش حول مكانته الأدبية.
في فرنسا، كشفت دراسة صادرة عن «مرصد الخيال» لعام 2025 عن قفزة في مبيعات روايات الخيال العلمي بنسبة 40% بين عامي 2023 و2024، تزامناً مع ظهور دور نشر جديدة متخصصة بهذا النوع. الاتجاه ذاته برز في الولايات المتحدة، حيث أظهرت بيانات معهد «سيركانا بوك سكان» ارتفاع المبيعات بنسبة 12% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025. أما في المملكة المتحدة، فقد سجلت روايات الخيال العلمي والفانتازيا زيادة وصلت إلى 41.3% بين عامي 2023 و2024، وفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» حول دور منصّة «بوك توك» في تنشيط المبيعات.
ولم يعد هذا الأدب يُختزل في صورته التقليدية القائمة على المغامرة أو الكائنات الخرافية والسفر عبر الزمن، بل بات أقرب إلى أدب استكشافي يوظّف المستقبل لفهم قضايا سياسية واجتماعية وأخلاقية معاصرة. ويرى باحثون في الأدب المقارن أن الخيال العلمي يضخّم قضايا الحاضر مثل الرقمنة والرقابة والذكاء الاصطناعي والكوارث المناخية، ليقدّم قراءات نقدية للمجتمع. وتظل أعمال مثل «1984» لجورج أورويل و«عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي و«هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك نماذج بارزة على هذا التداخل بين الخيال والمخاوف الواقعية.

في المقابل، لعبت المنصّات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» في «تيك توك»، دوراً محورياً في هذا الانتعاش. إذ تشير بيانات «سيركانا بوك سكان» إلى أن واحداً من كل 12 كتاباً ورقياً يباع عالمياً يعود انتشاره مباشرة إلى تأثير صنّاع المحتوى على المنصة. وقد ساهمت هذه الظاهرة في تحقيق نجاحات قياسية لأعمال حديثة، مثل رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، التي دفعت دور النشر إلى طباعة مئات الآلاف من النسخ منذ الإصدار الأول. كما أعادت المنصة إحياء روايات قديمة، مثل «أغنية أشيل» التي تضاعفت مبيعاتها بعد سنوات من صدورها، فضلاً عن استمرار صعود مبيعات «1984» بمعدلات سنوية ملحوظة.
هذا التحول الرقمي لم ينعش المبيعات فحسب، بل كسر أيضاً احتكار النخب الثقافية لمنح «الشرعية الأدبية»، إذ باتت قوائم الأكثر مبيعاً، التي يقودها جمهور شاب عبر المنصّات الاجتماعية، عاملاً مؤثراً في إعادة تقييم هذا الجنس الأدبي.
وتتزامن هذه الطفرة مع تحوّل في نظرة النقاد إلى الخيال العلمي، خصوصاً مع تصاعد قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والحريات الفردية. فقد ظل هذا الأدب طويلاً مهمشاً بوصفه «أدباً شعبياً»، قبل أن يتعزز الاعتراف به بوصفه مختبراً فكرياً واجتماعياً يستشرف المستقبل لفهم الحاضر. وترى الكاتبة أورسولا ك. لو غوين أن الخيال العلمي «أداة قوية لاستكشاف معنى أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول»، فيما يعتبر عدد من الكتّاب والنقاد أن هذا الجنس الأدبي بات من أكثر الأشكال قدرة على دمج الأسئلة التكنولوجية والإنسانية في سرد روائي معاصر.
ويؤكد نجاح أعمال حديثة وحصولها على جوائز أدبية كبرى، إلى جانب إعادة إحياء الكلاسيكيات، أن الخيال العلمي لم يعد على هامش المشهد الثقافي، بل أصبح أحد محركاته الأساسية، وفضاءً رحباً لقراءة الحاضر عبر مرايا المستقبل.

