/

«غيبة مي»… حين تنتصر الرواية للشيخوخة قبل أن تغيّر وجهتها

عرض
5 mins read

تفتح الروائية اللبنانية نجوى بركات في روايتها غيبة مي باباً نادراً في السرد العربي على عالم الشيخوخة والوحدة وفقدان الذاكرة. فالشخصية الرئيسة، «مي»، امرأة ثمانينية تعيش بمفردها في شقة بيروتية، وتواجه تراجع الجسد واضطراب الذاكرة تحت وطأة ألزهايمر. ومن خلال تفاصيل يومية تبدو عادية في ظاهرها، ترسم الكاتبة صورة دقيقة لهشاشة الإنسان في سنواته الأخيرة، حيث يتحول أبسط ما اعتدناه إلى معركة صامتة من أجل البقاء والاستقلال.

القسم الأول من الرواية، الممتد على أكثر من مئة صفحة، يلفت الانتباه بقدرته على التقاط التحولات الجسدية والذهنية دون تجميل أو مواربة. فالشيخوخة هنا ليست فكرة مجردة، بل تجربة معاشة بكل ما فيها من خوف وارتباك وعزلة. ويبدو هذا الجزء أقرب إلى كتابة إنسانية عامة تتجاوز الفروق بين الرجال والنساء، وتقترب في صدقها من تقاليد السرد الطبيعي الذي يواجه الواقع كما هو.

غير أن الرواية تغيّر مسارها في قسمها الثاني حين تعود إلى شباب «مي» وتستعيد علاقتها برجل يتسم بالعنف والاستغلال والغيرة. وهنا ينتقل النص من التأمل الهادئ في الشيخوخة إلى سردية تركز على اختلال العلاقة بين المرأة والرجل داخل مجتمع ذكوري. ويرى صاحب القراءة النقدية أن هذا التحول بدا مفاجئاً وغير مرتبط عضوياً بما سبق، إذ إن مأساة الشيخوخة التي تعيشها «مي» لا تبدو نتيجة مباشرة لذلك الماضي بقدر ما هي مصير إنساني يطال الجميع.

ورغم هذا التحفظ، تبقى «غيبة مي» عملاً لافتاً لأنها تضع الشيخوخة في مركز الحكاية، وهو موضوع قلما حظي بهذا القدر من العناية في الرواية العربية. فالصفحات الأولى من الرواية تقدّم واحدة من أكثر الصور صدقاً وإيلاماً عن العلاقة بين الزمن والجسد والذاكرة، وتعيد التذكير بأن الإنسان في نهايات العمر قد يجد نفسه غريباً عن العالم وعن نفسه في آن واحد.

بهذا المعنى، تبدو «غيبة مي» رواية ذات وجهين: وجه أول شديد الأصالة في تصوير أفول العمر، ووجه ثانٍ ينحاز إلى خطاب أكثر مباشرة وأقل تعقيداً. وبين الوجهين يبقى السؤال مفتوحاً حول أي المسارين كان الأجدر بأن يقود الرواية حتى نهايتها.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

رواية تفكك العنف الاجتماعي عبر رسائل أم إلى ابنتها

القصة التالية

«أيام الغضب والحب»… نهى محمود تكتب الحياة بين اليومي والتأمل

الأحدث من