استعراض الأقسام

الأدبصفحة

/

في تلك المسافة الرمادية التي لا يرى فيها الصمت ولا يسمع ، تتكاثف الأسئلة الأكثر إلحاحا ، أسئلة لا تطرق الأبواب بل تسكن الجدران الداخلية للروح ، هناك حيث نتقن ارتداء الهدوء كما لو كان قدرا مكتوبا ونؤجل ارتباكنا العميق إلى زمن غير مسمى ، فتمضي ذواتنا مثقلة بما لم يقل وبما كان يجب أن يقال ولم يجد جرأة الظهور ، فالصمت ليس دائما فراغا بل امتلاء خفي وتراكم غير مرئي للأوجاع ، وليس دائما بحكمة وعبرة بل شكل مؤجل من التعب ، تعب يتخفى في هيئة اتزان وكبرياء وعنفوان 

فنحن لا نعيش حياتنا كما حلمنا بها بل كما نحتملها ، ونعيد تشكيل ذواتنا مرارا لا وفق رغباتها الأولى بل وفق قدرة الروح على الصمود ، فنصبح على ما يمكننا احتماله لا على ما تمنيناه ، فالصمت الذي نلوذ به ليس دائما انسحابا من العالم بل محاولة يائسة أحيانا لإعادة ترتيب الداخل حين يصبح الخارج أثقل من أن يحمل ، فنصمت لأن اللغة تخذلنا ولأن بعض التجارب ترفض أن تسمى ولأن الوعي حين يتخم بالأحداث يحتاج إلى فراغ مؤقت ومساحة بيضاء ليعيد تعريف نفسه بعيدا عن الضجيج 

وهكذا نجد أنفسنا نغذي هذا الصمت بتجاهل متعمد ، لا كفعل إنكار بل كاستراتيجية وجودية للبقاء ، فليس كل ما يرى يواجه وليس كل ما يؤلم يقاوم فورا ، فأحيانا يكون التريث شكل آخر من أشكال الحكمة وأحيانا أخرى تأجيلا واعيا للانكسار ، لكن الصبر مهما بدا نبيلا يبقى حالة زمنية مؤقتة له حد أقصى وبعده يتحول إلى عبء أخلاقي على الذات ، إذ يطالبها بالتحمل على حساب صدقها مع نفسها ، وحين نبلغ ذلك الحد لا نثور عبثا ، فالانتفاضة هنا لا تكون انفجارا انفعاليا بل لحظة وعي حاد تشبه استيقاظا متأخرا للذات من سباتها الطويل ، هو انشقاق داخلي بين ما كناه وما لم نعد قادرين على احتماله ، وفي تلك اللحظة يتبدد الخوف من العواقب لأن السؤال لم يعد : ماذا سيحدث بعد ذلك؟ بل يصبح : كيف أمكننا البقاء كل هذا الوقت دون أن ننهار؟ 

وعندها نكتشف أن السكينة التي بحثنا عنها خارجنا كانت مؤجلة في الداخل  ومحاصرة بين طبقات من الصمت القسري والصبر المختار ، سكينة لم تضع بل علقت مؤقتا في انتظار لحظة نضج وجودي تسمح لنا باستعادتها دون أوهام ، لان السكينة في معناها العميق ليست غياب الاضطراب بل القدرة على التعايش معه دون أن نفقد جوهرنا ، حيث نمر في الحياة بمحطات لا نختارها لأن الحرية كما نكتشف متأخرين ليست في اختيار الظروف بل في تأويلها ، فنحن كائنات ملقاة في هذا العالم محملة بأسئلة أكثر من الإجابات ومطالبة بالعبور رغم الغموض ، ومع كل محطة مفروضة يتآكل تعريف قديم للذات ويعاد بناؤه على أسس أكثر هشاشة لكنها أكثر صدقا فالهشاشة هنا ليست ضعفا بل اعترافا إنسانيا بحدودنا 

ومن هذا العمق يتسلل إلى وعينا سؤال الزمن : ماذا يعني أن تثبت أعمارنا على هذه الأرض؟ أهو الثبات في الشكل أم في المعنى؟ ، لندرك حينها أن البقاء وحده لا يكفي وأن الامتداد الزمني بلا اتساق داخلي ليس حياة بل تكرار منهك للأيام ، لذلك نتمسك بتلك الأسس الأولى التي تربينا عليها ، لا بوصفها قيودا أخلاقية جامدة بل كبوصلة وجودية تعيدنا إلى أنفسنا كلما فقدنا الاتجاه ، ومن

هناك حيث المسافة الفاصلة بين الصمت والانتفاضة تتشكل هويتنا الحقيقية ونتعلم أن الاتزان ليس حالة دائمة بل تفاوض مستمر مع الذات ، وأن الحرية ليست في أن نقول كل شيء ولا في أن نصمت عن كل شيء ، بل في أن نعرف متى يصبح الصمت خيانة للذات ومتى تصبح المواجهة ضرورة أخلاقية ،

ومن خلال ذلك نمضي في هذا الوجود لا بحثا عن يقين كامل بل عن معنى قابل للعيش نعيد به تعريف أنفسنا مع كل عبور ، لنفهم أخيرا أن السلام الداخلي ليس نهاية الرحلة بل شكل من أشكال الشجاعة ، شجاعة أن نكون كما نحن دون أقنعة ودون صمت يتجاوز حده المشروع .

يرصد كتاب شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» كواليس حرب 1948 عبر رسائل شخصية ومواد دعائية، كاشفاً زيف السرديات الرسمية. يبرز الكتاب التخبط الأخلاقي للجنود اليهود بين الأيديولوجيا والواقع الدموي، ومعاناة المتطوعين العرب من نقص الإمدادات، موثقاً النكبة من داخل الأرشيفات العسكرية كشهادة حية على التحولات النفسية والميدانية لحظة وقوع الحرب


يضمر عنوان كتاب الباحث شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» (2021) مفارقة تتكشف لدى قراءته. حتى وإن أوحت صيغة الخطاب بالألفة والمعرفة والحميمية بين المرسل والمرسل إليها، تكشف الرسائل التي يناقشها الكتاب لجنود يهود شاركوا في حرب 1948 عن مشاعر اغتراب تجاه فلسطين التي تُخاطَب، ويُكتب عنها، ويُتخيَّل مستقبلها وماضيها.

كما تكشف عن تخبّط أخلاقي وحيرة حول ما يفعلونه أو ينتمون إليه وتعطش إلى العنف ثم نفور منه فمحاولة تبريره بذريعة ضرورة «عودة اليهودي إلى التاريخ».

بين الأرض المتخيلة والأرض المأهولة

كم كان هناك فرق، بين الرغبة في عودة اليهودي إلى التاريخ وعودة الفلسطيني إلى بيته وفراشه، هذا الشرخ بين الأرض المتخيّلة وتلك المأهولة، بين الامتلاك الأيديولوجي والاقتلاع المعيشي، يمتد في فصول الكتاب الخمسة كخطّ صدع مستمر. قبل أن تطأ أقدام معظم من أصبحوا جنوداً إسرائيليين أرض فلسطين، أُخضعت البلاد لتكثيف رمزي مفرط، فظهرت أرضاً خلاصية. وحالما جرى اللقاء الفعلي، حتى بدأت هذه التجريدات بالتبدد.

