استعراض الأقسام

الأدبصفحة

في روايته «جنون مصري قديم» يضع الروائي المصري طلال فيصل المرويّة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد، حيث تصبح النصوص التاريخية القديمة جزءا من النسيج الحكائي المعاصر، وشريكاً في تساؤلاته وحيرته إزاء كتابة التاريخ.

في الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، تنطلق الحكاية من عتبة أستاذ تاريخ أكاديمي مُتقاعد، تقوده حزمة أوراق لمؤرخ مملوكي مجهول يُدعى جلال الساعي إلى مغامرة تحويل تلك الأوراق وصوت صاحبها إلى رواية، مغامرة تجعله يجلس على مقعد الروائي لأول مرة في حياته، بعد سنوات طويلة من التعامل مع التاريخ بوصفه علماً صارماً، ليكتشف داخل نفسه دافعاً وجودياً للكتابة: «غرقتُ في الكتابة وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة لمَ أكتبها رواية. لعلي أسلّي نفسي وقد خرجتُ على المعاش، ولعلي أجربُ حظي في شيء جديد ربما ينفعني بما لم ينفعني به التاريخ».

تعلن الرواية انحيازها الصريح لفن الحكاية، في مواجهة إقصاء المشاعر من سرد الوقائع. فالتاريخ -كما يراه الراوي- عاجز عن احتواء الخوف والذعر والانكسار الإنساني: «لسوء الحظ، يهمل المؤرخون تماماً أمر المشاعر وهم يدونون لنا أحداث ما جرى». بهذا المعنى، لا تتحوّل الرواية إلى مجرّد استعادة لسيرة «الأشرف برسباي»، أحد أبرز سلاطين دولة المماليك، بل إلى مساءلة جذرية لطبيعة المعرفة التاريخية نفسها، وحدودها الموضوعية، وكيف يُعاد إنتاج الوقائع داخل خطاب سردي يعترف بتدخّله وتأويلاته وشططه.

لعبة الاسم

لا يكتفي طلال فيصل برسم شخصية راوٍ متقاعد يحوّل أوراقاً تاريخية إلى رواية، بل يبدأ لعبته السردية منذ اللحظة الأولى حين يُطلق اسمه الحقيقي على اسم بطله الروائي نفسه، ليحمل أستاذ التاريخ المُتقاعد اسم «طلال فيصل»، في تطابق مقصود بين المؤلف وشخصيته الروائية، بما يضع القارئ مباشرةً داخل منطقة ملتبسة بين الكاتب والراوي، وبين من يكتب ومن يُكتب عنه.

لا يعمل هذا التطابق بوصفه حيلة شكلية، بل بوصفه تقنية سردية تنتمي إلى تقاليد التخييل الذاتي والميتا سرد، حيث يتحوّل فعل الكتابة نفسه إلى موضوع للحكي، ويتقمّص المؤلف شخصية داخل عمله، لا بوصفه مؤرخاً يمتلك سلطة المعرفة، بل بوصفه راوياً مرهقاً، متقاعداً، يكتب ليقتل الوقت، وليسلّي نفسه في وحدته، وفنياً فإن حضور الكاتب باسمه داخل النص لا يهدف إلى ترسيخ سلطة المؤرخ، بل إلى تفكيكها، وتحويل السرد إلى مساحة نقدية يتجاور فيها البحث والتخييل، والوثيقة والشك، في صيغة رواية تعيد التفكير في الماضي أكثر مما تكتفي باستعادته.

لا تستدعي الرواية زمن المماليك بوصفه زمناً غابراً يُروى من مسافة، بل بوصفه نموذجاً أولياً لجنون السلطة حين يتحوّل الحكم إلى «لعبة» لا تخلو من مشاهد هزلية وسوداوية معاً، مثل مشهد تنصيب سلطان «رضيع» على رأس السلطة، في إشارة إلى عالم يحكمه العبث: «يشير ططر للأمير ببغا المظفري، أكبر المماليك سناً ومقاماً، أن يجاور السلطان أثناء تنصيبه، وتظهر مشكلة بسيطة حين يحاولون وضع عمامة السلطنة على رأسه فيفاجئهم صغر رأس الصغير وهي تغطس في العمامة».

طبقات الصوت

تنهض الرواية على معمار أسلوبي مركّب يقوم على تبادل الأصوات السردية؛ هناك أولاً صوت المؤرخ التاريخي المُعايش لزمن المماليك، الذي يكتب من قلب زمنه وبمنطق الشاهد لا المعلِّق اللاحق، فتتحرّك لغته في أفق يومي مألوف ما بين الأمراء، والمؤامرات والأسواق، والبيمارستان، وأبواب القاهرة، في تسجيل وقائعي ينشغل بمنطق التدوين بلغة المخطوطات القديمة، بما في ذلك الدعاء الذي يُذيّل أوراق المؤرخين القدامى: «ولعل الله يغفر له بحسن صنيعه مع بركة».

إلى جوار هذا الصوت، يبرز صوت البطل العليم المتدخّل، الذي يُعلّق ويفكك ويؤوِّل بسخرية هادئة وهو يكتب روايته، بما لا يخلو من تحليل نفسي وتفكيك منطقي للمروية التاريخية، يضاف إلى هذين الصوتين طبقة ثالثة تعمل كجسر بينهما، وهو صوت شيوخ التدوين ومؤرخي العصر المملوكي أنفسهم، عبر توظيف مقاطع مقتبسة من كتب التاريخ للمقريزي وابن إياس وبدر الدين العيني وابن تغري بردي، وكتبهم التي تُعدّ في علم التاريخ مصادر أولية لفهم ذلك الزمن.

لا تُدرج تلك النصوص بوصفها إحالات علمية، بل بوصفها أصواتاً سردية مستقلة تضع القارئ داخل المنظومة المعرفية الخاصة لزمن المماليك، حيث تختلط السياسة بالغيبي، والسلطة بالتأويل، والوقائع بالكرامات والنبوءات.

يخلق هذا التراكب الصوتي مساحة تبادلية بين كل من خطاب المؤرخ القديم، وخطاب الراوي التاريخي المعايش، وخطاب الراوي المعاصر الناقد، بما يقدم التاريخ كنص مفتوح يعيد مساءلته بدلاً من تكريسه.

ولا يكتفي الراوي بالمعايشة أو التعليق، بل يتحكم في السرد بوصفه صانع حبكة، فهو، على سبيل المثال، حين يتحدث عن صعود «بدر العيني» في بلاط «برسباي»، لا يقدّم الوقائع دفعة واحدة، بل يصنع توتراً سردياً مقصوداً: «لم يجتمع مجلسُ مشورة واحد في زمن برسباي، إلا وكان الرجل حاضراً فيه حتى حدث ما حدث مما سنأتي على ذكره لاحقاً». وهو أسلوب سردي يتحكم في الإيقاع، ويؤجّل الحدث عمداً، ويعيد توزيعه على الزمن الحكائي، ويتحوّل «بدر العيني» من شخصية تاريخية إلى بطل في حبكة روائية له صعود ونفوذ وذروة وانكسار مؤجّل.

العدالة التاريخية

يقود السرد إلى مساءلة الذاكرة الثقافية، فلماذا بقي المقريزي حياً في الوعي العام، بينما تراجع بدر العيني؟ ومن يصنع قانون المؤرخين؟ ومن يقرّر من يبقى ومن يُنسى؟ في ظل سؤال مفتوح حول ما إذا كان التاريخ علماً مُحايداً أم فناً سردياً محكوماً بالاختيار والرؤية. أما جلال الساعي، كاتب الأوراق المجهول، فيحمل رمزاً فنياً لمن سقطوا من الذاكرة الرسمية، فقد عاش الطاعون، ورصد الجنون، وشهد شطط السلطة، ثم اختفى اسمه من كتب التاريخ الكبرى، وكأن الرواية كلها محاولة إنقاذ أثر إنسان محذوف من السجلات.

غير أن «الجنون» يظل الثيمة المركزية التي تنتظم حول الرواية كلها، ليس بوصفه توصيفاً نفسياً فردياً، بل معياراً سياسياً وأخلاقياً، من «المؤيد شيخ» إلى «برسباي»، ومن رجال البلاط إلى المحتالين و«البهلوان»، فتدور السلطة في فلك فقدان الرشد، ويتحوّل الجنون إلى مبدأ بنيوي لفهم السياسة، بما توحي به عبارة على لسان الشخصية الروائية التي تتقمص «المقريزي»، وتلخّص رؤيتها السوداء للسلطة: «أظنهم جميعاً مجانين يا خالي، غير أن جنون هذا باهظ التكاليف».

