استعراض الأقسام

الاخبارصفحة

/

هل كان الشعر العربي، عبر تاريخه الطويل، مجرد تعبير جمالي، أم أنه أدى دوراً أعمق في إعادة تشكيل الوعي ومساءلة القيم السائدة؟ هذا السؤال يشكل المحور الرئيس لكتاب «شعرية الأفكار وصيرورة الأنوار» للدكتور عبد الفتاح أحمد يوسف، أستاذ الأدب والدراسات النقدية الحديثة بجامعة البحرين، والصادر حديثاً عن دار الروافد الثقافية في بيروت.

ينطلق الكتاب من قراءة جديدة للقصيدة العربية بوصفها فضاءً لإنتاج الأفكار، لا مجرد وعاء للبلاغة والإيقاع، متسائلاً عن قدرة الشعر على تجاوز الواقع الاجتماعي وإعادة صياغة رؤى أكثر انفتاحاً تجاه الإنسان والعالم. ويطرح المؤلف سؤالاً معرفياً لافتاً حول طبيعة الأفكار الأدبية، وما إذا كانت مجرد تراكمات ثقافية أم أنها مجازات معرفية تمتلك القدرة على إحداث تحولات في الوعي الجمعي.

ويعود الكتاب إلى الشعر العربي القديم، متتبعاً نماذج بارزة من شعراء المعلقات، مثل امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد والمهلهل بن ربيعة، ليبرز كيف حملت نصوصهم قيماً تجاوزت سياقها التاريخي، من الدعوة إلى التسامح ونبذ العصبية، إلى الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية، والتمرد على أنماط التمييز الاجتماعي.

ويخصص المؤلف مساحة مهمة لتجربة عنترة بن شداد، معتبراً أن قصيدته لم تكن مجرد سيرة بطولة، بل خطاباً يواجه البنية الاجتماعية التي كرّست التمييز بين الأسياد والعبيد، مقدماً نموذجاً شعرياً يحتفي بالإرادة والحرية وتجاوز القيود الاجتماعية. كما يتوقف عند شعر زهير بن أبي سلمى الذي دعا إلى إيقاف الحروب والثأر، وجعل من السلام قيمة إنسانية تتجاوز حدود الوعظ الأخلاقي إلى رؤية حضارية أكثر اتساعاً.

ولا يقتصر الكتاب على العصر الجاهلي، بل يمتد إلى صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، متتبعاً تحولات الخطاب الشعري في علاقته بالسلطة والمجتمع. ويبرز أسماء مثل أبو تمام وأبو نواس وبشار بن برد وأبو العلاء المعري، بوصفهم شعراء خاضوا مواجهة فكرية مع الخرافة والجمود، ورسخوا مكانة العقل والمعرفة في مواجهة الموروثات المغلقة.

ويرى المؤلف أن القصيدة العربية الكلاسيكية كانت مساحة للبحث عن الذات، وسعت إلى بناء عالم أكثر رحابة في مواجهة القيود التي فرضها الواقع الاجتماعي. فمن خلال موضوعات مثل الحب والموت والبطولة والكرم والعدالة والتسامح، استطاع الشعر أن يطرح أسئلة تتجاوز زمنه، وأن يفتح آفاقاً جديدة للتفكير في الإنسان ومصيره.

كما يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين الشاعر والسلطة، مشيراً إلى أن بعض قصور الحكم وفرت بيئة احتضنت التجارب الشعرية المغايرة، وأسهمت في ازدهارها. ويستعرض في هذا السياق أثر بلاط سيف الدولة الحمداني في تشكيل تجربة المتنبي، كما يتناول دور رعاية الخلفاء والأمراء لشعراء مثل أبي تمام والبحتري، بوصفها عاملاً ساعد على استمرار الخطاب الشعري التنويري في مواجهة الضغوط الاجتماعية.

ويخلص الكتاب إلى أن الشعر العربي لم يكن مجرد سجل للأحداث أو مرآة للمجتمع، بل كان أحد أهم أدوات إنتاج الأفكار وتوسيع أفق الوعي، إذ جمع بين الخيال والعقل ليصوغ خطاباً قادراً على مساءلة المألوف، وإعادة التفكير في القيم الراسخة، وهو ما منح القصيدة العربية حضورها المستمر في الذاكرة الثقافية العربية، بوصفها نصاً إبداعياً ومشروعاً معرفياً في آن واحد.