يتعامل الكتاب، الصادر أخيراً بالعربية عن دار «صفصافة» في القاهرة (ترجمة ميسرة صلاح الدين)، مع رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في «جيش الإنقاذ»، إلى جانب مواد دعائية وأيديولوجية: أوامر المعارك، كتيبات، مجلات ونشرات الجيش، والبث الإذاعي، التي استُخدمت لتعبئة الجنود وتشكيل وعيهم.

التنقّل بين أنظمة أرشيفية معادية

يشكّل العثور على الرسائل نفسها وتحويلها إلى أرشيف بُعداً حاسماً في المنهج التاريخي للكتاب. فلم يعثر المؤلف على مجموعة جاهزة من المراسلات الشخصية، بل أعاد بناء هذه المواد من خلال التنقّل بين أنظمة أرشيفية مجزأة ومعادية غالباً: الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، وملفات الاستخبارات، ومكاتب الرقابة، ومجموعات لم تبقَ فيها الرسائل الخاصة إلا لأنها كانت قد صودرت أو تُرجمت أو حُفظت لأغراض المراقبة.

يظهر عدد من رسائل الجنود والمتطوعين لا بوصفها وثائق شخصية كاملة، بل في شكل نسخ أو مقتطفات أو ترجمات مُدرجة داخل تقارير استخباراتية وملفات إدارية.

وهذا يعني أنّ ما نجا من هذه المواد هو أصلاً مُشكَّل بعلاقات القوة: فقد حفظت الدولة هذه الأصوات الحميمة لا من أجل تذكّرها، بل من أجل مراقبتها والسيطرة عليها واستخلاص المعلومات منها. ومن خلال إعادة تجميع هذه الآثار المتناثرة، يحوّل المؤلف فعلياً أدوات المراقبة إلى مصادر للشهادة التاريخية. فهو يقرأ الأرشيف «ضدّ تيّاره»، متعاملًا مع ممارسات الرقابة والاستخبارات لا بوصفها عوائق، بل باعتبارها جزءاً من القصة نفسها. والنتيجة منهج يكشف كيف تدخل التجربة الخاصة إلى التاريخ عبر أنظمة بيروقراطية قسرية، وكيف يمكن كتابة النكبة من خلال وثائق لم تُكتب أصلاً للشهادة التاريخية.

قراءة هذه الرسائل على خلفية خطاب التلقين العسكري تفكّك الطريقة التي أُنتج من خلالها المعنى القومي للحرب لحظة وقوعها، بعيداً عن السرديات الرسمية اللاحقة. تكشف هذه المقاربة فجوات واضحة بين الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتجربة القتال الفعلية.

مثلاً، محاولات قيادة «جيش الدفاع» الإسرائيلي لإقناع الأشكيناز (يهود أوروبا) بأن العنف المنظّم منسجم تماماً مع التقاليد الدينية اليهودية، أو تصوير قتل العربي للمزراحيين (اليهود العرب خاصة المغاربة) كفعل ثأري يعوّض عن معاناة اليهود في البلاد العربية، لم تُقابل دوماً بالامتثال. تُظهر المراسلات تردّداً، اعتراضاً، وأحياناً لامبالاة تجاه هذه السرديات، سواء لدى الأشكناز أو المزراحيين، ما يقوّض صورة التماسك الأيديولوجي التي روجت لها القيادة العسكرية. سنقرأ كيف عاد كثير من اليهود المغاربة إلى وطنهم كرد فعل على ما حدث في عام 1948.

رسائل المتطوعين العرب وكتابات الفلسطينيين

تفصح رسائل المتطوعين العرب والفلسطينيين عن توترات في علاقتهم بقيادة «جيش الإنقاذ العربي»، أو حتى مع الفلسطينيين في القرى والبلدات التي مروا عليها. يكتب خالد ارسلان، المتطوع الدرزي السوري الذي دخل فلسطين ضمن قافلة يقودها الضابط السوري فوزي قاوقجي، إلى عمّه عن الحفاوة والحماسة، فقد استقبلهم أهالي المدن والقرى بالهتافات «عاشت الدول العربية، عاشت فلسطين عربية»، فزادت من ثقة المقاتلين المؤمنين بحتمية الانتصار.

سنقرأ عن هذه الثقة في رسائل آخرين أيضاً، قبل أن تتسرب لغة التقهقر مع تقدم الحرب؛ فتشكو مراسلات المقاتلين العرب من نقص حاد في الإمدادات والسلاح إلى سوء الرعاية الطبية وقلة الطعام والملابس. يكتب بعضهم عن إصابات وقتلى سقطوا بـ «نيران صديقة» أو أسلحة معطوبة وقنابل يحملونها فتنفجر بهم.

تظهر الوثائق أيضاً توتر العلاقة بين المتطوعين العرب والفلسطينيين أنفسهم. بينما تشيد الرسائل بجهود لجان فلسطينية قدّمت القليل المتاح للجنود، ترد شكاوى عن تجاوزات المتطوّعين في حوادث سرقة ومشاجرات، وبداية نفور القرى من وجودهم، مما دفع قاوقجي إلى إصدار أوامر بإبعاد الوحدات عن المدن خمسة كيلومترات «حفاظاً على سمعة الجيش».

تشير رسائل أرسلان أيضاً إلى قلة مشاركة الفلسطينيين في الحرب. يبرّر المؤلف ذلك: «جزء من غياب الفلسطينيين كان نتيجة للثقة التي عززها وصول جيش التحرير العربي نفسه، واعتقد عدد من الفلسطينيين أن هذه القوات وحدها ستكون كافية لهزيمة اليشوف».

نقرأ في رسالة من شاب فلسطيني يُدعى هاني أبو جولة لصديقه شعوره بالفخر لرؤية قوة عربية مستقلة تقاتل، ربما للمرة الأولى، واعتقد أن وصولها يعني أن المعركة لإنقاذ فلسطين ستكون سهلة وسريعة. روجت الدعاية العربية لوصول 15 ألف متطوع، في حين أنّ العدد الحقيقي كان خمسة آلاف. يقول أبو جولة: «لا حاجة إلى التجنيد سواء في جيش التحرير أو جيش الجهاد المقدس الذي يقوده عبد القادر الحسيني». ويخبر صديقه لاحقاً أن الحسيني حلّ جيشه لأنه لم يُستقبل بحفاوة كما استُقبل متطوعو «جيش الإنقاذ» في نابلس.

في المقابل، يعبر ارسلان عن إعجابه بحضور النساء الفلسطينيات: «صدق أو لا تصدق، الممرضات في مستشفيات نابلس من أعلى الطبقات الاجتماعية»، فقد أسست الفلسطينيات وحدة خاصة أطلقن عليها «زهرة الأقحوان» ترافق المقاتلين.

في رسائل أخرى نرى المتطوعين المرابطين في يافا يبعثون قائدهم عثمان الحوراني منسق «جيش الإنقاذ» يستجدون السلاح، تلك الرسائل لم تتلقَّ رداً إلا بوعد يائس: «سنعتني بعائلاتكم!».

انشق متطوعون وهرب آخرون، بينما تصرف كثيرون بشكل مستقل عن القيادة لحماية الفلاحين والبدو من الهجمات، مخاطِرين بالعقاب. يروي الضابط العراقي محي الدين الطيار في رسالة إلى والده تخطيطه للانتقام من اليهود الذين هاجموا البدو في أطراف بيسان. ويكتب المتطوع السوري محمد صالح سعيد، لذويه عن إنقاذ الفلاحين في قرية رأس عليّ بصحبة رفاقه من غارة يهودية.

