استعراض الأقسام

الأدبصفحة

في عام 1998، دعت منى أتاسي، إحدى المسؤولتَيْن عن “غاليري أتاسي” في دمشق، كلّاً من فاتح المدرّس وأدونيس إلى عقْد حوارٍ في منزلها، يدور بشكل أساسي حول تجربة المدرّس الذي كان قد تحوّل في ذلك الوقت إلى رمزٍ فنّي وموضوع احتفاء في المشهد الثقافي السوري.

بدلاً من يومٍ واحد، دام الحوار أربعة أيام؛ وكان محتواه، المسجَّل، موجّهاً إلى النشر في كتاب. غير أن رحيل المدرّس بعد أشهر قليلة (1922 – 1999) حال دون ذلك، ليتأخّر صدور الكتاب عشر سنوات، حيث أنتج “غاليري أتاسي” طبعة محدودة منه وزّعته على عدد من المثقّفين السوريين والعرب، تحت عنوان “فاتح وأدونيس: حوار” (2009).

عن دار “كاف بوكس”، صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من هذا الحوار، بعنوان “حوار فاتح أدونيس: الحدس والعقل”، بترجمة رولا بعلبكي. ويتضمّن العمل، أيضاً، نصّاً للشاعر السوري جولان حاجي، وآخَر للباحثة في الفن التشكيلي آمبرا دانتون، إضافةً إلى عدد من الأعمال الورقية للمدرّس، والتي تُعَدّ جزءاً من مقتنيات مجموعة “مؤسّسة أتاسي”.

يلعب أدونيس، خلال أيام الحوار الأربعة، دور المُسائل والمحفّز على النقاش، إذ يطرح على المدرّس عشرات الأسئلة التفصيلية، إن كان حول سيرته الشخصية، أو حول عمله، ورؤيته الفنية، وحتى الفلسفية، ونظرته إلى فنانين آخرين. أسئلةٌ تنتقل، بفعْل التداعي الحُرّ، لتناقش مسائل في السياسة والفكر والقومية والتاريخ والانتماء والكثير من الموضوعات.

على أن الحوار لا يتحوّل أبداً إلى لقاءٍ صحافيّ تُبرَز من خلاله شخصية المدرّس وآراؤه؛ بل إنه يتّخذ صيغةً جدلية، حيث يتّفق كلّ من التشكيليّ والشاعر على القليل من الأفكار والمواضيع (ولا سيّما الفنّية) ويختلفان على الأغلب منها (الفكرية والسياسية والتاريخية)، ما يضع متلقّي الحوار أمام خطابين ونظرتين مختلفتين تماماً ليس إلى سورية وفنّها فحسب، بل وإلى الثقافة العربية أيضاً.

بيروت

في السيرة التي نشرها عام 2006 حول بول سيزان، (“سيزان”، منشورات “فوليو”)، رسم الباحث والناقد برنار فوكونييه صورةً للتشكيلي الفرنسي الشهير (1839 ــ 1906) لم تعد غريبةً عليه اليوم، باعتبارها تتقاطع مع ما يمكن استخلاصه من مراسلاته ومن مجمل مَن كتبوا عنه ممّن عايشوه: رجلٌ يعتزل بنفسه بعيداً عن المجتمع؛ يتجنّب عرض أعماله إلّا على القلّة القليلة ويُبدي حذراً من تحوّلها إلى فرجةٍ للرائح والغادي، أو إلى موضوعٍ للنقاش.

وإذا كان الرسّام الفرنسي قد شهد، في سنوات عمره الأخيرة، تحوّل لوحاته فعلاً إلى موضوع للمديح في الصحف، فإنه لم يرَها، بالتأكيد، وهي تغطّي جدراناً وصالاتٍ كاملةً. اليوم، مع المعرض الذي يقترحه “مشغل الأنوار” (أتولييه دي لوميير) في باريس، بات من الممكن رؤية هذه الأعمال وهي تغطّي حرفياً الجدران، لا من خلال تعليقها عليها، بل عبر عرضها على شاشات جدارية عملاقة، في معرض رقميّ افتُتح منتصف الشهر الماضي ويستمرّ حتى مطلع 2023.

بعد فنسنت فان غوخ وكلود مونيه، جاء الدور إذاً على سيزان ليكون واحداً من رموز الحداثة الفنّية الذين تجري استعادة أعمالهم في عروض رقمية؛ عروض تقترح تجاوز تجربة المشاهدة التقليدية ــ المتمثّلة بالوقوف وجهاً لوجه أمام اللوحة ــ إلى “الانغماس” أو “الانغمار” في عالم الفنان، عبر الجلوس في صالة تُعرض على جدرانها وسقفها وأرضيّتها واحدة من لوحاته أو أكثر.

يحمل المعرض عنوان “سيزان، أنوار البروفنس”، في إشارة إلى الإقليم الذي وُلد ورحل فيه الفنانُ جنوبَ فرنسا، وترك عدداً كبيراً من الأعمال التي تصوّر مشاهدَ ومعالم طبيعية وحضرية فيه. يشمل المعرض جُلّ هذه الأعمال، ولا سيّما تلك السلسلة من اللوحات التي يصوّر فيها جوانب من جبل سانت فيكتوار، أو مدينة ليستاك التي عاش فيها. كما يقترح المعرض عدداً من أشهر لوحاته، وفي مقدّمتها “لاعبا الورق”.

يضيء المعرض على التأثير الكبير لطبيعة إقليم بروفنس ولضوئه المتوسّطي في تجربة سيزان وفي اختياراته اللونية التي ستجعل منه واحداً من أشهر الملوّنين في تاريخ التشكيل الفرنسي. وإلى جانب الصالات التي تقدّم لوحاته، يخصّص المنظّمون صالةً تُعرض على جدرانها وأرضيّتها اسكتشات ذاتية للفنان وإلى جانب مقاطع مختارة من مراسلاته ومن سيرته الذاتية.

باريس

وصل البريد الإلكتروني الذي ينتظره إمره بعد شهرين، وأثناء قراءته لرسالة محرر دار النشر، شعر أنه اقترب من تحقيق هدفه، لكنه سقط فجأة في الهاوية. فقد كتب له جُملاً مهذبة يهنِّئه فيها على روايته المختلفة والتجريبية، ولكن للأسف يصعب نشرها وفقاً لخطّهم التحريري.

كان هذا هو قرار إعدام الرواية، وقرار ظالم هكذا كان ينبغي أن يُقال بهذا التهذيب. الرواية جيدة، لكنها لا تناسبهم. قال إمره لنفسه: “هل يخدعون طفلاً؟ لقد نشروا كتباً سخيفة من قبل، مثل كتاب “انذُر نفسكَ لله”.. ألا توجد قيمة لروايتي مقارنة بمثل هذه الكتب؟”.

كان إمره يعرف أن مثل هذه الكتب تُقرأ كثيراً، وتحصد الكثير من الإعجابات على فيسبوك. كلما كانت الجملة سيئة أعجبت الناس على مواقع التواصل الاجتماعي. مثلاً، تكتب إحداهنّ: “يَنسى العقل من يرحل، ولكن هل ينساه القلب؟”، فتجد التعليقات الكثيرة بـ”لا يَنسى.. لا يَنسى”، وبعض التعليقات يظن أصحابها أنهم أكثر ذكاء فيكتبون: “اتركي من يترككِ، وابحثي عن الذي يليق بكِ”.

