الادب اللاتيني المنسي ، حين تتكلم القارة بالحكاية 

بقلم / دعاء هزاع الجابري

 

هناك في أقصى الجنوب من خرائط اللغة ، حيث تمتزج الشمس بالأسطورة وتكتب الأرض حكاياتها بالحبر والدمع ، يولد ” الأدب اللاتيني ” ككائن حي يتنفس الذاكرة ويقاوم النسيان ، ففي مدن تشبه الحلم مثل ” بوينس آيرس ، وليما ، ومكسيكو سيتي ” لم يكن الأدب يوما ترفا ثقافيا بل كان ضرورة وجود ، كان صوتا يخرج من بين شقوق القهر ومن ذاكرة الشعوب التي عاشت بين استعمار طويل ، وثورات لم تهدأ وأحلام أكبر من حدود الجغرافيا 

لقد تميز الأدب اللاتيني بأنه لا يفصل بين الواقع والخيال بل يذيبهما في كأس واحدة ، ففيه قد تمشي الأرواح بين الأحياء وقد تتحدث الأشجار وقد يصبح الزمن دائرة لا خطا مستقيما ، وهذا ما جعل ما يعرف ” بالواقعية السحرية ” ليس مجرد أسلوب بل فلسفة ترى أن الحقيقة أوسع من أن تقيد بالعقل وحده ،

لذلك حين نذكر هذا الأدب تنهض أسماء لا تقرأ بل تعاش مثل ” غابرييل غارسيا ماركيز ” الذي لم يكن يكتب الروايات كمجرد رواية بل خلق بها عوالم كاملة مثال ” مئة عام من العزلة ” حيث العائلة مرآة القارة والزمن حكاية تتكرر بأشكال مختلفة ، اما ” خورخي لويس بورخيس ” فهو الأخر قد جعل من المتاهة فكرة ومن الفكرة كونا ، حتى بدا وكأن الكتابة عنده لعبة ذهنية بين الحقيقة والوهم ، ولا يمكن من ذلك أن نغفل عن ” ماريو بارغاس يوسا ” ذاك الذي حمل السياسة على كتفي الرواية ، وجعل من النص ساحة لصراع السلطة والحرية 

أن هذا الأدب ” الأدب اللاتيني ” لا يكتب بالحبر فقط بل بالتاريخ ايظا ، فكل سطر فيه يحمل صدى القارة من : أصوات الفلاحين ، أنين المدن ، وصرخات الثورات ، لذلك.هو أدب مشحون بالهوية ومتخم بالأسئلة ومشبع بقلق الإنسان الباحث عن معنى في عالم مضطرب ، ومع ذلك كله يبدو اليوم وكأنه منسي ، أو على الأقل لا يحظى بما يستحق من ضوء ، ربما لأن العالم المعاصر يميل إلى السرعة ، بينما هذا الأدب يحتاج إلى تأمل كامل ذا استثناء ، لأن صوته عميق إلى حد أنه لا يستهلك بسهولة ، في حين أن المركزية الثقافية اليوم ما زالت تميل إلى تضخيم صوت واحد وتهميش ما عداه ، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الأدب اللاتيني لم يكن يوما هامشا ، فلقد غير شكل الرواية العالمية وفتح أبوابا جديدة للخيال وعلم العالم أن الحكاية ليست مجرد سرد بل رؤية للعالم 

أن بصمته ليست تحصيل حاصل ، بل هي ندبة جميلة في وجه الأدب العالمي التي تذكرنا بأن هناك دائما طرقا أخرى لرؤية الحقيقة ، وأن الإنسان مهما اختلفت لغته فهو يحمل في داخله الحكاية ذاتها وهي ” حكاية البحث عن ذاته ، وعن معنى وجوده في هذا الكون الواسع ” ، لذلك هو أدب لا يموت ، لأنه ببساطة كتب من قلب الحياة نفسها ، وحين نغادر هذا العالم الموشى بالحكايات ، ندرك أن الأدب اللاتيني لم يكن ترفا ولا زخرفة لغوية بل كان ضرورة تشبه التنفس ، فقد علمنا كما قال ” ماريو بارغاس يوسا ” : أن الحياة من دون أدب ستكون خطأ فادحا ، وكأن الكلمات ليست مجرد حروف بل خلاص خفي يرمم أرواحنا ويعيد ترتيب فوضى العالم داخلنا ، فمن دون الأدب تفقد الحياة صوتها وتبهت معانيها ونغدو عابرين بلا ذاكرة ، أما به فنصبح أكثر إنسانية وأكثر قدرة على أن نحيا لا أن نوجد فقط .

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

جائزة الشارقة لنقد الشعر العربي – الدورة السادسة

الأحدث من