الكاتب/ منى أبو النصر / الشرق الاوسط

هذه قصة التكوين الأول للملياردير سالم السالم، أما ما يأتي بعدها فقد يكون مفاجئا للقارئ، إذ سيظن كثيرا أن الرواية تتحدث عن شخص حقيقي عاش كل الأحداث المسرودة مع أن الكاتب حرص في مقدمة الرواية على تدوين التنويه المعتاد الذي يشير إلى أن “جميع الأسماء والأحداث والأماكن في هذه الرواية من نسج الخيال. وليس التشابه بينها وبين أي أسماء وأحداث وأماكن أخرى سوى مصادفات عابرة”.

بطل خارق

يمكن قارئ الرواية أن يتجنب البحث عن اسم مشابه لاسم الملياردير في الرواية، فهو اسم متخيل بالتأكيد، أما الأحداث التي يوردها السارد كاتب سيرته، فتأخذه إلى المقارنة والبحث عن أحداث وتصرفات لشخصيات، أو شخصية محددة، في عالم المال والسياسة.

فهذا الرجل استغل فرصة زخم الاندفاع نحو الجهاد في أفغانستان خلال ثمانينات القرن الماضي، فعمل على دمج طموحاته التجارية بالسياسة، وصار شخصية مقربة من أصحاب القرار وأقام رابط تواصل بين بلدان عدة، إلى أن يكون مسؤولا عن إعادة استيعاب الجهاديين في عدد من البلدان. فنجده يتحدث عن علاقته بالمؤسسات المصرية حيث نقل تجارته إلى هناك، ثم السودان بعد ذلك، التي التقى رئيسها إلى جانب الترابي لاستيعاب بن لادن هناك ومحاولة تغيير اهتماماته من الجهاد إلى الاقتصاد وهي المحاولة التي لم يفلح فيها.

يحكي الملياردير للراوي قصصه وسط جو من الخوف والمراقبة، فينقله من بلد إلى آخر، جامعا بين أحداث وقعت بالفعل وأدوار متخيلة اختلقها لنفسه، فهو يتحدث عن العراق وحروبه ويقول بكل فخر إنه هو من غيّر العراق وإن له الدور الأكبر في تنمية دبي. كما يدعي أنه هو من أوجد الصلح بين الغرب والقذافي قبل إطاحته، وأنه عمل مع علي عبدالله صالح في تحقيق الوحدة اليمنية ومن ثم حرب 1994، وحاول أن يستحوذ على ميناء عدن مع هيئة موانئ سنغافورة. ومن أجل ذلك يتحدث عن لقاءات له مع مبارك والبشير وصدام والقذافي وصالح، وتخطيطه لإسقاط السلطات الشمولية قبل أن تفاجئ تونس الجميع ببدء “الربيع العربي”.

هناك شطحات كثيرة لا يتراجع الراوي عن التعليق عليها ويعتبرها ادعاءات، إذ لم يجد ما يؤكدها في الوثائق ومصادر المعلومات، التي لا تذكر أي دور لهذا الرأسمالي الذي عادة ما يبث القول إنه من أغنى خمسة أشخاص في العالم وفق ما تناقلته مجلات مختصة يذكرها بالاسم، وهو يعرف أن لا أحد لديه الوقت للعودة إليها ليتأكد.

ما يكتشفه الراوي في الأخير وبعد جلسات طويلة يتتبع فيها صاحب القصة في عواصم مختلفة حيث قصوره ومنازله ومكاتبه، أن هذا الملياردير لا يريد منه أن يكتب مذكراته، بحيث تنشر باسم صاحبها، بل يريده أن يكتب سيرته باعتباره شاهدا على الأحداث والوقائع، وهو ما لم يرض به الراوي، الذي لا نعرف عنه الكثير، ليخرج لنا بهذه الرواية.

رجل بثديين

في روايته الأولى، “الشيخ شمسان وشركاؤه”، الصادرة عن منشورات “أوكسجين” في كندا، يبدو أن طارق عباس زبارة يحكي لنا حكاية تتناسل منها حكايات عدة. فمنذ البدء ودون مقدمات، نجد الشيخ شمسان، أحد شيوخ القبائل، يستيقظ من النوم وقد صار لديه ثدي أنثى. يسارع إلى الطبيب الذي تكون هواجسه مشغولة مع أبي قتادة خطيب المسجد المجاور الذي يصر على أن يوقظهم في الرابعة صباحا بصوت الميكروفون الكبير لأداء صلاة الفجر. هناك نتعرف الى تاريخ أبي قتادة وعلاقته بالجهاديين العائدين من أفغانستان وكيف أن أجهزة الأمن تتبعه لكنها لا تفعل شيئا تجاهه.

ترصد الرواية الكثير من الجوانب الاجتماعية كعلاقة ضباط الأمن بالتجار المهربين وبالذات تجار الأسلحة وصانعي الخمور المحلية، ورفض الهاشميين تزويج بناتهم من خارج عائلاتهم مما يؤدي إلى تحجيم أجساد أبنائهم وتشويه أشكالهم، لكن الشيخ شمسان يستطيع الزواج من فتاة هاشمية، بسبب مكانته الاجتماعية ووضع أبيها المالي المتواضع، وهو زواج من ضمن ثلاث زيجات للشيخ، أولاها أنجبت له وهي في الثالثة عشرة من عمرها.

أحاديث الشيخ شمسان مع الطبيب تشير إلى خلل في الهرمونات ناتجة ربما من تناول حبوب مقوية جنسيا. مع هذا تتسع شكوكه ويصبح في حال اضطراب مع المحيطين به إذا ما لاحظوا كبر صدره الذي يغطيه بثياب فضفاضة، ومع هذا يظل دائم الارتباك، حتى إنه حين يدعى إلى جلسة قات مع “الرئيس” يلاحظ هذا الأخير تغيره، فيتساءل بسخرية إذا كان “المشايخ” قد صارت لهم أثداء.

يسافر الشيخ شمسان، الذي ازداد نفوذه واتسعت ثروته، إلى السويد للعلاج، لكنه لا يجد فائدة، بل إنه يفاجأ بعدها وقد صار له عضو أنثوي، ليصبح محل سخرية تتطور إلى حجر احد أبنائه على أمواله.

هكذا، إذا كان غريغور في قصة كافكا الشهيرة تحول إلى حشرة تجسيدا لحال الإنسان وهو يكابد مصائره اليومية، فإن اضطراب هرمونات الشيخ شمسان في قصة زبارة يبدو اضطراب مجتمع بأكمله، ارتبطت فيه التجارة بالسياسة والإدارة بالفساد والحياة بالتشوه.ل عيون الشخصيات المؤثرة والمتأثرة بهذا التحول.

علي المقري – عن المجلة

في زاوية “إصدارات.. نظرة أولى” نقف على آخر ما تصدره أبرز دور النشر والجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي وبعض اللغات الأجنبية ضمن مجالات متعدّدة تتنوّع بين الفكر والأدب والتاريخ، ومنفتحة على جميع الأجناس، سواء الصادرة بالعربية أو المترجمة إليها.

هي تناولٌ أوّل لإصدارات نقترحها على القارئ العربي بعيداً عن دعاية الناشرين أو توجيهات النقّاد. قراءة أولى تمنح مفاتيح للعبور إلى النصوص.

مختارات هذا الأسبوع تتوزّع بين الدراسات الفلسفية والنقدية والحقوقية والتاريخية والفكرية وتاريخ الفن والترجمة والرواية.

في طبعة مشتركة بين “ابن النديم” و”الروافد الثقافية”، صدر كتاب “البحث عن فلسفة أصيلة: فيتغنشتاين، هايدغر، واليومي” لـ ديفيد إيغان بترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم. ظهر الكتاب لأوّل مرة بالإنكليزية عام 2019، ويُبرز مؤلّفه أنّه على الرغم من التباين في المنطلقات والخلاصات بين فيتغنشتاين وهايدغر، فإنّه يمكن التقاط عناصر مشتركة كثيرة بينهما، ومنها انشغالهما بمفهوم الأصالة وتطبيقه على التفكير الفلسفي. في سبيل ذلك، يقدّم المؤلّف قراءات موسّعة في كتابي: “تحقيقات فلسفية” لفيتغنشتاين و”الكينونة والزمان” لهايدغر.

“الحب والشعر في الشرق الأوسط” عنوان كتاب جماعي صدر حديثاً عن “دار بلومزيبري” بتحرير وتقديم الأكاديمي والناقد الفلسطيني عاطف الشاعر، ويتضمّن مجموعةً من الدراسات التي تتناول تجلّيات ثيمة الحُب في الشعر القديم والحديث الذي كُتب بلُغات شرقية مثل الأكادية والمصرية القديمة والعربية والفارسية والعبرية والتركية والكردية، وتتتبّع تطوُّر الخطاب المتعلّق بالحب على مستوى الحساسيات والأساليب والتقنيات. من تلك الدراسات: “شعر الحب الأكادي” لـ مارك ويدن، و”شعر الحب في مصر القديمة” لـ روبرت أندرسون، و”نظرة عربية وإسلامية للحب” لـ عاطف الشاعر.

