يرصد كتاب شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» كواليس حرب 1948 عبر رسائل شخصية ومواد دعائية، كاشفاً زيف السرديات الرسمية. يبرز الكتاب التخبط الأخلاقي للجنود اليهود بين الأيديولوجيا والواقع الدموي، ومعاناة المتطوعين العرب من نقص الإمدادات، موثقاً النكبة من داخل الأرشيفات العسكرية كشهادة حية على التحولات النفسية والميدانية لحظة وقوع الحرب
يضمر عنوان كتاب الباحث شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» (2021) مفارقة تتكشف لدى قراءته. حتى وإن أوحت صيغة الخطاب بالألفة والمعرفة والحميمية بين المرسل والمرسل إليها، تكشف الرسائل التي يناقشها الكتاب لجنود يهود شاركوا في حرب 1948 عن مشاعر اغتراب تجاه فلسطين التي تُخاطَب، ويُكتب عنها، ويُتخيَّل مستقبلها وماضيها.
كما تكشف عن تخبّط أخلاقي وحيرة حول ما يفعلونه أو ينتمون إليه وتعطش إلى العنف ثم نفور منه فمحاولة تبريره بذريعة ضرورة «عودة اليهودي إلى التاريخ».
بين الأرض المتخيلة والأرض المأهولة
كم كان هناك فرق، بين الرغبة في عودة اليهودي إلى التاريخ وعودة الفلسطيني إلى بيته وفراشه، هذا الشرخ بين الأرض المتخيّلة وتلك المأهولة، بين الامتلاك الأيديولوجي والاقتلاع المعيشي، يمتد في فصول الكتاب الخمسة كخطّ صدع مستمر. قبل أن تطأ أقدام معظم من أصبحوا جنوداً إسرائيليين أرض فلسطين، أُخضعت البلاد لتكثيف رمزي مفرط، فظهرت أرضاً خلاصية. وحالما جرى اللقاء الفعلي، حتى بدأت هذه التجريدات بالتبدد.
يتعامل الكتاب، الصادر أخيراً بالعربية عن دار «صفصافة» في القاهرة (ترجمة ميسرة صلاح الدين)، مع رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في «جيش الإنقاذ»، إلى جانب مواد دعائية وأيديولوجية: أوامر المعارك، كتيبات، مجلات ونشرات الجيش، والبث الإذاعي، التي استُخدمت لتعبئة الجنود وتشكيل وعيهم.
التنقّل بين أنظمة أرشيفية معادية
يشكّل العثور على الرسائل نفسها وتحويلها إلى أرشيف بُعداً حاسماً في المنهج التاريخي للكتاب. فلم يعثر المؤلف على مجموعة جاهزة من المراسلات الشخصية، بل أعاد بناء هذه المواد من خلال التنقّل بين أنظمة أرشيفية مجزأة ومعادية غالباً: الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، وملفات الاستخبارات، ومكاتب الرقابة، ومجموعات لم تبقَ فيها الرسائل الخاصة إلا لأنها كانت قد صودرت أو تُرجمت أو حُفظت لأغراض المراقبة.
يظهر عدد من رسائل الجنود والمتطوعين لا بوصفها وثائق شخصية كاملة، بل في شكل نسخ أو مقتطفات أو ترجمات مُدرجة داخل تقارير استخباراتية وملفات إدارية.
وهذا يعني أنّ ما نجا من هذه المواد هو أصلاً مُشكَّل بعلاقات القوة: فقد حفظت الدولة هذه الأصوات الحميمة لا من أجل تذكّرها، بل من أجل مراقبتها والسيطرة عليها واستخلاص المعلومات منها. ومن خلال إعادة تجميع هذه الآثار المتناثرة، يحوّل المؤلف فعلياً أدوات المراقبة إلى مصادر للشهادة التاريخية. فهو يقرأ الأرشيف «ضدّ تيّاره»، متعاملًا مع ممارسات الرقابة والاستخبارات لا بوصفها عوائق، بل باعتبارها جزءاً من القصة نفسها. والنتيجة منهج يكشف كيف تدخل التجربة الخاصة إلى التاريخ عبر أنظمة بيروقراطية قسرية، وكيف يمكن كتابة النكبة من خلال وثائق لم تُكتب أصلاً للشهادة التاريخية.
قراءة هذه الرسائل على خلفية خطاب التلقين العسكري تفكّك الطريقة التي أُنتج من خلالها المعنى القومي للحرب لحظة وقوعها، بعيداً عن السرديات الرسمية اللاحقة. تكشف هذه المقاربة فجوات واضحة بين الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتجربة القتال الفعلية.
مثلاً، محاولات قيادة «جيش الدفاع» الإسرائيلي لإقناع الأشكيناز (يهود أوروبا) بأن العنف المنظّم منسجم تماماً مع التقاليد الدينية اليهودية، أو تصوير قتل العربي للمزراحيين (اليهود العرب خاصة المغاربة) كفعل ثأري يعوّض عن معاناة اليهود في البلاد العربية، لم تُقابل دوماً بالامتثال. تُظهر المراسلات تردّداً، اعتراضاً، وأحياناً لامبالاة تجاه هذه السرديات، سواء لدى الأشكناز أو المزراحيين، ما يقوّض صورة التماسك الأيديولوجي التي روجت لها القيادة العسكرية. سنقرأ كيف عاد كثير من اليهود المغاربة إلى وطنهم كرد فعل على ما حدث في عام 1948.
رسائل المتطوعين العرب وكتابات الفلسطينيين
تفصح رسائل المتطوعين العرب والفلسطينيين عن توترات في علاقتهم بقيادة «جيش الإنقاذ العربي»، أو حتى مع الفلسطينيين في القرى والبلدات التي مروا عليها. يكتب خالد ارسلان، المتطوع الدرزي السوري الذي دخل فلسطين ضمن قافلة يقودها الضابط السوري فوزي قاوقجي، إلى عمّه عن الحفاوة والحماسة، فقد استقبلهم أهالي المدن والقرى بالهتافات «عاشت الدول العربية، عاشت فلسطين عربية»، فزادت من ثقة المقاتلين المؤمنين بحتمية الانتصار.
سنقرأ عن هذه الثقة في رسائل آخرين أيضاً، قبل أن تتسرب لغة التقهقر مع تقدم الحرب؛ فتشكو مراسلات المقاتلين العرب من نقص حاد في الإمدادات والسلاح إلى سوء الرعاية الطبية وقلة الطعام والملابس. يكتب بعضهم عن إصابات وقتلى سقطوا بـ «نيران صديقة» أو أسلحة معطوبة وقنابل يحملونها فتنفجر بهم.
تظهر الوثائق أيضاً توتر العلاقة بين المتطوعين العرب والفلسطينيين أنفسهم. بينما تشيد الرسائل بجهود لجان فلسطينية قدّمت القليل المتاح للجنود، ترد شكاوى عن تجاوزات المتطوّعين في حوادث سرقة ومشاجرات، وبداية نفور القرى من وجودهم، مما دفع قاوقجي إلى إصدار أوامر بإبعاد الوحدات عن المدن خمسة كيلومترات «حفاظاً على سمعة الجيش».
تشير رسائل أرسلان أيضاً إلى قلة مشاركة الفلسطينيين في الحرب. يبرّر المؤلف ذلك: «جزء من غياب الفلسطينيين كان نتيجة للثقة التي عززها وصول جيش التحرير العربي نفسه، واعتقد عدد من الفلسطينيين أن هذه القوات وحدها ستكون كافية لهزيمة اليشوف».
نقرأ في رسالة من شاب فلسطيني يُدعى هاني أبو جولة لصديقه شعوره بالفخر لرؤية قوة عربية مستقلة تقاتل، ربما للمرة الأولى، واعتقد أن وصولها يعني أن المعركة لإنقاذ فلسطين ستكون سهلة وسريعة. روجت الدعاية العربية لوصول 15 ألف متطوع، في حين أنّ العدد الحقيقي كان خمسة آلاف. يقول أبو جولة: «لا حاجة إلى التجنيد سواء في جيش التحرير أو جيش الجهاد المقدس الذي يقوده عبد القادر الحسيني». ويخبر صديقه لاحقاً أن الحسيني حلّ جيشه لأنه لم يُستقبل بحفاوة كما استُقبل متطوعو «جيش الإنقاذ» في نابلس.
في المقابل، يعبر ارسلان عن إعجابه بحضور النساء الفلسطينيات: «صدق أو لا تصدق، الممرضات في مستشفيات نابلس من أعلى الطبقات الاجتماعية»، فقد أسست الفلسطينيات وحدة خاصة أطلقن عليها «زهرة الأقحوان» ترافق المقاتلين.

في رسائل أخرى نرى المتطوعين المرابطين في يافا يبعثون قائدهم عثمان الحوراني منسق «جيش الإنقاذ» يستجدون السلاح، تلك الرسائل لم تتلقَّ رداً إلا بوعد يائس: «سنعتني بعائلاتكم!».
انشق متطوعون وهرب آخرون، بينما تصرف كثيرون بشكل مستقل عن القيادة لحماية الفلاحين والبدو من الهجمات، مخاطِرين بالعقاب. يروي الضابط العراقي محي الدين الطيار في رسالة إلى والده تخطيطه للانتقام من اليهود الذين هاجموا البدو في أطراف بيسان. ويكتب المتطوع السوري محمد صالح سعيد، لذويه عن إنقاذ الفلاحين في قرية رأس عليّ بصحبة رفاقه من غارة يهودية.
يوميات وقصائد أيضاً
إلى جانب الرسائل، يضمّن الكتاب قصائد ويوميات لفلسطينيين تتفاعل مع الحرب والاحتلال لحظة وقوعه. نقرأ مثلاً قصيدة للشاعر شهاب الدين العبوشي يهجو فيها آل سرسق العائلة المسيحية الفلسطينية التي باعت أراضي «مرج ابن عامر» للصهاينة ويتمنى أن يُمحى اسمهم من التاريخ فلا يبقى لهم ذكر. ويقول: «لقد باعوا وطني من أجل عاهرة» في إشارة على الأرجح إلى «الحوادث التي أبُلغ فيها عن وسطاء من اليهود يقدمون العاهرات لمالكي الأراضي الفلسطينيين لإقناعهم ببيع أراضيهم».
الجنود اليهود يتلذّذون بالدماء
بدل التعامل مع الأيديولوجيا الصهيونية كوحدة متماسكة، تكشف رسائل الجنود ويومياتهم خلال العمليات الدموية في النقب والجليل عن مشهد أخلاقي متشظٍّ. جنود يتلذذون بارتكاب الفظائع ويبتهجون بالاستيلاء على الغنائم وآخرون يشعرون بالعار، ومنهم من يحمل الشعورين في آن.
نقرأ رسائلهم يتذمرون من الهدنة الثانية عام 1948، لا سيّما وقد حُسمت الأفضلية العسكرية: «هذا الهدوء الطويل يثير أعصابي» يقول أحدهم، متعطشاً لاستئناف القتال. ومع انطلاق عملية يوآف ضد المصريين في بئر السبع، تتبدّل نبرة الرسائل: فالمصريون «يتساقطون كالذباب»، والنصر دليل على أنّ «اليهود محاربون من الطراز الأول» رغم قرون الشتات.
تعكس هذه الصياغات خطاب التثقيف العسكري الذي قدم العنف اليهودي كاستعادة للتاريخ وعودة اليهودية بشكل طبيعي «إلى مجراها».
وبعد سقوط بئر السبع، يكتب أحدهم «المدينة تبدو كأن زلزالاً ضربها. لم أتخيل أن جيش بني إسرائيل يمكن أن يكون بهذه الوحشية في نهب ممتلكات العرب. لقد تخطوا الحدود (…) أين هي الأخلاق اليهودية؟ بالنسبة إلي، هذه وصمة عار».
في رسائل بعد نهاية المعارك في مدينة مجدل، حين واجه الجنود دوراً جديداً بحكم سكان مدنيين مهزومين، يصف أحدهم نفسه: «غريب شعور الجندي المحتل… يدي مقيّدتان بقلبي العبري، بعواطفي اليهودية»، ممزقاً بين تعليم عسكري ينفي الرحمة وإرث أخلاقي يقاومه. هذا التوتر، الذي لا يُحسم في الرسائل، يستبق الواقع: طُرد الفلسطينيون المتبقون، وأقيمت مدينة عسقلان مكانهم.
ريفكا، ضابط استطلاع، كتب في يومياته: «يصرخ الجنود وهم يتجولون مخمورين بالنصر، ويتردد صدى هذا الصراخ في كل زاوية. أرغب في أن أشارك صرخات الفرح، ولكني أعتقد أن هذا الاحتلال عمل شيطاني. بعد احتلال القرى الكبيرة، زرت هذه الأماكن ككشاف في الخط الأمامي. كان طريقنا مغطى بجثث العرب.
قال القائد عبر الراديو إن الجثث وصلت إلى الركب. صفّيت عائلات بأكملها ولم يتبقَّ سوى أطلال. في المنازل، كل شيء مبعثر. وجدوا الكثير من الطعام والمجوهرات والمال والغنائم الأخرى. الجثث لا تزال ملقاة في المنازل، حين جمع الجنود ثروة من أعمال النهب».
رغم أهمية الاشتغال الأرشيفي في «عزيزتي فلسطين»، يظل الكتاب بحاجة إلى قراءة نقدية. فالقوة التحليلية للأرشيف الشخصي هي نفسها مصدر مخاطره. الرسائل، مهما بدت كاشفة، لا تقف خارج علاقات القوة التي أنتجتها، ولا تُعفي المؤرخ من سؤال الموقع والنتيجة. تحويل التجربة الفردية إلى مدخل تفسيري واسع قد يُغري بتسوية الفوارق البنيوية بين الاستعمار والاستجابة له، أو بإعادة توزيع العبء الأخلاقي على مستوى الشعور بدل البنية. شاي حزقاني واعٍ لهذه الإشكالية، ولكنه لا ينجو منها دائماً. لذلك، تتطلب قراءة الكتاب يقظة نقدية: الإصغاء للأصوات من دون السماح لها بحجب عدم التكافؤ التاريخي الذي نظم الحرب ونتائجها.
ترجمة رديئة لكتاب مهم
الحقيقة أنّ قارئ الكتاب بترجمته العربية سيحبط للكيفية التي تعامل بها المترجم مع عمل بهذه الأهمية، فهو لم يكلّف نفسه القيام بأبسط التحققات، كأن يتأكد مثلاً من أسماء معروفة يترجمها، فالمؤرخ الفلسطيني هو سليم تماري وليس سالم تماري، والأكاديمية والكاتبة المعروفة هي شيرين صيقلي وليست سكالي، وهليل كوهين رجل وليس امرأة. وهناك صيغة معروفة تميز اللغة العربية اسمها المبني للمجهول ترفّع المترجم عن استخدامها لسبب ما. أما عن ركاكة الصياغات والجمل الرديئة الصياغة، فحدّث ولا حرج. ومن حسن حظ كاتبة السطور أنّها قرأت الكتاب بالإنكليزية التي نُشر بها العمل أصلاً.
وصال الوردي / عن العربي