استعراض الأقسام

الكتبصفحة

لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في عيادات طب الأسنان مجرّد فكرة تُناقش في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً يتسلّل بهدوء إلى تفاصيل الممارسة اليومية. فقبل أن يجلس الطبيب مع مريضه، تكون الخوارزميات قد بدأت بالفعل في قراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات، ممهّدةً لمرحلة جديدة من التشخيص والدقة.

في هذا السياق، يبرز كتاب حديث للدكتور عميد خالد عبد الحميد بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry»، بوصفه محاولة جادة لفهم هذه التحوّلات العميقة، لا من زاوية تقنية فحسب، بل من منظور فكري وأخلاقي أيضاً. فالكتاب لا يكتفي برصد صعود الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، بل يسعى إلى مساءلة أثره على جوهر القرار الطبي، وعلى العلاقة الحساسة بين خبرة الطبيب وحدود تدخل الخوارزميات.

ينطلق المؤلف من سؤال لم يعد افتراضياً: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تطوّر الممارسة الطبية دون أن تُفرغها من بعدها الإنساني؟ هنا يقدّم رؤية متوازنة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته العالية على التحليل والدقة، يظل أداة مساعدة تعزّز القرار الطبي ولا تستبدل به. فالحكم السريري، كما يوضح، لا يُبنى على البيانات وحدها، بل يتشكّل عبر تجربة إنسانية تراكمية يعيشها الطبيب مع مرضاه.

ولا يقف الكتاب عند الجانب التقني، بل يغوص في تعقيدات الأسئلة الأخلاقية التي تفرضها هذه الثورة: من يتحمّل مسؤولية التشخيص عندما تشارك الخوارزميات في صنع القرار؟ كيف يمكن ضمان شفافية الأنظمة الذكية وعدالتها؟ وأين تنتهي حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ في هذا الإطار، يطرح المؤلف مفهوم «الشراكة الذكية»، حيث تتكامل قدرات الإنسان والآلة دون أن يُلغِي أحدهما الآخر، في صيغة تحافظ على إنسانية الطب وتستفيد في الوقت ذاته من قوة التقنية.

وقد صدر الكتاب بنسختين؛ إنجليزية موجّهة للقارئ العالمي، وأخرى عربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة النقاش داخل العالم العربي، ونقل هذا التحوّل من فضائه الدولي إلى سياقه المحلي، بما يفتح الباب أمام حوار علمي ومعرفي أوسع.

الكتاب هو خلاصة مسار بحثي وكتابي ممتد، جمع فيه المؤلف عدداً من مقالاته ودراساته المنشورة في الصحافة العلمية، لا سيما في صفحة «علوم» بصحيفة «الشرق الأوسط»، حيث دأب على تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب من زوايا متعددة تجمع بين العلم والفلسفة.

وقد لقي العمل صدى في الأوساط العلمية الدولية، إذ أشارت مجلة «British Dental Journal» إلى أهميته في تقديم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج، مع التأكيد على أن القرار الطبي النهائي يظل مسؤولية الطبيب وحده.

الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن، ويواصل عبر كتاباته الإسهام في بناء وعي نقدي حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية في المجال الصحي.

في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات بسرعة لافتة، يذكّر هذا الكتاب بأن الطب لن يتحوّل إلى معادلة رقمية صِرفة، بل سيبقى توازناً دقيقاً بين دقة التقنية وحكمة الإنسان. فجوهر الممارسة الطبية لا يكمن في البيانات وحدها، بل في القدرة على فهم الإنسان… قبل تشخيص مرضه.


تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة. في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً. تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي. بيع الأفكار تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية. وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها. من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري». وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر. حضور مُتخيّل في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة». ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون». وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع. تدريب على المشي تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها. في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص. ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل. هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر. حرر هذه المقاله واعد صياغتها لنشرها في موقع جدارية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي من صعيد مصر مسرحاً رئيسياً لتأملاته في الهامش الاجتماعي والمكاني. فالنجع في الرواية لا يظهر مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء مكتظ بالمهمشين الذين يكتفون بالكفاف ويكافحون من أجل البقاء. وهكذا يغدو المكان بنية ضاغطة تعيد إنتاج الفقر والقهر، تماماً كما تعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

الرواية، الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع في القاهرة، تمهّد لعالمها السردي عبر شبكة من الحكايات اليومية و«النميمة» القروية التي تشكّل متنفساً لأهل النجع في مواجهة قسوة النهار ووحشة الليل. فالحكاية هنا ليست مجرد تسلية؛ بل آلية للبقاء ووسيلة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، حيث يلتف الناس ليلاً حول «كانون» الشاي الثقيل يتبادلون الأخبار والقصص. ومن هذه التهيئة الجماعية تنطلق شرارة الحدث الأساسي في الرواية: اختفاء الشابين «حامد» و«صباح»، وما يثيره ذلك من شائعات وتكهنات بين أهل القرية.