///

نظّمت مؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام، عبر مساحة جسر الإبداعية، يوم الخميس 30 يوليو/تموز 2026، حفل إشهار وتوقيع كتاب الأطفال «صديقي المختلف»، أحد الأعمال الفائزة ضمن برنامج المنح الذي تنفذه المؤسسة لدعم الإبداع والإنتاج الثقافي.

والكتاب من تأليف ورسوم المبدعة مروة علوي، طبيبة الأسنان والكاتبة والرسامة المهتمة بأدب الطفل، ويقدّم معالجة قصصية مبسطة تسلط الضوء على قيم الصداقة، وتقبّل الاختلاف، واحترام الآخر، في إطار يراعي احتياجات الطفل ويحفّز خياله ويعزز لديه مفاهيم التعايش والتسامح.

وتضمّن الحفل تقديم قراءة تعريفية بالكتاب وفكرته، تلتها قراءة مختارة من القصة، ثم لقاء مفتوح مع المؤلفة تحدّثت فيه عن تجربتها في كتابة ورسم أدب الطفل، والدوافع التي قادتها إلى إنتاج هذا العمل، قبل أن تختتم الفعالية بتوقيع نسخ الكتاب وتنفيذ مجموعة من الأنشطة التفاعلية والترفيهية التي شارك فيها الأطفال وسط أجواء احتفالية.

وشهدت الفعالية حضورًا لافتًا من الأطفال وأولياء أمورهم، إلى جانب عدد من المهتمين بالأدب والثقافة، حيث شكّلت المناسبة مساحة للاحتفاء بكتاب الطفل بوصفه وسيلة تربوية وثقافية تسهم في تنمية الخيال، وترسيخ القيم الإنسانية، وتعزيز علاقة الأطفال بالقراءة.

ويأتي هذا النشاط ضمن البرنامج الثقافي الذي تحتضنه مساحة جسر الإبداعية، التي أنشأتها مؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام في العاصمة عدن، بتمويل من مشروع “توظيف الشباب عبر التراث والثقافة في اليمن” الذي تنفذه منظمة اليونسكو بدعم من الاتحاد الأوروبي، بهدف توفير فضاءات إبداعية تدعم الفنانين والمبدعين، وتعزز الحراك الثقافي، وتوسّع فرص الوصول إلى الأنشطة الثقافية والفنية، ولا سيما الموجهة للأطفال واليافعين.

//

صدرت حديثاً عن دار الآن ناشرون وموزعون في العاصمة الأردنية عمّان، وبدعم من وزارة الثقافة الأردنية، المجموعة القصصية الجديدة «أهربُ من ظلّي» للكاتب الأردني موسى إبراهيم أبو رياش، لتضيف محطة جديدة إلى تجربته السردية التي تميل إلى استكشاف أعماق النفس الإنسانية ومساءلة الوجود عبر لغة مكثفة ورؤية فلسفية.

تقع المجموعة في 128 صفحة، وتضم خمس عشرة قصة تتنقل بين العزلة والاغتراب، والخوف والقلق الوجودي، والشيخوخة والمرض، والذاكرة والموت، إلى جانب أسئلة الهوية والعدالة والعلاقات الإنسانية، مقدمةً نصوصاً تنحاز إلى الإنسان بوصفه محوراً للتجربة السردية، بعيداً عن البناء الحكائي التقليدي.

ولا تعتمد قصص المجموعة على تسلسل الأحداث بقدر اعتمادها على الفكرة بوصفها القوة المحركة للنص، حيث تتحول كل قصة إلى مساحة للتأمل النفسي والفلسفي، تتداخل فيها الأحلام والكوابيس والغرائبية مع الواقع، لتنتج عالماً سردياً مفتوحاً على احتمالات متعددة من القراءة والتأويل.

ويبرز في المجموعة حضور الرمزية بوصفها أداة فنية أساسية، إذ تتحول مفردات مثل الظل، والمرآة، والنافذة، والطريق، والمدينة، والساعة، والمتاهة إلى إشارات تتجاوز معناها المباشر، لتلامس أسئلة الهوية والذاكرة والانقسام الداخلي، وهو ما يمنح النصوص أبعاداً نفسية وفكرية تتجاوز حدود السرد الواقعي.

