استعراض الأقسام

الأدبصفحة

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان
  • باسل الأمين

تصلح التحليلات التي جاءت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940 ــ 2015) في كتاباتها حول تهميش النساء وإقصائهنّ من المشهد السياسي العربي، على حال الفنانات العربيات بالمجمل. فكما بالسياسة، يظلّ تقديم الفنّانات العربيات في المشهد الثقافي مفارِقاً لحضورهنّ الكبير فيه، إذ غالباً ما يُنظَر إلى أعمالهنّ من باب الاستثناء أو الإطراء، وكأنّ اشتغال المرأة الفنّي ليس إلّا عملاً موازياً أو ثانوياً بالنسبة إلى اشتغال الرجل ـ الفنّان، الذي يُقَدَّم كمعيارٍ في المشهد الفني، كما في غيره من حقول النشاط الاجتماعي.

على أنّ هذه المعطيات بدأت بالتغيّر في السنوات الماضية ــ وإنْ كان هذا التغيّر نسبياً ــ بفضْل إعطاء الحركات النسوية العربية مؤخّراً بعضاً من ثمار نشاطها خلال العقود الأخيرة، وبفضل موجات النقد النسائي التي شهدها العالَم خلال الفترة القريبة المنقضية، الأمر الذي ساهم في تحرير الخطاب حولهنّ وحول دورهنّ في حقول مثل الفن، ما وضع الفاعلين وأصحاب القرار الثقافي أمام معادلات جديدة لا بدّ لهم من التعامل معها. لكنْ يبقى الأملُ ألّا تستند النظرة الجديدة إلى الاشتغال النسائي الفنّي على مقولات الإطراء و”احتواء” الأقلّية، بل على اعتراف فعليّ بهذا الفن وبقيمته.

في “المتحف الوطني للتصوير” بالرباط، افتُتح في الثامن من آذار/ مارس الجاري معرضُ “نساء فوتوغرافيات”، الذي يستمرّ حتى الثامن من حزيران/ يونيو المقبل، ضامّاً أعمالاً لمصوّرات مغربيات من مختلف الشرائح العمرية. وإن كان موعد إطلاق المعرض قد تزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق النساء، فإن المنتظَر من حدث كهذا ألّا يكتفي برمزية هذا التاريخ، بل أن يتعدّاه إلى اقتراح نظرة موسّعة على حال المشهد الفوتوغرافي المغربي وعلى دور النساء فيه، ويمكن القول إن المعرض ينجح في أداء هذه المهمّة.

أوّل ما يدفع إلى هذا القول هو عدم اكتفاء المنظّمين بتقديم “عيّنة” من الاجتهاد الفوتوغرافي النسائي في المغرب، بل بإتاحة ما يشبه بانوراما له، حيث يوفّر المعرض مئات الأعمال لـ24 فنانة فوتوغرافية؛ يُضاف إلى هذا التنوُّع الكبير في الاشتغالات والرؤى المطروحة من خلال هذه الأعمال، التي تجمع بين الصور الفنية، والتسجيلية، والصحافية، إضافة إلى أعمال تنتمي بوضوح إلى النضال والنشاط النسويين. وإلى هذا وذاك، يقترح المعرض مروحةً واسعة من الخبرات، حيث تُعرض أعمال فنّانات قارّات في المهنة إلى جانب صورٍ لفنانات حملن الكاميرا في الأشهر القليلة الماضية فقط.

وعلى سبيل المثال، يقترح المعرض سلسلةً من الصور أنجزتها الممثّلة فاطمة الزهرة الهويتر خلال فترات العزل الصحّي التي عاشها المغرب والعالَم في العامين الماضيين، وهي تشرح أن إنجاز سلسلة الصور هذه كان ثمرةً للصدفة ولظروف العزل الصحّي، وليس لامتهان الفوتوغرافيا. وإلى جانب أعمال الهويتر التي تُعالج المواضيع التي طرحها الحظر الصحّي من عُزلة ووحدة وأزمات اقتصادية وأُخرى عائلية وزوجية، تحضر صور فنانة مثل صفاء مازيغ، التي تكشف تقنيات المزج والتلوين التي تستخدمها، وكذلك صورها الذاتية، عن علاقةٍ ليست بالجديدة بالتصوير؛ الأمر نفسه ينطبق على أعمال المصوّرة هند مومو، التي تخرج في أعمالها من الثيمات المباشرة إلى فضاء فنّي، حُلميّ، يحوّل الصورة إلى عمل فنّي قائم بذاته بمعزل عن القطعة التي تصوّرها من الواقع.

تتوزّع الأعمال المشاركة في فضاءات وصالات تقوم كلٌّ منها على ثيمة معيّنة، حيث يبدأ المعرض بفضاء يضمّ أعمالاً تسعى إلى تفكيك الكليشيهات حول المرأة، والمرأة المغربية على وجه الخصوص، إن كان في المخيال الاجتماعي أو ذلك الاستشراقي، في حين تُخَصَّص صالاتٌ أُخرى للتصوير المفهومي، والتجريبي، أو لأعمال حول الذاكرة، وأُخرى تميل إلى الشعرية.

الفنّانات المشاركات في المعرض هنّ: أمينة بن بوشتة، لالة السعيدي، لمياء الناجي، ياسمينة بوزيان، ديبورا بنزاكن، ياسمينة علوي، غيتا علوي، صفاء مازيغ، عصماء أخنوش، حسناء الوركة، ياسمين حاتمي، إيمان جميل، ابتهال الرملي، مديحة الصباني، خديجة الأبيض، فاطمة الزهراء سري، إيناس بوعلو، سمية أزحاف، سليمة حمريني، هند مومو، نوار ناصح، فاطمة الزهرة الهويتر، جميلة مستقبل وزينب بلعياشي.

الرباط

في زاوية “إصدارات.. نظرة أولى” نقف على آخر ما تصدره أبرز دور النشر والجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي وبعض اللغات الأجنبية ضمن مجالات متعدّدة تتنوّع بين الفكر والأدب والتاريخ، ومنفتحة على جميع الأجناس، سواء الصادرة بالعربية أو المترجمة إليها.

هي تناولٌ أوّل لإصدارات نقترحها على القارئ العربي بعيداً عن دعاية الناشرين أو توجيهات النقّاد. قراءة أولى تمنح مفاتيح للعبور إلى النصوص.

مختارات هذا الأسبوع تتوزّع بين الدراسات السياسية والفلسفية والفكرية والسوسيولوجية والرواية والسيرة الذاتية والذكاء الاصطناعي.

ضمن “سلسلة ترجمان”، صدرَت حديثاً عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” النسخةُ العربية من كتاب “إمبراطورية في حالة تراجع: الولايات المتّحدة الأميركية بين الماضي والحاضر والمستقبل” للباحث البريطاني فيكتور بولمر توماس، بترجمة الأكاديمي المغربي توفيق سخان. يعزو الكتاب عوامل تراجع أميركا خلال القرن الحادي والعشرين إلى أسباب داخلية، تكمن أساساً في انكماش الاقتصاد الأميركي، وحالة الإحباط العام التي تسود المجتمع الأميركي جرّاء سياسة اجتماعية مجحفة، وتداعي الأساطير أو العقائد التي قامت عليها الإمبراطورية الأميركية.

“مستقبل الفن الميتافيرس” عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً للباحث فهد الراجحي عن “دار الحضارة العربية”. يناقش العمل جملة من المفاهيم والظواهر التي تواصل تأثيرها على الممارسة الفنية والتنظيرات المرتبطة بها؛ مثل الذكاء الاصطناعي‏، وعلم ‬الأحياء، ‬و‬علم ‬البيئة ‬والفن ‬الحيوي، ‬وفن ‬الألعاب، ‬وفن ‬التطبيقات، ‬ورسم ‬الخرائط ‬ثلاثية ‬الأبعاد‬، والتغيّرات التي يفرضها “الميتافيرس” كفضاء افتراضي على سوق الفن المعاصر، في الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل أنّ الرسم والنحت وغيره من الفنون التقليدية لا تزال تجذب المقتني والمتلقّي أيضاً.

عن “منشورات جامعة شيكاغو” صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من كتاب “العيش هو المقاومة: حياة أنطونيو غرامشي” للمؤرّخ الفرنسي جان إيف فرينيه بترجمة لورا ماريس وتقديم نادية أوربيناتي. يضيء العمل سيرة المفكّر الإيطالي (1891 – 1937) منذ نشأته في جزيرة سردينيا، حيث وُلد لعائلة فقيرة انتقلت للعيش في مدينة تورين في شمال إيطاليا، مروراً بامتهانه للصحافة في الجرائد اليسارية، ثم انتقاله إلى موسكو التي قضى فيها نحو ثلاث سنوات خلال فترة حكم لينين، وعودته إلى إيطاليا لتأسيس الحزب الشيوعي الجديد، واعتقاله وأثره في كتاباته.

عن “دار التنوير”، صدرت مؤخراً رواية “السيد العميد في قلعته” للكاتب التونسي شكري المبخوت وهي خامس أعماله الروائية بعد “الطلياني” (2014)، و”باغندا” (2016)، و”مرآة الخاسر” (2019)، و”السيرة العطرة للزعيم” (2020)، إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان “السيّدة الرئيسة” صدرت عام 2015. تتناول الرواية الجديدة الفضاء الجامعي بكواليسه وعلاقاته المعقّدة والمرتبطة بدوائر المعرفة والسلطة، وهو عالم ليس غريباً عن عوالم المبخوت التخييلية؛ فقد سبق أن حضرت الجامعة في روايتيه “الطلياني” وفي “السيرة العطرة للزعيم”.

في كتابه “نحو إصلاح جنسي في الإسلام”، الصادر مؤخّراً عن “المركز الثقافي العربي”، يواصل عالم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي، البحث في إشكالية الجنس في الفضاء العربي من زاوية سوسيولوجية. وهذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار وصول موجة “الثورة الجندرية” التي تتفرّع عنها ظاهرتان اجتماعيّتان؛ الأولى هي صعود الخطاب النسوي والثانية ظهور بنى تنظيمية لتمثيل الأقلّيات الجنسية. كما يلاحظ المؤلّف أنّ تحوّلات كثيرة طاولت العالم العربي يظلّ أهمّها بروز سلوكيات جنسية جديدة لم تكن حاضرة أو معلناً عنها في العقود السابقة.

“دكتور باركمان ومستر ويبستر” عنوان كتاب جديد يصدر للباحث المصري ممدوح رزق عن “مؤسّسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع”. العمل يستعيد الرواية الشهيرة للكاتب البريطاني روبيرت لويس ستيفنسون “دكتور جيكل وميستر هايد”، ويبحث في أصولها الواقعية كقضية حدثت بالفعل في بوسطن الأميركية، ومن ثمّ يبيّن الباحث المصري صنعة الأدب في تحويل الوقائع إلى عمل فنّي وما الذي يُبقي عليه المؤلف وما يتركه في سبيل بناء عالمه التخييلي وتمرير مجموعة من المضامين يوجزها رزق في قضايا السلطة والكبت والعلاقة بين الأخلاق والغرائز.

عن دار “صفحة سبعة”، صدرت حديثاً ترجمة كتاب “معنى الحياة وقيمتها” للمفكّر الألماني الحائز جائزة “نوبل للآداب” عام 1908، رودولف كريستوف أويكن (1845 – 1926)، بتوقيع محمد المهذبي. وُضع الكتاب في سياق الجدل الذي خاضه الروحانيون من المفكّرين الأوروبيّين، نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، ضدّ الأطروحات الداروينية القائلة بأسبقية البُعد الطبيعي في الحياة. دون أن ينفي أهمّية البيولوجيا في حياة البشر، يحاول أويكن لفت النظر إلى أسبقية “الحياة الروحية”، وإلى ضرورتها في ضمان مبدأ الحرّية للإنسان في وجه الحتمية الطبيعية.

عن منشورات “إيليبس” في باريس، صدر حديثاً كتاب “بيرغسون: فلسفةُ الجديد”، للباحث الفرنسي أرنو بوانيش. يسعى المؤلّف إلى تقديم مدخلٍ مزدوج إلى فكر الفيلسوف الفرنسي (1859 – 1941): مدخلٌ موضوعاتي، عبر ثيمة الجديد، التي يمكن خلالها قراءة أعماله، ما يقود إلى مدخلٍ تاريخيّ لها يوضَع انطلاقاً من هذه الثيمة. عبر الموازاة بشكل مستمرّ بين مؤلّفات بيرغسون وسيرته، يلاحظ بوانيش كيف أنّ الجديد، باعتباره مفاجأةً، حَكَمَ تطوُّر فكر بيرغسون الذي ظلّ يغيّر في رؤاه الفلسفية والمنهجية وفق المعطيات الجديدة التي كان يقف عليها، بالصدفة أحياناً، خلال أبحاثه التجريبية. كما يشير إلى دور تحليل بيرغسون لفكرة الجديد في اقتراحه أبرز مفاهيمه: المدّة، والتي كان أوّل مَن ميّز فلسفياً بينها وبين الزمان.

“ليل ونهار” عنوان النسخة العربية من رواية الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف (1882 – 1941)، وقد صدرت حديثاً بترجمة باسل المسالمة عن “دار التكوين”. تقدّم صاحبة “السيّدة دالاوي” في هذا العمل (1919) سيرةَ شخصيّتين، هما كاثرين هيلبيري وماري داتشيت، اللتين تختلفان إلى حدّ بعيد في طبيعتهما ورؤيتهما إلى العالَم، لكنْ تجمعهما صداقةٌ وأسئلةٌ مشتركة حول العديد من المواضيع، مثل الحبّ، والعلاقات الغرامية، والزواج، والسعادة، والنجاح. كما انتقد وولف، بشكل ساخر، الأوضاع التي عاشتها إنكلترا تحت حكم إدوارد السابع مطلع القرن الماضي.

لندن

لا يهتمّ الكاريكاتير بتوافه الأمور وبالأحداث العرضيّة، كما يبدو ظاهر الأمر، إنّه في العادة ملتزم بأكثر القضايا جديّة ومصيريّة وتحمّلاً للمسؤوليّة. ومع كل أزمة عالميّة، كالاجتياح الرّوسي لأوكرانيا الذي نعيش على وقعه هذه الأيام، سرعان ما تمتلئ صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية بالرسومات الكاريكاتيرية، وكأنها تلاحق الأحداث مثل نشرات الأخبار، لكن ببلاغة مختلفة قوامها تمرير المؤثرات الفكرية والنفسية دون تصريح برسالة حيث يجري التغليف بقشرة من السّخرية.

وبشكل عام، يتضاعف الاهتمام بفنّ الكاريكاتير في مختلف المتون والمحامل. فإلى جانب المنابر الإعلامية، هناك عدد أكبر من الكتب المخصّصة لجمع رسومات الكاريكاتير، وهناك اهتمامٌ أكبر من منتجي البرامج الوثائقية برسّامي الكاريكاتير، ما يزيد في حضورهم في الفضاء العام. فما الذي يجعل هذا الفنّ مشاركاً رئيسيّا في صناعة الرّأي العام أكثر من أيّ وقت مضى؟

سؤالٌ لا ينسحب على فنّانين لا يزالوا يُنتجون فحسب، إذ يظلّ ناجي العلي (1937 – 1987) فاعلاً بفضل الكاريكاتير، يعلّق برسومات أنجزها منذ ثلاثة وأربعة عقود على أحداث كثيرة مما نعيشه اليوم، وهو الذي كانت رسومه سبباً لاغتياله! فكيف تتسبّب الصورة بمقتل مبدعها ومتى تمكّنه من الانبعاث المتجدّد والولادة المستمرّة؟ وكيف تخرج الصّورة الكاريكاتيريّة من بوتقة ذاتٍ فرديّة بعينها لتكون حمّالة لهواجس الجماهير؟ ما الذي يجعل الكاريكاتير حاضراً بقوّة بين تضاعيف السّيرورة الاجتماعيّة وما يعتمل فيها من مواقف وأفكار وردود أفعال، بحيث يتجلّى الرّسم الكاريكاتيري بوصفه قطعة نشيطة في رحى المعارك الفكريّة والماكينة المولّدة للقيَم الاجتماعيّة لفضح المتناقضات ونقد الأوضاع؟ هل لأنّه فنّ يعتمد على التّلميح دون التّصريح الفجّ؟ ولكن، عن أيّ تصريح نتحدّث وقد اكتسح الخطابُ الصّريح أرجاءَ الفضاء العام، الإعلامي، الثقافي، السّياسي، وأصبحت حرّية العبارة والنشر حقّاً مشاعاً بين الأفراد والجماعات، بما يُغني عن أيّ تلميح أو اختزال، بل وقد جرف تيّار حرّية الرّأي مختلف التابوهات والخطوط الحُمر التي كانت تتخفـّى خلف ناموس السّلطة وتخفي وراءها عورة السّلطان؟

يتوفّر الكاريكاتير على خبرة دقيقة في الفضح وتوجيه النّظر

لا ريب؛ يتوفّر الكاريكاتير على خبرة دقيقة في الفضح وتوجيه النّظر وقدرة على التحكّم في مضامين العناصر السيميائيّة ومرجعيّاتها وإحالاتها، الزّلوقة والمخاتلة، داخل الأفق التّأويلي. فهو فنّ ينبذ الصّياغة القوليّة المباشرة وينشط عبر التّأويل، إذ يستفزّ في النّاظر قدرته على تفكيك منظومة العلامات والرّموز وإعادة إنتاجها وفق راهنيّة المرحلة وأفق الانتظار.

ومن خلال احتماليّة التّأويل تتعدّد مستويات التمثّل بحسب أفق الانتظار لدى المتلقّي ومدى إلمامه بخفايا الأمور. ولئن “جُعل الكلام لنخفي ما نريد”، كما قال نيتشه، فإن مِنْ شأن الصّورة المرسومة، بفعل آليّات التّأويل، أن تهتك الحجب وتُعرّي ما كان مخفيّاً. ويبدو الكاريكاتير هزليّاً في ظاهره ولكنّه أكثر الفنون جدّية، من حيث إنّه يطرح قضايا مركزيّة جادّة تنبت وتتحرّك في قلب الشاغل العام، مثل الحيف الاجتماعي والظلم والقهر وخبث السّاسة والرّساميل وقوى الاستعمار؛ إنه يفضح طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، يترعرع داخل الحسّ النقدي الجريء، ينمو داخل جدل المتناقضات الصّارخة، يرسم المسكوت عنه بل وحتى ما لا يُقال. كما يلفت الانتباه إلى أبسط الأشياء وأكثرها اعتياديّة ويحوّلها إلى مواضيع “مصيريّة” تستأهل النّظر والتّقصّي.

وما بين الهزل والجدّ، الظاهر والخفيّ، تنكشف تعدّديّة المعنى. فالصّورة، هنا، تتغذّى وتعيش بما تُضمره من دلالات ذات بال بين عينيّ القارئ. إذ إنّ الكاريكاتير الذكيّ هو الذي يلامس قضايا مغرقة في الجدّية بشكل يثير الهزل، عندما يقع الدّفع بتناقضات المخيال الاجتماعي إلى حدودها القصوى. ألم يعرّف الفلاسفة القدامى الإنسان بأنّه “حيوان يعرف كيف يضحك”؟ ألم يقل الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتاب “الضّحك” أنّ “الضّحك يتّجه إلى الذكاء الخالص وله وظيفة اجتماعيّة” وأنّ “ضحكتنا هي دوماً ضحكة المجموعة”، وأنّ أكثر ما يثير الهزل هي أكثر قضايانا جدّية، حيث “الكثير من المآسي تتحوّل إلى كوميديا”! وبقدر انخراط الكاريكاتير في الوظيفة العامّة للآلة الإعلاميّة، وبقدر ما يحظى بالنشر على أوسع نطاق، تكون قدرته على التّأثير. إذ كم مرّة تبدو ضحكة المُشاهد في المسرح أعرض وأقوى كلّما كانت المدارج ممتلئة أكثر.

ما تزال كاريكاتيرات ناجي العلي فاعلة بعد عقود من اغتياله

وبعيداً عن الخطابات القوليّة المستفيضة، يشعر النّاظر ــ القارئ أنّه معنيّ من جهتين، من جهة الموضوع الذي يلامس شاغله الرّاهن، ثمّ من جهة تثمين هذا الموضوع وقراءته، أي تفكيك مكوّناته ثمّ لملمَتها بما يناسب ذكاءه التّأويلي. وأبداً، لا يقدّم الكاريكاتير، مهما تتعدّدت مدارسه، حقيقة جاهزة في طبق مطرّز بالذهب أو بالعاج. إنّه بمثابة ورشة تفكير حيّة. ومن هذا الجانب، يمثل الكاريكاتير ثورة تواصليّة تقوم على المشاركة وتبادل المواقف والتفاعل الخصب والتّحريض على التّأويل. وعلى هذا الأساس نفهم كيف أنّ الكاريكاتير صديق للثورات والانتفاضات ومساهمٌ فيها بل وقادح من قوادحها الملهمة ومعترك للفكر النقديّ. وها هو اليوم يلعب دوره كأداة مقاومة ساخِرة، يُظهر انخراط آلاف الفنّانين في آلام الأوكرانيين من الاجتياح الروسي ويضع النوايا الدّفينة لهذا الأخير في مقام المرئيّ، أي يعرّيه من خطابه الديبلوماسي المصاحب ومن سطوته العسكرية على الأرض.

هكذا، ليس الكاريكاتير مجرّد تقنية غرافيكيّة أو زينة لصفحات الجرائد. وبالتّوازي، ليس خطّة مجّانية مُباحة للثلب والتجريح، وليس انخراطاً أعمى في التفرقة بين المجتمعات، إنّه مجال لتوحيد الصّفوف ورفع الهِمَم، وقد ارتبط بالمقاومة وبناء منظومات الوعي البنّاء.

فنّ ينبذ الصّياغة القوليّة المباشرة وينشط عبر التّأويل

وفي فضائنا العربي، لمع الكاريكاتير كواجهة للخطاب الثوري خلال الانتفاضات العربيّة، فكان أحد محامل مضامينها الاحتجاجيّة، ولقد تنوّعت مجالات ظهوره وتجاوزت المحامل الورقيّة الخاصّة بالصّحف الورقية أو الإلكترونيّة وشبكات التّواصل الاجتماعي، لتجد مساحة واسعة في جدران المدينة والحيّ وواجهات الفضاء العام.

كما أصبح الكاريكاتير فضاءً في حدّ ذاته ترتسم على صفحته صراعات الأيديولوجيا وتصوّرات إدارة الحياة المشتركة، وبذلك يعوّض الكثير ممّا نفتقده أحياناً من قيَم المواطَنة والمشاركة الخلاّقة ويقدّم نفسه كتقنيّة ناعمة للمقارعة والحِجاج وفضح التّناقضات الأكثر تعقيداً، تلك التي تميّز الحياة السّياسيّة وخاصّة ما يتعلّق بعلاقة الحاكم والمحكوم. أليس حَريّاً بنا أن نُنزّل قيَم هذا الفنّ منزلةَ ما ننشده من ثورة ثقافيّة، من جهة أنّه يمثل بامتياز نقلة نموذجيّة بالفكر من أنماط الثقافة الامتثاليّة الموالية لسلطة السّائد إلى ثقافة مشاكسة، تلعب دوراً فاعلاً في ميزان السّلطة والمواقف، تتصدّى لسكونيّة الوعي وتدجين الرّأي وحبس المواقف وقبر الفكر الحرّ؛ ثقافة تستفيق على وقع الفكر التّاريخي، تنبض في قلب الرّاهن وتعانق منطق الحياة؟ والنّظر مستمرّ.

  • أكاديمي وفنّان تشكيلي تونسي
    خليل قويعة

فقدت الساحة الثقافية العربية كاتباً رائداً في إسهاماته الأدبية المتنوّعة والمعرِّف الأول بالأدب الألباني في اللغة العربية. وُلد الكاتب عبد اللطيف الأرناؤوط في دمشق عام 1931 في أسرة ألبانية هاجرت من كوسوفا بعد حرب البلقان (1912 – 1913)، وحظيت بالترحيب هناك شأنها كبقية المهاجرين الذين سمّي حي راق باسمهم في دمشق.

اهتم والده بتعليم أبنائه، وبرز منهم ثلاثة أسماء هامة في الساحة الثقافية؛ هم: عبد القادر الأرناؤوط الفنان التشكيلي والأكاديمي، والشاعرة والروائية عائشة الأرناؤوط. وكان عبد اللطيف أول من أكمل الدراسة الثانوية من أبناء المهاجرين، وتابع دراسته في “دار المعلمين” ليعمل بعدها معلماً ومديراً. ثم التحق بوزارة التربية ليكون أمين تحرير لمجلة “المعلم العربي” حتى سبعينيات القرن العشرين. انتقل بعد ذلك إلى “اتحاد الكتاب العرب”، حيث شغل أمين تحرير “الموقف الأدبي” الفصلية، وكذلك مجلة “التراث الأدبي” (1997)، ثم تفرّغ للترجمة والكتابة.

كان لنشأته في أسرة ألبانية دور في إتقان اللغة الألبانية المحكية، واستفاد من موجة المهاجرين السياسيين الذين وفدوا إلى سورية، وتأسيس أول جمعية للألبان في دمشق عام 1949، حيث أتاحت تعزيز الروابط وتوثيق الصلة باللغة الأم التي بدأ تعليمها كلغة حديثة للألبان، وترافق ذلك مع اهتمامه باللغة العربية التي أحبّها وكتب بها العديد من كتبه. بدأ حياته الأدبية شاعراً وأصدر ديوانه “عزف على قيثارة الوطن”. أما أول كتاب له فكان بعنوان “الأخطاء الشائعة في اللغة العربية” مع زميله خالد قوطرش (دمشق – 1966)، ثم تتالت مؤلفاته لتصل إلى مئة كتاب بين الترجمة والنقد والدراسة.

بدأ عبد اللطيف الأرناؤوط إنتاجه بالتعريف بالشعر الشعبي الألباني وشعر عهد النهضة القومية الألبانية، الذي كان الأساس للشعر الألباني المعاصر والذي عبّر عن الألبان في موطنيهما ألبانيا وكوسوفا. ونشر ترجمة لـ 42 قصيدة متنوعة نشرت في الصحف السورية كـ “دمشق المساء” وجريدة “الأخبار” وجريدة “الثقافة الأسبوعية” وغيرها.

كان أول من ترجم أعمال إسماعيل كاداريه إلى العربية

لعبت الأوضاع السياسية في الوطن الأم دوراً في إنتاجية الكاتب وتفاعله مع المشهد الثقافي. وبدا ذلك مع انطلاقة “الثورة الثقافية” في ألبانيا (1967-1970) التي أحكمت الحصار عليها وعزَلتها عن العالم، بهدف حمايتها من الفكر الغربي ولوثة الليبرالية، مما أدى إلى تدهور شروط الحياة والإبداع وتراجع الأدب. وتوقف الكاتب الأرناؤوط لسنوات عن الكتابة والنشر.

في الضفة الأخرى من الوطن تمكّن الكاتب من زيارة موطن أسرته في كوسوفا، الذي أصبح إقليماً يتمتع بحكم ذاتي واسع تحت مظلة جمهورية يوغسلافيا السابقة. ومع الاختلاف الكبير بين النظامين، استعاد الأرناؤوط حماسه السابق نحو ثقافته الألبانية ومعاودة الإنتاج الأدبي ولا سيما بعد تعرّفه على أهم الشعراء والكتّاب الألبان.

وجاء الانعطاف الكبير في مسيرة عبد اللطيف الأرناؤوط الأدبية عندما عرّف الكاتب العربي بأهم الكتاب الروائيين في ألبانيا، ومن بينهم المرشح المتكرر لجائزة نوبل للآداب إسماعيل كاداريه المولود في 1936 الذي أصبح نائب “الجبهة الديموقراطية”، وهي الواجهة الشكلية للحزب الحاكم. ووضعه ذلك في زاوية إشكالية لم ينج منها في ما بعد. كانت بدايات ترجمات الأرناؤوط لكاداريه هي قصيدته الطويلة “يوميات الجيل”.

أما أولى ترجماته الروائية فكانت رواية “جنرال الجيش الميت”، وهي الرواية التي فتحت له طريق الشهرة، وصدرت الرواية عن “وزارة الثقافة السورية” في 1981، وأتيح لها الانتشار خارج سورية، ثم أتبع ذلك برواية “الحصن” في 1986 التي حظيت بالاهتمام أيضاً. في ذلك الوقت بدأت ترجمة كاداريه إلى اللغات العالمية كالإنكليزية والفرنسية وغيرها، ونجد صدى هذه الترجمات في العربية كرواية “من أعاد دورنتين” بترجمة أنطوان أبو زيد وروايتا “مدينة الحجر” و”الوحش” بترجمة عفيف دمشقية. كما صدرت الرواية الشهيرة “قصر الأحلام” بترجمة حياة الحويك.

تداخل صدور هذه الروايات مع فجر التغييرات في أوروبا الشرقية، والذي وصل تأثيره إلى ألبانيا، كتحدٍ لآخر قلعة للستالينية في أوروبا، ونجحت في تبني تحوّل ديموقراطي منذ نهاية 1990 انتهى بتسلم الحزب الديموقراطي الحكم بعد أول انتخابات حرة.

وتتالت ترجمات الأرناؤوط لروايات كاداريه بإصدار “وزارة الثقافة السورية” رواية “العرس” في 2006 ثم رواية “الملف هـ” في 2008 ورواية “لجنة الاحتفال” في 2009. ولم يكتف الأرناؤوط بترجمة هذه الروايات لكاداريه فألف كتاباً عن مؤلفها بعنوان ” اداريه شاعراً وروائياً: تأملات في أعماله المترجمة إلى العربية”، وفيه قال كلمته الفاصلة حول كاداريه الذي انتُقد لأجل موقعه في النظام الشمولي السابق ولجوئه إلى باريس حينها: “يجب أن يُحكم على عظمة أدب إسماعيل كاداريه بعيداً عن مواقفه السياسية وتحولاته، فالسياسة تتبدّل والإنسان يتغير”. ورغم إشكالية هذا الرأي فإن الاهتمام بأدب كاداريه استمر وانتقل التعريف به إلى بيروت والقاهرة.

ويُلاحظ هنا أن عبد اللطيف الأرناؤوط لم يتوقف عند هذا الكاتب بل قام بترجمة مجايلين له من الكتاب الذين لم يسبق الترجمة لهم والتعريف بهم، لتكون دمشق مركزاً للتعريف بالأدب الألباني في العالم العربي.

إضافة إلى هذه الريادة في ثقافته الأم فإنّ انتماءه إلى الثقافة العربية واهتمامه بالأدب والتأليف والنقد دفعه إلى كتابة المقالة والقصة والدراسات الأدبية والنقدية. هكذا نجد مجموعة من الكتب التي تتناول مسيرة وإبداع عدد من الكتاب والشعراء كعبد السلام العجيلي ومعروف الأرناؤوط وعبد الوهاب البياتي وسليمان العيسى وشفيق جبري وغيرهم. وانحاز الكاتب باهتمام واضح لأدب المرأة رداً على التهميش الذي رآه مجحفاً بحقها، فأصدر عدداً من الكتب حول كتابات غادة السمان وليلى العثمان وعائشة الأرناؤوط وسعاد الصباح وغيرهن في عنوان واحد “الأعمال غير الكاملة”، متناولاً أعمالهن ومسيرتهن الإبداعية.

كما كتب للأطفال مجموعات قصصية وقصائد شعرية صدرت عن “اتحاد الكتاب العرب” و”وزارة الثقافة السورية”.

أما إنتاجه في اللغة الألبانية، فقد كتب مجموعات شعرية منها: “ما وراء الجبال والبحار” و”لهيب الشوق”، وقام بترجمة مسرحية “الغرباء” لعلي عقلة عرسان.

مع هذا الإنتاج المتنوّع، قدّم الأرناؤوط “زبدة القول وخلاصة المسيرة الإبداعية” في كتابه “تجربتي مع الثقافة والأدب”. أما المسيرة الحياتية فخصّها بكتيّب بعنوان “أوراق بعد الستين من العمر”.

هكذا أخلص عبد اللطيف الأرناؤوط لثقافته الأم، فكان رائداً في نقلها إلى اللغة العربية والتعريف بهذه الثقافة المتوارية، كما أخلص لثقافته العربية التي اكتسبها وأحبها وأبدع بها كتبه الكثيرة.

  • كاتبة من سورية
  • محسنة الخطيب

منذ أوّل أمس الخميس، يُقام في مقر بلدية مدينة ليون الفرنسية “الملتقى الدولي لرسومات الصحافة”، والذي يمثّل تظاهرة تعمل على إيجاد فضاء تواصل وتشابك بين فناني الكاريكاتير والمصوّرين الفوتوغرافيين والمصمّمين.

يتواصل الملتقى حتى يوم غد، ويشارك فيه عدد من أشهر رسامي الكاركاتير؛ مثل الإيراني مانا نايستاني، والفرنسي لاكومب، كما تشارك الفنانة التونسية نادية الخياري المعروفة بشخصية القط ويليس.

على هامش الملتقى يُقام معرض يتضمّن 200 رسماً كاريكاتيرياً تعود إلى فناني كاريكاتير حاضرين خلال التظاهرة مثل: ويليم، وبانشو، وكامبون، وديبيون، وريمي مالينغراي، وسوف.

كما يجري تقديم كتاب مؤرّخة الفن الفرنسية فابيين ديسو والذي يحمل عنوان “خطوط ملتزمة”؛ حيث تقدّم المؤلفة الفنانين الذين اعتمدت عليهم في دراستها، كما تبيّن العلاقة بين فن الكاريكاتير والالتزام بالقضايا السياسية والبيئية والاجتماعية.

ضمن فعاليات اليوم الأخير، غداً، تقام حلقة نقاش حول حضور الجزائر في الرسومات الكاريكاتيرية وفي كتب الأشرطة المصوّرة، ويتساءل المشاركون إن كان هناك تحوّل بين صورة الجزائر اليوم مقارنة بالفترة الاستعمارية.

باريس

سَنبدَأ مِنْ غَيْمَةٍ عَابِرَه.
فنجْعَل مِنْ ظلِّها خيمةً،
كائناتُ الحديقةِ تأوي إليها،
وقد تستطيلُ، فَلا بأسَ إنْ خرَقتْها،
لتفتَحَ بعضَ السَّماواتِ في سَقْفِها.
خيمةٌ، ستكونُ إذاً فسحةً لا حجاباً…
ولكنَّها فُسحةٌ نحنُ نرسِمُها،
وَنُحَدِّدُ أطرَافَها،
ونُسَيِّجُها بانتباهاتِنا الحائرهْ.

■ ■ ■

سنبدَأ مِنْ غَيْمَةٍ عابِرَهْ:
هَكذا قُلْتُ للشَّجَراتِ اللّواتي أحَطْنَ ببيتي.
فَقُلْنَ: إذا غيمَةٌ ظَهَرَتْ
نَسْتَطيلُ، ونَهفو إليها،
فترمي لنا ظلَّها
ثمَّ تبقى لدينا.. وإنْ عَبَرَتْ.

■ ■ ■

وأنتنَّ أيّتُها الشَّجَراتُ اللّواتي شَمَخْنَ،
اتَّخِذْنَ مواقِعَكُنّ،
كما الجُنْدُ عندَ بُروجِ القِلاعِ،
وراقِبنَ ما يتحرَّكُ خلفَ السِّياجِ،
وما يتحفَّزُ داخلَهُ،
وسأغرسُ – دعماً لَكُنَّ – على الحدِّ غرساً كثيراً،
فتنمو الحديقةُ إذَّاك،
تهوَى حُدوداً، وتمحو حدودا.
وتنهضُ فوقَ الثّرى،
تتنفَّسُ نحوَ العَلاءِ
وَتسمو صُعُوداً صُعُودا.

■ ■ ■

وللطّيرِ أنْ تتحرَّى مواقِعَها في الحديقة،
في كلِّ أنحائها.
فالتُراب هُنا، والصُّخورُ هُنالكَ،
والشَّجَراتُ الكبيرةُ،
والشَّجَراتُ الصَّغيرةُ،
والبيتُ، والعشبُ، والماءُ…
ما كانَ ذلكَ إلّا مَواقِعَ للطَّيرْ.

■ ■ ■

والرَّوابي التي تتموَّجُ شرقاً وغرباً،
شمالاً، جنوباً…
تجيءُ وَتخْفقُ حَوْلَ الحَديقةِ،
تجعلُها تتدرَّجُ،
تعلو وتَهبِطُ، تأتي وَتَذْهَبُ،
مثلَ الرَّوابي… وأمواجها.

■ ■ ■

والفصولُ تمرُّ…
سنُبدي لها، كلَّما أقْبَلَتْ،
سُبُلاً، شُرُفَاتٍ، مَقَاعِدَ،
كي نتحكَّمَ فيها.
وإذَّاكَ، تغمُرُنا مثلَمَا نشْتَهِي.
وتفارِقُنا مِثلَمَا نَشْتَهِي.

■ ■ ■

وإحدى الشُّجَيْراتِ،
وَسْطَ الحَديقةِ برِّيةٌ.
هيَ كانت هُنا قبلَنا بكثيرٍ.
سَنَجعلُ مِنها دليلاً لنا ولأشْجارنا.
فهْي شَاهِدَةٌ – رُبَّما مِنْ قُرون –
على كلِّ ما عاشَ أو ماتَ،
في تربةً أنبتتْها بلا سببٍ… واصْطَفَتْها.
سَنَجْعَلُ منها دليلاً لنا ولأشْجارنا.
فهيَ تعرفُ كيفَ تمرُّ الرِّياح،
وكيفَ تمرُّ الفُصولُ،
وكيفَ تروحُ الشُّموسُ وتغْدو، هُنا
حيثُ تنمو حديقتُنا.
هي بَريَّةٌ،
قاومتْ
ثَبَّتَتْ نَفْسَها في الزَّمانِ الّذي ليسَ يُبْصرُ،
لمْ تَطْلُبِ العَوْنَ، لمْ تحتَجِ العَوْنَ،
بل قدَّمتهُ لكلِّ الطُّيورِ الّتي عَبَرَتْ،
ولكلِّ جدیدٍ يلوذُ بها..
هي شاهدَةٌ
وهْيَ حارسَةٌ كلَّ غرسٍ جديد.
سنأوي إليها، ونحفظُ عهداً لها،
وسنجعلُ منها دليلاً لنا ولأشجارِنا.

■ ■ ■


وللتِّينِ بعضُ فُروخٍ،
تبقَّتْ مِنَ “الكرْمِ”.
كَرْمٍ هوَ الأصْلُ،
أصْلُ الحديقةِ والبيتِ…
كانَ عريشاً وتيناً.
وها هيَ ذِكراهُ ماثِلةٌ في الفُروخِ،
الّتي تمنَحُ الصَّيفَ بعضَ الثِّمارِ،
تقولُ لهُ: لا سبيلَ إلى اليَأسِ…
هذا هوَ التِّينُ: هشٌّ، ولكنَّهُ صامِدٌ.

تستكينُ فُروعٌ لهُ، تنثني تعَباً، تتهاوى،
فيأبَى الخُضوعَ،
وإذْ كلُّ جَذْرٍ لهُ، يَتَخَلَّقُ كوكبةً مِنْ فروعٍ فروخٍ.
سنرعى الفُروخَ،
ونُذْكي توثُّبَها.
وَسَنَغْرِسُ تيناً جديداً،
عرائشَ أيضاً،
لينبعثَ “الكَرْمُ”
أصلاً وفرعاً.

■ ■ ■

وليسَ بعيداً مِنَ البيتِ زيتونَةٌ،
نَخَرَتْها السِّنينُ،
ولكنَّها لم تَنَلْ مِنْ تَجَذُّرِها في الزَّمانِ،
لأوراقِها ولأغصانِها نِعْمتان: سنًى ووقارٌ.
وَلَيْسَتْ لِتَأبَهَ مَهْمَا يَمُرُّ بِها.
نَهَضَ البيتُ بالقُربِ مِنها، ولسْنا لنعْرِفَ عُمْراً لها.
فهْيَ ثابتةٌ،
وَمُعَمِّرةٌ،
وَتُعلِّمُنا فرحاً هوَ كالطِّفلِ في ظلِّها.
فلتَظَلَّ هُنا قُربَنا مَعَنا
عُمْرُها يَسْتَخِفُّ بأعْمارِنا.

■ ■ ■

في الحديقَةِ ناحيةٌ للصَّنوبرِ،
بلْ لِصَنَوْبَرَتَيْنِ اثْنَتَين…
كأنَّ الهواءَ الّذي يتغلغلُ بينهما،
يتعثَّرُ مُرْتَبِكاً في حَناياهما، ويبوحُ بأسرارِهِ كُلِّها.
ثمَّ لا يتسلَّلُ مِنْ بَعْدُ إلّا سَقيماً،
كصَبٍّ يُواصِلُ شَكْواهُ…
نَجْعَلُ ناحيةً للصَّنوبرِ،
والسَّروُ لا يتردّدُ،
نترُكُهُ يَتَجَوَّلُ في كلِّ ناحيةٍ مِنْ نَواحي الحديقةِ،
غيرَ مُبَالٍ بِشَكوى الصَّنوبرْ.

■ ■ ■


والزُّهورُ انتَحَتْ كُلَّ ناحيةٍ في الحَديقَةِ،
وانتشَرَتْ وسْطَها.
لَمْ نُعِدَّ لها خطّةً أوْ نِظاماً.
تَرَكْنَا لها أنْ تُغَادِرَ أحْواضَها،
أنْ تَرَى نَفْسَها حُرَّةً في الثَّرى،
في الهواءِ،
وَحَتَّى على الصَّخْرِ،
أنْ تَتَبَعْثَرَ ألوانُها دونَ قَيْدٍ.
زُهورٌ، زُهورٌ، زُهورْ.
تَرَكْنا لها أنْ تَرَى بعضَ ألوانِها في الصُّخورْ.

■ ■ ■

والجدارُ البَعيدُ، الّذي هوَ بعضُ السِّياجِ،
سَنَجْعَلُ باباً كبيراً لهُ.
لا لشيءٍ،
سِوَى أنْ يكونَ لنا عالَمانِ:
صغيرٌ،
وآخرُ، أكبَرُ أكبَرُ…
يأتي يَطوفُ حولَ السِّياجِ،
ويدخُلُ مِنْ بابهِ…

■ ■ ■

وَالطَّريقُ إلى البَيتِ،
نجعلُ بابَ الحديقَةِ مفتاحَهُ.
ثُمَّ نتركُهُ يَتَعرَّجُ مُسْتَهْدِياً نحوَ قلبِ الحديقةِ،
كيْ يرتقي بعدَ ذلكَ،
نحوَ السَّماءِ الَّتي هَبَطَتْ،
واستقرَّتْ عَلَى الشُّرفاتِ الّتي
انطَلَقَتْ في جميعِ الجِهاتْ.

■ ■ ■

إذاً
بيتُنا هوَ شُرْفَتُنا
لنرى ما وراءَ سِياجِ الحَديقةِ،
مُنْطَلِقاً،
مُقبلاً نَحْوَنا.

■ ■ ■

فَشَرْقاً
بعيداً، بعيداً،
وَراءَ الرُّبى والقُرى،
ينتهي المَشْهدُ المُتَرامي إلى “جبلِ الشَّيخ”
قالوا: هوَ الشَّيخُ، يعرِفُ ما حَوْلَهُ،
يتبصَّرُ مِثْلَ “كبيرِ أُناسٍ” غزا الشَّيْبُ هامَتَهُ.
فالثُّلوجُ تكلِّلُهُ في الشِّتاءِ،
ولكنَّهُ يَتَخفَّفُ في الصَّيفِ،
يُجري عِمامتَهُ،
كي يُغَذِّي اليَنابيعَ،
يخرجُ بينَ الرُّبى والقُرى حاسراً.
إنَّهُ جبلُ الشّيخِ،
نجعلُ في بيتِنا شرفةً نَحْوَهُ،
مَدْخَلاً للصَّباحِ الّذي يتبلَّجُ مِنْ فوقِ هامتِهِ.
يتبلجُ أبيضَ أبيضَ،
مثلَ عِمامتِهِ في الشِّتاءِ…
ويظلُّ بصُحْبتِنا،
ثابتاً،
ذاهباً في عنانِ الفَضاءْ.

■ ■ ■

للمَساءِ كذلكَ شُرْفَتُهُ عِندَنا.
فَضِياءُ الغُروبِ الّذي يَتَسلَّلُ بينَ الغُصونِ،
يجيءُ ويجلِسُ مُعْتَذراً بيننا،
قبلَ أنْ يَتَوارى.
وَنَحنُ نُلامِسُهُ، إذْ يُلامِسُنا،
فنُداري ارتباكاً لَهُ،
ثمَّ نتركُهُ يتلاشى قليلاً قليلاً،
ليتركَ نبضاً لهُ،
في الزَّوايا الّتي تتشرَّبُهُ.
تَتَشرَّبُهُ
ثُمَّ تُغمِضُ أجفانَها.

■ ■ ■

ونحوَ الشَّمال، لنا شُرْفَةٌ.
في الظَّلامِ تَجيءُ إليها نُجومٌ،
فتملؤها.
وهيَ لا تَكْتَفي.
بلْ تُراوِدُ أبْعَدَ مَا يتراءَى لَها مِن نجومٍ
وَلَا تكتفي.
تَسْتَبِدُّ بِها نَجْمَةٌ لا تَرَاها،
تُؤرِقُها طيلةَ اللَّيلِ،
مِنْ بينِ كلِّ النُّجومْ.

■ ■ ■

وأمّا جَنوباً
فَنَحْوَ فلسطينْ.
وأكثرُ مِنْ شُرْفَةٍ هيَ كالبَرْقِ عبرَ السِّنينْ.
فواحِدَةٌ للتَّذكُّرِ،
واحدةٌ للتوجُّسِ،
واحدَةٌ للمَعَاني الّتي هاجَرَتْ، ثُمَّ آبَتْ
وتبقَى تُهاجِرُ ثُمَّ تَؤوبُ…
وأكثرُ مِنْ كُلِّ ذلكَ طيْفُ الأسَاطيرِ،
تغْدو بها، وَتروحُ،
رِياحُ الجنوبْ.

■ ■ ■

سَنَتْرُكُ للبيتِ أنْ يَتَنامى وَيمتدَّ،
كالشَّجراتِ الّتي هيَ مِنْ عُمْرِهِ.
رافَقَتْهُ ثلاثينَ عاماً،
تُلاحِظُهُ وهوَ يزدادُ شيئاً فشيئاً.
ولكنَّها سَبَقَتْهُ علواً،
لترْعاهُ من كلِّ ناحيةٍ، لتُظَلِّلَ حتّى أعاليَهُ،
لتكونَ معَ الشَّمسِ بعضَ الفَضاءِ الّذي يتنفَّسُ فيهِ…
نَمَتْ حوْلَهُ
وهوَ مَا زالَ ينمو نموَّ الشَّجرْ.
وَصَارَتْ لهُ في التُّرابِ جُذورٌ،
مَعَ الماءِ فيها تآخى الحَجَرْ.
نَمَتْ حولَهُ الشَّجرات،
عَلَتْ،
سَبَقَتْهُ عُلُواً…
وأكثرَ ما يَتَطَاوَلُ،
أكثرُ مَا يتعمَّقُ في الأرضِ،
“كينا”.
هُوَ الشَّجَرُ المُتَمَكِّنُ،
يَحْتَرِفُ الرَّبطَ بينَ الترابِ وبين الفضاءْ
يقولونَ عنهُ:
الجُذورُ بِطولِ الفُروعِ،
… وينثرُ زهراً لهُ كالبذورِ
فينبثِقُ النّبْتُ في شُرفَةٍ أوْ جِدارْ.
وهوَ يبذُلُ مِنْ نَفْسِهِ إذْ تهبُّ العَوَاصِفُ،
يبذُلُ مِنْ حُرِّ أغصانِهِ،
كي يذود عن البيتِ،
يجعل من نفسه حاضناً أو ستارْ.
إنهُ شجرٌ يتطاولُ أكثرَ مِنْ غيرِهِ،
يتعمّق أكثر من غيره،
يحمل البيت،
يجعله آمناً في حِماهُ.
يقولونَ عنهُ: الجذور بطول الفروع،
لذلك يُحدِثُ في البيت بعض الشقوق،
يخلخلُ أسًّا له.
فنقول: هو الأسُّ،
ما كان بيت لنا قبله.
إنه تِرْبُهُ،
ومصيرُهُما واحدٌ.
والشقوق التي قد يسبِّبها،
هي بعض الملامح،
يظهرها العمر إذ يتقدّم،
لا بأس إن ظهرت في الحبيبين بعضُ العلامات،
تكشف عمر العلاقة بينهما.
إنه شجر يحمل البيت، يحنو عليه،
ويجعله ذا جذور،
تآخي مع الماء فيها الحجرْ.
ويجعله ذا فروع،
فينهض في كلِّ حين،
ويسمو سموَّ الشّجرْ.

■ ■ ■

ونجعلُ للشِّعر في بيتِنا غُرَفاً،
ونوافذَ،
كُلَّ النَوافذِ، كُلَّ الغُرَفْ.
وهوَ يفتَحُ أكثرَ ممّا جعَلْنَا لهُ.
ويعلِّمُنا أنَّ مَعْنى الإقامَةِ يَنْجُو
وَيَحلو
وَيَغْدو كثيراً
كثيراً
إذا كانَ بعضَ معاني الشَّغَفْ.

بطاقة
جودت فخر الدين (1953) شاعرٌ لبناني، له أكثر من عشرة دواوين، منها: “منارةٌ للغريق” (1996)، و”فصولٌ من سيرتي مع الغيم” (2011)، و”حديقة الستّين” (2016)، و”أكثر من عزلة، أبعد من رحلة” (2021). تُرجمت له مجموعتان إلى الإنكليزية، كما تُرجمت له قصائد إلى الفرنسية والألمانية. وهذه القصائد مختارة من مجموعته الشّعريّة الجديدة “هندسةٌ تليها تقاطُعات”، الصّادرة عن “العائدون للنشر”

(إلى إبراهيم المعمري)

أدخلُ مسقط
مثلَ ممثّل إغريقي يعودُ إلى دوره
في تراجيديا مُعاصِرة
على مَسرَحٍ عَظيم،
الجِبالُ خَشَبَتُهُ
البَحْرُ سِتارتُهُ الزّرقاء.
والتضاريسُ مسوّدات في محترف إله.
تُرى، مَنْ نَسَجَ البَحْرَ لي…

أدخلُ ومعي المدى المتخثرُ
والمَغاربُ
الشُّرفاتُ الرّجيمةُ والجنوبُ
المهاجرُ
بغداد ظهيرةٌ في حقيبة
تكدّستْ فيها مناديل ودفاتر،
يستجوبني فسيلُ نخلةٍ
ما زال يرضعُ
من ثديٍ بلاستيكيّ أسود
لأُمّ أعذاقها تقطرُ شهداً.

أدخلُ
طيفاً يُخاتلُ يقظتَه
طريقاً تقفلُ راجعةً
وغياباً يجفّ كجدول ماء..
أقلّبُ الحاضرَ
ثم أطويه شراشفَ ووسائدَ
وأوعيةً من فخّار متشقّق
داخل خزانة أبنوسٍ صينيّ
أتمدّد فوق كرسي الخشبي
سربَ طيورٍ يحطّ على غصنِ
شجرةِ لُبانٍ
بعد آلاف الأميال في الآفاق.

أدخل محمّلاً بتضاريسي
كجملٍ بسنامه
وقد صرت خيمةً لإيواء الكيان
أسألُ، متى يكون الدخولُ أرضاً…
لا طائلَ من خروجٍ معمّرٍ
وعودةٍ أضاعتْ مفاتيحَ المكان
والجهاتُ الأربع أقدامٌ لعرشِ
أمير مطرود.

أدخلُ
ذراعاي تعتصرانِ عمراً
كغسيلٍ ناقعٍ في طشت
خلفي باريس
كوميديا عربية تعرض دون انقطاع
منذ عشرات السّنين، فصلاً مأساوياً
لأمّةٍ في حفلةٍ تنكّرية
يُكشّرُ فيها المدعوون عن أنياب ومخالب
لا تعرفها الوحوش.

أدخل مسقط “عُدوليّةٌ” جاهليّة
من سفين طرفة بن العبد
تعودُ إلى مرساها على شاطئ عُمان
وقد أفرغتْ حُمولتها من اللبان والعود
والقصائد العمودية في أسواق ولغات
العالم الحديد
بعد أنْ فاض بحرٌ استوائي على حين غرّة
كان معلّقاً على جدارٍ في غرفة نومي
فهُرعتُ من سريري إلى مراكب النجدة.
أحتفي بمتاهٍ مدلّل
أقتفي آثارَ سنبلةٍ لم تصرْ خبزاً
في وادي الرافدين
أرافقُ شعاعاً قمرياً فوق كروم بعلبك
إلى معبد باخوس
أتمرأى في حدقةٍ بلّورية
لحيوان أحفوريّ على جبلٍ يمنيّ
من بحار جفت بعد الطوفان
وأنام كحصاة على شاطئ في لا…
مسقط رأسي.

أدخلُ
تمثالٌ بوذي مهشمُ الرأس
بقذيفة هاون
أطلقت عليه أيّام الخلفاء الراشدين
وهو يعود اليوم إلى معبد بلا سقف
لا زجاج ملون
ولا أوشحة برتقالية.
مُشرعاً كلّ الابواب
بيني وبيني
أرتطم بصخور شاطئية
قنينة طافية أودعَ في جوفها غريق
حشرجةً مُوقّعةً باسمي
أتعلمُ المشي عارياً كموجة
مزدحماً بنسياناتٍ ومهاوٍ
وقد أدركتُ أنّ الوصول هو المفردةُ الخطأ
التي تملأ قواميس الرحيل والإياب.
منذ اكتشاف الحدود والمنافي
أمضي بخطىً خارجاً
تظلّلني سماءٌ
بأقمارّ كأوثانٍ مهشّمة
تحنو عليّ نُسوةٌ متشحاتٌ بالسواد الأعظم
وطفولةٌ تتدلى من عنقي
كطائرٍ مشنوق.

أدخلُ مسقط
مخطوطةٌ قديمةٌ محظورة
لم تُحقّق بعد
مسوّدةُ ديوان لقصائد نثر
غير مقروءة
وتقويم لسنوات آتية لن أعيشها.. أبحثُ عن لؤلؤة سحرية
أبحثُ عنها في ليالي الخرافة والجدات
اللؤلؤةُ نائمة في بحرٍ نائمٍ في لؤلؤة..

في موعد قطعتهُ مع نفسي
قبل خمسة وستين عاماً
أرى المدينة تتكوّر مثل رُمانةٍ مفلوعة
في ظهيرة صيف
والبحرُ تمرين لانهائي
لكائنات مفتونةٍ بإيابٍ وغروب
من الدّاخل؟
كيف اختلطت البوصلة
ببُؤبؤ عيني اليسرى
اشتبكت الرّؤيةُ بالرّؤيا
وجئتُ المكان الذي أنا فيه.

  • شاعر من العراق