سيزيف معاصر

يستدعي الراوي، الذي تربطه بـ«حامد» علاقة قديمة، صورة هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنية، الذي يعمل «فاعلاً» بالأجر اليومي ويهوى الغناء الصعيدي. وعلى الرغم من أن أهل القرية يطلقون عليه لقب «الأبله»، فإن السارد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن أدانته الجماعة اجتماعياً.

اختيار مهنة «الفاعِل» ليس تفصيلاً عابراً؛ فـ«حامد» يبدو أقرب إلى سيزيف معاصر، عالق في طاحونة العمل اليومي. يبدأ نهاره بحمل الأثقال مقابل أجر زهيد، لا يطلب منه سوى ما يكفي لشراء «دخان المعسل»، بينما يهب بقية يوميته لأمه. هكذا يتكرر الفعل ذاته كل يوم في دورة لا تتغير، بما يحيل إلى استعارة الطاحونة التي تمنح الرواية عنوانها.

ويرسم العديسي ملامح القرية ببطء مشهدي؛ القيظ الحاد، وحقول القصب والذرة، وأسطح البيوت الفقيرة. فالطقس هنا ليس مجرد خلفية؛ بل سلطة رمزية تهيمن على المشهد. فالحرّ «يتبختر» بين الحقول والطرق، كأنه يعلن سيطرته على الجميع، تماماً كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها على حياة الناس. وفي هذا المناخ المشحون تنتشر الشائعات بسرعة، لتتغذى القرية الصغيرة على «فضلات الأخبار»، بينما يتحول خبر هروب «حامد» و«صباح» إلى مادة يومية للسخرية والتندر، بوصفهما عاشقين خرجا على تقاليد النجع.

نباهة شعبية

تكشف علاقة «حامد» بالراديو وأغاني المداحين وأغاني «الكف» جانباً إنسانياً مهماً من شخصيته. فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة حين يلاحظ أن كثيراً من أهل القرية، رغم أميتهم، يتفاعلون بعمق مع معاني القصائد الصوفية التي يرددها المداحون، حتى تلك التي كتبها شعراء كبار مثل ابن الفارض وابن عربي. ويعترف الراوي بعجزه عن تفسير هذه القدرة الحدسية على التقاط المعنى، في إشارة إلى وعي شعبي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

«العندليب الأسود»

في ذاكرة السارد، يظل «حامد» حاضراً كشخصية ملتبسة تجمع بين السخرية والبراءة. فأهل النجع يطلقون عليه لقب «العندليب الأسود» تهكماً على صوته الغليظ وهو يغني، لكنه مع ذلك يحرص على حضور تجمعات المداحين والموالد والأفراح، وكأنه يبحث عن مساحة اعتراف لا توفرها له حياة القرية اليومية.

وتبرز علاقة «حامد» بوالدته «شفا» بوصفها مساحة الحنان الوحيدة في حياته؛ فهي ترعاه حتى وفاتها بعطف كبير، مدركةً في الوقت نفسه هشاشة وضعه الاجتماعي والهامش الذي كُتب له أن يعيش فيه.

منطقة رمادية

يتداخل صوت الراوي مع ذكرياته عن «حامد» في طبقتين سرديتين: استعادة طفولة مشتركة، وتأمل متأخر في طبيعة هذا الفتى المختلف. فالراوي يشعر منذ الصغر بأن «حامد» ليس طفلاً عادياً، بسبب قوته الجسدية وشروده الدائم وصمته الطويل ونظرته الزائغة. ومع ذلك لا يحسم السارد طبيعة هذا الاختلاف؛ بل يتركه مفتوحاً، مانحاً الشخصية عمقاً إنسانياً يتجاوز الأحكام الجاهزة التي أطلقها المجتمع عليه.

بين الحب وسلطة الجماعة

مع عودة «حامد» و«صباح» إلى النجع، يتسع الصراع بين سلطة التقاليد وتمرد الفرد. وهنا تكشف الرواية عن تبادل مواقع السخرية والهامش، وكأن القرية نفسها مضطرة لإعادة تعريف مركزها. غير أن رهان «حامد» في النهاية يبدو بسيطاً وبالغ الإنسانية: الوقوع في الحب، والتعلق بأغاني الصعيد الشجية التي يجد فيها صدىً لمشاعره، بينما تبادله «صباح» الهوى بالحساسية ذاتها.

بهذا المعنى، تقدّم «طواحين الهوى» سردية عن الهامش الإنساني في الريف المصري، حيث تتقاطع السخرية مع القهر، وتدور حياة الناس في حلقة يومية تشبه دوران الطاحونة، فيما تظل الحكايات ملاذهم الوحيد لمقاومة قسوة الواقع.

/

تنطلق الباحثة البريطانية كاتي دا كونها لوين في كتابها الجديد «غرفة الكاتب: العوالم الخفية التي تشكّل الكتب التي نحبها» (منشورات جامعة برنستون، 2026) من سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: ما الذي يفعله المكان بالنص الأدبي؟ وكيف تسهم الغرفة أو المكتب أو المقهى في تشكيل إيقاع الكتابة وبنيتها؟

مستحضرةً مقولة فرجينيا وولف عن ضرورة امتلاك «دخل ثابت وغرفة يمكن قفلها»، تعيد المؤلفة النظر في الأمكنة التي وُلدت فيها أعمال كبرى من الأدب الحديث، لا بوصفها تفاصيل هامشية في سِيَر الكتّاب، بل كمفاتيح لفهم طبيعة نصوصهم.

من غرفة وولف الخاصة، إلى الطاولة المشتركة لدى إميلي برونتي، ومن مكتب سيغموند فرويد وأريكته الشهيرة، إلى مقاهي باريس التي كتب فيها إرنست همنغواي دفاتره الصغيرة؛ ترسم دا كونها لوين خريطة دقيقة للعلاقة بين الحيّز المادي وشكل العمل الأدبي.

ولا تتوقف الرحلة عند الفضاءات التقليدية، بل تمتد إلى غرف الفنادق التي اختارتها مايا أنجيلو عمداً لتكتب فيها، والحافلات التي حوّلتها لورين إلكين إلى مكتب متنقّل، وطاولات المطابخ التي شكّلت فضاء عمل جماعي لدى أودري لورد ومؤسِّسات دار نشر «نساء ملوّنات».

يغطي الكتاب طيفاً واسعاً من الأسماء، من جيمس بالدوين والأخوات برونتي وأغاثا كريستي وتشارلز ديكنز وجون كيتس، مروراً بـسيلفيا بلاث وويليام شكسبير، وصولاً إلى أسماء معاصرة مثل زادي سميث وهيلاري مانتل.

بين السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي، يفكّك الكتاب صورة «الإلهام الغامض»، ليقدّم قراءة تُبرز تداخل العزلة والرفقة، والاستقرار المادي والمكاني، في تشكيل التجربة الإبداعية. فالمكان، كما تقترح دا كونها لوين، ليس خلفية صامتة، بل عنصر فاعل في نحت الأفكار وتحديد إيقاعها.

وينتهي العمل بفكرة بسيطة وعميقة في آن: الكتابة فعلٌ يولد في عالم ملموس — من طاولةٍ ومقعدٍ وضوء نافذة — قبل أن يتحوّل إلى كتابٍ على رفّ، يخفي وراء صفحاته أثر المكان الذي شهد ولادته.

في «جدارية»، يبدو هذا الإصدار دعوةً لإعادة النظر في أمكنة الكتابة اليوم، والتفكير في العلاقة الخفية بين الجدران التي نكتب بينها، والنصوص التي تبقى بعدها.

/

يمثل شهر رمضان، لدى كثير من الأدباء والمفكرين، محطة ثقافية خاصة تعيد ترتيب أولوياتهم الإبداعية؛ إذ تتراجع وتيرة الكتابة لصالح القراءة، التي تتحول من عادة عابرة إلى فعل تأملي يومي عميق. فالخلوة الروحية التي يمنحها الصيام، والمناخ الإيماني والاجتماعي المصاحب له، يفتحان أمام المبدعين مساحات أوسع للتفكير وإعادة صياغة علاقتهم بالذات وبالعالم.

في هذا السياق، يرى الكاتب والناقد السوري سامي داوود أن القراءة “نشاط يومي كالغذاء”، لا ترتبط بطقوس خاصة، بل تشكل حاجة مستمرة لشحذ التأمل وفهم الوجود الإنساني. ويؤكد أن العزلة شرط جوهري للكتابة، وأن التعبير الحقيقي يظل فعلًا جماليا عصيًا على الاستنساخ أو “البرمجة”، لأنه يمنح الكاتب فرصة لاكتشاف ذاته قبل مخاطبة الآخرين.