يوميات وقصائد أيضاً

إلى جانب الرسائل، يضمّن الكتاب قصائد ويوميات لفلسطينيين تتفاعل مع الحرب والاحتلال لحظة وقوعه. نقرأ مثلاً قصيدة للشاعر شهاب الدين العبوشي يهجو فيها آل سرسق العائلة المسيحية الفلسطينية التي باعت أراضي «مرج ابن عامر» للصهاينة ويتمنى أن يُمحى اسمهم من التاريخ فلا يبقى لهم ذكر. ويقول: «لقد باعوا وطني من أجل عاهرة» في إشارة على الأرجح إلى «الحوادث التي أبُلغ فيها عن وسطاء من اليهود يقدمون العاهرات لمالكي الأراضي الفلسطينيين لإقناعهم ببيع أراضيهم».

الجنود اليهود يتلذّذون بالدماء

بدل التعامل مع الأيديولوجيا الصهيونية كوحدة متماسكة، تكشف رسائل الجنود ويومياتهم خلال العمليات الدموية في النقب والجليل عن مشهد أخلاقي متشظٍّ. جنود يتلذذون بارتكاب الفظائع ويبتهجون بالاستيلاء على الغنائم وآخرون يشعرون بالعار، ومنهم من يحمل الشعورين في آن.

نقرأ رسائلهم يتذمرون من الهدنة الثانية عام 1948، لا سيّما وقد حُسمت الأفضلية العسكرية: «هذا الهدوء الطويل يثير أعصابي» يقول أحدهم، متعطشاً لاستئناف القتال. ومع انطلاق عملية يوآف ضد المصريين في بئر السبع، تتبدّل نبرة الرسائل: فالمصريون «يتساقطون كالذباب»، والنصر دليل على أنّ «اليهود محاربون من الطراز الأول» رغم قرون الشتات.

تعكس هذه الصياغات خطاب التثقيف العسكري الذي قدم العنف اليهودي كاستعادة للتاريخ وعودة اليهودية بشكل طبيعي «إلى مجراها».

وبعد سقوط بئر السبع، يكتب أحدهم «المدينة تبدو كأن زلزالاً ضربها. لم أتخيل أن جيش بني إسرائيل يمكن أن يكون بهذه الوحشية في نهب ممتلكات العرب. لقد تخطوا الحدود (…) أين هي الأخلاق اليهودية؟ بالنسبة إلي، هذه وصمة عار».

في رسائل بعد نهاية المعارك في مدينة مجدل، حين واجه الجنود دوراً جديداً بحكم سكان مدنيين مهزومين، يصف أحدهم نفسه: «غريب شعور الجندي المحتل… يدي مقيّدتان بقلبي العبري، بعواطفي اليهودية»، ممزقاً بين تعليم عسكري ينفي الرحمة وإرث أخلاقي يقاومه. هذا التوتر، الذي لا يُحسم في الرسائل، يستبق الواقع: طُرد الفلسطينيون المتبقون، وأقيمت مدينة عسقلان مكانهم.

ريفكا، ضابط استطلاع، كتب في يومياته: «يصرخ الجنود وهم يتجولون مخمورين بالنصر، ويتردد صدى هذا الصراخ في كل زاوية. أرغب في أن أشارك صرخات الفرح، ولكني أعتقد أن هذا الاحتلال عمل شيطاني. بعد احتلال القرى الكبيرة، زرت هذه الأماكن ككشاف في الخط الأمامي. كان طريقنا مغطى بجثث العرب.

قال القائد عبر الراديو إن الجثث وصلت إلى الركب. صفّيت عائلات بأكملها ولم يتبقَّ سوى أطلال. في المنازل، كل شيء مبعثر. وجدوا الكثير من الطعام والمجوهرات والمال والغنائم الأخرى. الجثث لا تزال ملقاة في المنازل، حين جمع الجنود ثروة من أعمال النهب».

رغم أهمية الاشتغال الأرشيفي في «عزيزتي فلسطين»، يظل الكتاب بحاجة إلى قراءة نقدية. فالقوة التحليلية للأرشيف الشخصي هي نفسها مصدر مخاطره. الرسائل، مهما بدت كاشفة، لا تقف خارج علاقات القوة التي أنتجتها، ولا تُعفي المؤرخ من سؤال الموقع والنتيجة. تحويل التجربة الفردية إلى مدخل تفسيري واسع قد يُغري بتسوية الفوارق البنيوية بين الاستعمار والاستجابة له، أو بإعادة توزيع العبء الأخلاقي على مستوى الشعور بدل البنية. شاي حزقاني واعٍ لهذه الإشكالية، ولكنه لا ينجو منها دائماً. لذلك، تتطلب قراءة الكتاب يقظة نقدية: الإصغاء للأصوات من دون السماح لها بحجب عدم التكافؤ التاريخي الذي نظم الحرب ونتائجها.

ترجمة رديئة لكتاب مهم

الحقيقة أنّ قارئ الكتاب بترجمته العربية سيحبط للكيفية التي تعامل بها المترجم مع عمل بهذه الأهمية، فهو لم يكلّف نفسه القيام بأبسط التحققات، كأن يتأكد مثلاً من أسماء معروفة يترجمها، فالمؤرخ الفلسطيني هو سليم تماري وليس سالم تماري، والأكاديمية والكاتبة المعروفة هي شيرين صيقلي وليست سكالي، وهليل كوهين رجل وليس امرأة. وهناك صيغة معروفة تميز اللغة العربية اسمها المبني للمجهول ترفّع المترجم عن استخدامها لسبب ما. أما عن ركاكة الصياغات والجمل الرديئة الصياغة، فحدّث ولا حرج. ومن حسن حظ كاتبة السطور أنّها قرأت الكتاب بالإنكليزية التي نُشر بها العمل أصلاً.

في هدوء أعالي جبال «إلك» بولاية كولورادو، وجدت شيلي ريد نفسها شاهدة على تحوّل غير متوقّع: روايتها الأولى «امضِ كنهر» تشق طريقها بهدوء نحو نجاح عالمي واسع، بينما كانت هي تراقب المشهد من منزل بسيط شيدته مع زوجها في بلدة «كريستد بوت».

تقول ريد، التي تنحدر من عائلة كولورادية تعود جذورها إلى خمسة أجيال:
«قبل أن تصدر الرواية في الولايات المتحدة، كانت قد بيعت حقوق ترجمتها لأكثر من ثلاثين لغة. شعرت حينها بالدهشة والرهبة والحماسة في آن واحد».

قصة هذا العمل تؤكد أن بعض الروايات قادرة على تجاوز الحواجز التسويقية المعتادة، دون أسماء لامعة أو تاريخ أدبي سابق، لتصل مباشرة إلى القارئ.

صدرت الرواية عام 2023 عن دار «شبيغل آند غراو»، ولم تحظَ عند إطلاقها بزخم نقدي كبير، كما اقتصر حضورها على جوائز محلية ودوريات متخصصة. لكن ذلك لم يمنعها من تحقيق انتشار لافت، إذ تصدرت قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، متجاوزة حاجز المليون نسخة مباعة.

هذا النجاح جذب أنظار صناعة السينما، حيث تعمل شركة «مازور كابلان» على تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، مع توقّعات بأن تتولى المخرجة إليزا هيتمان إخراجه.