كما يراهن أبو رياش على لغة مقتصدة ومشحونة بالإيحاء، تتدرج بهدوء نحو نهايات تحمل مفاجآت دلالية، مع اعتماد واضح على المونولوج الداخلي، حيث تبدو الشخصيات في حوار دائم مع ذواتها أكثر من انشغالها بالحوار مع الآخرين، الأمر الذي يجعل القارئ شريكاً في اكتشاف المعنى وإعادة تركيب العالم الذي تبنيه القصص.

ويحمل غلاف المجموعة، الذي صممه الفنان عيد بنات، امتداداً للبنية الرمزية التي تتكئ عليها النصوص، فيما تمثل «أهربُ من ظلّي» الإصدار القصصي الرابع للكاتب بعد مجموعاته «الفراشة» (2017)، و«الكاميرا الخفية» (2021)، و«النداء الأخير» (2025)، إلى جانب كتابه النقدي «على ضفاف السرد: قراءات في القصة والرواية» الصادر عام 2021. ومن أجواء المجموعة، يكتب أبو رياش في إحدى قصصها:

في هذا المقطع تتحول فكرة بسيطة إلى مدخل لطرح أسئلة أعمق حول الكرامة والهوية وحدود الذات، وهو النهج الذي يميز المجموعة بأكملها، حيث يغدو الظل أكثر من انعكاس للجسد، ليصبح استعارة للإنسان وهو يلاحق ذاته ويحاول الإفلات من مخاوفه وأسئلته التي لا تنتهي.

//

في أمسية احتفت بالفن السابع وبالمنجز السينمائي العربي، شهد سفير الجمهورية اليمنية لدى المملكة المغربية، عزالدين سعيد الأصبحي، حفل اختتام الدورة السابعة من مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، الذي جمع نخبة من صناع السينما والفنانين والنقاد والمثقفين، في تظاهرة رسخت مكانتها كواحدة من أبرز المنصات الداعمة للإنتاج السينمائي العربي.

وأكد السفير الأصبحي أن المهرجان نجح، على امتداد سبع دورات متتالية، في بناء مساحة عربية للحوار الثقافي عبر السينما، وتعزيز حضور الفيلم العربي بوصفه أداة للتعبير عن الهوية والذاكرة والأسئلة الإنسانية، مشيداً بالدور الذي يؤديه المهرجان في دعم المبدعين وفتح آفاق جديدة أمام التجارب السينمائية العربية.

كما ثمّن الجهود التي تبذلها الإعلامية فاطمة النوالي، رئيسة المهرجان، في قيادة هذا الحدث الثقافي، وما أسهمت به في ترسيخ حضوره على خارطة المهرجانات السينمائية العربية، من خلال رؤية تجمع بين الجودة الفنية والانفتاح على التجارب الإبداعية المتنوعة.

وشارك السفير اليمني في لحظة تتويج أبرز جوائز المهرجان، حيث قدّم الجائزة الكبرى للفيلم الفائز، والتي ذهبت إلى الفيلم المصري «شكوى رقم 713317» للمخرج ياسر شفيعي، وبطولة الفنانين محمود حميدة وشيرين ومحمد رضوان وإنعام سالوسة، بعد أن حظي بإشادة لجنة التحكيم لما حمله من معالجة فنية وإنسانية.

وفي ختام الحفل، هنأ السفير الأصبحي صناع الأفلام الفائزين، معرباً عن تقديره للقائمين على المهرجان، الذي يواصل من مدينة الدار البيضاء ترسيخ مكانة السينما العربية بوصفها جسراً للتواصل الثقافي، ومنصة تحتفي بالإبداع وتفتح نوافذ جديدة أمام الحكايات العربية لتصل إلى جمهور أوسع.

//

تستعد العاصمة عدن، صباح الخميس المقبل، لاحتضان فعالية ثقافية وفنية لتأبين الأديب والكاتب الصحفي والمسرحي الكبير سعيد علي عولقي، في مناسبة تستعيد مسيرته الحافلة بالعطاء، وتكرّم أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمة راسخة في المشهد الثقافي والمسرحي اليمني.

ويُقام حفل التأبين برعاية وزير الدولة محافظ العاصمة عدن، وتنظمه السلطة المحلية، تأكيداً على مكانة الراحل ودوره في إثراء الحياة الأدبية والصحفية والمسرحية، وإسهاماته التي امتدت لعقود في خدمة الثقافة والفن، وصناعة الوعي عبر الكلمة والإبداع.

ودعت السلطة المحلية جميع الأدباء والكتاب والصحفيين والمسرحيين والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي إلى المشاركة في هذه الفعالية، التي تمثل مساحة لاستذكار تجربة ثقافية وإنسانية تركت أثراً عميقاً في ذاكرة عدن واليمن.

