استعراض الأقسام

الأدبصفحة

/

أثارت قائمة صحيفة (ذا غارديان) لأفضل مئة رواية في التاريخ، والمبنية على اختيارات القرّاء، نقاشاً واسعاً بعد تصدّر ثلاثية “سيد الخواتم” للكاتب تولكين، في مؤشر واضح على ميل القرّاء نحو عوالم الفانتازيا والمغامرة والهروب من ضغوط الواقع المعاصر.

ورغم تنوع الأعمال المختارة بين الروايات الكلاسيكية والحداثية والديستوبية، كشفت القائمة عن هيمنة واضحة للأدب الغربي، مع حضور محدود للآداب الآسيوية والإفريقية، وغياب كامل للأدب العربي، الأمر الذي أعاد طرح التساؤلات حول أسباب ضعف حضور الرواية العربية في المشهد الأدبي العالمي.

ويرى المقال أن المشكلة لا ترتبط بجودة الأدب العربي بقدر ما ترتبط بعوامل عدة، أبرزها محدودية الترجمة، وضعف التسويق الثقافي، وهيمنة الصور النمطية التي تحصر اهتمام القارئ الغربي في الأعمال التي تتناول الحروب والصراعات والقضايا الاجتماعية في المنطقة العربية.

كما أظهرت نتائج التصويت أن اختيارات القرّاء تأثرت إلى حد كبير بعوامل الذاكرة والنوستالجيا والاقتباسات السينمائية والتلفزيونية، أكثر من اعتمادها على معايير نقدية خالصة، ما ساهم في ترسيخ حضور أعمال غربية أصبحت جزءاً من الوعي الثقافي لجمهورها عبر الأجيال.

ويخلص المقال إلى أن غياب الرواية العربية عن هذه القوائم لا يقلل من قيمتها الأدبية أو تأثيرها الثقافي، بل يعكس محدودية الخيارات المتاحة أمام القارئ الغربي، الذي ما يزال بعيداً عن اكتشاف كثير من الأصوات السردية العربية الثرية التي أسهمت في تشكيل وجدان قرّائها وأثرت المشهد الأدبي الإنساني

//

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحفاظ على التراث يتطلب رؤى معاصرة

قال عازف الغيتار الإسباني راؤول بييلا إن الموسيقى كانت دائماً إحدى أكثر الوسائل قدرة على جمع البشر رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، لأنها تخاطب الجانب الإنساني المشترك بينهم قبل أي شيء آخر، مؤكداً أن قوة الفن تكمن في قدرته على بناء جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب.

وزار بييلا القاهرة، أخيراً، للمشاركة في احتفالات الذكرى الـ150 لميلاد الموسيقار الإسباني مانويل دي فايا، أحد أبرز أعلام الموسيقى الإسبانية في القرن العشرين، وذلك من خلال سلسلة من الحفلات والأنشطة الثقافية نظمتها السفارة الإسبانية في مصر، ليقدم الموسيقي الإسباني خلال الزيارة مختارات من العمل الشهير «الحب الساحر»، إلى جانب ورشة عمل متخصصة لطلاب الموسيقى وعازفي الغيتار الشباب بأكاديمية الفنون المصرية.

وتحمل هذه الفعاليات بعداً خاصاً بالنسبة إلى العازف الإسباني الذي يرى في دي فايا واحداً من أهم الشخصيات التي ساهمت في صياغة الهوية الموسيقية الحديثة لإسبانيا، مؤكداً أن إرث المؤلف الإسباني لا يزال حياً حتى اليوم لكونه نجح في الوصول إلى معادلة فنية نادرة جمعت بين احترام الجذور والانفتاح على الحداثة، وهي معادلة ما زالت تلهم أجيالاً متعاقبة من الموسيقيين.

وقال بييلا لـ«الشرق الأوسط» إن موسيقى «دي فايا» تمكنت من الحفاظ على حضورها العالمي لأنها لم تكتفِ باستحضار التقاليد الموسيقية الإسبانية، بل أعادت صياغتها ضمن رؤية إبداعية جديدة، فاستطاع أن يستخلص جوهر الثقافة الموسيقية لبلاده ويحوله إلى لغة فنية ذات طابع عالمي، الأمر الذي جعل أعماله تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وتصل إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء العالم.

وأشار إلى أن أهميته لا تكمن فقط في القيمة الفنية لأعماله، بل أيضاً في الدور الذي لعبه في إعادة الموسيقى الإسبانية إلى موقع متقدم على الساحة الدولية، فبعد قرون من هيمنة مدارس موسيقية أوروبية أخرى، تمكن دي فايا من تقديم صوت إسباني مميز وجد مكانه بين أهم التجارب الموسيقية في القرن العشرين.

وحمل بييلا معه إلى القاهرة مشروعاً فنياً يسعى من خلاله إلى إلقاء الضوء على جانب مختلف من عالم دي فايا الموسيقي، عبر تقديم مختارات من «الحب الساحر»، أحد أشهر أعمال المؤلف الإسباني وأكثرها ارتباطاً بالمخيلة الفنية الإسبانية، معتبراً أن هذا العمل يشكل نموذجاً مثالياً لفهم رؤية دي فايا الفنية، لكونه يجمع بين العناصر الشعبية والبناء الموسيقي الحديث في صيغة متماسكة ومؤثرة.

وأضاف أن اختياره لهذه المقطوعات تحديداً جاء لسبب فني خاص، يتمثل في أن الجمهور لا يسمعها كثيراً على آلة الغيتار، رغم أن تأثير هذه الآلة حاضر بقوة في روح العمل، لافتا إلى أن «الحب الساحر» كتب للأوركسترا، لكنه يحمل في داخله الكثير من خصائص الغيتار التعبيرية والإيقاعية، وهو ما رغب في إبرازه خلال حفلاته بالقاهرة.

ويرى بييلا أن تقديم أعمال كلاسيكية شهيرة لا يعني الاكتفاء بإعادة إنتاجها كما عرفها الجمهور من قبل، بل يتطلب البحث عن زوايا جديدة تسمح بإعادة اكتشافها مؤكداً أن مهمة الفنان لا تقتصر على الحفاظ على التراث الموسيقي، وإنما تشمل أيضاً تقديم رؤى معاصرة تساعد على إبقائه حياً وقادراً على التواصل مع الأجيال الجديدة.

وتشكل هذه الفكرة جزءاً أساسياً من فلسفته الفنية، إذ يعتقد أن الموسيقى لا يمكن أن تستمر إذا تحولت إلى مجرد مادة محفوظة داخل الكتب أو قاعات الأرشيف، مشيراً إلى أن الأعمال الكبرى تظل حية لأنها تسمح بإعادة قراءتها باستمرار، ولأن كل جيل يجد فيها معاني جديدة تتوافق مع تجربته الخاصة.

ولا يقتصر اهتمام بييلا على الأداء الموسيقي فقط، فهو يجمع بين العمل الفني والبحث الأكاديمي والتدريس، وهي مجالات يعدّها مترابطة ومتكاملة، مؤكداً أن دراسة التاريخ وعلم الموسيقى لعبت دوراً محورياً في تشكيل رؤيته للأعمال التي يؤديها، لكون فهم السياق الثقافي والفكري لأي عمل موسيقي يساعد على تقديمه بصورة أكثر عمقاً وإقناعاً.

وأوضح أن الأداء الموسيقي الحديث لم يعد قائماً على المهارة التقنية وحدها، بل أصبح يتطلب فهماً شاملاً للعالم الذي نشأت فيه الأعمال الموسيقية، مشيراً إلى أن المؤدي لا يكتفي اليوم بقراءة النوتة الموسيقية، وإنما يحاول أيضاً فهم الظروف الاجتماعية والثقافية والفكرية التي أحاطت بالمؤلف في أثناء كتابة العمل.

ويعتقد أن «هذه المعرفة تمنح الموسيقي قدرة أكبر على بناء علاقة حقيقية مع النص الموسيقي، وتساعده في نقل أبعاده الإنسانية والفكرية إلى الجمهور، بدلاً من الاكتفاء بتقديم قراءة تقنية بحتة».

وخلال مسيرة امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، قدم بييلا حفلات في نحو عشرين دولة موزعة على أربع قارات، وهي تجربة يعدّها من أهم العناصر التي ساهمت في تشكيل شخصيته الفنية، معتبراً أن السفر والعمل في بيئات ثقافية مختلفة أتاحا له فرصة اكتشاف طرق متعددة لفهم الموسيقى والتفاعل معها.

وتطرق راؤول بييلا إلى الصورة النمطية التي يحملها بعض الجمهور الدولي عن الثقافة الإسبانية، مؤكداً أن «كثيرين يربطون الموسيقى الإسبانية بالفلامنكو وحده لكونه يمثل بالفعل جزءاً مهماً من التراث الإسباني، لكنه لا يعكس سوى جانب واحد من مشهد موسيقي شديد التنوع والثراء».

وأضاف أن «إسبانيا تمتلك تقاليد موسيقية متعددة تمتد عبر مناطقها المختلفة، إلى جانب تراث كلاسيكي غني ازدهر خلال مراحل تاريخية متنوعة، بدءاً من عصر النهضة وصولاً إلى القرن العشرين الذي شهد بروز أسماء كبيرة مثل مانويل دي فايا».

وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم اليوم، يرى بييلا أن الموسيقى الكلاسيكية قادرة على الحفاظ على مكانتها إذا أحسنت الاستفادة من الوسائل الرقمية الجديدة، مؤكداً أن المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي تتيح فرصاً مهمة للوصول إلى جمهور جديد، خصوصاً بين الشباب.

عن/ الشرق الاوسط

/

في حضرة قاهرة الغيطاني…
نحكيها كما رآها.

هنا، في متحف نجيب محفوظ،
تلتقي روحان…
كاتبٌ كتب المدينة،
وآخرُ منحها الخلود.

احتفاءً بذكرى ميلاد جمال الغيطاني (1945–2015)،
نعود إلى القاهرة التي أحبّها،
لا كحجارةٍ وشوارع،
بل ككائنٍ حيّ…
يحفظ الحكايات،
ويهمس بتاريخٍ لا ينتهي.

من الجمالية بدأت الرؤية،
ومن الأزقّة خرجت الحكاية،
حيث المآذن والبيوت والوجوه
تصير نصّاً…
وتصير الذاكرة مدينة.

في تكية محمد أبو الدهب،
حيث يتجاور الأثر والزمن،
نستعيد القاهرة كما كتبها الغيطاني،
في “ملامح القاهرة في ألف سنة”،
حيث التاريخ ليس ماضياً…
بل حضورٌ دائم.

قراءاتٌ تُضيء الروح،
وفيلمٌ يستنطق الحجر،
“ذاكرة الحجر”…
حيث الأطلال لا تموت،
بل تروي ما بقي.

الغيطاني…
الذي عبر من الصحافة إلى السرد،
ومن الحرب إلى الذاكرة،
ترك لنا مدينةً مكتوبة،
نقرأها كلما ضاقت الطرق،
فنجدها أوسع من الزمن.

هنا لا نحتفي بذكرى،
بل نفتح باباً إلى القاهرة…
كما رآها،
كما أحبّها،
وكما ستبقى:

مدينةً تُروى…
ولا تنتهي.

/

ليست المدن مجرد خرائط وأبنية وشوارع، بل هي ذاكرة حيّة تتشكل من الأسماء والحكايات والوجوه التي مرّت بها. وفي قلب باريس، يبرز حي مونمارتر بوصفه واحداً من تلك الأمكنة التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح رمزاً ثقافياً وفنياً استثنائياً، حيث تتداخل سيرة المكان مع تاريخ الفن الحديث، وتتحول الأزقة والمقاهي والواجهات القديمة إلى صفحات مفتوحة من الذاكرة الإبداعية.

في كتابه الجديد «مونمارتر: أمكنة الأساطير»، يعود الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو إلى هذا الحي الباريسي الشهير، مستكشفاً طبقاته التاريخية والفنية، ومقدماً رحلة بين المواقع التي احتضنت تجارب كبار الرسامين والكتّاب والشعراء الذين تركوا بصماتهم على المشهد الثقافي العالمي.

كان مونمارتر في الأصل قرية صغيرة تتربع على تلة مطلة على باريس، تحيط بها الكروم والطواحين وبيوت العمال البسطاء. لكن مع التحولات العمرانية التي شهدتها العاصمة الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، أصبح الحي جزءاً من المدينة، محتفظاً في الوقت ذاته بروحه المستقلة وشخصيته الخاصة التي جعلته ملاذاً للفنانين والحالمين والمتمردين.

يمضي الكتاب في استعادة ذاكرة المكان عبر ساكنيه؛ أولئك الذين عاشوا بين جدرانه أو مروا في شوارعه، من رسامين وشعراء وكتّاب صنعوا جزءاً من تاريخ الفن الأوروبي. فهنا عمل فنسنت فان غوخ، وهنا مرّ بابلو بيكاسو وأميديو موديلياني وغيرهم من الأسماء التي ارتبطت بميلاد حركات فنية كبرى، من الانطباعية إلى التكعيبية والسريالية.

لكن أهمية مونمارتر لا تكمن في أسماء مشاهيره فقط، بل في البيئة التي احتضنت الإبداع ذاته. فقد كان الحي مساحة مفتوحة للتجريب الفني والتعبير الحر، حيث تلتقي المقاهي بالحانات والمراسم الصغيرة، وتجاور الأحلام الفنية واقعاً قاسياً من الفقر والعوز عاشه كثير من المبدعين في بداياتهم.