“متعة الإخفاق: المشروع التخيلي لعبد الله العروي” عنوان دراسة صدرت حديثاً للباحث المغربي محمد الداهي عن “المركز الثقافي للكتاب”. يلاحظ المؤلّف أن العروي، إضافة إلى صفته كمؤرّخ ومفكّر، قد فتح مشاريع سردية متنوّعة (رواية، سيرة ذاتية، يوميّات، تخييل ذاتي…)، لكنّها تتميّز بكون محورها كان ذاته: إعادة تركيب الماضي الشخصيّ وإعادة تمثيله. يدرس الداهي الأدوات الأدبية التي أنجز بها صاحب “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” نصوصه السردية، مثل المراوحة بين استعمال ضمير المتكلّم والغائب، وبين التصريح والتلميح.

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، صدرت النسخة العربية من كتاب “محامية وقحة” للكاتبة والناشطة النسوية التونسية الفرنسية جيزيل حليمي. العمل نقله إلى العربية وليد أحمد الفرشيشي، وصدر عن “دار الكتاب” في تونس، وتعود فيه حليمي إلى محطّات من سيرتها الذاتية كحقوقية أساساً، كما يتضمّن العمل تأمّلات في مفاهيم مثل القانون واستعمالاته، والحقوق المدنية وكيفية تحصيلها. وتتأمّل حليمي خصوصاً علاقة المحامي بالقضايا التي يدافع عنها، وهي أمور تشير إلى أنها في غاية الأهمية لكنها آخر ما يُفكّر فيه المحامون وأساتذة القانون.

عن “منشورات جامعة برينستون” صدر حديثاً كتاب “فن القماش في الهند المغولية” لأستاذة تاريخ الفن سيلفيا هوغولنغ. يستعرض الكتاب تطوّر صناعة المنسوجات القطنية والصوفية والحريرية في الهند خلال القرنين 16 و17، التي استمّدت عناصرها الفنية والجمالية من الطبيعة، وعكست جانباً مهمّاً من غنى الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في بلد متعدّد الأعراق والثقافات، كما لعبت دوراً مهماً في التبادلات التجارية بين الشرق والغرب، وتصدّرت أثمن الهدايا التي كانت جزءاً من العلاقات الدبلوماسية التي ربطت الهند بالعالم.

“عين الديك” عنوان رواية جديدة للكاتب الفلسطيني سليم البيك تصدر قريباً عن “دار هاشيت أنطوان/ نوفل”. يستحضر الراوي في هذا العمل “أشباح الأحبّة الغائبين والحاضرين ويخاطبهم على الورق محاولاً طيّها لتطويع حكايته وإيجاد منفذٍ له يخلّصه من عبء الشتات الفلسطيني الموروث” بحسب ما نقرأ في تقديم العمل. ومن الرواية نقرأ: “لا تعرف أيٌّ منهما بالأخرى: هديل التي تدير غاليري في باريس، ولويز التي ستعرض لوحاتها هناك. وبينهما، هو. ومعه، حكايات جدّه عن معارك 1948 وترشيحا جذبته لويز لأنّها لم تكترث بفلسطينيته. وهديل جذبته لأنّها اكترثت”.

عن منشورات “ألبان ميشيل” في باريس، صدر حديثاً كتاب “من لسانٍ إلى آخَر: ضيافةُ الترجمة”، للفيلسوف السنغالي والأستاذ في “جامعة كولومبيا” سليمان بشير ديان. يقدّم المؤلّف مديحاً للدور الأخلاقي الذي يمكن للترجمة أن تلعبه بين الثقافات المختلفة، إذ يمكن لها أن تكون فضاءً للحوار والتبادل، بل حتى للمساومة، خصوصاً بين لغاتِ مجتمعاتٍ ليست مختلفة فحسب، بل متخالفة. وباعتبارها، في تعريفها، انفتاحاً على الآخر واستضافةً لما فكّر به في لغته ومنطقه، فإنّ الترجمة تصلح، بحسب ديان، كنقطة انطلاق لإنسانيةٍ أكثر انفتاحاً.

“خيال لا ينقطع: قراءة في ألف ليلة وليلة” عنوان الكتاب الذي يصدر قريباً للباحث سعيد الغانمي عن “دار الرافدين”. يضيء الكتاب وظيفتين للسرد أرادت أن تقوم بهما شهرزاد؛ الأولى دفاعية تتّصل بتعليق اهتمام شهريار برواية الحكايات له حتى لا تسمح له بأن يفكّر بقتلها، وهنا يصبح السرد معادلاً للحياة، بينما تتمثّل الوظيفة الثانية بتخليص شهريار من عقدته النرجسية التي ولدت من عدوانية عنوانها الأساسي قتل النساء. وبذلك تمكّن “ألف ليلة وليلة” من تطوير وظائف السرد، واستخدام الخيال لتخطّي الواقع، وخلق شخصيات أسطورية.

“قِياس العنصرية، القضاء على اللامساواة” عنوان آخر أعمال المفكّر الاقتصادي الفرنسي توما بيكيتي، وقد صدر حديثاً عن منشورات “سوي” في سلسلة “ليبل”، التي تُقَدّم كتباً مختصرة، في أقل من 100 صفحة، من شأنها “لفت الانتباه والإعلام والتساؤل” حول قضايا ساخنة. يتناول صاحب “رأس المال في القرن 21” كيفية إحلال نموذج جديد من أجل مكافحة اللامساواة في قلب الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، وهو نموذج يرتبط نجاحه بالإقرار بمدى العنصرية في المجتمعات، الذي يسمح، بالتالي، بإيجاد وسائل لحلّ أزمة اللامساواة.

عن “دار أفريقيا الشرق” صدر مؤخراً كتاب “الرباطات والزوايا في تاريخ الصحراء: الأصول والامتدادات” للباحثَين محمد الصافي والحسين حديدي. يستعرض العمل أبرز الرباطات والزوايا التي أُسّست في صحراء المغرب منذ نهاية العصر الوسيط وحتى الفترة الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين، مضيئاً على الأدوار التي لعبتها على المستويات الدينية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية، مثل ترسيخ القيم الدينية، ونشر التعليم، وتحقيق التكافل الاجتماعي، وتنشيط التجارة الصحراوية، إضافة إلى إسهاماتها في مقاوَمة الاستعمارَين الفرنسي والإسباني.

“بين الفقه والفن: النزاع على الصورة” عنوان كتاب شربل داغر الصادر حديثاً عن “المركز الثقافي العربي”. وفيه يواصل الباحث اللبناني اشتغالَه بموضوع ثقافة الصورة في العالم العربي من زوايا تاريخية وجمالية وفنّية. يُخصّص داغر كتابه هذا للمدوّنة الفقهية، من خلال تفحُّص مسألة إجازة الصورة من عدمها في عددٍ من المخطوطات والفتاوى غير المعروفة، مُتطرّقاً إلى الفروق في مواقف الفقهاء والمذاهب الإسلامية من الصورة، لا سيما الفنية منها، وأيضاً إلى علاقة المجتمعات العربية الراهنة مع الفنون من خلال علاقتها مع الصورة.

لندن

قال الأكاديمي الأوغندي محمود ممداني (1946)، أستاذ “كرسي هربرت ليمان للحكم” في “جامعة كولومبيا”، إنّ “حلّ الدولتين في نماذج استعمارية عديدة يخلق كيانين: دولة ذات سيادة، ومحمية”، مشيراً بشأن “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” BDS إلى أنه “يمكنها المساهمة في عزلة الاحتلال على الصعيد الدولي، لكن هناك حاجة إلى القيام بالمزيد من أجل أن يزدهر البديل غير الصهيوني في إسرائيل نفسها”.

جاء ذلك في محاضرته التي افتتحت ندوة “الاستعمار الاستيطاني والأصلانية والصراع الفلسطيني ضد الصهيونية”، أمس السبت، وتنظّمها كل من دورية “عمران” للعلوم الاجتماعية الصادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، و”معهد الدوحة للدراسات العليا”، و”كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بالمعهد”.

وحملت محاضرة ممداني عنوان “فلسطين/ إسرائيل من منظور ما بعد الفصل العنصري: الدولة – الأمة وحداثة ما بعد الاستعمار”، وفيها ركّز على “العلاقة بين الدولة- الأمة”، و”الحداثة ما بعد الاستعمارية”، و”العنف المتطرّف”.