ومن المقرر أن يُقام حفل التأبين يوم الخميس 30 يوليو 2026، عند الساعة التاسعة صباحاً، في مكتب الثقافة الكائن داخل مسرح الفقيد رائد طه بمنطقة حافون – مديرية المعلا في العاصمة عدن.

ويأتي هذا التأبين بوصفه وفاءً لمسيرة سعيد عولقي، الذي ظل اسمه مرتبطاً بالأدب والصحافة والمسرح، وأسهم عبر أعماله وكتاباته في إثراء الحركة الثقافية اليمنية، تاركاً إرثاً إبداعياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال ومحبي الثقافة والفنون.

عدن(الايام)

/

يواصل المؤلف وعازف الكمان التونسي زياد الزواري تقديم مشروعه الموسيقي الطموح «100 كمان»، الذي يستعد لإحياء عرض جديد مساء السبت في المتحف الوطني بقرطاج، بعد النجاح اللافت الذي حققه في افتتاح الدورة الثالثة والخمسين من مهرجان المنستير الدولي.

ويقدم المشروع رؤية فنية تتجاوز الأداء الموسيقي التقليدي، إذ يسعى إلى إعادة قراءة التراث الموسيقي التونسي من خلال توزيعات أوركسترالية حديثة، تمزج بين الأصالة والانفتاح على المدارس الموسيقية العالمية، في محاولة لإبراز ثراء الموروث التونسي بلغة موسيقية معاصرة.

ويقوم العرض على مشاركة واسعة لعازفي الكمان والألتو من مختلف الأعمار والخلفيات، حيث يجتمع تلاميذ وطلبة وأساتذة متخصصون في تجربة جماعية تجمع بين الجانب الأكاديمي والإبداعي، وتمنح الآلات الوترية مساحة أوسع في المشهد الموسيقي التونسي.

ويأتي عرض قرطاج امتدادًا للتجربة التي قدمها الزواري في المنستير، والتي شارك فيها أكثر من 140 عازفًا وعازفة إلى جانب فرقة «عوامرية سيدي عامر»، في عمل موسيقي عكس تنوع الموروث الثقافي التونسي، وأبرز قدرته على التفاعل مع التوزيعات الأوركسترالية الحديثة دون أن يفقد هويته.

ويُعد مشروع «100 كمان» واحدًا من المبادرات الفنية التي تراهن على الموسيقى بوصفها جسرًا بين الأجيال، ومنصة لإحياء التراث بأساليب مبتكرة، مع التركيز على تطوير حضور الموسيقى الوترية في الفضاء الثقافي التونسي.

ويحظى زياد الزواري بمكانة مميزة في الساحة الموسيقية العربية والدولية، فهو من مواليد مدينة صفاقس عام 1983، ويحمل درجة الدكتوراه في الموسيقى من جامعة السوربون الفرنسية. وتتميز تجربته الفنية بقدرتها على المزج بين الموسيقى العربية والأندلسية والأفريقية، وعناصر الجاز والكتابة السيمفونية، في أسلوب موسيقي خاص صنع له حضورًا في أكثر من 60 دولة، إلى جانب مشاركاته في أعمال سينمائية ومسرحية وتعاونه مع عدد من الموسيقيين العالميين.

ويؤكد المشروع، في محطته الجديدة بقرطاج، أن الموسيقى التراثية قادرة على مواصلة الحياة والتجدد، عندما تُقدَّم برؤية إبداعية تحافظ على جذورها وتفتحها في الوقت نفسه على آفاق موسيقية أكثر رحابة.

//

في زمنٍ لم يعد فيه الاستبداد حكرًا على حدود دولة أو نظام بعينه، بل بات ظاهرة تتخذ أشكالًا متعددة في أنحاء العالم، تأتي رواية «حكاية السيد البرغي» للروائي السوري سومر شحادة، الصادرة عن دار الآداب، لتقدم تأملًا عميقًا في العلاقة المعقدة بين السلطة والفرد، وبين الخوف والضمير، وبين الإنسان والآلة التي يذوب داخلها حتى يفقد ملامحه.

لا تمنح الرواية قارئها مكانًا محددًا أو زمنًا واضحًا. فالعالم الذي تدور فيه الأحداث بلا أسماء ولا خرائط، وكأن الكاتب يتعمد تحرير النص من خصوصيته السورية ليجعله صالحًا لقراءة أي تجربة استبدادية، حيث تتشابه الأنظمة وتتكرر آليات القمع مهما اختلفت الجغرافيا.

في قلب هذا العالم يقف موظف يعمل في مؤسسة تحمل اسمًا ساخرًا هو «الإصلاحية»؛ مؤسسة يُفترض أنها معنية بالإصلاح، بينما تؤدي عمليًا وظيفة رقابية واستخباراتية تخدم نظامًا مجهول الهوية. وعلى امتداد عشرين عامًا، لم يشكك الموظف يومًا في طبيعة عمله، بل اعتبر نفسه مجرد منفذ للأوامر، أو كما تصفه الرواية: «برغي» صغير في آلة ضخمة.

لكن هذا اليقين يبدأ بالتصدع عندما تقع بين يديه مقالة للكاتب ممدوح حداد، تصف الموظفين الرقابيين بأنهم “براغٍ في آلة تطحن وعي الناس”. عبارة واحدة فقط كانت كافية لتوقظ أسئلة دفنها الرجل طويلًا، ولتفتح بابًا لم يعد قادرًا على إغلاقه.

يتحول فضوله المهني إلى رحلة شخصية. يبحث عن الكاتب، ويقرأ روايته «عطر الليل»، التي تصبح بدورها رواية داخل الرواية. ومن خلال القراءة لا يراقب النص فحسب، بل يجد نفسه مراقبًا من النص نفسه، وكأن كل صفحة تكشف جزءًا من حياته التي عاشها تحت وطأة الطاعة والخوف.

يعتمد سومر شحادة هنا على لعبة سردية ذكية؛ فالرقيب الذي اعتاد إصدار الأحكام يصبح موضوعًا للفحص النفسي. وبينما يحاول كتابة تقرير يدين الكاتب، يجد نفسه عاجزًا عن إكمال المهمة، لأن الكلمات التي يقرأها بدأت تهدم الصورة التي صنعها عن نفسه طوال سنوات.

ولا يحتاج الكاتب إلى أحداث صاخبة أو مواجهات مباشرة ليكشف قسوة الاستبداد؛ فالرواية تتحرك بإيقاع داخلي هادئ، بينما تتصاعد العواصف في أعماق الشخصية الرئيسية. الخوف هنا ليس مجرد تهديد خارجي، بل يتحول إلى حالة ذهنية دائمة. حتى خارج مكان العمل، يشعر الموظف أن الكاميرات تلاحقه، وأن النظام يقرأ أفكاره قبل أن ينطق بها.

هذا الاستبطان النفسي يمنح الرواية طابعًا كافكويًا واضحًا، حيث تصبح الرقابة جزءًا من تكوين الإنسان نفسه، لا مجرد مؤسسة تفرض سلطتها عليه. فالآلة لا تكتفي بإخضاع الأجساد، بل تنجح في إعادة تشكيل الوعي، حتى يغدو الفرد رقيبًا على ذاته قبل أن يكون رقيبًا على الآخرين.

وفي موازاة هذا التحول، تعيد الرواية النظر في العلاقات الإنسانية التي شوهها الخوف. فحتى علاقة البطل بزوجته تبدو باردة ومؤجلة، وكأن الحياة المشتركة لم تستطع اختراق الجدار الذي بنته سنوات القمع والارتياب. لم يكن الرجل يعيش مع أسرته بقدر ما كان يعيش داخل منظومة من الشك والرقابة والصمت.

ومن خلال شخصية ممدوح حداد، لا يقدم شحادة بطلاً خارقًا في مواجهة السلطة، بل كاتبًا يحمل هشاشته الإنسانية، ويعجز بدوره عن تغيير الواقع. إلا أن الأدب، في المقابل، يمتلك قدرة مختلفة؛ فهو لا يهزم النظام مباشرة، لكنه ينجح في زعزعة يقين أحد أفراده، ويدفعه إلى إعادة اكتشاف نفسه.

تكمن قوة الرواية في أنها لا تجعل الحرية شعارًا سياسيًا، بل سؤالًا وجوديًا. فالبطل لا يخوض معركته مع النظام بقدر ما يخوضها مع ذاته، محاولًا استعادة الإنسان الذي ابتلعته سنوات الامتثال والطاعة.

وفي نهايتها، يختار السيد البرغي أن يتحرر من موقعه داخل الآلة، لكن الرواية لا تقدم هذا الاختيار بوصفه انتصارًا كاملاً أو خلاصًا نهائيًا، بل باعتباره بداية مواجهة مؤلمة مع الذات، بعدما أدرك حجم ما فقده خلال سنوات الخضوع.

بهذا البناء المركب، تؤكد «حكاية السيد البرغي» أن الأدب لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يمتلك القدرة على تفكيك البنى النفسية التي يصنعها الاستبداد، وأن الرواية قد تتحول إلى مساحة لاستعادة الوعي، وإلى فعل مقاومة هادئ يبدأ من الداخل قبل أن يواجه الخارج. إنها رواية عن الإنسان حين يكتشف متأخرًا أنه لم يكن سوى قطعة صغيرة في آلة، وعن الكتابة التي تستطيع أن تمنحه فرصة أخيرة لاستعادة صوته.

/

في خطوة تعكس أهمية صون الذاكرة الثقافية والاحتفاء بصنّاعها، شهدت مدينة المكلا بمحافظة حضرموت جولة ثقافية نفذها وزير الثقافة والسياحة ورئيس مجلس الترويج السياحي، المهندس مطيع دماج، شملت عدداً من الشخصيات الأدبية والفنية التي تركت بصمة بارزة في المشهد الثقافي اليمني، تأكيداً على أن تكريم المبدعين هو احتفاء بتاريخهم وإسهامهم في تشكيل الهوية الوطنية.

ورافق الوزير في جولته نائب وزير الثقافة والسياحة حسين باسليم، والمدير التنفيذي لمجلس الترويج السياحي انتصار الهدالي، حيث تضمنت الزيارة لقاءات مع عدد من الرموز الثقافية والفنية في مدينة المكلا، تقديراً لعطائهم الممتد في مجالات الأدب والفنون والتراث.

واستهل الوفد زيارته بالأديب والأكاديمي البروفيسور عبدالله البار، الذي يُعد من أبرز الأسماء الفكرية في اليمن، إذ أشاد الوزير دماج بإسهاماته في البحث والكتابة والعمل الأكاديمي، مؤكداً أن ما قدمه من إنتاج معرفي يمثل رصيداً مهماً للثقافة اليمنية، وأن الاحتفاء بهذه القامات هو تعبير عن الوفاء لمن أسهموا في بناء المشهد الثقافي وترسيخ قيمه.

كما زار الوفد الفنانة الشعبية أمون باعكيم، إحدى أبرز حافظات التراث الغنائي الحضرمي، مثمناً دورها في صون الفنون الشعبية ونقلها إلى الأجيال الجديدة. وأكد أن استمرار حضور هذا اللون الفني يشكل جزءاً من حماية الهوية الثقافية، ويعكس أهمية الموروث الشعبي بوصفه أحد أعمدة الذاكرة الوطنية.

وامتدت الجولة إلى منزل أسرة الفنان الراحل عدنان العطاس، حيث سلّم الوزير درعاً تكريمية لأسرته، تسلمها والد الفنان وشقيقه الفنان عبدالله العطاس، تقديراً لما تركه الراحل من أعمال وإسهامات فنية لا تزال حاضرة في وجدان الجمهور، ولما مثله من قيمة إبداعية في الساحة الفنية اليمنية.

وأشار دماج إلى أن أثر المبدعين لا يقاس بسنوات عطائهم فحسب، بل بما يتركونه من إرث ثقافي وفني يواصل إلهام الأجيال، مؤكداً أن الحفاظ على هذا الإرث يمثل مسؤولية وطنية وثقافية مشتركة.

وأكد وزير الثقافة والسياحة أن الوزارة، بالشراكة مع مجلس الترويج السياحي، تضع دعم المبدعين والاحتفاء بالرموز الثقافية والفنية ضمن أولوياتها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الهوية الوطنية، وأن تكريم الشخصيات التي أسهمت في إثراء الأدب والفن والتراث يعزز حضور الثقافة اليمنية ويحافظ على استمرارية إرثها الإبداعي.

وتأتي هذه الجولة في إطار توجه يهدف إلى تسليط الضوء على الشخصيات التي أسهمت في صياغة المشهد الثقافي اليمني، وإبراز قيمة المنجز الإبداعي بوصفه جزءاً أصيلاً من ذاكرة المجتمع، ورسالة تؤكد أن تكريم المبدعين ليس مجرد احتفاء بأفراد، بل احتفاء بتاريخ ثقافي يستحق أن يُروى ويُصان.