أما الروائية المصرية رشا عدلي فترى أن لرمضان إيقاعًا مختلفًا؛ فهو شهر اللقاءات والدفء العائلي، ما يخفف من كثافة القراءة والكتابة، دون أن يلغي حضورهما. تميل في هذا الشهر إلى القراءة المتأنية للروايات ذات النفس الطويل، بينما تنخفض وتيرة الكتابة الإبداعية استجابة لخصوصية الزمن الرمضاني، مع بقاء مشروعها الروائي ممتدًا كخيط لا ينقطع.

ومن جانبه، يصف الباحث اللبناني جوزيف عيساوي طقوسه في الكتابة بعد الإفطار، حيث يختار العزلة داخل المقاهي المزدحمة، ليتحول النص لديه إلى “أنا آخر” يتحاور معه. ويؤكد أن القراءة فعل جاد يتطلب حضورًا ذهنيًا واحترامًا للنص، وأن لحظة الكتابة لا تخضع لوقت محدد بقدر ما ترتبط بصفاء داخلي واستعداد معرفي يتعزز في رمضان.

هكذا، لا يكون رمضان شهر انقطاع عن الإبداع، بل موسمًا لإعادة شحنه. فالقراءة فيه تغدو غذاءً للروح، وتجديدًا للترسانة المفاهيمية، وتطهيرًا للوعي من ضجيج الواقع. ومن رحم هذا التأمل الهادئ، تولد كتابة أكثر نضجًا وعمقًا، تنفتح على آفاق فكرية وإنسانية أصيلة

افتتح معرض دمشق الدولي للكتاب، يوم الجمعة، أبوابه أمام الزوار وسط إقبال جماهيري واسع ومشاركة عربية ودولية تتجاوز 500 دار نشر، مع حضور سعودي لافت إذ تحلّ المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الدورة إلى جانب دولة قطر. وتأتي المشاركة السعودية بعد انقطاع دام 15 عاماً، ضمن توجه ثقافي يسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي السعودي المعاصر، الذي يجمع بين الأصالة والحداثة.

وأوضح مدير عام الإدارة العامة للنشر في هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، بسام البسام، أن الجناح السعودي صُمم ليعكس تنوع الثقافة في المملكة، من خلال عرض نماذج من الأزياء التراثية لمنطقتي الحجاز والوسطى، إلى جانب آلات موسيقية مثل الربابة والقانون التي أسهمت في تطور الموسيقى السعودية. كما يضم الجناح صالة عرض سينمائي يُعرض فيها الفيلم السعودي «نورة» المصوّر في مدينة العلا، والذي شارك في عدد من المهرجانات الدولية.

وتتضمن المشاركة السعودية برنامجاً ثقافياً يضم نحو تسع ندوات حوارية وأمسية شعرية، تُقام على المسرح الرئيسي للمعرض وداخل الجناح السعودي، إضافة إلى حضور عدد من دور النشر السعودية. وأشار البسام إلى أن هذه المشاركة تأتي ضمن خطة استراتيجية لهيئة الأدب والنشر والترجمة تستهدف الحضور في نحو 20 معرض كتاب حول العالم خلال العام الجاري، مؤكداً أن معرض دمشق يحتل مكانة خاصة ضمن هذه الخريطة الثقافية.

من جانبه، عبّر الروائي أحمد السماري، عضو الوفد الثقافي السعودي، عن تفاؤله بمستقبل المعرض، مشيراً إلى أن المشاركة السعودية تمثل دعماً مهماً للحراك الثقافي وتسهم في تعزيز التبادل المعرفي. ولفت إلى أن العلاقة بين الحضور الثقافي والسياسي لا يمكن فصلها، لما لها من دور في دفع المجتمعات نحو التقدم وتعزيز الوعي الثقافي.

بدوره، أكد الدكتور معجب العدواني، أحد ممثلي الوفد الثقافي السعودي، أن حضور المملكة كضيف شرف يحمل دلالات معرفية وثقافية تتجاوز الطابع الرسمي، ويعكس رسالة تضامن وتواصل إنساني بين السعودية وسوريا، مشيراً إلى أن اللقاء المباشر بين المثقفين يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإبداعي. كما شدد الروائي يوسف المحيميد على أن هذه المشاركة تمثل حضوراً ثقافياً ذا رمزية خاصة في ظل تعافي المشهد الثقافي السوري وعودة الاستقرار.