ويكشف الكتاب كيف أسهمت هذه التناقضات في صناعة أسطورة مونمارتر؛ فبين الجمال والبؤس، وبين الاحتفاء بالفن ومكابدة الحياة اليومية، تشكلت هوية الحي بوصفه عاصمة رمزية للفن الباريسي. هنا كانت الأفكار الجديدة تولد، والاتجاهات الفنية تتبلور، والصداقات الإبداعية تنسج ملامح مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة الأوروبية.

ومع انتقال مركز الحياة الفنية لاحقاً إلى أحياء أخرى في باريس، ظل مونمارتر محتفظاً بمكانته في الذاكرة الثقافية، ليس كموقع سياحي فحسب، بل كرمز لقدرة المكان على صناعة الحكايات وإلهام الأجيال المتعاقبة من الفنانين.

يذكرنا هذا الكتاب بأن الأحياء ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل كائنات حية تتشكل من التجارب الإنسانية التي احتضنتها. فالمكان، حين يتقاطع مع الفن، يتحول إلى سردية مستمرة تتجاوز الزمن، وتبقى تفاصيله عالقة في اللوحات والقصائد والروايات، حتى وإن تغيرت ملامحه أو تبدلت وجوه ساكنيه.

وفي هذا المعنى، يبدو مونمارتر مثالاً نادراً على قدرة الفن في حفظ ذاكرة المدن، وتحويل الشوارع والأبنية والمقاهي إلى علامات ثقافية خالدة، تستمر في رواية قصتها جيلاً بعد جيل.

بين عتمة الزنازين وبهجة العرائس تمتد هوّة مخيفة، قلّة من نجحت في عبورها دون أن تفقد روحها. من هؤلاء الشاعر والفنان المصري سمير عبد الباقي، الذي رحل قبل أيام عن عمر ناهز السابعة والثمانين، بعدما أمضى أكثر من ثلثي حياته في صراع مفتوح على جبهات عديدة، فكان الشاعر والمهرج والمناضل، القابض بإحدى يديه على جمر الواقع، فيما تحرّك الأخرى الدمى كي تمنح المستقبل ابتسامة طفل.

ينتمي عبد الباقي إلى ذلك الجيل الذي بلغ ذروة الحلم مع رومانسية ثورة يوليو 1952، وانتصارات حركات التحرر الوطني في أكثر من بلد حقق استقلاله آنذاك. جيل آمن بالبشارة الكبرى، ودفع ثمنها سنوات من العمر خلف القضبان. ثم جاء السقوط مدوّياً؛ هزة عنيفة أطاحته من نشوة الحلم القومي إلى قاع هزيمة يونيو 1967. لكن الهزيمة لم تكسره تماماً، بل دفعته إلى لملمة شظاياه ومواصلة المعركة، وحين لاح له طيف الانتصار في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، باغتته زلازل عصر السادات، فبددت ما تبقى من يقين، وأسلمته إلى غضب عارم، من دون أن تدفعه يوماً إلى فقء عيني دمية.

ابتعد عبد الباقي بشعر العامية عن مقاربة القضايا الكبرى، والانغماس المباشر في السياسة مثل شعراء سبقوه وآخرين جايلوه، حيث انشغل بيوميات الناس وتفاصيل حركتهم في بيوتهم وأشغالهم وأحلامهم البسيطة.

الحلم بغدٍ جميل

لم يكد عبد الباقي يتجاوز السابعة عشرة من عمره حتى انخرط في صفوف المقاومة الشعبية، مساهماً في دعم مهجّري بورسعيد إبّان العدوان الثلاثي عام 1956. وقبل أن يبلغ العشرين، كان يشارك في إصدار جريدة سرية بعنوان “صوت الفلاحين”، ترفع شعارات “الأرض، والديمقراطية، والاستقلال الوطني”. ذلك الشغف الثوري قاده سريعاً إلى المعتقلات في سبتمبر/ أيلول 1959، حيث أمضى خمس سنوات عجاف خلف القضبان، متنقلاً بين زنازين المنصورة وعتمة سجن الواحات؛ تلك العتمة التي ما إن يطؤها شاعر بقدميه حتى تتخلى الجدران عن صلابتها: “ليلاتي ألقى المجرّة في حضني/ ليلاتي/ تطوف بكل الشطوط الحرة/ جناحاتي/ آهاتي همس المدار/ في صمت زنزانتي/ خلّت حجارة الحيطان/تشهق بغنواتي…”.

هناك، في أكثر البقاع وحشة، تشارك عبد الباقي مع الكاتب والفنان المصري صلاح حافظ في تحويل الخامات البدائية داخل المعتقل إلى دمى ومجلات كاريكاتيرية، جاعلين من ذلك الحيز الخانق مساحة للعب؛ لا مجرد وسيلة لتزجية الوقت أو الهروب من وطأة الحبس الانفرادي، بل أداة للتهكم على السجن والسجّان، والأهم من ذلك، الترويح عن رفاق العزلة الذين اختُزلت جريمتهم في عشق هذا الوطن، كما يقول في إحدى قصائده: “عن عشق هذا التراب.. عمرك ما تمنعني/ جميع سجون العرب.. يعرفني سجانها/ وجميع بنوك العرب.. عجزت تبيعني/ أنا كل ما يمزَّعُوني.. إيزيس تجمَّعني”.

أثمرت تجربة السجن أيضاً، عن عملين بارزين في أدب السجون العربي؛ أولهما سيرته الذاتية “زمن الزنازين”، التي اتسمت بالصدق في تصوير الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه، بعيداً عن بطولات الخطابة الجاهزة. أما العمل الثاني فهو روايته “هكذا تكلمت الأحجار” (1979)، التي مزج فيها الواقعي بالأسطوري، مستلهماً روح الريف وحكاياته الشعبية لتفكيك قبضة السجّان.

قرص عسل من غير كسل

هكذا استمد أدب الطفل عند عبد الباقي خصوصيته من صنع الألعاب، محولاً المسرح إلى ساحة تفاعلية؛ يثور فيها العقل ضد الخزعبلات. ومنها مسرحية “قرص عسل من غير كسل”؛ تلك المغامرة الغنائية التي تحمل العديد من القيم، وأهمها روح الجماعة والإنجاز المشترك، ما يحول مشاق العمل إلى احتفال بالحياة، وتؤكد على منظومة متكاملة من حقوق الأطفال وحقهم في العيش الكريم.

في “حلم علاء الدين”، و”بركات الحكيم”، و”بقبق الحمال”، ينفض عبد الباقي الغبار عن قصص التراث، ليحوّلها إلى دراما تخاطب طفل القرن الحادي والعشرين لأنها بالبديهة، صالحة لكل زمان ومكان لا سيما عصرنا المفتقر للخيال. وحين يقتحم عوالم الفنتازيا في “مملكة القرود” أو يواجه الطغيان بالسخرية في “جحا وتيمور لنك”، يمزج الشعر بالرقص بالصورة البصرية، وهو ما امتد إلى صفحات مجلتي “ميكي” و”سمير”، ولم ينتهِ حتى وثّق الراحل أسرار صنعته نقداً وتنظيراً في سلسلته الشهيرة “دفاتر ابن عبد الباقي”.

كرة الساحر البلورية

في مسرح عبد الباقي، يسقط قناع الساحر دائماً في اللحظة التي يظنه فيها الجميع قادراً على صنع المعجزات؛ فلا يعود السحر قوة خارقة تحرك الكون بلمسة عصا، بل يتحول إلى علم ومعرفة وعزيمة الإنسان. لذلك تنتهي العروض عادةً بنزع الهيبة عن الدجال، ليكتشف الأطفال أن صاحب العباءة اللامعة ليس سوى مخادع يتغذى على جهل الآخرين، ويمارس سلطته عبر التضليل والخداع: “واللي افتكرناه عقل/ من صغره كان أهبل”.

في المقابل، يدفع عبد الباقي بأبطاله الكادحين إلى مواجهة هذا “الساحر” الذي يعد بالثراء السريع والحلول السهلة، ضمن معارك مسرحية صاخبة بالمفارقات الكوميدية؛ حيث يضحك الطفل من الساحر بدلاً من أن يخشاه، ويسخر من ألاعيبه قبل أن يكتشف، في نهاية الرحلة، أن الخلاص الحقيقي لا يأتي إلا عبر الحب والعمل.

لهذا لم يكن غريباً أن يحتفي المشهد الثقافي العربي بصوت سمير عبد الباقي؛ فثمة مفارقة آسرة تنطوي عليها تجربته: كيف لشاعر عركته المعتقلات، وعرف قسوة الزنازين وعتمة القضبان، أن يخرج إلى العالم بكتابة تكاد تخلو من المرارة، محتفظة بقدرتها المدهشة على صناعة البهجة؟

غير أن ذلك الحس المرح بدا وكأنه يتشقق في خواتيم الرحلة، حين تسللت مرارة الخذلان إلى “نهنهات المشيب”، فتخلى الشاعر عن كبريائه المعتاد، وواجه العالم بصوت مكسور: “على شط بحر الهوى.. رسيت مراكبنا/ صبرنا خمسين سنة .. وهلكنا وتعبنا/ ملعون أبوها الشطوط .. اللي بتطفح ملح/ نزفت جراحنا وليه .. تكرهنا حبايبنا!/ داحنا رقصنا لهم .. والحبل في رقابنا!”.

على إيقاع هذا النزف، ترجّل سمير عبد الباقي عن صهوة الحياة. ومع طيِّ الصفحة الأخيرة من دفاتره التي تجاوزت الأربعين مؤلفاً مطبوعاً، إلى جانب مئات السيناريوهات والقصص المصورة، يتردد صدى صوته الحالم بالمستقبل، متشبثاً بشعلة الأمل ومحتمياً بـ “اكتئابه النبيل”: “مَحْلاه.. شعور الاكتئاب النبيل/ لو شقّ قلبك حزن ساعة أصيل/ الكون ينام يبكي في كفّ إيديك/ وإنتَ بلا حضن طيّب في حنانه تميل../ … ورغم جمر الألم/ تحلم ببُكرة.. جميل”.

سناء عبد العزيز/ عن العربي الجديد

كريم عبد السلام يبحث عن مسار جديد لقصيدة النثر

في ديوانه الجديد «الوحوش دخلت البيت»، يبحث الشاعر المصري كريم عبد السلام عن مسار جديد لقصيدة النثر، يختلف عن المسار الذي سار فيه أبناء جيله من شعراء التسعينيات، الذين استغرقتهم مقولات اليومي والمعيش، والانغماس في الذات وهمومها الشخصية، والالتصاق بالجسد، حتى صارت هذه الموضوعات أقرب إلى وصفة جاهزة لكتابة قصيدة النثر، التي تأبى بطبيعتها الانحباس في قالب ثابت، ما أفقدها بحكم هذا التكرار وهذه الوصفة كثيراً من طزاجتها وتمردها. كما يخاصم كريم في هذا الديوان وصفة سوزان برنار في كتابها الذي شاع بين أبناء جيله أيضاً، حتى اتخذه معظمهم مرجعاً جمالياً وحيداً لهذه القصيدة، خاصة فيما يتعلق بطروحات الناقدة الفرنسية عن الكثافة والمجانية.

الديوان صادر عن دار «يسطرون» في القاهرة، وهو الثاني في تجربة يطلق عليها الشاعر عنوان «بالادات»، و«البالاد» فن شعبي أوروبي، يمزج بين الحكاية الشعبية والشعر والرقص والموسيقى، لينتج الـ«بالاد» من جماع هذه الفنون. من هنا، يتكئ الديوان في كل قصائده تقريباً على أنماط شتى من الفنون الشعبية، المحلية والعالمية، فضلاً عن اتكائه على عوالم الأساطير والخرافة، وإفادته من التاريخ، كما يفيد كثيراً من تقنيات السرد، ومن إمكانات فن السينما والسيناريو، وكذا الفنون التشكيلية، دامجاً كل هذه الروافد في عجينة واحدة، هي القصيدة، التي تأتي حاملة مدلولاً سياسياً أو فلسفياً أو حضارياً، وليست مجانية أو ذاتية، ولا تنكفئ على الجسد، بل إنها تعيد الاعتبار للقضايا الكبرى، كما تعيد للشاعر – وكذا قصيدته – مكانته بوصفه صاحب موقف من الوجود والعالم والتاريخ، وليس محض مشاهد عاجز، منكفئ على ذاته، ولا عدمياً غير مبالٍ بالعالم من حوله. عنوان «الوحوش دخلت البيت»، بوصفه العتبة الأولية لقراءة الديوان، وهو في الوقت نفسه عنوان قصيدة رئيسية فيه، يبدو حاملاً المفاتيح الدلالية لقصائد المتن، إذ تحيل مفردة «الوحوش» إلى عوالم الغابات والقتل والحيوانات المفترسة، تلك العوالم القديمة، حين كان الإنسان الأول يسكن الغابات والكهوف، حيث لا قوانين حاكمة سوى قانون الغابة والقوة والتوحش.

أما مفردة البيت، فتحيل إلى دلالات الحضارة والسكن والفردانية والهدوء، وبينهما يأتي الفعل «تدخل»، لكن الفعل هنا لا يشير إلى الاستضافة، بل إلى الاقتحام والانتهاك، فالوحوش الآتية من عوالم الغابة، تقتحم عالم البيت بحمولاته الحضارية، ورغم أن البيت يحافظ على سمته من حيث الشكل الخارجي، فإنه يصبح مسكوناً بالوحشية والافتراس وقوانينهما الغاشمة، المبنية على شريعة القوة والبطش والالتهام. هذه هي الحمولات الدلالية التي ينبئ بها عنوان الديوان، وتتأكد مع كل قصيدة فيه، ليكون بمثابة إدانة للحضارة الإنسانية الراهنة، التي تبدو برَّاقة من الخارج، لكنها في بنيتها العميقة لا تختلف كثيراً عن قوانين الغابة القديمة، التي لا تزال تسكن تحت جلد الإنسان المعاصر، وتدفعه للحرب والقنص والقتل، مثل سلفه الإنسان البدائي، بل ربما يبدو هذا الأخير أكثر وضوحاً، فهو لا يدعي الحضارة والتمدن مثل إنسان العصر الراهن. يقول في هذه القصيدة:

«الوحوش عادت من العمل

ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية

وتناولت العشاء مع العائلة

ثم جلست أمام التليفزيون.

عشر دقائق

عشرون

جدران البيت وصلت إلى مشارف الغابة

والنهر قسّم الصالة نصفين

وبدأت التماسيح تطل برؤوسها على الضفتين

في انتظار الفرائس العطشانة»

يبدو دخول الوحوش للبيت دخولاً رهيفاً، لكنه أقرب إلى التسلل، ثم سرعان ما تتمدد الوحوش وعالمها داخل البيت وعالمه، تحتله، تحت سمع وبصر الذات الشاعرة التي تكتفي في البداية بموقف المراقب، لكنه في النهاية يجد عالمه قد تغير تماماً، حتى يكتسحه هو قانون الغاب، وتنتهي القصيدة وقد أصبحت البدائية مهيمنة على عالم البيت، وعلى الذات الشاعرة، التي تتحول هي الأخرى، ويعود إلى عوالم الكهف:

«ها أنا نائم في مخبئي أحلم بالغد ورحيق أنثى الهومو،

والليل يأتي بها مع سلة من الفاكهة ولحم الغزال والأسماك

المرأة تخمش جدران المخبأ، وتئن بصوت يخشى النجوم والوحوش الصيادة

ذات العيون الصفراء

المرأة في وكري إلى الأبد…

وعلي أن أخرج للقتل

وانتزاع الطعام»

في قصيدة «الزار من أجل الشريفة… الهواء تسلل وقبّل الباب المقدس»، يفيد الشاعر كثيراً من تقنيات السينما، وحركة الكاميرا، وتصوير الأجواء المحيطة بالحدث، فتبدو الذات الشاعرة مثل كاميرا تتجول وتسجل تفاصيل المكان والحالة، ثم سرعان ما تنتقل إلى سرد الحكاية، معتمدة على السرد البصري، وعلى موسيقى أقرب إلى موسيقى تصويرية، مع الإفادة الواضحة والتداخل مع فن «الزار»، وهو فن شعبي يعتمد كثيراً على خرافة إخراج الجن من الجسد، فيوظف إيقاعات موسيقى الزار، وما يقال فيه من توسُّلات بالصالحين لإخراج الجن العاشق، مع تناصٍ واضح بين حكاية الشريفة التي حملت من الهواء، دون أن يمسسها بشر، مع حكاية مريم العذراء في التراث الديني، ومع كثير من الحكايات المماثلة في الحكي الشعبي، يقول:

«الشباك كان مفتوحاً على الصيف

والشريفة تحلم

والقمر بدر

والنجوم شاهدة

الهواء تسلل من الشباك،

على صورة الغائب

والشريفة تحلم

قبل الباب المقدس

والشريفة تحلم

وتمادى..

والشريفة تحلم»

ينشغل الديوان كثيراً بشعرنة الحكايات الشعبية والتاريخ، بل شعرنة مفاهيم مجردة، مثل الموت، الذي يؤنسنه، ويخاطبه ويجادله، في قصيدة «المراقبون.. والموت المحترم»، وكذا شعرنة الزمن، الذي يصوره بشكل سوريالي ساخر في قصيدة «الزمن يشرب القهوة مع الشيشة»، فيجسده ويؤنسنه، لكن كإنسان كلي المعرفة، يجلس على المقهى ليخطط لمسيرة ومستقبل البشرية في ألف عام مقبلة، مع كثير من الشعور بالملل، فما سيحدث في الألفية المقبلة لا يختلف كثيراً عن الألفية المنقضية، ربما تختلف الأطراف ويتبدل الفاعلون، لكنها نفس المآسي والفواجع، من انقلابات وحروب وصراعات مسلحة على السلطة وأوبئة وأمراض وزلازل وبراكين، فالبشرية تعيد إنتاج نفسها، وكلما تقدمت قليلاً تنتكس، وتنقلب على ذاتها، لتعيد إنتاج عجلة الحضارة، التي تنطوي في عمقها على أسباب تفككها وسقوطها، مع إعادة إنتاج الجنون ذاته، والحماقة نفسها، يقول على لسان الزمن:

«من أجل تحقيق التارجت

لا بد من مختلين

من أجل توريد عدد القتلى المطلوب

لا بد من زعماء مجانين

كهنة مجانين

صيارفة مجانين

كتبة مجانين

خطوط إنتاج للمجانين

الثورة الصناعية للجنون».

وتتبدى شعرنة التاريخ في إعادة إنتاج وتشكيل قصص تراثية شهيرة، مثل صراع قبيلتي «طسم» و«جديس»، وأبطالها: عفيرة، والعمليق، والأسود بن عفار. قصة الظلم والإغارة والسبي، التي تبدو بعيدة للغاية زمنياً وحضارياً، لكنها تعاد في كل لحظة في أماكن متفرقة من العالم الآن، لكن بأبطال مختلفين. كما ينزع الشاعر إلى إعادة شعرنة قصة «إيزادورا»، الفتاة المصرية رائعة الجمال، التي عاشت في القرن الثاني قبل الميلاد في عصر الإمبراطور هادريان، وراحت ضحية حبها للشاب «حابي» أحد عامة الشعب، وانتحرت بإلقاء نفسها في النيل، بعد رفض والدها الثري حبها لأحد العوام، وصارت نموذجاً يعاد إنتاجه بشكل دائم في كثير من قصص الحب التي تنتهي نهايات مأساوية، بدافع من تقسيمات طبقية.

عن/الشرق الاوسط

في كتابه «مواقع للتذكّر»، يقدّم الباحث الإثيوبي Abebe Zegeye تجربة فريدة تتجاوز حدود التوثيق البصري إلى فضاء أعمق من التأمل في معنى الفن وهويته. ليس الكتاب مجرد عمل غني بالرسوم التوضيحية، بل هو دعوة مفتوحة لإعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها الفن الأفريقي، بعيدًا عن القوالب الجاهزة والرؤى المستوردة.

ينطلق زيغايي من Ethiopia، حيث تتشكّل أولى محطات الذاكرة، مصطحبًا القارئ في رحلة مع الموسيقي Mulatu Astatke، الذي لم يذِب في الموسيقى الغربية، بل أعاد تشكيلها بما يخدم الإيقاع الإثيوبي ويحفظ روحه الخاصة. في هذا السياق، لا يبدو المزج مجرد تجربة فنية، بل فعلًا واعيًا لصون الهوية.

ومن الموسيقى إلى التشكيل، يفتح الكتاب نافذة على العالم الإبداعي للفنان Yitbarek Getachew، حيث يتحوّل الفن إلى طاقة إلهام متجذّرة في البيئة والثقافة، تعكس خصوصية التجربة الإثيوبية وتفرّدها.

تتجلّى قيمة الكتاب أيضًا في سعيه لبناء أرشيف بصري أفريقي نابع من الداخل، يوثّق الإنسان الأفريقي بصوته وصورته، بوصفه ردًّا معرفيًا على تاريخ طويل من الهيمنة الاستعمارية التي صاغت صورة القارة من الخارج.

وفي قراءة نقدية عميقة، يتوقّف زيغايي عند أعمال المصوّر Chester Higgins، مستكشفًا من خلالها ثيمة “غربة المكان”، حيث تتداخل السياسة بالدين، والفن بالمجتمع، ضمن رؤية بصرية تحمل أبعادًا إنسانية مركّبة. ويختتم الكتاب بفصل يضيء على معرض مهم، إلى جانب فهرس نقدي يربط بين الفن الأفريقي المعاصر وسياقاته المتعددة، بما في ذلك حضور المكان والعملات في تشكيل العمل الفني.

في زمنٍ طالما احتكر فيه الآخر كتابة السردية الأفريقية، يأتي هذا الكتاب كصوت أصيل يعيد الاعتبار للرؤية الداخلية، ويؤكد أن الفن الأفريقي ليس موضوعًا للقراءة فحسب، بل تجربة تُكتب من داخلها.

ويُذكر أن زيغايي يشغل منصب مدير مركز البحوث والتنمية في التعلّم (CRADLE) في Addis Ababa، حيث يواصل اهتمامه بقضايا الهوية والسياق الاجتماعي في أفريقيا، مؤسسًا لخطاب معرفي ينتمي إلى جذوره بقدر ما ينفتح على العالم.

كرم نعمة يعيد صياغة الذكاء الاصطناعي كقصة رمزية

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.

عن/ الشرق الاوسط