تمتد الرواية على نحو 300 صفحة، وتغطي فترة زمنية من أربعينيات القرن الماضي حتى سبعينياته. وتدور أحداثها حول علاقة حب مأساوية تجمع فتاة ريفية في السابعة عشرة من عمرها برجل من السكان الأصليين، علاقة تترك أثرها العميق على شخصيات الرواية ومصائرهم عبر السنين.

رحلة كتابة مؤجلة
تضع «امضِ كنهر» شيلي ريد، البالغة من العمر 61 عامًا، ضمن فئة من الكتّاب الذين لم ينشروا أعمالهم الروائية إلا في مرحلة متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة من التراكم والتأمل، لتكون هذه الرواية ثمرة حلم مؤجل.

درست ريد في جامعة دنفر، ثم حصلت على الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة تمبل، قبل أن تمضي ثلاثة عقود في تدريس الأدب والكتابة بجامعة كولورادو الغربية. وخلال تلك السنوات، ظلت شخصية «فيكتوريا ناش» ترافقها في خيالها، وتلحّ عليها بالحضور.

تقول ريد إن انشغالها بالتدريس وتربية طفليها جعلها تؤجل الكتابة مرارًا، مكتفية بتدوين أفكار متفرقة على قصاصات ورقية ومناديل. ومع إلحاح زوجها، اتخذت قرار التقاعد المبكر عام 2018، لتمنح نفسها أخيرًا فرصة إنهاء الرواية.

وتوضح: «درّست الرواية سنوات طويلة، لكنني لم أتصور أنني سأكتب واحدة يومًا».

من الرفض إلى القبول
انتهت ريد من المسودة الأولى عام 2019، مستوحية بعض أحداثها من وقائع تاريخية حقيقية، مثل فيضان «إيولا» في ستينيات كولورادو. ورغم إعجاب وكيلتها الأدبية بالعمل، واجهت الرواية طريقًا شاقًا في النشر، إذ رُفضت من 21 دار نشر قبل أن تتبناها دار «شبيغل».

خضعت الرواية لاحقًا لمراجعات جوهرية، أبرزها حصر السرد في وجهة نظر البطلة «فيكتوريا»، بعد أن كانت تعتمد على أصوات متعددة، وهو تعديل أسهم في تعزيز قوتها السردية.

اليوم، تعمل شيلي ريد على رواية ثانية تدور أحداثها في جنوب شرق كولورادو، بينما منحتها عوائد روايتها الأولى قدرًا من الاستقرار، سمح لها بتحسين منزلها، ودعم تعليم ابنها، وتأمين مستقبلها.

وتختم بقولها:
«لا تزال حياتنا بسيطة، ولا أزال أقود شاحنتي القديمة. لكن الأهم أن هذه الرواية منحتني ما حلمت به دائمًا: أن أعيش ككاتبة»

في روايته «جنون مصري قديم» يضع الروائي المصري طلال فيصل المرويّة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد، حيث تصبح النصوص التاريخية القديمة جزءا من النسيج الحكائي المعاصر، وشريكاً في تساؤلاته وحيرته إزاء كتابة التاريخ.

في الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، تنطلق الحكاية من عتبة أستاذ تاريخ أكاديمي مُتقاعد، تقوده حزمة أوراق لمؤرخ مملوكي مجهول يُدعى جلال الساعي إلى مغامرة تحويل تلك الأوراق وصوت صاحبها إلى رواية، مغامرة تجعله يجلس على مقعد الروائي لأول مرة في حياته، بعد سنوات طويلة من التعامل مع التاريخ بوصفه علماً صارماً، ليكتشف داخل نفسه دافعاً وجودياً للكتابة: «غرقتُ في الكتابة وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة لمَ أكتبها رواية. لعلي أسلّي نفسي وقد خرجتُ على المعاش، ولعلي أجربُ حظي في شيء جديد ربما ينفعني بما لم ينفعني به التاريخ».

تعلن الرواية انحيازها الصريح لفن الحكاية، في مواجهة إقصاء المشاعر من سرد الوقائع. فالتاريخ -كما يراه الراوي- عاجز عن احتواء الخوف والذعر والانكسار الإنساني: «لسوء الحظ، يهمل المؤرخون تماماً أمر المشاعر وهم يدونون لنا أحداث ما جرى». بهذا المعنى، لا تتحوّل الرواية إلى مجرّد استعادة لسيرة «الأشرف برسباي»، أحد أبرز سلاطين دولة المماليك، بل إلى مساءلة جذرية لطبيعة المعرفة التاريخية نفسها، وحدودها الموضوعية، وكيف يُعاد إنتاج الوقائع داخل خطاب سردي يعترف بتدخّله وتأويلاته وشططه.

لعبة الاسم

لا يكتفي طلال فيصل برسم شخصية راوٍ متقاعد يحوّل أوراقاً تاريخية إلى رواية، بل يبدأ لعبته السردية منذ اللحظة الأولى حين يُطلق اسمه الحقيقي على اسم بطله الروائي نفسه، ليحمل أستاذ التاريخ المُتقاعد اسم «طلال فيصل»، في تطابق مقصود بين المؤلف وشخصيته الروائية، بما يضع القارئ مباشرةً داخل منطقة ملتبسة بين الكاتب والراوي، وبين من يكتب ومن يُكتب عنه.

لا يعمل هذا التطابق بوصفه حيلة شكلية، بل بوصفه تقنية سردية تنتمي إلى تقاليد التخييل الذاتي والميتا سرد، حيث يتحوّل فعل الكتابة نفسه إلى موضوع للحكي، ويتقمّص المؤلف شخصية داخل عمله، لا بوصفه مؤرخاً يمتلك سلطة المعرفة، بل بوصفه راوياً مرهقاً، متقاعداً، يكتب ليقتل الوقت، وليسلّي نفسه في وحدته، وفنياً فإن حضور الكاتب باسمه داخل النص لا يهدف إلى ترسيخ سلطة المؤرخ، بل إلى تفكيكها، وتحويل السرد إلى مساحة نقدية يتجاور فيها البحث والتخييل، والوثيقة والشك، في صيغة رواية تعيد التفكير في الماضي أكثر مما تكتفي باستعادته.

لا تستدعي الرواية زمن المماليك بوصفه زمناً غابراً يُروى من مسافة، بل بوصفه نموذجاً أولياً لجنون السلطة حين يتحوّل الحكم إلى «لعبة» لا تخلو من مشاهد هزلية وسوداوية معاً، مثل مشهد تنصيب سلطان «رضيع» على رأس السلطة، في إشارة إلى عالم يحكمه العبث: «يشير ططر للأمير ببغا المظفري، أكبر المماليك سناً ومقاماً، أن يجاور السلطان أثناء تنصيبه، وتظهر مشكلة بسيطة حين يحاولون وضع عمامة السلطنة على رأسه فيفاجئهم صغر رأس الصغير وهي تغطس في العمامة».

طبقات الصوت

تنهض الرواية على معمار أسلوبي مركّب يقوم على تبادل الأصوات السردية؛ هناك أولاً صوت المؤرخ التاريخي المُعايش لزمن المماليك، الذي يكتب من قلب زمنه وبمنطق الشاهد لا المعلِّق اللاحق، فتتحرّك لغته في أفق يومي مألوف ما بين الأمراء، والمؤامرات والأسواق، والبيمارستان، وأبواب القاهرة، في تسجيل وقائعي ينشغل بمنطق التدوين بلغة المخطوطات القديمة، بما في ذلك الدعاء الذي يُذيّل أوراق المؤرخين القدامى: «ولعل الله يغفر له بحسن صنيعه مع بركة».

إلى جوار هذا الصوت، يبرز صوت البطل العليم المتدخّل، الذي يُعلّق ويفكك ويؤوِّل بسخرية هادئة وهو يكتب روايته، بما لا يخلو من تحليل نفسي وتفكيك منطقي للمروية التاريخية، يضاف إلى هذين الصوتين طبقة ثالثة تعمل كجسر بينهما، وهو صوت شيوخ التدوين ومؤرخي العصر المملوكي أنفسهم، عبر توظيف مقاطع مقتبسة من كتب التاريخ للمقريزي وابن إياس وبدر الدين العيني وابن تغري بردي، وكتبهم التي تُعدّ في علم التاريخ مصادر أولية لفهم ذلك الزمن.

لا تُدرج تلك النصوص بوصفها إحالات علمية، بل بوصفها أصواتاً سردية مستقلة تضع القارئ داخل المنظومة المعرفية الخاصة لزمن المماليك، حيث تختلط السياسة بالغيبي، والسلطة بالتأويل، والوقائع بالكرامات والنبوءات.

يخلق هذا التراكب الصوتي مساحة تبادلية بين كل من خطاب المؤرخ القديم، وخطاب الراوي التاريخي المعايش، وخطاب الراوي المعاصر الناقد، بما يقدم التاريخ كنص مفتوح يعيد مساءلته بدلاً من تكريسه.

ولا يكتفي الراوي بالمعايشة أو التعليق، بل يتحكم في السرد بوصفه صانع حبكة، فهو، على سبيل المثال، حين يتحدث عن صعود «بدر العيني» في بلاط «برسباي»، لا يقدّم الوقائع دفعة واحدة، بل يصنع توتراً سردياً مقصوداً: «لم يجتمع مجلسُ مشورة واحد في زمن برسباي، إلا وكان الرجل حاضراً فيه حتى حدث ما حدث مما سنأتي على ذكره لاحقاً». وهو أسلوب سردي يتحكم في الإيقاع، ويؤجّل الحدث عمداً، ويعيد توزيعه على الزمن الحكائي، ويتحوّل «بدر العيني» من شخصية تاريخية إلى بطل في حبكة روائية له صعود ونفوذ وذروة وانكسار مؤجّل.

العدالة التاريخية

يقود السرد إلى مساءلة الذاكرة الثقافية، فلماذا بقي المقريزي حياً في الوعي العام، بينما تراجع بدر العيني؟ ومن يصنع قانون المؤرخين؟ ومن يقرّر من يبقى ومن يُنسى؟ في ظل سؤال مفتوح حول ما إذا كان التاريخ علماً مُحايداً أم فناً سردياً محكوماً بالاختيار والرؤية. أما جلال الساعي، كاتب الأوراق المجهول، فيحمل رمزاً فنياً لمن سقطوا من الذاكرة الرسمية، فقد عاش الطاعون، ورصد الجنون، وشهد شطط السلطة، ثم اختفى اسمه من كتب التاريخ الكبرى، وكأن الرواية كلها محاولة إنقاذ أثر إنسان محذوف من السجلات.

غير أن «الجنون» يظل الثيمة المركزية التي تنتظم حول الرواية كلها، ليس بوصفه توصيفاً نفسياً فردياً، بل معياراً سياسياً وأخلاقياً، من «المؤيد شيخ» إلى «برسباي»، ومن رجال البلاط إلى المحتالين و«البهلوان»، فتدور السلطة في فلك فقدان الرشد، ويتحوّل الجنون إلى مبدأ بنيوي لفهم السياسة، بما توحي به عبارة على لسان الشخصية الروائية التي تتقمص «المقريزي»، وتلخّص رؤيتها السوداء للسلطة: «أظنهم جميعاً مجانين يا خالي، غير أن جنون هذا باهظ التكاليف».

الكاتب/ منى أبو النصر / الشرق الاوسط

هذه قصة التكوين الأول للملياردير سالم السالم، أما ما يأتي بعدها فقد يكون مفاجئا للقارئ، إذ سيظن كثيرا أن الرواية تتحدث عن شخص حقيقي عاش كل الأحداث المسرودة مع أن الكاتب حرص في مقدمة الرواية على تدوين التنويه المعتاد الذي يشير إلى أن “جميع الأسماء والأحداث والأماكن في هذه الرواية من نسج الخيال. وليس التشابه بينها وبين أي أسماء وأحداث وأماكن أخرى سوى مصادفات عابرة”.

بطل خارق

يمكن قارئ الرواية أن يتجنب البحث عن اسم مشابه لاسم الملياردير في الرواية، فهو اسم متخيل بالتأكيد، أما الأحداث التي يوردها السارد كاتب سيرته، فتأخذه إلى المقارنة والبحث عن أحداث وتصرفات لشخصيات، أو شخصية محددة، في عالم المال والسياسة.

فهذا الرجل استغل فرصة زخم الاندفاع نحو الجهاد في أفغانستان خلال ثمانينات القرن الماضي، فعمل على دمج طموحاته التجارية بالسياسة، وصار شخصية مقربة من أصحاب القرار وأقام رابط تواصل بين بلدان عدة، إلى أن يكون مسؤولا عن إعادة استيعاب الجهاديين في عدد من البلدان. فنجده يتحدث عن علاقته بالمؤسسات المصرية حيث نقل تجارته إلى هناك، ثم السودان بعد ذلك، التي التقى رئيسها إلى جانب الترابي لاستيعاب بن لادن هناك ومحاولة تغيير اهتماماته من الجهاد إلى الاقتصاد وهي المحاولة التي لم يفلح فيها.

يحكي الملياردير للراوي قصصه وسط جو من الخوف والمراقبة، فينقله من بلد إلى آخر، جامعا بين أحداث وقعت بالفعل وأدوار متخيلة اختلقها لنفسه، فهو يتحدث عن العراق وحروبه ويقول بكل فخر إنه هو من غيّر العراق وإن له الدور الأكبر في تنمية دبي. كما يدعي أنه هو من أوجد الصلح بين الغرب والقذافي قبل إطاحته، وأنه عمل مع علي عبدالله صالح في تحقيق الوحدة اليمنية ومن ثم حرب 1994، وحاول أن يستحوذ على ميناء عدن مع هيئة موانئ سنغافورة. ومن أجل ذلك يتحدث عن لقاءات له مع مبارك والبشير وصدام والقذافي وصالح، وتخطيطه لإسقاط السلطات الشمولية قبل أن تفاجئ تونس الجميع ببدء “الربيع العربي”.

هناك شطحات كثيرة لا يتراجع الراوي عن التعليق عليها ويعتبرها ادعاءات، إذ لم يجد ما يؤكدها في الوثائق ومصادر المعلومات، التي لا تذكر أي دور لهذا الرأسمالي الذي عادة ما يبث القول إنه من أغنى خمسة أشخاص في العالم وفق ما تناقلته مجلات مختصة يذكرها بالاسم، وهو يعرف أن لا أحد لديه الوقت للعودة إليها ليتأكد.

ما يكتشفه الراوي في الأخير وبعد جلسات طويلة يتتبع فيها صاحب القصة في عواصم مختلفة حيث قصوره ومنازله ومكاتبه، أن هذا الملياردير لا يريد منه أن يكتب مذكراته، بحيث تنشر باسم صاحبها، بل يريده أن يكتب سيرته باعتباره شاهدا على الأحداث والوقائع، وهو ما لم يرض به الراوي، الذي لا نعرف عنه الكثير، ليخرج لنا بهذه الرواية.

رجل بثديين

في روايته الأولى، “الشيخ شمسان وشركاؤه”، الصادرة عن منشورات “أوكسجين” في كندا، يبدو أن طارق عباس زبارة يحكي لنا حكاية تتناسل منها حكايات عدة. فمنذ البدء ودون مقدمات، نجد الشيخ شمسان، أحد شيوخ القبائل، يستيقظ من النوم وقد صار لديه ثدي أنثى. يسارع إلى الطبيب الذي تكون هواجسه مشغولة مع أبي قتادة خطيب المسجد المجاور الذي يصر على أن يوقظهم في الرابعة صباحا بصوت الميكروفون الكبير لأداء صلاة الفجر. هناك نتعرف الى تاريخ أبي قتادة وعلاقته بالجهاديين العائدين من أفغانستان وكيف أن أجهزة الأمن تتبعه لكنها لا تفعل شيئا تجاهه.

ترصد الرواية الكثير من الجوانب الاجتماعية كعلاقة ضباط الأمن بالتجار المهربين وبالذات تجار الأسلحة وصانعي الخمور المحلية، ورفض الهاشميين تزويج بناتهم من خارج عائلاتهم مما يؤدي إلى تحجيم أجساد أبنائهم وتشويه أشكالهم، لكن الشيخ شمسان يستطيع الزواج من فتاة هاشمية، بسبب مكانته الاجتماعية ووضع أبيها المالي المتواضع، وهو زواج من ضمن ثلاث زيجات للشيخ، أولاها أنجبت له وهي في الثالثة عشرة من عمرها.

أحاديث الشيخ شمسان مع الطبيب تشير إلى خلل في الهرمونات ناتجة ربما من تناول حبوب مقوية جنسيا. مع هذا تتسع شكوكه ويصبح في حال اضطراب مع المحيطين به إذا ما لاحظوا كبر صدره الذي يغطيه بثياب فضفاضة، ومع هذا يظل دائم الارتباك، حتى إنه حين يدعى إلى جلسة قات مع “الرئيس” يلاحظ هذا الأخير تغيره، فيتساءل بسخرية إذا كان “المشايخ” قد صارت لهم أثداء.

يسافر الشيخ شمسان، الذي ازداد نفوذه واتسعت ثروته، إلى السويد للعلاج، لكنه لا يجد فائدة، بل إنه يفاجأ بعدها وقد صار له عضو أنثوي، ليصبح محل سخرية تتطور إلى حجر احد أبنائه على أمواله.

هكذا، إذا كان غريغور في قصة كافكا الشهيرة تحول إلى حشرة تجسيدا لحال الإنسان وهو يكابد مصائره اليومية، فإن اضطراب هرمونات الشيخ شمسان في قصة زبارة يبدو اضطراب مجتمع بأكمله، ارتبطت فيه التجارة بالسياسة والإدارة بالفساد والحياة بالتشوه.ل عيون الشخصيات المؤثرة والمتأثرة بهذا التحول.

علي المقري – عن المجلة

في زاوية “إصدارات.. نظرة أولى” نقف على آخر ما تصدره أبرز دور النشر والجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي وبعض اللغات الأجنبية ضمن مجالات متعدّدة تتنوّع بين الفكر والأدب والتاريخ، ومنفتحة على جميع الأجناس، سواء الصادرة بالعربية أو المترجمة إليها.

هي تناولٌ أوّل لإصدارات نقترحها على القارئ العربي بعيداً عن دعاية الناشرين أو توجيهات النقّاد. قراءة أولى تمنح مفاتيح للعبور إلى النصوص.

مختارات هذا الأسبوع تتوزّع بين الدراسات الفلسفية والنقدية والحقوقية والتاريخية والفكرية وتاريخ الفن والترجمة والرواية.

في طبعة مشتركة بين “ابن النديم” و”الروافد الثقافية”، صدر كتاب “البحث عن فلسفة أصيلة: فيتغنشتاين، هايدغر، واليومي” لـ ديفيد إيغان بترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم. ظهر الكتاب لأوّل مرة بالإنكليزية عام 2019، ويُبرز مؤلّفه أنّه على الرغم من التباين في المنطلقات والخلاصات بين فيتغنشتاين وهايدغر، فإنّه يمكن التقاط عناصر مشتركة كثيرة بينهما، ومنها انشغالهما بمفهوم الأصالة وتطبيقه على التفكير الفلسفي. في سبيل ذلك، يقدّم المؤلّف قراءات موسّعة في كتابي: “تحقيقات فلسفية” لفيتغنشتاين و”الكينونة والزمان” لهايدغر.

“الحب والشعر في الشرق الأوسط” عنوان كتاب جماعي صدر حديثاً عن “دار بلومزيبري” بتحرير وتقديم الأكاديمي والناقد الفلسطيني عاطف الشاعر، ويتضمّن مجموعةً من الدراسات التي تتناول تجلّيات ثيمة الحُب في الشعر القديم والحديث الذي كُتب بلُغات شرقية مثل الأكادية والمصرية القديمة والعربية والفارسية والعبرية والتركية والكردية، وتتتبّع تطوُّر الخطاب المتعلّق بالحب على مستوى الحساسيات والأساليب والتقنيات. من تلك الدراسات: “شعر الحب الأكادي” لـ مارك ويدن، و”شعر الحب في مصر القديمة” لـ روبرت أندرسون، و”نظرة عربية وإسلامية للحب” لـ عاطف الشاعر.

“متعة الإخفاق: المشروع التخيلي لعبد الله العروي” عنوان دراسة صدرت حديثاً للباحث المغربي محمد الداهي عن “المركز الثقافي للكتاب”. يلاحظ المؤلّف أن العروي، إضافة إلى صفته كمؤرّخ ومفكّر، قد فتح مشاريع سردية متنوّعة (رواية، سيرة ذاتية، يوميّات، تخييل ذاتي…)، لكنّها تتميّز بكون محورها كان ذاته: إعادة تركيب الماضي الشخصيّ وإعادة تمثيله. يدرس الداهي الأدوات الأدبية التي أنجز بها صاحب “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” نصوصه السردية، مثل المراوحة بين استعمال ضمير المتكلّم والغائب، وبين التصريح والتلميح.

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، صدرت النسخة العربية من كتاب “محامية وقحة” للكاتبة والناشطة النسوية التونسية الفرنسية جيزيل حليمي. العمل نقله إلى العربية وليد أحمد الفرشيشي، وصدر عن “دار الكتاب” في تونس، وتعود فيه حليمي إلى محطّات من سيرتها الذاتية كحقوقية أساساً، كما يتضمّن العمل تأمّلات في مفاهيم مثل القانون واستعمالاته، والحقوق المدنية وكيفية تحصيلها. وتتأمّل حليمي خصوصاً علاقة المحامي بالقضايا التي يدافع عنها، وهي أمور تشير إلى أنها في غاية الأهمية لكنها آخر ما يُفكّر فيه المحامون وأساتذة القانون.

عن “منشورات جامعة برينستون” صدر حديثاً كتاب “فن القماش في الهند المغولية” لأستاذة تاريخ الفن سيلفيا هوغولنغ. يستعرض الكتاب تطوّر صناعة المنسوجات القطنية والصوفية والحريرية في الهند خلال القرنين 16 و17، التي استمّدت عناصرها الفنية والجمالية من الطبيعة، وعكست جانباً مهمّاً من غنى الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في بلد متعدّد الأعراق والثقافات، كما لعبت دوراً مهماً في التبادلات التجارية بين الشرق والغرب، وتصدّرت أثمن الهدايا التي كانت جزءاً من العلاقات الدبلوماسية التي ربطت الهند بالعالم.

“عين الديك” عنوان رواية جديدة للكاتب الفلسطيني سليم البيك تصدر قريباً عن “دار هاشيت أنطوان/ نوفل”. يستحضر الراوي في هذا العمل “أشباح الأحبّة الغائبين والحاضرين ويخاطبهم على الورق محاولاً طيّها لتطويع حكايته وإيجاد منفذٍ له يخلّصه من عبء الشتات الفلسطيني الموروث” بحسب ما نقرأ في تقديم العمل. ومن الرواية نقرأ: “لا تعرف أيٌّ منهما بالأخرى: هديل التي تدير غاليري في باريس، ولويز التي ستعرض لوحاتها هناك. وبينهما، هو. ومعه، حكايات جدّه عن معارك 1948 وترشيحا جذبته لويز لأنّها لم تكترث بفلسطينيته. وهديل جذبته لأنّها اكترثت”.

عن منشورات “ألبان ميشيل” في باريس، صدر حديثاً كتاب “من لسانٍ إلى آخَر: ضيافةُ الترجمة”، للفيلسوف السنغالي والأستاذ في “جامعة كولومبيا” سليمان بشير ديان. يقدّم المؤلّف مديحاً للدور الأخلاقي الذي يمكن للترجمة أن تلعبه بين الثقافات المختلفة، إذ يمكن لها أن تكون فضاءً للحوار والتبادل، بل حتى للمساومة، خصوصاً بين لغاتِ مجتمعاتٍ ليست مختلفة فحسب، بل متخالفة. وباعتبارها، في تعريفها، انفتاحاً على الآخر واستضافةً لما فكّر به في لغته ومنطقه، فإنّ الترجمة تصلح، بحسب ديان، كنقطة انطلاق لإنسانيةٍ أكثر انفتاحاً.

“خيال لا ينقطع: قراءة في ألف ليلة وليلة” عنوان الكتاب الذي يصدر قريباً للباحث سعيد الغانمي عن “دار الرافدين”. يضيء الكتاب وظيفتين للسرد أرادت أن تقوم بهما شهرزاد؛ الأولى دفاعية تتّصل بتعليق اهتمام شهريار برواية الحكايات له حتى لا تسمح له بأن يفكّر بقتلها، وهنا يصبح السرد معادلاً للحياة، بينما تتمثّل الوظيفة الثانية بتخليص شهريار من عقدته النرجسية التي ولدت من عدوانية عنوانها الأساسي قتل النساء. وبذلك تمكّن “ألف ليلة وليلة” من تطوير وظائف السرد، واستخدام الخيال لتخطّي الواقع، وخلق شخصيات أسطورية.

“قِياس العنصرية، القضاء على اللامساواة” عنوان آخر أعمال المفكّر الاقتصادي الفرنسي توما بيكيتي، وقد صدر حديثاً عن منشورات “سوي” في سلسلة “ليبل”، التي تُقَدّم كتباً مختصرة، في أقل من 100 صفحة، من شأنها “لفت الانتباه والإعلام والتساؤل” حول قضايا ساخنة. يتناول صاحب “رأس المال في القرن 21” كيفية إحلال نموذج جديد من أجل مكافحة اللامساواة في قلب الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، وهو نموذج يرتبط نجاحه بالإقرار بمدى العنصرية في المجتمعات، الذي يسمح، بالتالي، بإيجاد وسائل لحلّ أزمة اللامساواة.

عن “دار أفريقيا الشرق” صدر مؤخراً كتاب “الرباطات والزوايا في تاريخ الصحراء: الأصول والامتدادات” للباحثَين محمد الصافي والحسين حديدي. يستعرض العمل أبرز الرباطات والزوايا التي أُسّست في صحراء المغرب منذ نهاية العصر الوسيط وحتى الفترة الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين، مضيئاً على الأدوار التي لعبتها على المستويات الدينية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية، مثل ترسيخ القيم الدينية، ونشر التعليم، وتحقيق التكافل الاجتماعي، وتنشيط التجارة الصحراوية، إضافة إلى إسهاماتها في مقاوَمة الاستعمارَين الفرنسي والإسباني.

“بين الفقه والفن: النزاع على الصورة” عنوان كتاب شربل داغر الصادر حديثاً عن “المركز الثقافي العربي”. وفيه يواصل الباحث اللبناني اشتغالَه بموضوع ثقافة الصورة في العالم العربي من زوايا تاريخية وجمالية وفنّية. يُخصّص داغر كتابه هذا للمدوّنة الفقهية، من خلال تفحُّص مسألة إجازة الصورة من عدمها في عددٍ من المخطوطات والفتاوى غير المعروفة، مُتطرّقاً إلى الفروق في مواقف الفقهاء والمذاهب الإسلامية من الصورة، لا سيما الفنية منها، وأيضاً إلى علاقة المجتمعات العربية الراهنة مع الفنون من خلال علاقتها مع الصورة.

لندن

قال الأكاديمي الأوغندي محمود ممداني (1946)، أستاذ “كرسي هربرت ليمان للحكم” في “جامعة كولومبيا”، إنّ “حلّ الدولتين في نماذج استعمارية عديدة يخلق كيانين: دولة ذات سيادة، ومحمية”، مشيراً بشأن “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” BDS إلى أنه “يمكنها المساهمة في عزلة الاحتلال على الصعيد الدولي، لكن هناك حاجة إلى القيام بالمزيد من أجل أن يزدهر البديل غير الصهيوني في إسرائيل نفسها”.

جاء ذلك في محاضرته التي افتتحت ندوة “الاستعمار الاستيطاني والأصلانية والصراع الفلسطيني ضد الصهيونية”، أمس السبت، وتنظّمها كل من دورية “عمران” للعلوم الاجتماعية الصادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، و”معهد الدوحة للدراسات العليا”، و”كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بالمعهد”.

وحملت محاضرة ممداني عنوان “فلسطين/ إسرائيل من منظور ما بعد الفصل العنصري: الدولة – الأمة وحداثة ما بعد الاستعمار”، وفيها ركّز على “العلاقة بين الدولة- الأمة”، و”الحداثة ما بعد الاستعمارية”، و”العنف المتطرّف”.

وبيّن المحاضر أن الحاجة الآن، كما كانت الحال في جنوب أفريقيا، هي إلى ثورة معرفية تفتح الطريق أمام ثورة سياسية، مضيفاً أنّ “اللحظة الفارقة الفلسطينية تأتي عندما تقود الدينامية نفسها التي أدّت فيها وحدة المضطهَدين إلى عزل المضطهِدين، ذلك عندما لا يكون المضطهَدون وحدهم من يسعون للتغيير السياسي، بل أيضاً كثير من المؤّيدين الحاليّين للنظام الصهيوني”.

وفي رأيه، فإنّ الوصول إلى هذه المرحلة يستدعي نوعاً جديداً من الوعي السياسي داخل “إسرائيل”، يقوم على الاعتراف بأنّ مسألة ازدهار اليهود والحياة اليهودية لا يتطلّبان دولة صهيونية.

أمّا فحوى الدرس الجنوب أفريقي عنده، والعبرة التي يجب إيصالها إلى الإسرائيليين بأكبر قدر ممكن، فهي أنّ “اليهود لا يحتاجون إلى دولة يهودية ليكون لهم مقام آمن في فلسطين/ إسرائيل”.

استحضار تجربة ومقارنتها بأُخرى هي لمزيد من التنوير لا المطابقة بالحرف

وحسب ممداني، فإن الدرس الذي يجب أن تتعلّمه “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” هو أنها في حاجة إلى البناء على المكاسب التي حقّقها “التجمّع الوطني الديمقراطي” (بلد)، لا أن تعتبر أنها بديل له. سيكون إنجاز ذلك بمنزلة توفير إطار سياسي لليهود الإسرائيليين المعادين للصهيونية، وحتى لغير الصهيونيين منهم”. والأفكار، كما يتنبى ممداني، ليست هي ما يصنع العالم، بل تلك التي تتبلور إلى مؤسسات وحركات اجتماعية.

ويراجع المحاضر المفهوم المركزي في حداثة الغرب؛ ومفاده أنّ الثقافة هي السياسة والعكس صحيح، مشيراً إلى أن هذا المفهوم “مركزي لدى المستعمِرين، على الأقل منذ منتصف القرن التاسع عشر”. وعليه يسأل: “لماذا علينا أن نفترق عن ذلك المفهوم، للبحث عن بدائل إمّا دولة واحدة أو دولتين؟”. هنا يدعو إلى “عدم الخلط بين بين الثقافة والسياسة، فالأولى تنتمي إلى الشتات وهي عابرة لحدود الدولة”.

ومن أفريقيا استحضر ممداني نموذجَي الجزائر وجنوب أفريقيا، “حيث هُزم الاستعمار فيهما هزيمة نكراء، مع فارق بين التجربتين، حيث غادر المستعمرون في جلّهم الجزائر عقب الاستقلال، ولكن العكس حصل في جنوب أفريقيا”. وفي هذه الأخيرة يجد ما يعنيه، وما يعتقد أن الفلسطينيّين يمكنهم تعلّم شيء منه، مستدركاً: “أنا غير مهتم بالتسويق لهذا النموذج، فأنا لست مندوب مبيعات. لكنّني مهتم باستكشافه وتحليله لنصل إلى تجربة أفضل”.

كيف يمكننا أن نشير إلى الهنود: هل هم هنود أم سكان أصليون في أميركا؟

لا يُنكر ممداني أنّ التجارب التاريخية لها خصوصياتها، غير أنه يضيف بأنّ “استحضار تجربة ومقارنتها بأُخرى هي لمزيد من التنوير لا المطابقة بالحرف”. يستبق الحديث عن جنوب أفريقيا التي يجد تشابهاً كبيراً بينها وبين فلسطين، بما قال إنه المثل الأعلى للإسرائيليين، وهو الولايات المتحدة الأميركية، كما أنه نموذج للعنصريّين في جنوب أفريقيا. فقد تأسّست أميركا على قمع مجموعتين كبيرتين هما الهنود الحمر والعبيد الأفارقة.

ونقل لنا السؤال الذي تداوله الأميركيون المسيطرون: “كيف يمكننا أن نشير إلى الهنود هل هم هنود؟ أم سكان أصليون في تلك الأرض؟”، واستدرك بالقول: “المتحف الذي خُصّص للحضارة ما قبل كولومبوس في واشنطن يُسمّى ‘المتحف الوطني لأميركا الهندية’، ولا يُسمى المتحف الوطني لأميركا الأصلية”.

ويتساءل هنا لماذا؟ ثم يجيب: “لكي تكون أصيلاً يتعيّن الاعتراف بالهنود أعضاء مؤسّسين للولايات المتّحدة الأميركية، ولكنهم ليسوا كذلك. فالدستور الأميركي يعتبرهم خارج نطاق الولايات المتحدة وحكومتها، وأكثر من ذلك وضعهم في خانة الأعداء”.

ونتج عن ذلك، حسب رأيه، “أمّة مستقلة محلّية شأنها شأن الذين يعيشون في الضفّة الغربية، وهذا ليس إلّا قناعاً للاستعمار. وكانت السلطات التي تعيش في هذه المحميات تحت سيطرة ما يُسمى ‘مكتب الشؤون الهندية’، وهو لا يختلف عن البيروقراطية الكولونيالية، التي كانت تسيطر في أي بلد أفريقي على نحو غير مباشر. هذا هو حل الدولتين الذي يختصره بدولة ذات سيادة مع محمية ليست ذات سيادة بالمطلق.

مقابل ذلك، “كان العبيد الأفارقة يعملون في أراض يملكها البيض، بينما أراضي الهنود سُلبت منهم، والأفارقة مفصولون عنصرياً ومحكومون في آلاف وآلاف من المجمّعات الصناعية والزراعية”.

ما فعلته الولايات المتحدة مع السكّان الأصليين يفعله الاحتلال مع الفلسطينيّين

وأضاف في هذا السياق: “عاش العبيد تحت الدولة الواحدة، ما وفرّ سياقاً سياسياً لبناء التحالفات التي أفضت الى كفاح للتخلّي عن العبودية. والأفارقة يشكّلون 15%، وهم على ذلك أقلّية، لكنهم أصبحوا قوّة لا يُستهان بها بعد الحرب الأهلية، وحركة الحقوق المدنية، وحقبة إعادة البناء وتعزيز حقوقهم أخيراً من خلال حركة حياة السود مهمة”.

وفي كلمة، في هذا السياق، يقول إنّ حل الدولتين “فرض محمية هندية وموطناً متشظياً سياسياً، بينما حلّ الدولة الواحدة قدّم إمكانية التحالفات والتغيير”. هذا هو النموذج المستلهم مثلما يراه: “ما فعلته أميركا مع السكّان الأصليين تفعله إسرائيل التي لا تسعى لتغيير الفلسطينيّين ولا تريد استعبادهم، بل أن تحل محلّهم وتُفكّك واقعهم السياسي”.

ومضى قائلاً: “في جنوب أفريقيا حصل المستوطنون على الاستقلال عام 1910، وأرسلوا وفداً إلى أميركا الشمالية لدرس النموذج الأميركي ونظروا إلى محميات الهنود الحمر لكي يفحصوا مدى السيطرة على الأفارقة”.

النسخة التي طُبّقت على الأرض في جنوب أفريقيا يقول إنها ذاتها نسخة من اتفاقات أوسلو في فلسطين، حيث جاءت كلّ اتفاقية بـ”بانتوستان”، وهذا يشبه السلطة الوطنية الفلسطينية للحفاظ على الأمن الداخلي، وحصلت “البانتوستانات” على دعم السلطات البيضاء الحاكمة.

ويحاجج ممداني بأنّ التغيير الكبير في جنوب أفريقيا رشّح في السبعينيات، إذ حقّقت مقاومة التمييز العنصري إنجازات عظمى، لافتاً إلى أنّ السود لم يذهبوا إلى خيار الدولة القومية الذي يزعم أنّ جنوب أفريقيا ذات أغلبية من السود بينما الهنود والملوّنون والبيض أقلّيات، حتى يمكن للسود أن يعلو كعبهم، بل جرى التفكير على نحو مغاير مفاده أن جنوب أفريقيا لا تقوم على العرق.

محمد هديب

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان