استعراض الأقسام

الكتبصفحة

///

نظّمت مؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام، عبر مساحة جسر الإبداعية، يوم الخميس 30 يوليو/تموز 2026، حفل إشهار وتوقيع كتاب الأطفال «صديقي المختلف»، أحد الأعمال الفائزة ضمن برنامج المنح الذي تنفذه المؤسسة لدعم الإبداع والإنتاج الثقافي.

والكتاب من تأليف ورسوم المبدعة مروة علوي، طبيبة الأسنان والكاتبة والرسامة المهتمة بأدب الطفل، ويقدّم معالجة قصصية مبسطة تسلط الضوء على قيم الصداقة، وتقبّل الاختلاف، واحترام الآخر، في إطار يراعي احتياجات الطفل ويحفّز خياله ويعزز لديه مفاهيم التعايش والتسامح.

وتضمّن الحفل تقديم قراءة تعريفية بالكتاب وفكرته، تلتها قراءة مختارة من القصة، ثم لقاء مفتوح مع المؤلفة تحدّثت فيه عن تجربتها في كتابة ورسم أدب الطفل، والدوافع التي قادتها إلى إنتاج هذا العمل، قبل أن تختتم الفعالية بتوقيع نسخ الكتاب وتنفيذ مجموعة من الأنشطة التفاعلية والترفيهية التي شارك فيها الأطفال وسط أجواء احتفالية.

وشهدت الفعالية حضورًا لافتًا من الأطفال وأولياء أمورهم، إلى جانب عدد من المهتمين بالأدب والثقافة، حيث شكّلت المناسبة مساحة للاحتفاء بكتاب الطفل بوصفه وسيلة تربوية وثقافية تسهم في تنمية الخيال، وترسيخ القيم الإنسانية، وتعزيز علاقة الأطفال بالقراءة.

ويأتي هذا النشاط ضمن البرنامج الثقافي الذي تحتضنه مساحة جسر الإبداعية، التي أنشأتها مؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام في العاصمة عدن، بتمويل من مشروع “توظيف الشباب عبر التراث والثقافة في اليمن” الذي تنفذه منظمة اليونسكو بدعم من الاتحاد الأوروبي، بهدف توفير فضاءات إبداعية تدعم الفنانين والمبدعين، وتعزز الحراك الثقافي، وتوسّع فرص الوصول إلى الأنشطة الثقافية والفنية، ولا سيما الموجهة للأطفال واليافعين.

//

صدرت حديثاً عن دار الآن ناشرون وموزعون في العاصمة الأردنية عمّان، وبدعم من وزارة الثقافة الأردنية، المجموعة القصصية الجديدة «أهربُ من ظلّي» للكاتب الأردني موسى إبراهيم أبو رياش، لتضيف محطة جديدة إلى تجربته السردية التي تميل إلى استكشاف أعماق النفس الإنسانية ومساءلة الوجود عبر لغة مكثفة ورؤية فلسفية.

تقع المجموعة في 128 صفحة، وتضم خمس عشرة قصة تتنقل بين العزلة والاغتراب، والخوف والقلق الوجودي، والشيخوخة والمرض، والذاكرة والموت، إلى جانب أسئلة الهوية والعدالة والعلاقات الإنسانية، مقدمةً نصوصاً تنحاز إلى الإنسان بوصفه محوراً للتجربة السردية، بعيداً عن البناء الحكائي التقليدي.

ولا تعتمد قصص المجموعة على تسلسل الأحداث بقدر اعتمادها على الفكرة بوصفها القوة المحركة للنص، حيث تتحول كل قصة إلى مساحة للتأمل النفسي والفلسفي، تتداخل فيها الأحلام والكوابيس والغرائبية مع الواقع، لتنتج عالماً سردياً مفتوحاً على احتمالات متعددة من القراءة والتأويل.

ويبرز في المجموعة حضور الرمزية بوصفها أداة فنية أساسية، إذ تتحول مفردات مثل الظل، والمرآة، والنافذة، والطريق، والمدينة، والساعة، والمتاهة إلى إشارات تتجاوز معناها المباشر، لتلامس أسئلة الهوية والذاكرة والانقسام الداخلي، وهو ما يمنح النصوص أبعاداً نفسية وفكرية تتجاوز حدود السرد الواقعي.

