” الثقافة الروسية ، مرآة الروح البشرية في عتمة الثلج “

بقلم / دعاء هزاع الجابري

عرض
8 mins read

في أقصى الشمال حيث يطول الليل حتى يكاد يصبح ذاكرة لا تمحى ، وتشتعل الأرواح بدل الشمس ، ولدت ” روسيا ” لا كبلاد فحسب بل كحالة إنسانية متفردة وقصيدة طويلة كتبت بالحبر والثلج وتوارثتها الأجيال منذ زمن القياصرة حتى نبض الحاضر فلم تكن الثقافة الروسية يوما زينة على هامش التاريخ بل كانت قلبه الخفي النابض بالفكرة والوجدان ، فمن قصور القياصرة التي صاغت ملامح السلطة إلى أكواخ الفلاحين التي حفظت روح الأرض ، تشكلت هوية لا تشبه إلا نفسها   هوية صنعت من المعاناة معنى ومن الصمت لغة ومن الشتاء الطويل تأملا عميقا في ماهية الإنسان ، حيث في تلك الأرض لم يكن ” الأدب ” ترفا بل ضرورة وجودية ، فقد جلس هناك ” فيودور دوستويفسكي ” ينصت لاهتزازات الروح البشرية ويغوص في أعماقها حتى كشف تناقضاتها القاسية ، بينما كان ” ليو تولستوي ” يكتب الحياة بكل اتساعها ممتدا من تفاصيل القلب إلى مصائر الأمم ، أما ” أنطون تشيخوف ” فقد التقط لحظات الإنسان الهشة وحولها إلى مرايا تعكس الحقيقة دون ضجيج ، ومن رحم تلك الروح ولد أيضا ” ألكسندر بوشكين ، الذي صاغ اللغة كأنها موسيقى وأعاد للهوية الروسية صوتها الشعري الأول 

ولم تكن الفنون أقل إشراقا دون سواها فقد ارتفعت الموسيقى كصلاة خفية في أعمال ” بيوتر إليتش تشايكوفسكي : حيث تتراقص الألحان بين الحزن والأمل ، بينما حمل ” إيغور سترافينسكي ” التمرد الفني إلى آفاق جديدة كاسرا القوالب ومعلنا ولادة زمن مختلف ، وفي الأداء كان صوت ” فيودور شاليابين ” صدى للروح الروسية بكل ما فيها من عمق وهيبة 

أما العمارة فهي الأخرى تحمل ذات الأهمية ، فهي ليست رحجارة صامتة بل قصائد قائمة في وجه الزمن ، فحين يمر الزائر أمام ” الكرملين ” لا يرى مجرد حصن سياسي بل يلمس تاريخا متراكما كطبقات الذاكرة ، وحين تتلألأ قباب ” كاتدرائية القديس باسيل ” بألوانها، يشعر وكأنها حكاية مرسومة على صفحة السماء ، اي أن هناك لا يمكن للعين أن تعبر دون أن تدرك أن الثقافة قد سكنت الحجر كما سكنت الإنسان ، فقد أثرت هذه الروح العميقة في الشعب الروسي حتى صاغت منه إنسانا يميل إلى التأمل ويبحث عن المعنى خلف كل شيء ، إنسانا يرى في الألم تجربة ، وفي الصبر قوة ، وفي الفن خلاصا ، حيث لم تكن هذه الثقافة مجرد إرث يحكى بل كانت طريقا للارتقاء الفكري والسلوكي والروحي ، حتى غدا الإبداع جزءا من الهوية لا خيارا خارجها 

وهكذا من زمن القياصرة إلى اليوم.لم تنطفئ الشعلة ، فما زالت روسيا تكتب نفسها لا بالحبر وحده ، بل بالفكر ، بالفن ، وبروح تعرف كيف تحول أقسى الفصول إلى ولادة جديدة ، إنها ثقافة لا تروى كقصة من الماضي بل تعاش كحقيقة مستمرة تذكر العالم بأن الجمال قد يولد من القسوة ، وأن الإنسان حين يصغي لروحه يستطيع أن يخلد أثره في الزمن ، لتبقى بذلك الثقافة الروسية شامخة كصمت الثلج حين يحمل في داخله ألف حكاية ، وعميقة كأرض خبأت في طبقاتها ذاكرة الشعوب ، لا تبهت مع الزمن ولا تنحني لعابر الأيام ، وكما يقول المثل الروسي القديم : ليس الجمال فيما تراه العين ، بل فيما تشعر به الروح ، فكأن روسيا بثقافتها كاملة لم تخلق لترى فقط ، بل لتعاش وتفهم وتحفر في أعماق الإنسان حيث لا يصل إلا ما هو خالد .

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

مؤسسة جدارية تعرض فيلم “عاش يا كابتن” ضمن أنشطتها الإبداعية في مساحة جسر

الأحدث من

عيدكم مبارك

تتقدم أسرة موقع جدارية الثقافيةبأطيب التهاني بمناسبة عيد الفطر المبارك،سائلين الله أن يعيده عليكم بالخير والفرح…