وبيّن المحاضر أن الحاجة الآن، كما كانت الحال في جنوب أفريقيا، هي إلى ثورة معرفية تفتح الطريق أمام ثورة سياسية، مضيفاً أنّ “اللحظة الفارقة الفلسطينية تأتي عندما تقود الدينامية نفسها التي أدّت فيها وحدة المضطهَدين إلى عزل المضطهِدين، ذلك عندما لا يكون المضطهَدون وحدهم من يسعون للتغيير السياسي، بل أيضاً كثير من المؤّيدين الحاليّين للنظام الصهيوني”.

وفي رأيه، فإنّ الوصول إلى هذه المرحلة يستدعي نوعاً جديداً من الوعي السياسي داخل “إسرائيل”، يقوم على الاعتراف بأنّ مسألة ازدهار اليهود والحياة اليهودية لا يتطلّبان دولة صهيونية.

أمّا فحوى الدرس الجنوب أفريقي عنده، والعبرة التي يجب إيصالها إلى الإسرائيليين بأكبر قدر ممكن، فهي أنّ “اليهود لا يحتاجون إلى دولة يهودية ليكون لهم مقام آمن في فلسطين/ إسرائيل”.

استحضار تجربة ومقارنتها بأُخرى هي لمزيد من التنوير لا المطابقة بالحرف

وحسب ممداني، فإن الدرس الذي يجب أن تتعلّمه “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” هو أنها في حاجة إلى البناء على المكاسب التي حقّقها “التجمّع الوطني الديمقراطي” (بلد)، لا أن تعتبر أنها بديل له. سيكون إنجاز ذلك بمنزلة توفير إطار سياسي لليهود الإسرائيليين المعادين للصهيونية، وحتى لغير الصهيونيين منهم”. والأفكار، كما يتنبى ممداني، ليست هي ما يصنع العالم، بل تلك التي تتبلور إلى مؤسسات وحركات اجتماعية.

ويراجع المحاضر المفهوم المركزي في حداثة الغرب؛ ومفاده أنّ الثقافة هي السياسة والعكس صحيح، مشيراً إلى أن هذا المفهوم “مركزي لدى المستعمِرين، على الأقل منذ منتصف القرن التاسع عشر”. وعليه يسأل: “لماذا علينا أن نفترق عن ذلك المفهوم، للبحث عن بدائل إمّا دولة واحدة أو دولتين؟”. هنا يدعو إلى “عدم الخلط بين بين الثقافة والسياسة، فالأولى تنتمي إلى الشتات وهي عابرة لحدود الدولة”.

ومن أفريقيا استحضر ممداني نموذجَي الجزائر وجنوب أفريقيا، “حيث هُزم الاستعمار فيهما هزيمة نكراء، مع فارق بين التجربتين، حيث غادر المستعمرون في جلّهم الجزائر عقب الاستقلال، ولكن العكس حصل في جنوب أفريقيا”. وفي هذه الأخيرة يجد ما يعنيه، وما يعتقد أن الفلسطينيّين يمكنهم تعلّم شيء منه، مستدركاً: “أنا غير مهتم بالتسويق لهذا النموذج، فأنا لست مندوب مبيعات. لكنّني مهتم باستكشافه وتحليله لنصل إلى تجربة أفضل”.

كيف يمكننا أن نشير إلى الهنود: هل هم هنود أم سكان أصليون في أميركا؟

لا يُنكر ممداني أنّ التجارب التاريخية لها خصوصياتها، غير أنه يضيف بأنّ “استحضار تجربة ومقارنتها بأُخرى هي لمزيد من التنوير لا المطابقة بالحرف”. يستبق الحديث عن جنوب أفريقيا التي يجد تشابهاً كبيراً بينها وبين فلسطين، بما قال إنه المثل الأعلى للإسرائيليين، وهو الولايات المتحدة الأميركية، كما أنه نموذج للعنصريّين في جنوب أفريقيا. فقد تأسّست أميركا على قمع مجموعتين كبيرتين هما الهنود الحمر والعبيد الأفارقة.

ونقل لنا السؤال الذي تداوله الأميركيون المسيطرون: “كيف يمكننا أن نشير إلى الهنود هل هم هنود؟ أم سكان أصليون في تلك الأرض؟”، واستدرك بالقول: “المتحف الذي خُصّص للحضارة ما قبل كولومبوس في واشنطن يُسمّى ‘المتحف الوطني لأميركا الهندية’، ولا يُسمى المتحف الوطني لأميركا الأصلية”.

ويتساءل هنا لماذا؟ ثم يجيب: “لكي تكون أصيلاً يتعيّن الاعتراف بالهنود أعضاء مؤسّسين للولايات المتّحدة الأميركية، ولكنهم ليسوا كذلك. فالدستور الأميركي يعتبرهم خارج نطاق الولايات المتحدة وحكومتها، وأكثر من ذلك وضعهم في خانة الأعداء”.

ونتج عن ذلك، حسب رأيه، “أمّة مستقلة محلّية شأنها شأن الذين يعيشون في الضفّة الغربية، وهذا ليس إلّا قناعاً للاستعمار. وكانت السلطات التي تعيش في هذه المحميات تحت سيطرة ما يُسمى ‘مكتب الشؤون الهندية’، وهو لا يختلف عن البيروقراطية الكولونيالية، التي كانت تسيطر في أي بلد أفريقي على نحو غير مباشر. هذا هو حل الدولتين الذي يختصره بدولة ذات سيادة مع محمية ليست ذات سيادة بالمطلق.

مقابل ذلك، “كان العبيد الأفارقة يعملون في أراض يملكها البيض، بينما أراضي الهنود سُلبت منهم، والأفارقة مفصولون عنصرياً ومحكومون في آلاف وآلاف من المجمّعات الصناعية والزراعية”.

ما فعلته الولايات المتحدة مع السكّان الأصليين يفعله الاحتلال مع الفلسطينيّين

وأضاف في هذا السياق: “عاش العبيد تحت الدولة الواحدة، ما وفرّ سياقاً سياسياً لبناء التحالفات التي أفضت الى كفاح للتخلّي عن العبودية. والأفارقة يشكّلون 15%، وهم على ذلك أقلّية، لكنهم أصبحوا قوّة لا يُستهان بها بعد الحرب الأهلية، وحركة الحقوق المدنية، وحقبة إعادة البناء وتعزيز حقوقهم أخيراً من خلال حركة حياة السود مهمة”.

وفي كلمة، في هذا السياق، يقول إنّ حل الدولتين “فرض محمية هندية وموطناً متشظياً سياسياً، بينما حلّ الدولة الواحدة قدّم إمكانية التحالفات والتغيير”. هذا هو النموذج المستلهم مثلما يراه: “ما فعلته أميركا مع السكّان الأصليين تفعله إسرائيل التي لا تسعى لتغيير الفلسطينيّين ولا تريد استعبادهم، بل أن تحل محلّهم وتُفكّك واقعهم السياسي”.

ومضى قائلاً: “في جنوب أفريقيا حصل المستوطنون على الاستقلال عام 1910، وأرسلوا وفداً إلى أميركا الشمالية لدرس النموذج الأميركي ونظروا إلى محميات الهنود الحمر لكي يفحصوا مدى السيطرة على الأفارقة”.

النسخة التي طُبّقت على الأرض في جنوب أفريقيا يقول إنها ذاتها نسخة من اتفاقات أوسلو في فلسطين، حيث جاءت كلّ اتفاقية بـ”بانتوستان”، وهذا يشبه السلطة الوطنية الفلسطينية للحفاظ على الأمن الداخلي، وحصلت “البانتوستانات” على دعم السلطات البيضاء الحاكمة.

ويحاجج ممداني بأنّ التغيير الكبير في جنوب أفريقيا رشّح في السبعينيات، إذ حقّقت مقاومة التمييز العنصري إنجازات عظمى، لافتاً إلى أنّ السود لم يذهبوا إلى خيار الدولة القومية الذي يزعم أنّ جنوب أفريقيا ذات أغلبية من السود بينما الهنود والملوّنون والبيض أقلّيات، حتى يمكن للسود أن يعلو كعبهم، بل جرى التفكير على نحو مغاير مفاده أن جنوب أفريقيا لا تقوم على العرق.

محمد هديب

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان

دفاتر تشيهواهوا

مينا 1004

أغسطس/ آب 1956، تشيهواهوا، احترقَتْ. النَّار، رأيتُ جدَّتي تحترقُ.
منَ الدَّاخل والخارج احترقَتْ في شارع مينا 1004. رأيتُ أبي يلفُّها بغطاءٍ، كلُّ شيءٍ من حولنا كانَ يحترقُ: الفراشُ، الستائرُ، السجَّادُ، ولباسُها الَّذي تفحَّمَ.
جمَعَ أبي كلَّ أغراضِها.
“لا تضجُّوا، فالأمُّ نائمةٌ”.
رأيتُهُ مُرتدياً ثيابَ الحِدادِ وربطةَ العُنُقِ السَّوداءَ، في تلكَ الظهيرةِ من آب.
حمَلَها، إلَّا أنَّه لم يأخذ معَه إلا الرَّمادِ والبُكاء.
وبينَما كانَ دُخانُ الجدَّةِ في الصَّالةِ، كانَتْ عمَّاتي يحتسينَ، بمرارةٍ، رواسبَ فناجينِ القهوة.
كانَ لا بُدَّ من محو السَّوادِ المُؤلمِ،
تذويبِ الملحِ والبكاء،
كانَ لا بُدَّ من العِناقِ، من هزيمةِ مشقَّةِ السَّفَر،
كانَ لا بُدَّ من الاستماعِ مَثلاً، لا عن رغبةٍ،
إلى أسطوانة بول آنكا، وهي تدورُ بسرعة 45 دورةً في الدقيقة.
تارةً كانَ حيويّاً،
وتارةً أخرى بدا كلُّ شيءٍ أرجوانيّاً: المرأةُ، التعبُ، أوراقُ أشجارِ الحَوْر.
ثمَّ الزُّجاج، انعكاسُ الأرز في الزجاج، والوجهُ المُحترقُ تحتَ الدُّخان.
حتَّى أُمِّي احترَقَتْ.
انطَفَأَتْ ضحكَتُها في دموعٍ:
“سرِّحي لي شَعري، دعيني أخرجْ
لأرى إنْ كانتِ المَلابسُ قد جَفَّتْ”.
وكنتُ خائفةً.
خائفةً ألَّا تعودَ خُطواتُها البطيْئَة.
من نعومةِ الورق، من التآكُلاتِ الباطنيَّةِ،
من الثقلِ الجَافِّ لأوراقِ اللّبلابِ الَّتي باتَتْ من دونِ جِدار،
من أحواضِ الوردِ الَّتي لم تعُدْ تحتضنُها في الفِنَاء.
كنْتُ خائفةً من تلكَ الغرفةِ العَمياءِ بموتِها.
كنتُ خائفةً من نفسي
ومن أنْ تتسلَّلَ الرِّيحُ
وتأخُذَ معَها غُبارَ شَجَرِ الدِّلْب.

■ ■ ■

10 مارس، نيويورك

1

صمتٌ أبيضُ. لا عَصَافير
الأشجارُ في رقصٍ غيمِيٍّ
على إيقاعِ المَشْهد.
ليس بينَ ما يلدُ ويموتُ إلَّا ثَلجٌ
يفتِّتُ الصَّخرةَ، وصوتُ الرِّيْح:
تلكَ الأصواتُ الغامضة البعيدةُ
الَّتي تجمِّدُ أفعالَنَا المُريبَة.

2

حيواتُنا تعودُ أُخرى خالدة
كمثلِ بريقِ زُجاجٍ
لم يكتملْ،
ونتذكَّرُ عُذوبةَ النَّدَى
كمثلِ أوراقٍ هَشَّة.
هل نحنُ تواريخُ؟ كلَّا
لسنا إلَّا بُقعاً غيرَ مرئيَّةٍ منَ التَّاريخِ،
دُخَاناً عصيّاً على الشَّفافيةِ،
لكنَّنا أيضاً ماءٌ بينَ شجرِ البلُّوط.
هكذا نحتَسي فنجانَ القَهوةِ المُرَّةِ
الَّذي نتأمَّلُ فيه،
ورؤوسُنا إلى الأسفل.

الصورة
غلاف جانيت لوزانو كلاريوند باللغة العربية- القسم الثقافي
3

لا تواريخَ،
بل أرواحٌ تبحثُ عن أغصانٍ تعودُ إلى الحياةِ من جديد.
وكنتُ خائفةً من قواربِ عينيك.
رأيتُ البحرَ يُولَدُ بوضوحٍ لا يُوصَف.
لكنْ، كي تعثُرَ على يديَّ
تلزمُكَ سنواتٌ وأنفاقٌ وأبراجٌ كهربائيَّة.

4

الخوفُ
هو أنْ تجدَ شبهكَ الآخرَ.
ولا يزالُ تفسيرُ الأحلامِ
يُثقلُ علينا نومَنا.
مَن نُمثِّل؟ أيُّ جزءٍ من الحَشَرةِ يَختزنُ السُّمَّ؟
الفصولُ مثل الكلمات،
تحملُ معَهَا موتَها-
ما إنْ تأتي
حتَّى تتركَ فسحاتٍ أُرجُوانيَّة مُتباعدَة.
واللوغوس يا هيراقليطس؟
ما حاجَتي إليه طالَما
أنَّني أرمي الضوءَ
في حضنِ ضوءٍ آخرَ
أمَلاً في العَتمَة؟

5

بينَما تنعكسُ من وراءِ البلَّوْرِ
أشجارُ الخَوْخِ
في خريفٍ تتساقطُ فيه الرَّغبةُ والكَسَلُ،
تناقضاتُ الطبيعةِ وتحوُّلاتُها العاصِفَة
ترجعُ بنا الذَّاكرةُ إلى الصُّورةِ الأولى:
أوه،
أنْ تكونَ عَبَثاً دائماً.

6

ألفاظٌ بعطرِ اليَاسَميْن
في أحواضٍ مُتعَبَةٍ وأساسٍ بالٍ.
نحاولُ أنْ نُعطيَ الجُذُورَ حياةً جديدة،
إنَّما، في أيِّ أحواضٍ نكيِّفُ أحوالَهَا؟
الوقتُ هُنا يُعلنُ صمتَ الضَّحيَّةِ
والأجراسُ حولَه تدقُّ؛
عشبٌ رطبٌ، حشراتٌ على الأوراقِ
وعُقعُقٌ صخَّابٌ. إنَّه صدى الله.
نموتُ في أسفلِ السَّماءِ، في مسافةٍ
هي الأصلُ الأوَّلُ والوحيدُ: فجرٌ وأصواتٌ…
السَّماءُ مِرآةٌ والأرضُ قبرٌ
وليس هناك من خاتمة؛ لا خلاص.
لا شيءَ إلَّا الخيطُ والقُماشُ،
وضوءُ تُفَّاحةٍ في أعماقي.

7

ربَّما كانَ من الأفضلِ
أنْ نَستسلِمَ لِبَهاءِ الأُفْقِ
الَّذي لا يمكنُ دُحضُه.
الحياةُ حُلُمٌ إلَهيٌّ،
وآلِهتُنا الَّتي خلقَتِ الحربَ والكلمةَ
لم تفعلْهَا من سَلامٍ.
النَّارُ تفصحُ.
نتحدَّثُ معَها عنِ الضَّوء؛
نتحدَّثُ معَ تجلِّياتِكَ، أيُّها الضَّوء.
بالوحدةِ، يُولَد الشُّعاعُ الأوَّلُ
وها أنا ذا أراه على ريشِ ديكٍ بُنيٍّ.
تكلَّم عنِ الإلهِ
واغرقْ في الظنِّ.

8

هل عليَّ أنْ أقيسَ مشاعري؟
وهل من طريقةٍ يُقاسُ بها خوفُ الرُّوح؟
ضوءُه يتقدَّمُ ولا رجعَةَ فيه.
تُغذِّيْنا الرَّغبَةُ كمَا تُغذِّي الأزهارُ طائِرَ الطَّنَّان.
طيرانٌ سريعٌ يبعثرُ لونَ السَّماءِ البنفسجيّ
في حينِ جَنَحَتِ الشَّمسُ فجأةً
دونَ أنْ تدركَ أنَّها، منذُ زمنٍ طويلٍ،
ما بَرحَتْ تُشْرقُ.

9

عنِ الأصولِ
يُحدِّثُنا هَذا الضوءُ الضَّائعُ
في قلبِ مَاءٍ قُراح.
أسمعُ ولا أسمعُ
أدخلُ وأخرجُ في صفاءِ البَحرِ
المُتمدِّدِ على عرشِ الصَّمتِ
أو جرفِ المسَاء.
وكلُّ شيءٍ يدنُو، يقتربُ،
ظلُّ قمرٍ صيفيٍّ
وتحليقُ طائِر.
إنَّه الواقعُ الَّذي لا
ترصدُهُ حيواتُنا.

■ ■ ■

فاصل

تعالَ
دعني أُقبِّلْ عينَيكَ، هُناكَ حيثُ يسكبُ الفجرُ ضبابَهُ على الأرضِ. اِقْرأْ معي صفحاتِ تاريخٍ لم يُروَ، أثرَ خُطواتٍ على الثلجِ، أيدي حنانٍ تتلاشى معَ الوقتِ، اِقْرأْ معي لُغتَكَ الرَّمليَّةَ الَّتي تتلاشى في كثبان.
أيتها العزلة، تنبئني بمَصيري!
وأنتِ، انخُري صمتي، يا هياكلَ السَّمكِ!

  • القصائد من مجموعة جديدة صدرت ترجمتها بالعربية حديثاً تحت عنوان “المرأةُ.. التعبُ.. أشجارُ الحَوْر” عن “سلسلة آفاق عالمية”

بطاقة

Jeannette L. Clariond شاعرة مكسيكيَّة من أصول لبنانيَّة. حاصلة على الإجازة في الفلسفة والأديان المكسيكيَّة القديمة. رسَّخت نفسها في بانوراما الشِّعر المكسيكيِّ كواحدة من أبرز الأصوات الشعريَّة الأنثويَّة. لها ما يقارب عشرة دواوين شعريَّة؛ بينها: “لحظات الماء” (2007)، و”ذاكرة مُقْفِرة” (2002)، و”دم خفيف” (2011)، و”دفاتر تشيهواهوا” (2013). حازت العديدَ من الجوائز؛ أبرزها “جائزة سان خوان دي لا كروز” الشعريَّة عام 2018.

ملأَ الصَّخَبُ رُدهةَ العيادة، بيد أنّه لم يكُنْ أوّلَ ما بثَّ الذُّعْرَ والاشمئزاز. سبقَ ذلك صوتُ الجرّارِ الزِّراعيّ الذي استخدمهُ الرّجالُ الخمسة لجَرّ البَغلِ المُحتضر. اختلط الصَّوتان ببعضهما؛ الجَرّارُ الدّابّةُ والبغلُ العَثِرُ بشحيجِه. نفَرٌ من الناس ادّعوا أنّ الرّجال لم يحملوه بالمقطورة، إنَّما ربطوه مُباشرةً بالجَرّار، وشآبيبُ الدّم تنفرُ من بَدَنِه اللّاهث طولَ الطريق.

وحدَه صدقي، مُنظّمُ الدَّور في العيادة، أفادَ بأنّ البغلَ نُقِلَ بالمقطورة، وعندَما رمَوهُ منها انتفضَ على قدميه. في حين نسُوا وهم يهربون إرجاعَ المقطورة إلى وضعيَّتها أثناء القيادة، فحطّمتْ قوساً حجريّاً ومرايا سيّاراتٍ ثلاث.

لم يكن الطّبيبُ الستينيّ ليستوعبَ التهديد من قتْلِ البغلِ أمام ناظريه وفي فناء عيادَتِه. لو ذبحوا دجاجةً لحقّقوا مُبتغاهُم أسرع، وأعفوا أنفسهم من عناءِ الإعدام. فالبغلُ، رغمَ اكتهالِهِ، حَرونٌ شَمُوسٌ، ما أنْ وطأ الأرضَ حتى رمَحَ على قائمتيه الخلفيّتَيْن، ناشباً طولَهُ الفارعَ في السّماء، فبدا كلُّ مَن يتربَّصُ به قزَماً مُجلّلاً بالغُبار.

يُقالُ إنّ للقبائل مُعتقداً: إذا أرادَت صيد الغزلان تتركُ لها منفذاً لتهربَ منه، لأنّها إذا ما حوصرت من أربع جهات تختفي وتتبدّد. لكنْ ماذا عنِ البغال، التي إنْ تلمّست غريزتُها الأذى، تُلقِ بنفسِها من شاهق… تنتحر. المُهمُّ ألَّا تدعَ يداً طويلة تغدرُ بها؛ يبدو أنَّ ما تقولُه الأساطير لا ينسحبُ على الواقع دائماً.

راقبَ البَلديّون الرّعاديدُ المشهدَ مِن طُوَقِ بيوتِهم، دون أن يُغيثوا طبيباً طالما عدُّوهُ مسيحاً يبرِئ أسقامَهم المُتكاثرة. صرخةٌ شاحبةٌ أُطلِقتْ من غلامٍ غيرِ مرئيٍّ: “إيّاكُن. إيّاكن البغل يا عمّي، لأنو مرصود”. لم يُسمَعْ غيرُ ذاك الاعتراض، فالاحتجاج بطبيعة الحال كان من أجل البغل لا الطّبيب!

بعدها حلّ شَللٌ مُطبق؛ إذ غُربِلَ لَبَانُ البَغلِ برشقتَيْ طلقٍ من بندقيّة “بيريتّا” مُخصّصةٍ لصيد الطُّيور، فهوى مثلَ ماردٍ خانتهُ قواه، راطماً خطمَه بحجرٍ صقيل، كاظّاً على لسانِه بأسنان خشبٍ، مُسْلِماً رأسَه المُشظَّى تحتَ الأقدام العَفِرَة.

تمارضُوا مَلقاً كما استغلّ بعضُهم الفُرصة ليعرِضَ خدماتِه

انتهتْ معركتُهم معه حَيّاً، وبدأتْ معركتُهم معهُ مَيْتاً، أعملَ رجلٌ الْمِهَدّة في قوائم البغلِ الأربع. ما لم يتكسَّرْ من عظامِه خلعَهُ بالمِقراط أو نشَرَه. بينما بَقرَ اثنان بطنَهُ بمعوَلٍ مُدبّبٍ غير حادٍّ، حتّى استحالَ أشلاءً موزّعةً بين غرفتي الانتظار والمُعاينة. أمسكَ أحزمُ الرِّجال مِعى الحيوان ونكثَ روثها صارخاً بعينيِ الطَّبيب: “فْتاح تمَّك المرّة الجاي منشان إحشيلك إياه بخراك… حاشا السّامعين”، ثمّ مسحَ العالقَ على يَديه ببياضِ حائطٍ نظيف.

مُلطّخينَ بدمِ البغل انسلُّوا إلى جَرَّارِهم الخَرِب، عندها حطّمَ خروجُهم قوساً حجريَّاً وعدّةَ مرايا، وكأنّ هولَ الإعدام لم ينقصْه سوى إمضاءٍ أخير.

بدأ المُحيطُ ينسربُ صوبَ العِيادة، وأطلقت جمهرةٌ اللّعناتِ على ذلك الصّنفِ من البَشر: “الله يهدّ جبرهن على حالهن… لا رحمة ولا شفقة”، متعاطفين مع مسيحِهم المُحترَم، يُلَملمون أشلاء الحيوان الضّخمة، ثمّ سرعان ما زادَ عددُهم. استغلّوا انكسارَ مِثالٍ ما كانوا ليحسبوه مُنهزِماً أمام حفنة أوباش.

طوى الطّبيبُ حقدَه أمامَهم، وبادَلَهم ابتساماتٍ صفراء، ولم يُعِرْ فضولَهم الخبيث أيَّ جواب: “أكيد هذا لأنك ثابت وما بترضخ لابتزاز ولاد الحرام، مش هيك يا حكيم؟”، “يِمكنُّن مِنْ متعاطي الحبوب، المُعيذْ الله!”. حتى ذلك الغلام الخَفِيّ حاولَ الظّهورَ على أكتاف الحُطام، كالأطفال ثقيلي الدّم. فاقتحَمَ المشهد مُردّداً عبارَته مباشرةً، لا من وراء صخرٍ كتيمٍ: “ما تْخاف يا حكيم، هذا البغل ما بيموت، وحياة البَرَكة إنّو عزيز ومرصود هيك بيقول جدّي، بدّو يرجع وينتقم منُّن”. نظرَ الطَّبيبُ إليه شزراً، ثم تجاهلَه دون انتباه. كلُّ ما فعلهُ أنَّهُ انهمَّ بإزالة الرّوث واللَّحم العالق على عُلَبِ الدّواء، وتطهير ميزان حرارة فموي صُودِفَ فوق مكتبِه لحظتها.

لم ينقطعِ المُراجعون عن العيادة رغمَ الفوضى، والرَّوائح النّتنة. فتمارَضُوا مَلقاً، كما استغلّ بعضُهم الفُرصة ليعرِضَ خدماتِه في تنظيف العيادة مقابلَ معاينة مَجّانيّة، أو علبة دواء تُصرَفُ بنصفِ ثمنها… هكذا حتّى انحسرَ اكتظاظُ الخوف عن روحِ المكان، وحلّ رضا مُريح لم يُعرَف مصدرُه. قيل: إنَّ دمَ شُؤمٍ قد تفجّرَ، وهو لا غروَ قربانٌ عن البلد وأهلِه. وقِيلَ: إنَّ ثلاثَ بناتٍ توأم وُلِدْنَ لامرأة عرجاء ظَنّوها عاقراً طويلاً، وما كانَ رجُلُها ليفرَح كلَّ الفرح لولا سرٌّ غيرُ مفقوهٍ يلفّ البنات التوأم… وقيلت ادّعاءاتٌ كثيرة.

يبدو أنَّ ما تقولُه الأساطير لا ينسحبُ على الواقع دائماً

سرَتْ شائعة البغل المرصود، وأنّ روحَه لن تنفكّ تطوفُ بالمكان أربعينَ يوماً، وقد تلتبِسُ بأحد المارّة في المحيط إذا ما حانتْ لها ساعةُ غَفلة. لكنّ أحداً لم يُولِ تلك الرّوحَ حذَراً، بقدر الخوف الذي أُولِيَ لعيونٍ تتبعُ أولئكَ الأوباشَ، وترصدُ المكانَ لصالِحِهم… بعد عدّة أيام، أخبرَ الطبيبُ مُنظّمَ دوره أنّ المغادرة مُتاحَة كونه ينوي الذهابَ صوبَ قلبِ المدينة في إجازة مفتوحة. أراد من وارء ذلك معاقبة بلديّين تخلّوا عنه، حسبَ زَعْمِهِ، في وقتِ مِحنتِه.

على الطريق، شعرَ صدقي وكأنّ الصباحَ لا يتزحزحُ من مكانِه، نظرَ من نافذة الباص إلى تلال جرداء مُرقّشة بنقاطٍ غبراء تتحرّكُ ببطء، إنّها مجرّد بغالٍ برّية مسكينة.

أقلقَ قدومُه في غير موعدِ الإجازة أمَّه، إلّا أنّها ما برحتْ تقطفُ تفّاحاتِ الدّم من تحت جلد الجدّة المُعمِّرة. لم يقوَ على التّملُّص من الرّواية المكرورة لجدّته عن أبيه المقتول منذ 30 عاماً، ها هو يسمعها طازجةً للمرّة الثانية في أقلّ من عشرة أيام، استمع إلى “كيفَ قُتِل والدُه غِيلةً لأنّه شهمٌ نبيلٌ وأعداؤه أجبنُ من أن يواجهوه”، استمعَ إلى أنّهم تربّصوا به ليلاً، وإمعاناً في التَّمثيل علّقوا جُثّتَه في سقف مزار نبيّ الله ذي الكَفل في آخر حيّهم المَحظيّ بالتّشريف.

وقبل أن تُنهي الجدة مرويَّتَها التي لا تكلُّ عن تكرارها، اخلتطَ حابلُ الدّم الجديد بنابل الدّم القديم. سَهمَ نظرُه، وفمُ الجدّة لا يَني يبخُّ رائحةَ الموت المترصِّد. وشخصُ والده، يطوفُ في مقام نبيّ الله باكياً، ويُغَلُّ كما قربانه جَاثياً، ولا يُقبَلُ منه. أمّا أمّه فيتقطّعُ جلدُها بتفّاحاتٍ من دَمٍ، وصوتُ شحيجٍ مجهولُ المصدر يُصمُّ الآذان، أماراتُ إنطاقٍ بالحقّ ولو بعد حين.

فتحَ صدقي عينيه على نَفَسِه المُنقطِع فَوَجدَ نفْسَهَ في غرفتِه، ولم يمرَّ على نومه سوى ساعتين، لا تَسُدّان جوعَه إلى نوم عميق بعد كُلِّ ما مرَّ به. دفعَه الأرق إلى شُبّاك غرفته، أخذ يدخّن بشراهةٍ، وأصواتُ الأذكارِ والآيات تنبعثُ من جِوارات الحيّ، ومُكبّراتٌ تُؤْذِنُ باقتراب المَولد، وأخرى بـ”واذكُرْ إسماعيلَ واليسَعَ وذا الكفلِ وكلٌّ منَ الأخيار”.

امتدّتِ الإجازة فبدأ الحيُّ يُصبِحُ مُتنفّساً، ويتحسّنُ أداءُ نومه، إذ خفّف توتُّرَه السيرُ اليوميّ، والتردّدُ إلى مقام نبيِّ الله. تلقّى اتّصالاً من الطبيب حدّثَهُ فيه عن النّقابة التي ستفتَحُ تحقيقاً في الاعتداء، كونَه جزءاً من اعتداءات مُتسلسلة. أحسّ أنّ قاعدةً تسنُده في مواجهة كلام جدّتِه الذي دَهمَهُ بجبَلِ خوفٍ أسود أثقل من موقعةِ إعدام الشّاحِج الحمراء. لم يستطع تسمية ذلك الإحساس، عبّ نفَسَاً عميقاً وتفطَّنَ إلى منزلة رماديّة… لعلّه الرّضا.

بطاقة

كاتب قصة من مواليد عام 1992، مُجاز من قسم اللّغة العربية في “جامعة دمشق”. نشر مقالات في النقد الأدبي في مواقع وصحف عربية عدّة. يُحرِّرُ “صحيفة المُتلمِّس”، وهي منصة إلكترونية تأسّست عام 2020 وتُعنى بالكتابات النقدية حول الآداب والفنون والترجمة وتكتبها مجموعة من الأسماء العربية الشابة. كذلك عمل في إنتاج محتوى صوتي، بالإضافة إلى عمله في الصحافة الثقافية.

أنس الأسعد

“في كلّ مكان من المنفى” عنوان مختاراتٌ من قصائد الشاعرة الفلسطينية الأميركية ناتالي حنظل (1969) بترجمة أحمد م. أحمد، صدرت حديثاً عن دار “فواصل” في اللاذقية. كُتبت القصائد بين عامي 2005 و2019، ولعنوان الكتاب ما للقصائد من دلالة على المنفى المتعدّد. كما تحضر في المختارات التراجيديا الفلسطينية المعاصرة واللجوء السوري الراهن، وتجارب العيش في بلدان عديدة بين العالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية.

في القسم الأول من القصائد، “حيوات المطر” (2005)، تُعيد ناتالي حنظل العالم إلى تصوّراته القديمة الأصيلة، وتستخدم الشعر لفهم مأساة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. كما تُعيد صِلاتها بالمدن والثقافة الفلسطينية، ويحضرُ في قصائد هذه المجموعة صوتُ الفلسطيني المُبعَد. إذ تعيد الشاعرة الصراع مع المُحتلّ إلى وجه حضاري مرتبط بالمكان والثقافة: “قصيدةٌ/ ذكرياتُنا المتخمَةُ بالدفاتر البالية/ والطلاء الباهت، والحيطان المتداعية/ فهل علينا، كي نفهمَ هذا المكانَ، أن نفهمَ/ عويلَه، وكي نفهم عويلَه علينا أن نفهمَ أشعارَه/ وكي نفهم أشعارَه/ علينا أن نفهمَ الآلام؟”.

الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد إلى الانتماء

وفي قصيدة “بيت لحم”، يلمح القارئ التَنائي الذي طال بين المكان وأهلهِ بفعل التهجير. كما يتوضّح على نحو شديد الرّقّة ألّا فصام بينهما، فالمُحتلّ دخيل. وتُشركُ الشاعرة عناصر المكان من شجرٍ وحجر في نصوصٍ تعيدُ المكان إلى البشر الذين صنعوه: “جاؤوا ليقولوا لي إنّي/ لا أفهم المكانَ الذي ورثتُه/ وهكذا سوف يساعدوني على المغادرة”. على ضوء ذلك، شِعرُ ناتالي حنظل شِعرُ قضيّة، غير أنّه شِعرٌ خالٍ من الشعارات النضاليّة. وإنّما هو صوتٌ نسائيّ خافت يسعى إلى إعادة الصِّلات مع جزءٍ من ماضي شعبه، ليأخذ شِعرها مكانه في حيزٍ شخصي وعام. كما ليس شعرها شعراً للعودة، وإنّما هو استعادة للمكان. ونلمح في قصيدة “غرباء في داخلي” صورةَ شاعرةٍ تقيم كي ترحل، ومن خلال تلك اللوعة الأبدية للإقامة والرحيل ينمو الشعر. ونقرأ في قصيدة “بيت لحم”:
“تسكنُ أسرارٌ في المسافة التي تتخلّل خطانا.
وتتردّدُ أصداءُ كلمات جدّيَ في أحلامي،
إذ تحفظ السُّنونُ سبّحتَه ومدينتَه.
رأيتُ بيتَ لحم، وقد غرقتْ في الغبار، خاويةً، مِزْقة جريدةٍ تاهتْ في
شوارعها الضيّقة.
أين ذهب الجميعُ؟ تردِّدُ رسومات الجدران والأحجار.
أين بيت لحم الحقيقية – التي جاء جدّيَ منها؟
ثمة مناديل جفّفتْ الآلام من يديّ.
وتستمرّ أشجار الزيتون والدموعُ بالتذكّر.
أغذّ السير حتى أصلَ عجوزاً عربياً في رداء أبيض.
يرمقني بنظرة ويغادر. ألحق به – أسألُه لماذا يسير مبتعداً؟
يتابع السير. أتوقف، أتلفّتُ حولي، وأُدرِكُ
أنّه ترك لي أسراراً في المسافة التي تتخلّل خطاه”.

في القسم الثاني من الكتاب، “الحُبّ والأحصنة الغريبة” (2010)، يصبح الشعر أداةً للتلّقي، لا للقول. إذ يلمس مناطق غير مدركة من الشعور: “ذات يوم، والخيول تمرّ من أمامي/ ألقى أحدُها في داخلي الغرابةَ”. في هذه المجموعة من القصائد يفترّ الشعر عن تساؤلاتٍ تشيرُ إلى نفسٍ مضطربة توّاقة إلى الحُبّ. ونرى الاضطراب في صورٍ قلقةٍ غير متهادية، مثل “عالية هذي الجبالُ/ وواطئة، واطئة وعالية”، و”لا رغبةَ إلّا الريح”. كما تُجهد الشاعرة نفسها في الاعتراف بتردّدها حيال الحُبّ في قصيدة “سيرة ذاتية للّيل”. وفي قراءة ذاتها الحائرة يلمح القارئ أنّ الشاعرة ــ عبر تلقيّها ما يحدث من حولها ــ تقترب من نفسها أكثر. تسأل: “أما مِن جسرٍ في مكان ما؟”، وتجيب في قصيدة أخرى: “مَن قال إن علينا أن نكون غرباء/ حين نصغي إلى الموسيقا ذاتها؟”. إذاً، تتناسل الأفكار والمفردات واحدةً من الأخرى، وتستخدم الشاعرة كلماتٍ كي تُعرّف كلمات أخرى، خصوصاً في قصيدتها “فراشات سوداء؛ تانغو ضائع”. ونقرأ من قصيدة “انتماء”:
“مائة نفَسٍ تشقُّ الهواءَ
وأنا أستندُ
إلى شجرة الصنوبر الوحيدة التي وجدتُها.
إنْ يكنِ الوقتُ باكراً أم متأخراً، الجوُّ عليلاً أم قائظاً،
فالحقولُ جافّة. الصيف وشيك.
والأحصنةُ أنّى نظرتَ،
عدْوُها غرائبيّ كما في حلم،
لكنّي لا أستطيع أن أتذكر
كيف أناديها،
فأنتحي جانباً، وأرقبُ عبورَها”.

في القصائد المختارة من مجموعتها “شاعرة من الأندلس” (2012) يحضرُ المكان لا بصفتهِ مُحتَلّاً، وإنّما بصفتهِ مقدّساً، وبالتالي مبهماً، وقد تعمّد بالآلام: “أمشي في الشارع الرئيس/ والناس/ كأنهم يعرفون أمراً لا أعرفه/ قد رحل فرانكو/ لكن من الصعب نسيان خارطة العظام/ التي تركها وراءه”. وهي تبحث عمّا يجمعها بالمكان وعن تآلف عدّة أصوات حضارية في داخلها.

يلمح القارئ تعثّرها في الانتماءين، فشعرها إيفاءٌ لانتماءاتٍ تحاول تجديد صلاتها معها. في قصيدة “باقة زهر”، وفي العديد من القصائد المختارة في هذه المجموعة، الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد (“كيف يصوغ جسدك الهواءَ/ فيسبغ على الفضاء الملامحَ؟”)، إلى الانتماء (“لكي تفهم لماذا/ وأنت تمشي/ ستُملي الأوراقُ/ طريقةَ النبض/ على قلبك/ سيستغرق سنواتٍ”). إذ مع تعثّر تحقّق انتمائها للمكان، كأنّما بدأتْ تبحثُ عن انتماء آخر: “نحتاج أن نلفّقَ شيئاً ما/ يخصّنا: بلدَنا الأمّ/ اللون الأبيض الأخّاذ/ الظلّ المُفرَغ/ والورقة المتأجّجة”. مكانٌ وجدتْهُ الشاعرة في الحُبّ الذي يتناوب مع الزمن لعبتهما الأثيرة. لكنّ المكان، في معظم القصائد، هو ما يوحي بالعاطفة. نقرأ في قصيدتها “سبع نجوم في إشبيلية”:
“الجدران أكثر رقّة الآن،
تتشبث يداي بالصخب الذي تركته وراءك،
الفقد الذي يصمُّ الحُجرة.
انظر، هناك حريق شبَّ تحت البساط الفارسي،
هناك خطّ من الفضّة يتأجّج
حول لُفافتك.
أعطني زنبقةً،
قصّ عليَّ حكاية القمر،
حين باعَدَ ما بين جسدينا
ليفسح مكاناً للحمائم
في قاع قلبينا”.

في “النجم اللا مرئي” (2014)، نقرأ شهادات عن اغتراب أهالي بيت لحم في أميركا اللاتينية، وعن اللجوء السوري. وتحضرُ مفردة “العودة” إلى جانب مفردة الموت، كأنّهما صنوان. وكذلك الحُبّ يلتقي مع الموت في سبيلٍ واحد: “متُّ من جديد سعياً وراءك”. كما في القصائد المختارة من هذه المجموعة حضورٌ لمفردات البيت، وهو بصورة خاصّة البيت العربي في إسبانيا، وفي قصيدة “بيت” نقرأ:
“أحلمُ ببيتٍ حيث الأرواح مُسالمةٌ
حيث تَجسُّدُها رنينٌ في السّواد،
بيِّنَةٌ وبلا تجَلٍّ،
حيث سأنادي كلَّ مَن أعرف
وأولئك الذين لم ألتقِ بهم من قبلُ –
فهل سيُلبّون؟
سأطلب منهم أن يتناولوا غُصناً
من شجرة ويتحلّقوا حول الطاولة –
إذ في كلّ وُريقةٍ نقشٌ عتيق
من الكنعانيين أو الإغريق”.

تتآلف صلتها بفلسطين مع عدّة أصوات حضارية في داخلها

في القسم الأخير من الكتاب، “من الحياة في ألبوم البلاد” (2019)، تجمع قصيدتها “أصل” فلسفتها عن الجسد والحُبّ وعلاقته بالزمان والمكان، وهي قصيدة مُثلى للتعبير عن شعر ناتالي حنظل: ” – لماذا تترجمني؟/ – أريد أن أفهم كلَّ مُفردةٍ في جسدك. / – تعني كلَّ تكوين؟ / – أعني كلَّ نبْرة/ – أتعني حيث لا يمرُّ الزمن؟ / – حيث الماضي هو ما سيأتي. / – ذلك حين نتوصّل إلى مراقبة الوردة في طورِ تحوُّلِها إلى بحر”. في شِعرها إيقاع قصير متصاعدٌ وكلماتها تناوبٌ بين عاشقين يبحثان عن لقاء لا عن هَجر: “والآن حين تخطر أنت على البال، أظنُّ:/ أنك قرّرت ألّا/ تهوى مكاناً آخرَ/ وأنني، سأبقى أقتفي آثارك/ على كامل جسدي/ كما لو أنه خريطة عالَمٍ مثاليّ”. لكنه لقاءٌ يخبّئ خيبتها من أمكنةٍ شَقَّ عليها الانتماء إليها: “الحب ليس كذبة، لكن البلاد كذلك، صحيح؟”. ونقرأ في قصيدة “قطار منتصف الليل إلى جورجيا”:
“لم يكن ابنُ عمّي، النقيبُ في الجيشِ
يتحدث الكثيرَ،
لكنه فيما بعد كتبَ إليها:
ألم يَفقْ هيامي بكِ
الصمتَ في قسوته؟”.

في الكتاب قصائد متفرّقة تحضر فيها المدن العربية مثل حلب ودمشق ويافا وحيفا وصور وعكا. مدنٌ تعرفها، بلا شكّ، ناتالي حنظل التي وُلدت لعائلة من بيت لحم ونشأت بين جمهورية الدومينكان وفرنسا وعاشت وتنقلت في بلدان مثل بريطانيا وإسبانيا وروسيا وأميركا اللاتينية، قبل أن تستقر في الولايات المتحدة. درست حنظل الأدب والفنون في بريطانيا والولايات المتحدة، ونشرت سبع مجموعات شعرية وأنطولوجيا بالإنكليزية للشاعرات العربيات المعاصرات بعنوان “شعر نساء عربيات”، كما شاركت في أكثر من عشرين إنتاج مسرحي ككاتبة أو مخرجة أو منتجة. حازت على العديد من الجوائز، مثل مثل “جائزة نادي القلم في أوكلاند”، و”جائزة الكتاب الفلسطيني”، و”جائزة الكتاب العربي الأميركي”، و”جائزة فيرجينا فوكنر للتميّز في الكتابة”، وهي أستاذة للأدب في “جامعة كولومبيا” الأميركية.

  • كاتب من سورية

سومر شحادة