كما يراهن أبو رياش على لغة مقتصدة ومشحونة بالإيحاء، تتدرج بهدوء نحو نهايات تحمل مفاجآت دلالية، مع اعتماد واضح على المونولوج الداخلي، حيث تبدو الشخصيات في حوار دائم مع ذواتها أكثر من انشغالها بالحوار مع الآخرين، الأمر الذي يجعل القارئ شريكاً في اكتشاف المعنى وإعادة تركيب العالم الذي تبنيه القصص.

ويحمل غلاف المجموعة، الذي صممه الفنان عيد بنات، امتداداً للبنية الرمزية التي تتكئ عليها النصوص، فيما تمثل «أهربُ من ظلّي» الإصدار القصصي الرابع للكاتب بعد مجموعاته «الفراشة» (2017)، و«الكاميرا الخفية» (2021)، و«النداء الأخير» (2025)، إلى جانب كتابه النقدي «على ضفاف السرد: قراءات في القصة والرواية» الصادر عام 2021. ومن أجواء المجموعة، يكتب أبو رياش في إحدى قصصها:

في هذا المقطع تتحول فكرة بسيطة إلى مدخل لطرح أسئلة أعمق حول الكرامة والهوية وحدود الذات، وهو النهج الذي يميز المجموعة بأكملها، حيث يغدو الظل أكثر من انعكاس للجسد، ليصبح استعارة للإنسان وهو يلاحق ذاته ويحاول الإفلات من مخاوفه وأسئلته التي لا تنتهي.

//

في زمنٍ لم يعد فيه الاستبداد حكرًا على حدود دولة أو نظام بعينه، بل بات ظاهرة تتخذ أشكالًا متعددة في أنحاء العالم، تأتي رواية «حكاية السيد البرغي» للروائي السوري سومر شحادة، الصادرة عن دار الآداب، لتقدم تأملًا عميقًا في العلاقة المعقدة بين السلطة والفرد، وبين الخوف والضمير، وبين الإنسان والآلة التي يذوب داخلها حتى يفقد ملامحه.

لا تمنح الرواية قارئها مكانًا محددًا أو زمنًا واضحًا. فالعالم الذي تدور فيه الأحداث بلا أسماء ولا خرائط، وكأن الكاتب يتعمد تحرير النص من خصوصيته السورية ليجعله صالحًا لقراءة أي تجربة استبدادية، حيث تتشابه الأنظمة وتتكرر آليات القمع مهما اختلفت الجغرافيا.

في قلب هذا العالم يقف موظف يعمل في مؤسسة تحمل اسمًا ساخرًا هو «الإصلاحية»؛ مؤسسة يُفترض أنها معنية بالإصلاح، بينما تؤدي عمليًا وظيفة رقابية واستخباراتية تخدم نظامًا مجهول الهوية. وعلى امتداد عشرين عامًا، لم يشكك الموظف يومًا في طبيعة عمله، بل اعتبر نفسه مجرد منفذ للأوامر، أو كما تصفه الرواية: «برغي» صغير في آلة ضخمة.

لكن هذا اليقين يبدأ بالتصدع عندما تقع بين يديه مقالة للكاتب ممدوح حداد، تصف الموظفين الرقابيين بأنهم “براغٍ في آلة تطحن وعي الناس”. عبارة واحدة فقط كانت كافية لتوقظ أسئلة دفنها الرجل طويلًا، ولتفتح بابًا لم يعد قادرًا على إغلاقه.

يتحول فضوله المهني إلى رحلة شخصية. يبحث عن الكاتب، ويقرأ روايته «عطر الليل»، التي تصبح بدورها رواية داخل الرواية. ومن خلال القراءة لا يراقب النص فحسب، بل يجد نفسه مراقبًا من النص نفسه، وكأن كل صفحة تكشف جزءًا من حياته التي عاشها تحت وطأة الطاعة والخوف.

يعتمد سومر شحادة هنا على لعبة سردية ذكية؛ فالرقيب الذي اعتاد إصدار الأحكام يصبح موضوعًا للفحص النفسي. وبينما يحاول كتابة تقرير يدين الكاتب، يجد نفسه عاجزًا عن إكمال المهمة، لأن الكلمات التي يقرأها بدأت تهدم الصورة التي صنعها عن نفسه طوال سنوات.