ويضم المعرض أكثر من 100 ألف عنوان في مختلف المجالات المعرفية، إلى جانب برنامج ثقافي حافل يتضمن ما يزيد على 650 فعالية بين ندوات وجلسات حوارية وأمسيات أدبية وفنية، ما يجعله من أبرز الأحداث الثقافية في البلاد بعد سنوات من التوقف. كما يتضمن إطلاق سبع جوائز ثقافية لدعم الكتّاب ودور النشر، وإعلان مبادرات من بينها «كتابي الأول» لإصدار 100 عنوان جديد خلال عام 2026، وبرنامج «زمالة دمشق» للترجمة، ومبادرة «مسار ناشئ» لدعم المواهب الشابة في مجال النشر والكتابة.

وتستمر فعاليات المعرض من 6 إلى 16 فبراير الجاري، يومياً من العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً، فيما يُفتح يوم الجمعة من الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً. وتأتي هذه الدورة بعد انقطاع دام خمس سنوات، علماً بأن أولى دورات معرض دمشق الدولي للكتاب أقيمت عام 1984، وظلّ لسنوات طويلة أحد أبرز الفعاليات الثقافية المنتظرة في المشهد العربي.

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية، اليوم الأربعاء، القائمة القصيرة لدورتها الـ19 خلال مؤتمر صحفي أُقيم في هيئة البحرين للثقافة والآثار، بمشاركة لجنة التحكيم وعدد من القائمين على الجائزة، على أن يُعلن العمل الفائز في أبوظبي يوم 9 أبريل/نيسان 2026.

وضمت القائمة ست روايات هي: «أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، «منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، «فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، «أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، «الرائي» للعراقي ضياء جبيلي، و«غيبة مي» للبنانية نجوى بركات.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وأدبياً لافتاً، بمشاركة كتّاب من مصر والجزائر والعراق ولبنان تتراوح أعمارهم بين 37 و69 عاماً، فيما تطرح الروايات قضايا إنسانية وراهنة بأساليب سردية مختلفة. كما يضم السباق كتّاباً سبق أن بلغوا مراحل متقدمة في الجائزة، من بينهم أحمد عبد اللطيف وأمين الزاوي وسعيد خطيبي.

رئيس لجنة التحكيم، الناقد التونسي محمد القاضي، أشار إلى أن الأعمال المختارة تجمع بين الغوص في النفس البشرية واستحضار التاريخ وقراءة الواقع العربي الراهن، مؤكداً أن الرواية العربية تواصل تطورها وانفتاحها على أساليب جديدة وقضايا معاصرة. من جانبه، لفت رئيس مجلس الأمناء ياسر سليمان إلى أن الأعمال المرشحة تعكس حيوية السرد العربي وقدرته على الربط بين المحلي والإنساني، وبين الماضي والحاضر، بما يعزز حضور الرواية العربية لدى القراء عربياً وعالمياً.

/

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 حضوراً جماهيرياً قياسياً تجاوز 6 ملايين زائر خلال 13 يوماً، ليؤكد مكانته كأحد أكبر الفعاليات الثقافية العربية وفضاءً مفتوحاً يجمع بين القراءة والفكر والاحتفاء بالإبداع في أجواء كرنفالية جذبت مختلف الأعمار.

وتميّزت الدورة الأخيرة بالاحتفاء بأصوات جديدة في مجالات الإبداع والنقد والنشر، حيث توزعت جوائز المعرض على كتّاب وباحثين وشعراء من أجيال متعددة، من بينهم مدحت صفوت وصلاح السروي في النقد الأدبي، والباحث حسن محمد الشافعي في العلوم الإنسانية، والكاتبة هناء متولي في القصة القصيرة، والشاعر سعيد شحاتة في شعر العامية، إضافة إلى فوز الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية لفئة الشباب. كما تقاسمت جائزتي «أفضل ناشر عربي» دار بيت الحكمة المصرية ودار أصالة اللبنانية.

وشملت الجوائز مجالات التراث والترجمة والفنون وكتاب الطفل، إلى جانب استحداث «جوائز التميز» للمرة الأولى بقيمة إجمالية مليوني جنيه، لتكريم أفضل الأجنحة والفعاليات والندوات، في خطوة تعكس توجه المعرض لدعم المبادرات الثقافية النوعية وتعزيز دور الكتاب في بناء الوعي.

وعلى صعيد الجوائز الأدبية، فاز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، من بين 108 روايات مشاركة، في تأكيد على انفتاح المعرض على المشهد الروائي العربي وتقدير التجارب السردية الجديدة.

كما ازدانت أروقة المعرض بالأمسيات الشعرية والندوات الفكرية التي جمعت شعراء ونقاداً من مختلف الأجيال، لتكرّس الدورة الـ57 حضورها بوصفها منصة للحوار الثقافي واكتشاف المواهب، وتجدد العلاقة بين الجمهور والكتاب في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية.