جلسة في التحقيق..إيمان خالد*

صوت المروحة القديم حزين جداً ، والضوء الخافت يزيد من حدةِ الاكتئاب ، رائحة الاعترافات المتعفنة كادت تخنقني ، نظرَ إلى عينيّ الضابط لمدة دقيقة تقريبًا ثم قال :

(ما اسمك ؟) قلت على الفور : “سموني سعيد.. لكنني لست كذلك ! “
ضحك بسخرية ثم سأل : وكم عمرك ؟ )

” على تقدير شهادة ميلادي ثلاثة وثلاثون ، أما على تقدير عذابي فهات حاسبة لنحسب “. قلتها بجدية

تجاهل ما قلت وأخذ نفسًا عميقًا وعاد يسأل “لماذا قتلت الطفلة حنان ” ؟

خيم الصمت قليلًا وبدأ صدري يعلو ويهبط ، وقفت ثمَّ عاودت الجلوس ، كأنني لا أدري ماذا أفعل.. بذلت جهدًا كبيرًا حتى أعيد صوتي ، ثم حاولت أن أرغم نفسي على الكلام وقلت :”عملي ، كما هو التحقيق عملك”.

رفع أحد حاجبيه وقال : “أي عمل هذا ؟؟ ثمَّ سأل بحرص وكم مرة قتلت ؟ “

ابتسمتُ نصفَ ابتسامة وقلت :
“ما رأيك بمن يسألك كم مرة حققت ؟”

رد بعصبية : يكفي ، أجبني إجابات منطقية ، ثم تابع هل هناك جماعة سرية تشتغل معها ؟ )

حاولت أن أجيب لكن الكلمات لم تخرج ، شعرت بالجفاف في فمي ، ووجدتني أقول : “وحدي أنا الجماعة”.

قال بنبرة قوية :(و من يعطيك المال مقابل هذا العمل) ؟

ابتسمت ابتسامة تشي بالألم وقلت : “عدو الضحية” .

( وما الذي يجعلك تقدم على القتل)؟ قالها صائحًا ، ثمَّ أخذ نفسًا عميقًا

مسحت شعري ثمّ ذقني ، وقلت شاردًا : “زينة الدنيا ،المال.. ومن غيره ؟!

قال وهو يحك أذنه بخنصرهِ بشكلٍ سريع : ) وماذا تفعل بالمال ؟ ).

لقد تغير طعم فمي بعد هذا السؤال ، وكأنني شربتُ دمًا ، قلت : “أرسله لأهلي.. إنهم بحاجة ماسة له” .

بدأ رأسي يؤلمني قليلًا ، وابتلعتُ ريقي بصعوبة ، ماذا لو أنهم لم يصدقوني وسجنوا أهلي معي ! يا رب أريد أن أتحمل ذنبي وحدي.

قال بعد أن لاحظ خوفي :(أسرتك تعلم من أين تحصل على المال ؟)

لم يبدُ على وجهي أي تعبير ، وقلت : “لو كانت تعلم لماتت أو متُّ أنا”.

وكأن نور المكتب قد انطفأ فجأة ، وخلت أني سأعيشُ في هذا الظلامِ إلى الأبد ، أطبق عينيه قليلًا وقال : (كم عدد أفراد أسرتك ؟ )

ابتسمت ابتسامة طفلٍ رضيع حين تذكرت أسرتي وأجبت : “لدي أم وأختان ، الكبرى تزوجت وتطلقت ولديها أربعة أطفال وتعيش في بيتنا ، والأخرى لم تتزوج “

عشنا بصمت لبضع لحظات ثمَّ قال : مانوع الأسلحة التي تقتل بها ؟)

_ الرصاص ، السكين ، وأضفت مؤخرا السم.
قلت الأخيرة وقد اعتراني احساس غريب !

سأل : ( وما الذي جعلك تجيء بقدميك وتعترف ؟
وحين لم يأته أي رد ، عاد يسأل ساخرًا : هل صحا ضميرك فجأة ؟ )

قلتُ هامسًا : ” في الحقيقة أنا مت عند جريمتي الأخيرة ” ثم رفعتُ صوتي ” وجئت هنا لأدفن فقط مع أني لا أستحق الإكرام ! “

سادت لحظات من السكون ، فقال خارجًا عن صمته :
( هل تعلم ماهي عقوبتك ؟ )

أحنيت برأسي ، ورحتُ أفكر.. ثمّ قلت : “ترى ما هي عقوبة المجرم بعد أن يموت ؟ “

قال بصوتٍ واضح : يموت مرةً أخرى.)

شعرت بأنَّ هنالك أشياء داخل رأسي تتحطم ، وأن شعري سيتساقط على الفور ، أغمضت عيني وأنا أسأل : ” كم مرة يموت الإنسان ؟ “

نظر إلي نظرة تشي بالتعجب ، والاستهزاء ، وقال آمرًا : توقف عن الأسئلة ، أنا من أسأل فقط)

أخذت نفسًا عميقًا كما لو كانت هناك يد تخنقني وبعدت للتو ، حركت شفتي ولكنني لم أنبس بكلمة ، وبعد لحظات على هذه الحال قلتُ أخيرًا : ” ترى ماذا سيكون سبب موتي هذهِ المرة ؟ “

ابتسم بسخرية ووضع يده على ذقنه وقال :(وماذا كان سبب موتك في المرة الأولى ؟)

” قتلني قَتلُ طفلة ” !

قلتها وتوقفت عن الحركة.

قاصة من عدن

1 Comment

Comments are closed.

القصة السابقة

انطلاق فعاليات بيت لحم عاصمة للثقافة العربية

القصة التالية

رمضان كريم

الأحدث من

عيدكم مبارك

تتقدم أسرة موقع جدارية الثقافيةبأطيب التهاني بمناسبة عيد الفطر المبارك،سائلين الله أن يعيده عليكم بالخير والفرح…

عيدكم مبارك

تتقدم مؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلامبأسمى آيات التهاني وأطيب التبريكاتإلى الأمة العربية والإسلامية كافة،وإلى شركائنا وجمهورنا…