ولا يحتاج الكاتب إلى أحداث صاخبة أو مواجهات مباشرة ليكشف قسوة الاستبداد؛ فالرواية تتحرك بإيقاع داخلي هادئ، بينما تتصاعد العواصف في أعماق الشخصية الرئيسية. الخوف هنا ليس مجرد تهديد خارجي، بل يتحول إلى حالة ذهنية دائمة. حتى خارج مكان العمل، يشعر الموظف أن الكاميرات تلاحقه، وأن النظام يقرأ أفكاره قبل أن ينطق بها.

هذا الاستبطان النفسي يمنح الرواية طابعًا كافكويًا واضحًا، حيث تصبح الرقابة جزءًا من تكوين الإنسان نفسه، لا مجرد مؤسسة تفرض سلطتها عليه. فالآلة لا تكتفي بإخضاع الأجساد، بل تنجح في إعادة تشكيل الوعي، حتى يغدو الفرد رقيبًا على ذاته قبل أن يكون رقيبًا على الآخرين.

وفي موازاة هذا التحول، تعيد الرواية النظر في العلاقات الإنسانية التي شوهها الخوف. فحتى علاقة البطل بزوجته تبدو باردة ومؤجلة، وكأن الحياة المشتركة لم تستطع اختراق الجدار الذي بنته سنوات القمع والارتياب. لم يكن الرجل يعيش مع أسرته بقدر ما كان يعيش داخل منظومة من الشك والرقابة والصمت.

ومن خلال شخصية ممدوح حداد، لا يقدم شحادة بطلاً خارقًا في مواجهة السلطة، بل كاتبًا يحمل هشاشته الإنسانية، ويعجز بدوره عن تغيير الواقع. إلا أن الأدب، في المقابل، يمتلك قدرة مختلفة؛ فهو لا يهزم النظام مباشرة، لكنه ينجح في زعزعة يقين أحد أفراده، ويدفعه إلى إعادة اكتشاف نفسه.

تكمن قوة الرواية في أنها لا تجعل الحرية شعارًا سياسيًا، بل سؤالًا وجوديًا. فالبطل لا يخوض معركته مع النظام بقدر ما يخوضها مع ذاته، محاولًا استعادة الإنسان الذي ابتلعته سنوات الامتثال والطاعة.

وفي نهايتها، يختار السيد البرغي أن يتحرر من موقعه داخل الآلة، لكن الرواية لا تقدم هذا الاختيار بوصفه انتصارًا كاملاً أو خلاصًا نهائيًا، بل باعتباره بداية مواجهة مؤلمة مع الذات، بعدما أدرك حجم ما فقده خلال سنوات الخضوع.

بهذا البناء المركب، تؤكد «حكاية السيد البرغي» أن الأدب لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يمتلك القدرة على تفكيك البنى النفسية التي يصنعها الاستبداد، وأن الرواية قد تتحول إلى مساحة لاستعادة الوعي، وإلى فعل مقاومة هادئ يبدأ من الداخل قبل أن يواجه الخارج. إنها رواية عن الإنسان حين يكتشف متأخرًا أنه لم يكن سوى قطعة صغيرة في آلة، وعن الكتابة التي تستطيع أن تمنحه فرصة أخيرة لاستعادة صوته.

/

صدر حديثاً عن دار المحرر في القاهرة كتاب «أيام الغصب والحب » للكاتبة والروائية المصرية نهى محمود، في عمل جديد يبتعد عن التصنيفات الأدبية التقليدية، ويقدم نصوصاً مفتوحة تمزج بين السرد واليوميات والتأملات الشخصية، وهو ما دفع الكاتبة إلى الاكتفاء بوصفه على الغلاف بكلمة «نصوص»، في إشارة إلى طبيعته الحرة التي تتجاوز الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية.

يتألف الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً تحمل عناوين ذات طابع شعري ودلالات وجدانية، من بينها «الكثير من الحزن والإندومي»و «الرايات الخضراء في قلبي»و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»ومن خلال هذه النصوص تستكشف نهى محمود مساحات متداخلة من المشاعر الإنسانية، حيث يتجاور الحب مع الغضب، والفقد مع الأمل، والعزلة مع الحنين، في كتابة تنطلق من التجربة الشخصية لتلامس أسئلة الإنسان اليومية والوجودية.

ويعتمد الكتاب على لغة رشيقة ذات حس شعري، دون أن تتخلى عن روح الحكاية، إذ تتحرك النصوص بين تأمل الذات ومراقبة العالم، مستثمرة تفاصيل الحياة البسيطة بوصفها مدخلاً لفهم التجارب الكبرى. وتحضر في الصفحات علاقات الكاتبة بابنتها ووالدتها، إلى جانب إشارات متكررة إلى السينما المصرية والعالمية، فضلاً عن حضور الطعام بوصفه عنصراً رمزياً يرتبط بالحالة النفسية والذاكرة، ليغدو اليومي مساحة للتأمل في المشاعر والتحولات الإنسانية.

ويأتي «أيام الغضب والحب» امتداداً للمشروع الأدبي الذي تنسجه نهى محمود عبر أعمالها الروائية والسردية، حيث تواصل استكشاف العوالم الداخلية للإنسان بلغة تمزج بين البساطة والعمق، وتمنح التفاصيل الصغيرة قدرة على التعبير عن الأسئلة الكبرى للحياة.

يُذكر أن نهى محمود كاتبة وصحافية مصرية، صدر لها عدد من الروايات، من بينها «راكوشا»، و«الحكي فوق مكعبات الرخام»، و«هلاوس»، و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، إلى جانب كتب سردية ومجموعات قصصية رسخت حضورها في المشهد الأدبي المصري المعاصر.

/

تفتح الروائية اللبنانية نجوى بركات في روايتها غيبة مي باباً نادراً في السرد العربي على عالم الشيخوخة والوحدة وفقدان الذاكرة. فالشخصية الرئيسة، «مي»، امرأة ثمانينية تعيش بمفردها في شقة بيروتية، وتواجه تراجع الجسد واضطراب الذاكرة تحت وطأة ألزهايمر. ومن خلال تفاصيل يومية تبدو عادية في ظاهرها، ترسم الكاتبة صورة دقيقة لهشاشة الإنسان في سنواته الأخيرة، حيث يتحول أبسط ما اعتدناه إلى معركة صامتة من أجل البقاء والاستقلال.

القسم الأول من الرواية، الممتد على أكثر من مئة صفحة، يلفت الانتباه بقدرته على التقاط التحولات الجسدية والذهنية دون تجميل أو مواربة. فالشيخوخة هنا ليست فكرة مجردة، بل تجربة معاشة بكل ما فيها من خوف وارتباك وعزلة. ويبدو هذا الجزء أقرب إلى كتابة إنسانية عامة تتجاوز الفروق بين الرجال والنساء، وتقترب في صدقها من تقاليد السرد الطبيعي الذي يواجه الواقع كما هو.

غير أن الرواية تغيّر مسارها في قسمها الثاني حين تعود إلى شباب «مي» وتستعيد علاقتها برجل يتسم بالعنف والاستغلال والغيرة. وهنا ينتقل النص من التأمل الهادئ في الشيخوخة إلى سردية تركز على اختلال العلاقة بين المرأة والرجل داخل مجتمع ذكوري. ويرى صاحب القراءة النقدية أن هذا التحول بدا مفاجئاً وغير مرتبط عضوياً بما سبق، إذ إن مأساة الشيخوخة التي تعيشها «مي» لا تبدو نتيجة مباشرة لذلك الماضي بقدر ما هي مصير إنساني يطال الجميع.

ورغم هذا التحفظ، تبقى «غيبة مي» عملاً لافتاً لأنها تضع الشيخوخة في مركز الحكاية، وهو موضوع قلما حظي بهذا القدر من العناية في الرواية العربية. فالصفحات الأولى من الرواية تقدّم واحدة من أكثر الصور صدقاً وإيلاماً عن العلاقة بين الزمن والجسد والذاكرة، وتعيد التذكير بأن الإنسان في نهايات العمر قد يجد نفسه غريباً عن العالم وعن نفسه في آن واحد.

بهذا المعنى، تبدو «غيبة مي» رواية ذات وجهين: وجه أول شديد الأصالة في تصوير أفول العمر، ووجه ثانٍ ينحاز إلى خطاب أكثر مباشرة وأقل تعقيداً. وبين الوجهين يبقى السؤال مفتوحاً حول أي المسارين كان الأجدر بأن يقود الرواية حتى نهايتها.

/

«أغنيات جنائزي السرية»… تسلُّط نسائي أشد من الرجالي

تقدم الروائية المصرية نسمة عودة في روايتها «أغنيات جنائزي السرية» عملاً سردياً يعتمد بالكامل على رسائل إلكترونية ترسلها الأم “أمينة” إلى ابنتها “عائشة”، التي غابت عنها منذ الطفولة. ومن خلال هذا الشكل السردي، تتحول الرسائل إلى اعترافات ومذكرات تستعيد فيها البطلة محطات حياتها، محاولةً تبرئة نفسها من تهمة الجنون، وكشف الأسباب التي دفعتها إلى فقدان ابنتها.

لا تكتفي الرواية بسرد مأساة شخصية، بل ترسم صورة واسعة لمجتمع تتشابك فيه السلطة الأسرية مع الفقر والتقاليد والقهر. وتكشف أن العنف ضد المرأة لا يمارسه الرجال وحدهم، بل يمتد أيضاً إلى النساء اللواتي يرسخن أنماطاً من الهيمنة داخل الأسرة، خاصة الجدات اللاتي يتحكمن في مصائر الأبناء والأحفاد.

وتتقاطع الحكاية مع التحولات السياسية والاجتماعية في مصر، حيث تنعكس تأثيرات الواقع على حياة الشخصيات، فيما تستحضر البطلة الأغاني والأفلام بوصفها علامات فارقة ارتبطت بمحطات انكسارها، لتصبح الثقافة والفن مساحة للمقاومة والنجاة في مواجهة عالم يزداد قسوة.

وتختتم الرواية رسالتها بتأكيد أن العنف، بأشكاله المختلفة، لا يصنع سوى شخصيات مشوهة وخائفة، محرومة من حق الاختيار والرفض، لتغدو «أغنيات جنائزي السرية» شهادة أدبية على أثر القهر في تشكيل مصائر الأفراد والمجتمعات، ورواية تطرح أسئلة عميقة حول السلطة والذاكرة والهوية والحرية.

/

في كتابها “نحن لسنا آلات: الصراع من أجل مستقبل العمل” (دار Allen Lane، 2026)، تقدم الصحافية سارة أوكونور قراءة ميدانية لتحولات العمل تحت تأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة، مركزةً على سؤال يزداد حضوراً مع توسع الأنظمة الذكية، وهو كيف تتغير علاقة الإنسان بعمله حين تدخل الآلة إلى تفاصيل الإنتاج واتخاذ القرار؟

تنطلق أوكونور، الصحافية والكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز، من تحقيقاتٍ أجرتها في السنوات الأخيرة بخصوص مواقع العمل التي أصبحت مختبراً للتحول التقني. وتجمع في الكتاب شهاداتٍ وتجارب لعمال في قطاعاتٍ مختلفة، من العاملين في مستودعات تعتمد على الروبوتات، إلى المترجمين الذين يراجعون إنتاج الأنظمة الذكية وخريجي الجامعات الذين يخضعون لمقابلات توظيف تديرها البرمجيات. وعبر هذه القصص، ترصد الكاتبة تغيراتٍ تمس طبيعة العمل اليومية، إذ تتراجع مساحات الإبداع والاستقلالية لدى بعض العمال، كما يزداد حضور المراقبة الرقمية وقياس الأداء.

تطرح أوكونور فكرةً أساسيةً مفادها أن مستقبل العمل لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالطريقة التي تصمم بها المؤسسات أنظمتها وأيضاً بالخيارات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم استخدامها. فالذكاء الاصطناعي يحمل إمكاناتٍ لتحسين بيئات العمل وتخفيف المهام المرهقة، كما يكشف عن مخاطر مرتبطةٍ بتحويل النشاط الإنساني إلى سلسلةٍ من المؤشرات والبيانات القابلة للقياس.

يولي الكتاب اهتماماً بفكرة كرامة العمل ويرى قيمة الوظيفة في ما تمنحه للإنسان من معنى واستقلالية.

وتعود الكاتبة إلى تاريخٍ طويل من العلاقة بين الإنسان والآلة وتستحضر احتجاج عمال المناجم السويديين سنة 1969 الذين رفعوا شعار “نحن لسنا آلات” رفضاً لأساليب جديدةٍ لمراقبة الإنتاجية. وتربط هذا الحدث بأسئلة الحاضر، حيث تتجدد المخاوف حول موقع العامل داخل أنظمةٍ تعتمد على الخوارزميات والتقييم المستمر.

يولي الكتاب اهتماماً خاصاً لفكرة كرامة العمل، إذ ترى أوكونور أن قيمة الوظيفة يتم قياسها بما تمنحه للإنسان من معنى واستقلالية وقدرة على استخدام الخبرة والحكم الشخصي، إلى جانب مقياس الإنتاجية. ولهذا تتوقف عند نماذج استطاع فيها العمال التأثير في طريقة إدخال التكنولوجيا إلى مجالاتهم، مثل تجربة كتّاب السيناريو في الولايات المتحدة الذين ناقشوا شروط استخدام الذكاء الاصطناعي، وبعض مبادرات الرعاية الصحية التي أعادت تنظيم العمل تبعاً لاحتياجات الأشخاص.

ويندرج كتاب “نحن لسنا آلات”، الصادر الشهر الماضي عن دار  نشر “ألين لين” التابعة لدار بنغوين، ضمن النقاش العالمي حول مستقبل العمل في ظل الثورة التقنية. وتكمن أهميته في أنه يعيد وضع الإنسان في مركز النقاش حول الذكاء الاصطناعي، عبر مساءلة الطريقة التي يمكن بها للتكنولوجيا أن تخدم الخبرة البشرية وتحافظ على قيمة العمل باعتباره نشاطاً يرتبط بالمعرفة والإبداع والكرامة.

//

صدر حديثاً عن دار الزمان في دمشق كتاب “علم اللغة: مستويات التحليل الألسني” باللغة الكردية الكرمانجية، للباحث المتخصص في اللسانيات الدكتور برزو محمود، في خطوة تسهم في إثراء المكتبة الكردية بمؤلف أكاديمي يعالج أسس علم اللغة ومناهج تحليله الحديثة.

ويقدم الكتاب عرضاً مبسطاً ومنهجياً للمستويات الرئيسة في التحليل اللساني، بدءاً من دراسة الأصوات ووصولاً إلى تحليل المعنى والتواصل، مستنداً إلى أمثلة تطبيقية من اللغتين الكردية والإنجليزية، مع الاعتماد على أبرز المراجع الأكاديمية الإنجليزية في هذا المجال.

ويتناول المؤلف ستة محاور أساسية تشمل: علم الصوتيات (الفونتيك)، وعلم الأصوات الوظيفي (الفونولوجيا)، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة، والتداولية، موضحاً كيفية انتقال اللغة من وحداتها الصوتية الأولى إلى بناء المعاني داخل الخطاب والتفاعل اللغوي.

ويبرز الكتاب أهمية التمييز بين علم الصوتيات، الذي يدرس الخصائص الفيزيائية لأصوات الكلام وآليات إنتاجها وانتقالها وإدراكها، وعلم الفونولوجيا الذي يركز على تنظيم الأصوات داخل النظام اللغوي ودورها في بناء الكلمات وإيصال المعنى.

كما يخصص فصولاً لعلم الصرف، موضحاً كيفية تكوين الكلمات من المورفيمات بوصفها أصغر الوحدات اللغوية ذات المعنى أو الوظيفة النحوية، إضافة إلى استعراض قواعد النحو (السينتاكس) التي تنظم تركيب الجمل والعلاقات بين مكوناتها، بما يمنح اللغة بنيتها الدلالية السليمة.

ويهدف المؤلف من خلال هذا الإصدار إلى توفير مرجع علمي باللغة الكردية لطلاب الجامعات والباحثين، في ظل محدودية المؤلفات اللسانية المتخصصة بهذه اللغة، فضلاً عن المساهمة في تطوير المصطلح اللغوي الكردي وتقليص الفجوة الاصطلاحية في الدراسات اللسانية.

ويشير الكتاب إلى أن إعداد عمل أكاديمي بهذا الحجم باللغة الكردية شكّل تحدياً حقيقياً، نظراً لوفرة المصطلحات اللسانية وتعدد مفاهيمها، إلا أن خبرة المؤلف في اللهجتين الكرمانجية والسورانية، إلى جانب تخصصه في علم اللغة، مكّنته من صياغة مقابلات علمية دقيقة للمصطلحات، بما يجعل الكتاب إضافة نوعية للباحثين والمهتمين بالدراسات اللغوية الكردية واللسانيات الحديثة.