جُنّ إمره عندما تذكّر أن الأدب في بلده وصل إلى هذه المرحلة. فكَّر أن يفتح صفحة على فيسبوك باسم مستعار، لكتابة مثل هذه الأشياء السخيفة التي تعجب الناس، ربما يربح بعض النقود، لكنه تراجع عن ذلك، لأنه مهما كتب بشكل سيئ، فلن يكتب مثل هؤلاء. فالكتب التي قرأها سوف تؤثّر في النهاية على كتابته. ومهما تعذَّب إمره، كان عليه أن يقبل بالأوضاع الحالية كما هي، لأنه وُلد في زمن فساد المجتمع.

فكّر في أن يصبَّ بعض الزئبق الساخن في أُذنَي الناقد

الشيء الذي أزعج إمره هو التقرير الذي أرسله له المحرر بالخطأ. حيث أرسل رواية إمره وروايات أخرى لأحد النقاد ثم أرسل بالخطأ تقرير الناقد اللاذع عن الرواية. أصبح هذا التقرير أحد أبرز أسباب عوامل هدم أحلام إمره. كان الناقد قد كتب:
“عزيزي نجاد…

الروايات التي أرسلتها لي في الأيام السابقة سيئة وضعيفة، لكن بينها رواية وقحة وصاحبها يثق في نفسه أكثر من اللازم. هذا الطفل الذي يُدعى إمره كاراجا، لم ير أي شيء في الحياة بعد، وقد غاص في الأدب العالمي. عيسى، باراباس، كافكا، ماذا حدث لهؤلاء الكُتّاب الشباب. لماذا لا يبحثون عن موضوعاتهم الخاصة في الحياة التي يحاربونها؟ لا تؤاخذني، هذا الولد لن يكتب شيئاً بأفكاره هذه، ولن يصبح كاتباً أو ما شابه. إذا أرسل لك كتاباً مرّة أُخرى، فرجاء لا ترسله لي لأنه أزعجني كثيراً. وقراري واضح”.

تحت هذه الأسطر كان يُكتب اسم الناقد، حَذَاقات حِصَارلي جيل، وملاحظة: “لا يوجد تغيير في موعد يوم السبت، أليس كذلك؟”. وكان يفهم من هذه الجملة أن الناقد والمحرر صديقان مقرّبان ويلتقيان خارج العمل أيضاً. انزعج إمره كثيراً مما حدث، وبحث على الإنترنت وهو يقضم أظافره التي أوشكت على الانتهاء، فوجد أن الناقد في الخامسة والخمسين من عمره، وكان معلّماً للأدب في مدرسة مجهولة. كان شَعره قد تساقط، وله وجه رقيق بلا شارب، ونظّارة. عرف إمره أن الناقد متزوج ولديه طفل، وربما يلتقي هو والمحرر بشكل عائلي. كان شكل الناقد لا يوحي أن لديه طفلا.

خرج إمره وتمشَّى في الشوارع لساعات دون أن يدري إلى أين يذهب، مشى جانب الطريق بين السيارات وهو يتخبط في الناس. أخيراً ذهب إلى طريق الساحل، على اليسار سور بيزنطي، وعلى اليمين بحر مرمرة والسفن الراسية فيه تبدو كاللوحة. لم يهتم إمره بهذا المنظر لأنه كان منشغلاً بالاستعداد للانتقام. أول ما سيفعله أنه سيكتب رسالة بلهجة حادة إلى الناقد والمحرر، وستصبح هذه الرسالة عن دور النشر والمحررين والنقاد مدخل إمره إلى تاريخ الأدب. ثم سيذهب ليعرف مكان عمل الناقد، وعنوان بيته، وأماكن تحركاته، وسيجهّز عقاباً ذكيّاً للناقد بما يليق بخيال روائي.

■ ■ ■

كتب إمره رداً للمحرر بعد ثلاثة أيام. كان عنوان البريد الإلكتروني: “إلى المحرر والناقد”. انتظر ثلاثة أيام لكي يهدأ قليلاً حتى لا تمتلئ رسالته بالشتائم وهو لا يريد ذلك. أراد أن يُثبت لهما أنهما يخطئان في ما يفعلان، وأن التاريخ شهد الكثير من أمثالهما، لكنهم لم يستطيعوا حجب الأدب الحقيقي. بدأ رسالته بشرح قصة الكاتب سعيد فائق، الذي سأله القاضي عن عمله فقال له كاتب، فقال القاضي لكاتبة المحكمة: “اكتبي يا بنتي، إنه بلا عمل ويدور في الفراغ”.

تحدّث بعد ذلك عن الكتب التي تحقّق نسب مبيعات عالية حول العالم، والسينما، والموسيقى، كما رفض اتهام الناقد له بتقليد الكتاب الغربيين. ألا يوجد أكثر من كاتب أميركي أو أوروبي كتب عن أفريقيا أو الهند أو اليابان، فلماذا لا يكتب كاتب تركي عنهم؟

استمر إمره في رسالته كالآتي:
“عزيزيَّ المحرر والناقد.
كنت أتمنى أن نناقش هذه الموضوعات معاً وجهاً لوجه، ولكن أتصور أنكما لن تقبلا، ولذلك أود أن أسأل سؤالاً، وأنتظر ردّكما على الأقل على هذا السؤال: “ما هي النقطة المشتركة بين هؤلاء الكُتّاب: مارسيل بروست، جيمس جويس، مارك توين، جورج برنارد شو، فرجينيا وولف، إدغار آلان بو، بنجامين فرانكلين، أبتون سنكلير، والت ويتمان، ألكسندر دوما… وبدون إطالة أنا سأجيبكما. الرابط المشترك بين هؤلاء الكتاب أن دور النشر قد رفضت نشر أعمالهم، واضطروا أن ينشروا أعمالهم بأنفسهم، حتى إن “عوليس” و”البحث عن الزمن المفقود” قد رُفضتا بنفس الشكل. إننا نحكي عن العالم الذي رفض جاك لندن ستمئة مرة. أليس لديكما الفضول لمعرفة المحررين والنقاد الذين رفضوا نشر كبار الكُتّاب، وما هو قدر هؤلاء في الوسط الأدبي، لأنهم أخذوا قرارات كهذه؟ لو أن هؤلاء الكُتّاب لم ينشروا لأنفسهم، كم كنا سنُحرم من أهم الأعمال، ومن يدري كم من الكتب التي أُلقيت في القمامة وكانت بأهمية كتاب “الحرب والسلام” و”دون كيشوت”؟ إن الروايات الكبيرة التي هي ميراث الإنسانية، هي الكتب المحظوظة التي نجت من إرهاب النقاد والمحرّرين”.

تابع إمره رسالته بهذا الشكل. كان لديه شك في قراءتهما لها بشكل كامل مثلما حدث مع روايته، وأن حل هذا الأمر أن يتحدث مع الناقد وجهاً لوجه، ويجعله يعتذر عما فعل. ولن يتم هذا الأمر بشكل طبيعي، فلن يسمعه الناقد ولن يقبل خطأه. كان يجب توفر ظروف أخرى لكي يتلقَّى الناقد عقابه.

لم يكتب إمره رسالة ثانية إلى الناقد، لأنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في الخطة الثانية. لا يريد أن يشكَّ الناقد في شيء. كان يستمتع بالتخطيط لقتل الناقد كل مساء، وفي نفس الوقت، يفكر: “كم شخصاً مثلي يخطط الآن لقتل أحدهم يا ترى؟”. ولو كان كل من خطط للقتل قد قتل بالفعل لتضاعف عدد القتلى في العالم مائة مرة. خطرت على باله خطة جيدة لتنفيذ جريمته بأن يصبَّ الزئبق الساخن في أذنيه، هكذا ستكون جريمة نظيفة وظريفة في نفس الوقت، ليس فيها مسدس وسكاكين ودماء، فقط قليل من الزئبق الساخن في أذنيه.

كان يرى نفسه سيفاً لكلّ الكتّاب الذين تحطّمت قلوبهم

فكَّر أن هذه الخطة صعبة من ناحيتين، إيجاد الزئبق وكيفية اقترابه من الناقد للدرجة التي تمكنه من وضع الزئبق في أذنيه. وبعد أن فكر قليلاً تذكر أن العثور على الزئبق ليس مستحيلاً، فهناك زئبق في الترمومترات القديمة، ولديه بعض منها. هذا يعني أن العائق الأول قد زال، يبقى العائق الثاني، وهو الاقتراب من الناقد. كان عليه أن يعرف عنوان بيت الناقد أولاً.

أخذ موتوسيكل ابن عمه وذهب إلى المدرسة التي يعمل فيها الناقد. انتظر حتى موعد انتهاء اليوم الدراسي، أكل بعض الكعك، وبدأ ينظر إلى المعلمين الذين خرجوا بعد الطلاب بوقت كثير. لم يكن الناقد بينهم، فانتظر عشر دقائق أُخرى، وعندما أوشك على الذهاب رأى الناقد. كان الرجل النحيل يرتدي قبعة ومعطفاً خفيفاً، وفي يده شنطة قديمة، ومن ثقلها كانت كتفه اليمنى منحنية قليلاً. وكان يرتدي حذاءً قديماً، ويتقدم نحو إمره. مرّ بالقرب منه ثم اتجه نحو محطة الباص. في انتظاره أخرج كتاباً من جيبه وبدأ في القراءة، ثم صعد إلى الباص الأزرق المزدحم، وتعقبه إمره بالموتوسيكل.

عبرا من طرق مزدحمة ثم نزل الناقد في المحطة الخامسة. مشى مائة متر ثم دخل إحدى الحارات، ومنها إلى بناية تشير إلى أنه من متوسطي الحال. ركن إمره الموتوسيكل أمام حديقة ودخل وراء الناقد ثم قرأ اسم حصارلي جيل على زرِّ جرس البناية في المنزل رقم 8. كان مدخل البناية قديماً ومظلماً، والحوائط بلا دهان، وكانت رائحة الكُرُنب تفوح من البناية. كان المنزل رقم 8 في الطابق الثالث يطل على البناية من الخلف. أحذية كثيرة أمام أبواب المنازل الأُخرى، ولم يكن أمام باب منزل الناقد غير ممسحة الأرجل. لاحظ إمره أن باب منزل الناقد ليس فيه عين سحرية، لأنه قديم للغاية وأوشك على السقوط. كان يرغب في لقاء الناقد أولاً، ويثبت له أنه على حق، قبل أن يدخل بيته هكذا في صمت، ولذلك كان عليه أن يجد خطة أُخرى. يجب أن يجد وقتاً تكون فيه زوجة الناقد وابنه خارج البيت. ولكن كيف سيرتب هذا؟ لم يكن هناك أماكن أُخرى تأتي إلى عقله. إذا رأى الناقد وتحدث معه، فهل من الممكن أن يشرح له ما يريد؟ حتى موضوع صبِّ الزئبق الساخن في أذنيه لم يكن مناسباً أن يفعله أمام الناس.

فكر إمره أولاً في شراء قطع من الغاتو ووضع السم فيها وإرسالها إلى بيت الناقد، وكانت ستكون طريقة بسيطة لموته، ولكن عائلته هي المشكلة، لأنه لم يكن يريد أن يُجري مذبحة كاملة لكل العائلة. تخيَّل شكل ابن الناقد وهو يأكل الغاتو بسعادة بجوار أمه البريئة. ولكن إذا فعل هذا فلن يتحدث إلى الناقد أيضاً، وهو يريد أن يتحدث معه ويثبت له أن أمثاله من يضرُّون بالأدب. يريد أن يجعل الناقد نادماً عما فعل وأن يعتذر له. كان إمره يرى نفسه سيفاً لكلِّ الكُتّاب الذين تحطّمت قلوبهم.

بعد أن حلّ المساء، ركب إمره الموتوسيكل وانطلق بين زحام إسطنبول. كان ينظر إلى الناس في العربات ويفكر في عدد الذين يخططون مثله الآن للقتل.

قضى تلك الليلة في تطوير الخطط لجريمة القتل، وفي اليوم التالي ذهب أمام بيت الناقد ولكن بدون الموتوسيكل. اختار وقتاً مناسباً، رأى الناقد وهو يدخل البناية بنفس ثيابه التي رآه بها من قبل، ودخل آخرون من بعده. لم يكن بينهم من هم في عمر زوجته أو ابنه.

في اليوم التالي ذهب إمره إلى نفس المكان في نفس الوقت، ورأى الناقد وهو يدخل إلى البناية، وبعد نصف ساعة صعد إلى الطابق الثالث، وبضوء الهاتف المحمول وجد باب المنزل رقم 8. كان صوت التلفزيون والأطباق تأتي من البيوت الأُخرى، لكن منزل الناقد ساكن تماماً. وضع أذنه على الباب لكي يسمع أي شيء ولكن لم يصله الصوت. وفي هذه الأثناء، سمع إمره صوت أحدهم يفتح الباب في الطابق الثاني، وبعد توقف الصوت نزل إمره وخرج من البناية ثم نظر إلى البيت فوجد ضوءاً واحداً مشتعلاً.

فكر إمره بهذه الليلة في حياة الناقد. على الأرجح لا يوجد أحد غيره في البيت، ربما سافرت زوجته وابنه، لكن هذا الأمر غير وارد في أيام الدراسة، وربما يعيش كل منهما في بيت منفصل. كان يتوقع أن يكون الناقد وحيداً في البيت، لأنه يعود بيدين فارغتين كل يوم إلى البيت أو يأخذ أشياء صغيرة. إنه لا يشبه رب الأسرة، وبدأ إمره في الشعور بالفضول تجاه حياة الناقد. كان يبحث عن معلومات حول الناقد نهاراً، وفي الليل يخطط لقتله. كانت تأتيه أفكار مختلفة للقتل، لكن خطة الزئبق الساخن كانت تستقر في رأسه أكثر من غيرها. ولكن لسبب ما، بدأ في الشعور بمشاعر مختلفة. ليس تعاطفاً أو ما شابه. وربما كان يعجبه أن يكون قد شغل حيزاً كبيراً في حياة هذا الناقد، ولذلك كتب عنه ما كتب، رغم أنه لا يعرفه.

من الشخص الذي من الممكن أن يكون هو الأهم في حياة شخص ما؟ ربما أمه التي ولدته وربته ووهبته الحياة. ومن يكون الشخص الثاني في الأهمية بالنسبة لشخص ما، وهل من الممكن أن يكون هو الشخص الذي يأخذ حياته؟ ووفقاً لإمره، فإن أهم شخص في حياة الناقد هو أمه محمورة حصارلي جيل، والشخص الثاني هو إمره كاراجا. هل يا ترى بسبب هذه الفكرة، يذهب إمره للوقوف أمام بيت الناقد كل يوم، وهل يتعقب الناقد لهذا السبب، ويقرأ كتبه، ويحاول أن يعيش معه نفس الحياة؟ هل يحاول إمره الهروب من همومه بهذه الطريقة؟ لا، إنه يريد أن يعاقب الناقد ليس لمسألة شخصية، ولكن يريد أن يثأر لكلّ الكُتّاب الذين تعذبوا مثله. لم يكن يشك في حبّه للسلام، فهو لا يُحزن حتى النملة.

بطاقة

Zülfü Livaneli كاتب ومُخرج وموسيقي وسياسي تركي من مواليد 1946 في منطقة إيلجين بقونية. سُجن بعد الانقلاب العسكري في بلاده عام 1971 بسبب نشاطاته السياسية، ما دفعه إلى مغادرتها عام 1972؛ حيث عاش متنقّلاً بين اليونان والسويد وفرنسا والولايات المتّحدة، قبل أن يعود إليها عام 1984. أخرج عدّة أفلام، وتُرجمت أعماله الروائية إلى لغات عديدة، كما حُوّل بعضُها إلى مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية

زولفو ليفانلي

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان
  • باسل الأمين

تصلح التحليلات التي جاءت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940 ــ 2015) في كتاباتها حول تهميش النساء وإقصائهنّ من المشهد السياسي العربي، على حال الفنانات العربيات بالمجمل. فكما بالسياسة، يظلّ تقديم الفنّانات العربيات في المشهد الثقافي مفارِقاً لحضورهنّ الكبير فيه، إذ غالباً ما يُنظَر إلى أعمالهنّ من باب الاستثناء أو الإطراء، وكأنّ اشتغال المرأة الفنّي ليس إلّا عملاً موازياً أو ثانوياً بالنسبة إلى اشتغال الرجل ـ الفنّان، الذي يُقَدَّم كمعيارٍ في المشهد الفني، كما في غيره من حقول النشاط الاجتماعي.

على أنّ هذه المعطيات بدأت بالتغيّر في السنوات الماضية ــ وإنْ كان هذا التغيّر نسبياً ــ بفضْل إعطاء الحركات النسوية العربية مؤخّراً بعضاً من ثمار نشاطها خلال العقود الأخيرة، وبفضل موجات النقد النسائي التي شهدها العالَم خلال الفترة القريبة المنقضية، الأمر الذي ساهم في تحرير الخطاب حولهنّ وحول دورهنّ في حقول مثل الفن، ما وضع الفاعلين وأصحاب القرار الثقافي أمام معادلات جديدة لا بدّ لهم من التعامل معها. لكنْ يبقى الأملُ ألّا تستند النظرة الجديدة إلى الاشتغال النسائي الفنّي على مقولات الإطراء و”احتواء” الأقلّية، بل على اعتراف فعليّ بهذا الفن وبقيمته.

في “المتحف الوطني للتصوير” بالرباط، افتُتح في الثامن من آذار/ مارس الجاري معرضُ “نساء فوتوغرافيات”، الذي يستمرّ حتى الثامن من حزيران/ يونيو المقبل، ضامّاً أعمالاً لمصوّرات مغربيات من مختلف الشرائح العمرية. وإن كان موعد إطلاق المعرض قد تزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق النساء، فإن المنتظَر من حدث كهذا ألّا يكتفي برمزية هذا التاريخ، بل أن يتعدّاه إلى اقتراح نظرة موسّعة على حال المشهد الفوتوغرافي المغربي وعلى دور النساء فيه، ويمكن القول إن المعرض ينجح في أداء هذه المهمّة.

أوّل ما يدفع إلى هذا القول هو عدم اكتفاء المنظّمين بتقديم “عيّنة” من الاجتهاد الفوتوغرافي النسائي في المغرب، بل بإتاحة ما يشبه بانوراما له، حيث يوفّر المعرض مئات الأعمال لـ24 فنانة فوتوغرافية؛ يُضاف إلى هذا التنوُّع الكبير في الاشتغالات والرؤى المطروحة من خلال هذه الأعمال، التي تجمع بين الصور الفنية، والتسجيلية، والصحافية، إضافة إلى أعمال تنتمي بوضوح إلى النضال والنشاط النسويين. وإلى هذا وذاك، يقترح المعرض مروحةً واسعة من الخبرات، حيث تُعرض أعمال فنّانات قارّات في المهنة إلى جانب صورٍ لفنانات حملن الكاميرا في الأشهر القليلة الماضية فقط.

وعلى سبيل المثال، يقترح المعرض سلسلةً من الصور أنجزتها الممثّلة فاطمة الزهرة الهويتر خلال فترات العزل الصحّي التي عاشها المغرب والعالَم في العامين الماضيين، وهي تشرح أن إنجاز سلسلة الصور هذه كان ثمرةً للصدفة ولظروف العزل الصحّي، وليس لامتهان الفوتوغرافيا. وإلى جانب أعمال الهويتر التي تُعالج المواضيع التي طرحها الحظر الصحّي من عُزلة ووحدة وأزمات اقتصادية وأُخرى عائلية وزوجية، تحضر صور فنانة مثل صفاء مازيغ، التي تكشف تقنيات المزج والتلوين التي تستخدمها، وكذلك صورها الذاتية، عن علاقةٍ ليست بالجديدة بالتصوير؛ الأمر نفسه ينطبق على أعمال المصوّرة هند مومو، التي تخرج في أعمالها من الثيمات المباشرة إلى فضاء فنّي، حُلميّ، يحوّل الصورة إلى عمل فنّي قائم بذاته بمعزل عن القطعة التي تصوّرها من الواقع.

تتوزّع الأعمال المشاركة في فضاءات وصالات تقوم كلٌّ منها على ثيمة معيّنة، حيث يبدأ المعرض بفضاء يضمّ أعمالاً تسعى إلى تفكيك الكليشيهات حول المرأة، والمرأة المغربية على وجه الخصوص، إن كان في المخيال الاجتماعي أو ذلك الاستشراقي، في حين تُخَصَّص صالاتٌ أُخرى للتصوير المفهومي، والتجريبي، أو لأعمال حول الذاكرة، وأُخرى تميل إلى الشعرية.

الفنّانات المشاركات في المعرض هنّ: أمينة بن بوشتة، لالة السعيدي، لمياء الناجي، ياسمينة بوزيان، ديبورا بنزاكن، ياسمينة علوي، غيتا علوي، صفاء مازيغ، عصماء أخنوش، حسناء الوركة، ياسمين حاتمي، إيمان جميل، ابتهال الرملي، مديحة الصباني، خديجة الأبيض، فاطمة الزهراء سري، إيناس بوعلو، سمية أزحاف، سليمة حمريني، هند مومو، نوار ناصح، فاطمة الزهرة الهويتر، جميلة مستقبل وزينب بلعياشي.

الرباط

في زاوية “إصدارات.. نظرة أولى” نقف على آخر ما تصدره أبرز دور النشر والجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي وبعض اللغات الأجنبية ضمن مجالات متعدّدة تتنوّع بين الفكر والأدب والتاريخ، ومنفتحة على جميع الأجناس، سواء الصادرة بالعربية أو المترجمة إليها.

هي تناولٌ أوّل لإصدارات نقترحها على القارئ العربي بعيداً عن دعاية الناشرين أو توجيهات النقّاد. قراءة أولى تمنح مفاتيح للعبور إلى النصوص.

مختارات هذا الأسبوع تتوزّع بين الدراسات السياسية والفلسفية والفكرية والسوسيولوجية والرواية والسيرة الذاتية والذكاء الاصطناعي.

ضمن “سلسلة ترجمان”، صدرَت حديثاً عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” النسخةُ العربية من كتاب “إمبراطورية في حالة تراجع: الولايات المتّحدة الأميركية بين الماضي والحاضر والمستقبل” للباحث البريطاني فيكتور بولمر توماس، بترجمة الأكاديمي المغربي توفيق سخان. يعزو الكتاب عوامل تراجع أميركا خلال القرن الحادي والعشرين إلى أسباب داخلية، تكمن أساساً في انكماش الاقتصاد الأميركي، وحالة الإحباط العام التي تسود المجتمع الأميركي جرّاء سياسة اجتماعية مجحفة، وتداعي الأساطير أو العقائد التي قامت عليها الإمبراطورية الأميركية.

“مستقبل الفن الميتافيرس” عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً للباحث فهد الراجحي عن “دار الحضارة العربية”. يناقش العمل جملة من المفاهيم والظواهر التي تواصل تأثيرها على الممارسة الفنية والتنظيرات المرتبطة بها؛ مثل الذكاء الاصطناعي‏، وعلم ‬الأحياء، ‬و‬علم ‬البيئة ‬والفن ‬الحيوي، ‬وفن ‬الألعاب، ‬وفن ‬التطبيقات، ‬ورسم ‬الخرائط ‬ثلاثية ‬الأبعاد‬، والتغيّرات التي يفرضها “الميتافيرس” كفضاء افتراضي على سوق الفن المعاصر، في الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل أنّ الرسم والنحت وغيره من الفنون التقليدية لا تزال تجذب المقتني والمتلقّي أيضاً.

عن “منشورات جامعة شيكاغو” صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من كتاب “العيش هو المقاومة: حياة أنطونيو غرامشي” للمؤرّخ الفرنسي جان إيف فرينيه بترجمة لورا ماريس وتقديم نادية أوربيناتي. يضيء العمل سيرة المفكّر الإيطالي (1891 – 1937) منذ نشأته في جزيرة سردينيا، حيث وُلد لعائلة فقيرة انتقلت للعيش في مدينة تورين في شمال إيطاليا، مروراً بامتهانه للصحافة في الجرائد اليسارية، ثم انتقاله إلى موسكو التي قضى فيها نحو ثلاث سنوات خلال فترة حكم لينين، وعودته إلى إيطاليا لتأسيس الحزب الشيوعي الجديد، واعتقاله وأثره في كتاباته.

عن “دار التنوير”، صدرت مؤخراً رواية “السيد العميد في قلعته” للكاتب التونسي شكري المبخوت وهي خامس أعماله الروائية بعد “الطلياني” (2014)، و”باغندا” (2016)، و”مرآة الخاسر” (2019)، و”السيرة العطرة للزعيم” (2020)، إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان “السيّدة الرئيسة” صدرت عام 2015. تتناول الرواية الجديدة الفضاء الجامعي بكواليسه وعلاقاته المعقّدة والمرتبطة بدوائر المعرفة والسلطة، وهو عالم ليس غريباً عن عوالم المبخوت التخييلية؛ فقد سبق أن حضرت الجامعة في روايتيه “الطلياني” وفي “السيرة العطرة للزعيم”.

في كتابه “نحو إصلاح جنسي في الإسلام”، الصادر مؤخّراً عن “المركز الثقافي العربي”، يواصل عالم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي، البحث في إشكالية الجنس في الفضاء العربي من زاوية سوسيولوجية. وهذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار وصول موجة “الثورة الجندرية” التي تتفرّع عنها ظاهرتان اجتماعيّتان؛ الأولى هي صعود الخطاب النسوي والثانية ظهور بنى تنظيمية لتمثيل الأقلّيات الجنسية. كما يلاحظ المؤلّف أنّ تحوّلات كثيرة طاولت العالم العربي يظلّ أهمّها بروز سلوكيات جنسية جديدة لم تكن حاضرة أو معلناً عنها في العقود السابقة.

“دكتور باركمان ومستر ويبستر” عنوان كتاب جديد يصدر للباحث المصري ممدوح رزق عن “مؤسّسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع”. العمل يستعيد الرواية الشهيرة للكاتب البريطاني روبيرت لويس ستيفنسون “دكتور جيكل وميستر هايد”، ويبحث في أصولها الواقعية كقضية حدثت بالفعل في بوسطن الأميركية، ومن ثمّ يبيّن الباحث المصري صنعة الأدب في تحويل الوقائع إلى عمل فنّي وما الذي يُبقي عليه المؤلف وما يتركه في سبيل بناء عالمه التخييلي وتمرير مجموعة من المضامين يوجزها رزق في قضايا السلطة والكبت والعلاقة بين الأخلاق والغرائز.

عن دار “صفحة سبعة”، صدرت حديثاً ترجمة كتاب “معنى الحياة وقيمتها” للمفكّر الألماني الحائز جائزة “نوبل للآداب” عام 1908، رودولف كريستوف أويكن (1845 – 1926)، بتوقيع محمد المهذبي. وُضع الكتاب في سياق الجدل الذي خاضه الروحانيون من المفكّرين الأوروبيّين، نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، ضدّ الأطروحات الداروينية القائلة بأسبقية البُعد الطبيعي في الحياة. دون أن ينفي أهمّية البيولوجيا في حياة البشر، يحاول أويكن لفت النظر إلى أسبقية “الحياة الروحية”، وإلى ضرورتها في ضمان مبدأ الحرّية للإنسان في وجه الحتمية الطبيعية.

عن منشورات “إيليبس” في باريس، صدر حديثاً كتاب “بيرغسون: فلسفةُ الجديد”، للباحث الفرنسي أرنو بوانيش. يسعى المؤلّف إلى تقديم مدخلٍ مزدوج إلى فكر الفيلسوف الفرنسي (1859 – 1941): مدخلٌ موضوعاتي، عبر ثيمة الجديد، التي يمكن خلالها قراءة أعماله، ما يقود إلى مدخلٍ تاريخيّ لها يوضَع انطلاقاً من هذه الثيمة. عبر الموازاة بشكل مستمرّ بين مؤلّفات بيرغسون وسيرته، يلاحظ بوانيش كيف أنّ الجديد، باعتباره مفاجأةً، حَكَمَ تطوُّر فكر بيرغسون الذي ظلّ يغيّر في رؤاه الفلسفية والمنهجية وفق المعطيات الجديدة التي كان يقف عليها، بالصدفة أحياناً، خلال أبحاثه التجريبية. كما يشير إلى دور تحليل بيرغسون لفكرة الجديد في اقتراحه أبرز مفاهيمه: المدّة، والتي كان أوّل مَن ميّز فلسفياً بينها وبين الزمان.

“ليل ونهار” عنوان النسخة العربية من رواية الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف (1882 – 1941)، وقد صدرت حديثاً بترجمة باسل المسالمة عن “دار التكوين”. تقدّم صاحبة “السيّدة دالاوي” في هذا العمل (1919) سيرةَ شخصيّتين، هما كاثرين هيلبيري وماري داتشيت، اللتين تختلفان إلى حدّ بعيد في طبيعتهما ورؤيتهما إلى العالَم، لكنْ تجمعهما صداقةٌ وأسئلةٌ مشتركة حول العديد من المواضيع، مثل الحبّ، والعلاقات الغرامية، والزواج، والسعادة، والنجاح. كما انتقد وولف، بشكل ساخر، الأوضاع التي عاشتها إنكلترا تحت حكم إدوارد السابع مطلع القرن الماضي.

لندن

لا يهتمّ الكاريكاتير بتوافه الأمور وبالأحداث العرضيّة، كما يبدو ظاهر الأمر، إنّه في العادة ملتزم بأكثر القضايا جديّة ومصيريّة وتحمّلاً للمسؤوليّة. ومع كل أزمة عالميّة، كالاجتياح الرّوسي لأوكرانيا الذي نعيش على وقعه هذه الأيام، سرعان ما تمتلئ صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية بالرسومات الكاريكاتيرية، وكأنها تلاحق الأحداث مثل نشرات الأخبار، لكن ببلاغة مختلفة قوامها تمرير المؤثرات الفكرية والنفسية دون تصريح برسالة حيث يجري التغليف بقشرة من السّخرية.

وبشكل عام، يتضاعف الاهتمام بفنّ الكاريكاتير في مختلف المتون والمحامل. فإلى جانب المنابر الإعلامية، هناك عدد أكبر من الكتب المخصّصة لجمع رسومات الكاريكاتير، وهناك اهتمامٌ أكبر من منتجي البرامج الوثائقية برسّامي الكاريكاتير، ما يزيد في حضورهم في الفضاء العام. فما الذي يجعل هذا الفنّ مشاركاً رئيسيّا في صناعة الرّأي العام أكثر من أيّ وقت مضى؟

سؤالٌ لا ينسحب على فنّانين لا يزالوا يُنتجون فحسب، إذ يظلّ ناجي العلي (1937 – 1987) فاعلاً بفضل الكاريكاتير، يعلّق برسومات أنجزها منذ ثلاثة وأربعة عقود على أحداث كثيرة مما نعيشه اليوم، وهو الذي كانت رسومه سبباً لاغتياله! فكيف تتسبّب الصورة بمقتل مبدعها ومتى تمكّنه من الانبعاث المتجدّد والولادة المستمرّة؟ وكيف تخرج الصّورة الكاريكاتيريّة من بوتقة ذاتٍ فرديّة بعينها لتكون حمّالة لهواجس الجماهير؟ ما الذي يجعل الكاريكاتير حاضراً بقوّة بين تضاعيف السّيرورة الاجتماعيّة وما يعتمل فيها من مواقف وأفكار وردود أفعال، بحيث يتجلّى الرّسم الكاريكاتيري بوصفه قطعة نشيطة في رحى المعارك الفكريّة والماكينة المولّدة للقيَم الاجتماعيّة لفضح المتناقضات ونقد الأوضاع؟ هل لأنّه فنّ يعتمد على التّلميح دون التّصريح الفجّ؟ ولكن، عن أيّ تصريح نتحدّث وقد اكتسح الخطابُ الصّريح أرجاءَ الفضاء العام، الإعلامي، الثقافي، السّياسي، وأصبحت حرّية العبارة والنشر حقّاً مشاعاً بين الأفراد والجماعات، بما يُغني عن أيّ تلميح أو اختزال، بل وقد جرف تيّار حرّية الرّأي مختلف التابوهات والخطوط الحُمر التي كانت تتخفـّى خلف ناموس السّلطة وتخفي وراءها عورة السّلطان؟

يتوفّر الكاريكاتير على خبرة دقيقة في الفضح وتوجيه النّظر

لا ريب؛ يتوفّر الكاريكاتير على خبرة دقيقة في الفضح وتوجيه النّظر وقدرة على التحكّم في مضامين العناصر السيميائيّة ومرجعيّاتها وإحالاتها، الزّلوقة والمخاتلة، داخل الأفق التّأويلي. فهو فنّ ينبذ الصّياغة القوليّة المباشرة وينشط عبر التّأويل، إذ يستفزّ في النّاظر قدرته على تفكيك منظومة العلامات والرّموز وإعادة إنتاجها وفق راهنيّة المرحلة وأفق الانتظار.

ومن خلال احتماليّة التّأويل تتعدّد مستويات التمثّل بحسب أفق الانتظار لدى المتلقّي ومدى إلمامه بخفايا الأمور. ولئن “جُعل الكلام لنخفي ما نريد”، كما قال نيتشه، فإن مِنْ شأن الصّورة المرسومة، بفعل آليّات التّأويل، أن تهتك الحجب وتُعرّي ما كان مخفيّاً. ويبدو الكاريكاتير هزليّاً في ظاهره ولكنّه أكثر الفنون جدّية، من حيث إنّه يطرح قضايا مركزيّة جادّة تنبت وتتحرّك في قلب الشاغل العام، مثل الحيف الاجتماعي والظلم والقهر وخبث السّاسة والرّساميل وقوى الاستعمار؛ إنه يفضح طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، يترعرع داخل الحسّ النقدي الجريء، ينمو داخل جدل المتناقضات الصّارخة، يرسم المسكوت عنه بل وحتى ما لا يُقال. كما يلفت الانتباه إلى أبسط الأشياء وأكثرها اعتياديّة ويحوّلها إلى مواضيع “مصيريّة” تستأهل النّظر والتّقصّي.

وما بين الهزل والجدّ، الظاهر والخفيّ، تنكشف تعدّديّة المعنى. فالصّورة، هنا، تتغذّى وتعيش بما تُضمره من دلالات ذات بال بين عينيّ القارئ. إذ إنّ الكاريكاتير الذكيّ هو الذي يلامس قضايا مغرقة في الجدّية بشكل يثير الهزل، عندما يقع الدّفع بتناقضات المخيال الاجتماعي إلى حدودها القصوى. ألم يعرّف الفلاسفة القدامى الإنسان بأنّه “حيوان يعرف كيف يضحك”؟ ألم يقل الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتاب “الضّحك” أنّ “الضّحك يتّجه إلى الذكاء الخالص وله وظيفة اجتماعيّة” وأنّ “ضحكتنا هي دوماً ضحكة المجموعة”، وأنّ أكثر ما يثير الهزل هي أكثر قضايانا جدّية، حيث “الكثير من المآسي تتحوّل إلى كوميديا”! وبقدر انخراط الكاريكاتير في الوظيفة العامّة للآلة الإعلاميّة، وبقدر ما يحظى بالنشر على أوسع نطاق، تكون قدرته على التّأثير. إذ كم مرّة تبدو ضحكة المُشاهد في المسرح أعرض وأقوى كلّما كانت المدارج ممتلئة أكثر.

ما تزال كاريكاتيرات ناجي العلي فاعلة بعد عقود من اغتياله

وبعيداً عن الخطابات القوليّة المستفيضة، يشعر النّاظر ــ القارئ أنّه معنيّ من جهتين، من جهة الموضوع الذي يلامس شاغله الرّاهن، ثمّ من جهة تثمين هذا الموضوع وقراءته، أي تفكيك مكوّناته ثمّ لملمَتها بما يناسب ذكاءه التّأويلي. وأبداً، لا يقدّم الكاريكاتير، مهما تتعدّدت مدارسه، حقيقة جاهزة في طبق مطرّز بالذهب أو بالعاج. إنّه بمثابة ورشة تفكير حيّة. ومن هذا الجانب، يمثل الكاريكاتير ثورة تواصليّة تقوم على المشاركة وتبادل المواقف والتفاعل الخصب والتّحريض على التّأويل. وعلى هذا الأساس نفهم كيف أنّ الكاريكاتير صديق للثورات والانتفاضات ومساهمٌ فيها بل وقادح من قوادحها الملهمة ومعترك للفكر النقديّ. وها هو اليوم يلعب دوره كأداة مقاومة ساخِرة، يُظهر انخراط آلاف الفنّانين في آلام الأوكرانيين من الاجتياح الروسي ويضع النوايا الدّفينة لهذا الأخير في مقام المرئيّ، أي يعرّيه من خطابه الديبلوماسي المصاحب ومن سطوته العسكرية على الأرض.

هكذا، ليس الكاريكاتير مجرّد تقنية غرافيكيّة أو زينة لصفحات الجرائد. وبالتّوازي، ليس خطّة مجّانية مُباحة للثلب والتجريح، وليس انخراطاً أعمى في التفرقة بين المجتمعات، إنّه مجال لتوحيد الصّفوف ورفع الهِمَم، وقد ارتبط بالمقاومة وبناء منظومات الوعي البنّاء.

فنّ ينبذ الصّياغة القوليّة المباشرة وينشط عبر التّأويل

وفي فضائنا العربي، لمع الكاريكاتير كواجهة للخطاب الثوري خلال الانتفاضات العربيّة، فكان أحد محامل مضامينها الاحتجاجيّة، ولقد تنوّعت مجالات ظهوره وتجاوزت المحامل الورقيّة الخاصّة بالصّحف الورقية أو الإلكترونيّة وشبكات التّواصل الاجتماعي، لتجد مساحة واسعة في جدران المدينة والحيّ وواجهات الفضاء العام.

كما أصبح الكاريكاتير فضاءً في حدّ ذاته ترتسم على صفحته صراعات الأيديولوجيا وتصوّرات إدارة الحياة المشتركة، وبذلك يعوّض الكثير ممّا نفتقده أحياناً من قيَم المواطَنة والمشاركة الخلاّقة ويقدّم نفسه كتقنيّة ناعمة للمقارعة والحِجاج وفضح التّناقضات الأكثر تعقيداً، تلك التي تميّز الحياة السّياسيّة وخاصّة ما يتعلّق بعلاقة الحاكم والمحكوم. أليس حَريّاً بنا أن نُنزّل قيَم هذا الفنّ منزلةَ ما ننشده من ثورة ثقافيّة، من جهة أنّه يمثل بامتياز نقلة نموذجيّة بالفكر من أنماط الثقافة الامتثاليّة الموالية لسلطة السّائد إلى ثقافة مشاكسة، تلعب دوراً فاعلاً في ميزان السّلطة والمواقف، تتصدّى لسكونيّة الوعي وتدجين الرّأي وحبس المواقف وقبر الفكر الحرّ؛ ثقافة تستفيق على وقع الفكر التّاريخي، تنبض في قلب الرّاهن وتعانق منطق الحياة؟ والنّظر مستمرّ.

  • أكاديمي وفنّان تشكيلي تونسي
    خليل قويعة

فقدت الساحة الثقافية العربية كاتباً رائداً في إسهاماته الأدبية المتنوّعة والمعرِّف الأول بالأدب الألباني في اللغة العربية. وُلد الكاتب عبد اللطيف الأرناؤوط في دمشق عام 1931 في أسرة ألبانية هاجرت من كوسوفا بعد حرب البلقان (1912 – 1913)، وحظيت بالترحيب هناك شأنها كبقية المهاجرين الذين سمّي حي راق باسمهم في دمشق.

اهتم والده بتعليم أبنائه، وبرز منهم ثلاثة أسماء هامة في الساحة الثقافية؛ هم: عبد القادر الأرناؤوط الفنان التشكيلي والأكاديمي، والشاعرة والروائية عائشة الأرناؤوط. وكان عبد اللطيف أول من أكمل الدراسة الثانوية من أبناء المهاجرين، وتابع دراسته في “دار المعلمين” ليعمل بعدها معلماً ومديراً. ثم التحق بوزارة التربية ليكون أمين تحرير لمجلة “المعلم العربي” حتى سبعينيات القرن العشرين. انتقل بعد ذلك إلى “اتحاد الكتاب العرب”، حيث شغل أمين تحرير “الموقف الأدبي” الفصلية، وكذلك مجلة “التراث الأدبي” (1997)، ثم تفرّغ للترجمة والكتابة.

كان لنشأته في أسرة ألبانية دور في إتقان اللغة الألبانية المحكية، واستفاد من موجة المهاجرين السياسيين الذين وفدوا إلى سورية، وتأسيس أول جمعية للألبان في دمشق عام 1949، حيث أتاحت تعزيز الروابط وتوثيق الصلة باللغة الأم التي بدأ تعليمها كلغة حديثة للألبان، وترافق ذلك مع اهتمامه باللغة العربية التي أحبّها وكتب بها العديد من كتبه. بدأ حياته الأدبية شاعراً وأصدر ديوانه “عزف على قيثارة الوطن”. أما أول كتاب له فكان بعنوان “الأخطاء الشائعة في اللغة العربية” مع زميله خالد قوطرش (دمشق – 1966)، ثم تتالت مؤلفاته لتصل إلى مئة كتاب بين الترجمة والنقد والدراسة.

بدأ عبد اللطيف الأرناؤوط إنتاجه بالتعريف بالشعر الشعبي الألباني وشعر عهد النهضة القومية الألبانية، الذي كان الأساس للشعر الألباني المعاصر والذي عبّر عن الألبان في موطنيهما ألبانيا وكوسوفا. ونشر ترجمة لـ 42 قصيدة متنوعة نشرت في الصحف السورية كـ “دمشق المساء” وجريدة “الأخبار” وجريدة “الثقافة الأسبوعية” وغيرها.

كان أول من ترجم أعمال إسماعيل كاداريه إلى العربية

لعبت الأوضاع السياسية في الوطن الأم دوراً في إنتاجية الكاتب وتفاعله مع المشهد الثقافي. وبدا ذلك مع انطلاقة “الثورة الثقافية” في ألبانيا (1967-1970) التي أحكمت الحصار عليها وعزَلتها عن العالم، بهدف حمايتها من الفكر الغربي ولوثة الليبرالية، مما أدى إلى تدهور شروط الحياة والإبداع وتراجع الأدب. وتوقف الكاتب الأرناؤوط لسنوات عن الكتابة والنشر.

في الضفة الأخرى من الوطن تمكّن الكاتب من زيارة موطن أسرته في كوسوفا، الذي أصبح إقليماً يتمتع بحكم ذاتي واسع تحت مظلة جمهورية يوغسلافيا السابقة. ومع الاختلاف الكبير بين النظامين، استعاد الأرناؤوط حماسه السابق نحو ثقافته الألبانية ومعاودة الإنتاج الأدبي ولا سيما بعد تعرّفه على أهم الشعراء والكتّاب الألبان.

وجاء الانعطاف الكبير في مسيرة عبد اللطيف الأرناؤوط الأدبية عندما عرّف الكاتب العربي بأهم الكتاب الروائيين في ألبانيا، ومن بينهم المرشح المتكرر لجائزة نوبل للآداب إسماعيل كاداريه المولود في 1936 الذي أصبح نائب “الجبهة الديموقراطية”، وهي الواجهة الشكلية للحزب الحاكم. ووضعه ذلك في زاوية إشكالية لم ينج منها في ما بعد. كانت بدايات ترجمات الأرناؤوط لكاداريه هي قصيدته الطويلة “يوميات الجيل”.

أما أولى ترجماته الروائية فكانت رواية “جنرال الجيش الميت”، وهي الرواية التي فتحت له طريق الشهرة، وصدرت الرواية عن “وزارة الثقافة السورية” في 1981، وأتيح لها الانتشار خارج سورية، ثم أتبع ذلك برواية “الحصن” في 1986 التي حظيت بالاهتمام أيضاً. في ذلك الوقت بدأت ترجمة كاداريه إلى اللغات العالمية كالإنكليزية والفرنسية وغيرها، ونجد صدى هذه الترجمات في العربية كرواية “من أعاد دورنتين” بترجمة أنطوان أبو زيد وروايتا “مدينة الحجر” و”الوحش” بترجمة عفيف دمشقية. كما صدرت الرواية الشهيرة “قصر الأحلام” بترجمة حياة الحويك.

تداخل صدور هذه الروايات مع فجر التغييرات في أوروبا الشرقية، والذي وصل تأثيره إلى ألبانيا، كتحدٍ لآخر قلعة للستالينية في أوروبا، ونجحت في تبني تحوّل ديموقراطي منذ نهاية 1990 انتهى بتسلم الحزب الديموقراطي الحكم بعد أول انتخابات حرة.

وتتالت ترجمات الأرناؤوط لروايات كاداريه بإصدار “وزارة الثقافة السورية” رواية “العرس” في 2006 ثم رواية “الملف هـ” في 2008 ورواية “لجنة الاحتفال” في 2009. ولم يكتف الأرناؤوط بترجمة هذه الروايات لكاداريه فألف كتاباً عن مؤلفها بعنوان ” اداريه شاعراً وروائياً: تأملات في أعماله المترجمة إلى العربية”، وفيه قال كلمته الفاصلة حول كاداريه الذي انتُقد لأجل موقعه في النظام الشمولي السابق ولجوئه إلى باريس حينها: “يجب أن يُحكم على عظمة أدب إسماعيل كاداريه بعيداً عن مواقفه السياسية وتحولاته، فالسياسة تتبدّل والإنسان يتغير”. ورغم إشكالية هذا الرأي فإن الاهتمام بأدب كاداريه استمر وانتقل التعريف به إلى بيروت والقاهرة.

ويُلاحظ هنا أن عبد اللطيف الأرناؤوط لم يتوقف عند هذا الكاتب بل قام بترجمة مجايلين له من الكتاب الذين لم يسبق الترجمة لهم والتعريف بهم، لتكون دمشق مركزاً للتعريف بالأدب الألباني في العالم العربي.

إضافة إلى هذه الريادة في ثقافته الأم فإنّ انتماءه إلى الثقافة العربية واهتمامه بالأدب والتأليف والنقد دفعه إلى كتابة المقالة والقصة والدراسات الأدبية والنقدية. هكذا نجد مجموعة من الكتب التي تتناول مسيرة وإبداع عدد من الكتاب والشعراء كعبد السلام العجيلي ومعروف الأرناؤوط وعبد الوهاب البياتي وسليمان العيسى وشفيق جبري وغيرهم. وانحاز الكاتب باهتمام واضح لأدب المرأة رداً على التهميش الذي رآه مجحفاً بحقها، فأصدر عدداً من الكتب حول كتابات غادة السمان وليلى العثمان وعائشة الأرناؤوط وسعاد الصباح وغيرهن في عنوان واحد “الأعمال غير الكاملة”، متناولاً أعمالهن ومسيرتهن الإبداعية.

كما كتب للأطفال مجموعات قصصية وقصائد شعرية صدرت عن “اتحاد الكتاب العرب” و”وزارة الثقافة السورية”.

أما إنتاجه في اللغة الألبانية، فقد كتب مجموعات شعرية منها: “ما وراء الجبال والبحار” و”لهيب الشوق”، وقام بترجمة مسرحية “الغرباء” لعلي عقلة عرسان.

مع هذا الإنتاج المتنوّع، قدّم الأرناؤوط “زبدة القول وخلاصة المسيرة الإبداعية” في كتابه “تجربتي مع الثقافة والأدب”. أما المسيرة الحياتية فخصّها بكتيّب بعنوان “أوراق بعد الستين من العمر”.

هكذا أخلص عبد اللطيف الأرناؤوط لثقافته الأم، فكان رائداً في نقلها إلى اللغة العربية والتعريف بهذه الثقافة المتوارية، كما أخلص لثقافته العربية التي اكتسبها وأحبها وأبدع بها كتبه الكثيرة.

  • كاتبة من سورية
  • محسنة الخطيب