استعراض الأقسام

الكتبصفحة

/

يمثل شهر رمضان، لدى كثير من الأدباء والمفكرين، محطة ثقافية خاصة تعيد ترتيب أولوياتهم الإبداعية؛ إذ تتراجع وتيرة الكتابة لصالح القراءة، التي تتحول من عادة عابرة إلى فعل تأملي يومي عميق. فالخلوة الروحية التي يمنحها الصيام، والمناخ الإيماني والاجتماعي المصاحب له، يفتحان أمام المبدعين مساحات أوسع للتفكير وإعادة صياغة علاقتهم بالذات وبالعالم.

في هذا السياق، يرى الكاتب والناقد السوري سامي داوود أن القراءة “نشاط يومي كالغذاء”، لا ترتبط بطقوس خاصة، بل تشكل حاجة مستمرة لشحذ التأمل وفهم الوجود الإنساني. ويؤكد أن العزلة شرط جوهري للكتابة، وأن التعبير الحقيقي يظل فعلًا جماليا عصيًا على الاستنساخ أو “البرمجة”، لأنه يمنح الكاتب فرصة لاكتشاف ذاته قبل مخاطبة الآخرين.

أما الروائية المصرية رشا عدلي فترى أن لرمضان إيقاعًا مختلفًا؛ فهو شهر اللقاءات والدفء العائلي، ما يخفف من كثافة القراءة والكتابة، دون أن يلغي حضورهما. تميل في هذا الشهر إلى القراءة المتأنية للروايات ذات النفس الطويل، بينما تنخفض وتيرة الكتابة الإبداعية استجابة لخصوصية الزمن الرمضاني، مع بقاء مشروعها الروائي ممتدًا كخيط لا ينقطع.

ومن جانبه، يصف الباحث اللبناني جوزيف عيساوي طقوسه في الكتابة بعد الإفطار، حيث يختار العزلة داخل المقاهي المزدحمة، ليتحول النص لديه إلى “أنا آخر” يتحاور معه. ويؤكد أن القراءة فعل جاد يتطلب حضورًا ذهنيًا واحترامًا للنص، وأن لحظة الكتابة لا تخضع لوقت محدد بقدر ما ترتبط بصفاء داخلي واستعداد معرفي يتعزز في رمضان.

هكذا، لا يكون رمضان شهر انقطاع عن الإبداع، بل موسمًا لإعادة شحنه. فالقراءة فيه تغدو غذاءً للروح، وتجديدًا للترسانة المفاهيمية، وتطهيرًا للوعي من ضجيج الواقع. ومن رحم هذا التأمل الهادئ، تولد كتابة أكثر نضجًا وعمقًا، تنفتح على آفاق فكرية وإنسانية أصيلة

افتتح معرض دمشق الدولي للكتاب، يوم الجمعة، أبوابه أمام الزوار وسط إقبال جماهيري واسع ومشاركة عربية ودولية تتجاوز 500 دار نشر، مع حضور سعودي لافت إذ تحلّ المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الدورة إلى جانب دولة قطر. وتأتي المشاركة السعودية بعد انقطاع دام 15 عاماً، ضمن توجه ثقافي يسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي السعودي المعاصر، الذي يجمع بين الأصالة والحداثة.

وأوضح مدير عام الإدارة العامة للنشر في هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، بسام البسام، أن الجناح السعودي صُمم ليعكس تنوع الثقافة في المملكة، من خلال عرض نماذج من الأزياء التراثية لمنطقتي الحجاز والوسطى، إلى جانب آلات موسيقية مثل الربابة والقانون التي أسهمت في تطور الموسيقى السعودية. كما يضم الجناح صالة عرض سينمائي يُعرض فيها الفيلم السعودي «نورة» المصوّر في مدينة العلا، والذي شارك في عدد من المهرجانات الدولية.

وتتضمن المشاركة السعودية برنامجاً ثقافياً يضم نحو تسع ندوات حوارية وأمسية شعرية، تُقام على المسرح الرئيسي للمعرض وداخل الجناح السعودي، إضافة إلى حضور عدد من دور النشر السعودية. وأشار البسام إلى أن هذه المشاركة تأتي ضمن خطة استراتيجية لهيئة الأدب والنشر والترجمة تستهدف الحضور في نحو 20 معرض كتاب حول العالم خلال العام الجاري، مؤكداً أن معرض دمشق يحتل مكانة خاصة ضمن هذه الخريطة الثقافية.

من جانبه، عبّر الروائي أحمد السماري، عضو الوفد الثقافي السعودي، عن تفاؤله بمستقبل المعرض، مشيراً إلى أن المشاركة السعودية تمثل دعماً مهماً للحراك الثقافي وتسهم في تعزيز التبادل المعرفي. ولفت إلى أن العلاقة بين الحضور الثقافي والسياسي لا يمكن فصلها، لما لها من دور في دفع المجتمعات نحو التقدم وتعزيز الوعي الثقافي.

بدوره، أكد الدكتور معجب العدواني، أحد ممثلي الوفد الثقافي السعودي، أن حضور المملكة كضيف شرف يحمل دلالات معرفية وثقافية تتجاوز الطابع الرسمي، ويعكس رسالة تضامن وتواصل إنساني بين السعودية وسوريا، مشيراً إلى أن اللقاء المباشر بين المثقفين يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإبداعي. كما شدد الروائي يوسف المحيميد على أن هذه المشاركة تمثل حضوراً ثقافياً ذا رمزية خاصة في ظل تعافي المشهد الثقافي السوري وعودة الاستقرار.

ويضم المعرض أكثر من 100 ألف عنوان في مختلف المجالات المعرفية، إلى جانب برنامج ثقافي حافل يتضمن ما يزيد على 650 فعالية بين ندوات وجلسات حوارية وأمسيات أدبية وفنية، ما يجعله من أبرز الأحداث الثقافية في البلاد بعد سنوات من التوقف. كما يتضمن إطلاق سبع جوائز ثقافية لدعم الكتّاب ودور النشر، وإعلان مبادرات من بينها «كتابي الأول» لإصدار 100 عنوان جديد خلال عام 2026، وبرنامج «زمالة دمشق» للترجمة، ومبادرة «مسار ناشئ» لدعم المواهب الشابة في مجال النشر والكتابة.

وتستمر فعاليات المعرض من 6 إلى 16 فبراير الجاري، يومياً من العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً، فيما يُفتح يوم الجمعة من الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً. وتأتي هذه الدورة بعد انقطاع دام خمس سنوات، علماً بأن أولى دورات معرض دمشق الدولي للكتاب أقيمت عام 1984، وظلّ لسنوات طويلة أحد أبرز الفعاليات الثقافية المنتظرة في المشهد العربي.

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية، اليوم الأربعاء، القائمة القصيرة لدورتها الـ19 خلال مؤتمر صحفي أُقيم في هيئة البحرين للثقافة والآثار، بمشاركة لجنة التحكيم وعدد من القائمين على الجائزة، على أن يُعلن العمل الفائز في أبوظبي يوم 9 أبريل/نيسان 2026.

وضمت القائمة ست روايات هي: «أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، «منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، «فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، «أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، «الرائي» للعراقي ضياء جبيلي، و«غيبة مي» للبنانية نجوى بركات.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وأدبياً لافتاً، بمشاركة كتّاب من مصر والجزائر والعراق ولبنان تتراوح أعمارهم بين 37 و69 عاماً، فيما تطرح الروايات قضايا إنسانية وراهنة بأساليب سردية مختلفة. كما يضم السباق كتّاباً سبق أن بلغوا مراحل متقدمة في الجائزة، من بينهم أحمد عبد اللطيف وأمين الزاوي وسعيد خطيبي.

رئيس لجنة التحكيم، الناقد التونسي محمد القاضي، أشار إلى أن الأعمال المختارة تجمع بين الغوص في النفس البشرية واستحضار التاريخ وقراءة الواقع العربي الراهن، مؤكداً أن الرواية العربية تواصل تطورها وانفتاحها على أساليب جديدة وقضايا معاصرة. من جانبه، لفت رئيس مجلس الأمناء ياسر سليمان إلى أن الأعمال المرشحة تعكس حيوية السرد العربي وقدرته على الربط بين المحلي والإنساني، وبين الماضي والحاضر، بما يعزز حضور الرواية العربية لدى القراء عربياً وعالمياً.

/

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 حضوراً جماهيرياً قياسياً تجاوز 6 ملايين زائر خلال 13 يوماً، ليؤكد مكانته كأحد أكبر الفعاليات الثقافية العربية وفضاءً مفتوحاً يجمع بين القراءة والفكر والاحتفاء بالإبداع في أجواء كرنفالية جذبت مختلف الأعمار.

وتميّزت الدورة الأخيرة بالاحتفاء بأصوات جديدة في مجالات الإبداع والنقد والنشر، حيث توزعت جوائز المعرض على كتّاب وباحثين وشعراء من أجيال متعددة، من بينهم مدحت صفوت وصلاح السروي في النقد الأدبي، والباحث حسن محمد الشافعي في العلوم الإنسانية، والكاتبة هناء متولي في القصة القصيرة، والشاعر سعيد شحاتة في شعر العامية، إضافة إلى فوز الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية لفئة الشباب. كما تقاسمت جائزتي «أفضل ناشر عربي» دار بيت الحكمة المصرية ودار أصالة اللبنانية.

وشملت الجوائز مجالات التراث والترجمة والفنون وكتاب الطفل، إلى جانب استحداث «جوائز التميز» للمرة الأولى بقيمة إجمالية مليوني جنيه، لتكريم أفضل الأجنحة والفعاليات والندوات، في خطوة تعكس توجه المعرض لدعم المبادرات الثقافية النوعية وتعزيز دور الكتاب في بناء الوعي.

وعلى صعيد الجوائز الأدبية، فاز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، من بين 108 روايات مشاركة، في تأكيد على انفتاح المعرض على المشهد الروائي العربي وتقدير التجارب السردية الجديدة.

كما ازدانت أروقة المعرض بالأمسيات الشعرية والندوات الفكرية التي جمعت شعراء ونقاداً من مختلف الأجيال، لتكرّس الدورة الـ57 حضورها بوصفها منصة للحوار الثقافي واكتشاف المواهب، وتجدد العلاقة بين الجمهور والكتاب في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية.

يرصد كتاب شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» كواليس حرب 1948 عبر رسائل شخصية ومواد دعائية، كاشفاً زيف السرديات الرسمية. يبرز الكتاب التخبط الأخلاقي للجنود اليهود بين الأيديولوجيا والواقع الدموي، ومعاناة المتطوعين العرب من نقص الإمدادات، موثقاً النكبة من داخل الأرشيفات العسكرية كشهادة حية على التحولات النفسية والميدانية لحظة وقوع الحرب


يضمر عنوان كتاب الباحث شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» (2021) مفارقة تتكشف لدى قراءته. حتى وإن أوحت صيغة الخطاب بالألفة والمعرفة والحميمية بين المرسل والمرسل إليها، تكشف الرسائل التي يناقشها الكتاب لجنود يهود شاركوا في حرب 1948 عن مشاعر اغتراب تجاه فلسطين التي تُخاطَب، ويُكتب عنها، ويُتخيَّل مستقبلها وماضيها.

كما تكشف عن تخبّط أخلاقي وحيرة حول ما يفعلونه أو ينتمون إليه وتعطش إلى العنف ثم نفور منه فمحاولة تبريره بذريعة ضرورة «عودة اليهودي إلى التاريخ».

بين الأرض المتخيلة والأرض المأهولة

كم كان هناك فرق، بين الرغبة في عودة اليهودي إلى التاريخ وعودة الفلسطيني إلى بيته وفراشه، هذا الشرخ بين الأرض المتخيّلة وتلك المأهولة، بين الامتلاك الأيديولوجي والاقتلاع المعيشي، يمتد في فصول الكتاب الخمسة كخطّ صدع مستمر. قبل أن تطأ أقدام معظم من أصبحوا جنوداً إسرائيليين أرض فلسطين، أُخضعت البلاد لتكثيف رمزي مفرط، فظهرت أرضاً خلاصية. وحالما جرى اللقاء الفعلي، حتى بدأت هذه التجريدات بالتبدد.

يتعامل الكتاب، الصادر أخيراً بالعربية عن دار «صفصافة» في القاهرة (ترجمة ميسرة صلاح الدين)، مع رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في «جيش الإنقاذ»، إلى جانب مواد دعائية وأيديولوجية: أوامر المعارك، كتيبات، مجلات ونشرات الجيش، والبث الإذاعي، التي استُخدمت لتعبئة الجنود وتشكيل وعيهم.

التنقّل بين أنظمة أرشيفية معادية

يشكّل العثور على الرسائل نفسها وتحويلها إلى أرشيف بُعداً حاسماً في المنهج التاريخي للكتاب. فلم يعثر المؤلف على مجموعة جاهزة من المراسلات الشخصية، بل أعاد بناء هذه المواد من خلال التنقّل بين أنظمة أرشيفية مجزأة ومعادية غالباً: الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، وملفات الاستخبارات، ومكاتب الرقابة، ومجموعات لم تبقَ فيها الرسائل الخاصة إلا لأنها كانت قد صودرت أو تُرجمت أو حُفظت لأغراض المراقبة.

يظهر عدد من رسائل الجنود والمتطوعين لا بوصفها وثائق شخصية كاملة، بل في شكل نسخ أو مقتطفات أو ترجمات مُدرجة داخل تقارير استخباراتية وملفات إدارية.

وهذا يعني أنّ ما نجا من هذه المواد هو أصلاً مُشكَّل بعلاقات القوة: فقد حفظت الدولة هذه الأصوات الحميمة لا من أجل تذكّرها، بل من أجل مراقبتها والسيطرة عليها واستخلاص المعلومات منها. ومن خلال إعادة تجميع هذه الآثار المتناثرة، يحوّل المؤلف فعلياً أدوات المراقبة إلى مصادر للشهادة التاريخية. فهو يقرأ الأرشيف «ضدّ تيّاره»، متعاملًا مع ممارسات الرقابة والاستخبارات لا بوصفها عوائق، بل باعتبارها جزءاً من القصة نفسها. والنتيجة منهج يكشف كيف تدخل التجربة الخاصة إلى التاريخ عبر أنظمة بيروقراطية قسرية، وكيف يمكن كتابة النكبة من خلال وثائق لم تُكتب أصلاً للشهادة التاريخية.

قراءة هذه الرسائل على خلفية خطاب التلقين العسكري تفكّك الطريقة التي أُنتج من خلالها المعنى القومي للحرب لحظة وقوعها، بعيداً عن السرديات الرسمية اللاحقة. تكشف هذه المقاربة فجوات واضحة بين الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتجربة القتال الفعلية.

مثلاً، محاولات قيادة «جيش الدفاع» الإسرائيلي لإقناع الأشكيناز (يهود أوروبا) بأن العنف المنظّم منسجم تماماً مع التقاليد الدينية اليهودية، أو تصوير قتل العربي للمزراحيين (اليهود العرب خاصة المغاربة) كفعل ثأري يعوّض عن معاناة اليهود في البلاد العربية، لم تُقابل دوماً بالامتثال. تُظهر المراسلات تردّداً، اعتراضاً، وأحياناً لامبالاة تجاه هذه السرديات، سواء لدى الأشكناز أو المزراحيين، ما يقوّض صورة التماسك الأيديولوجي التي روجت لها القيادة العسكرية. سنقرأ كيف عاد كثير من اليهود المغاربة إلى وطنهم كرد فعل على ما حدث في عام 1948.

رسائل المتطوعين العرب وكتابات الفلسطينيين

تفصح رسائل المتطوعين العرب والفلسطينيين عن توترات في علاقتهم بقيادة «جيش الإنقاذ العربي»، أو حتى مع الفلسطينيين في القرى والبلدات التي مروا عليها. يكتب خالد ارسلان، المتطوع الدرزي السوري الذي دخل فلسطين ضمن قافلة يقودها الضابط السوري فوزي قاوقجي، إلى عمّه عن الحفاوة والحماسة، فقد استقبلهم أهالي المدن والقرى بالهتافات «عاشت الدول العربية، عاشت فلسطين عربية»، فزادت من ثقة المقاتلين المؤمنين بحتمية الانتصار.

سنقرأ عن هذه الثقة في رسائل آخرين أيضاً، قبل أن تتسرب لغة التقهقر مع تقدم الحرب؛ فتشكو مراسلات المقاتلين العرب من نقص حاد في الإمدادات والسلاح إلى سوء الرعاية الطبية وقلة الطعام والملابس. يكتب بعضهم عن إصابات وقتلى سقطوا بـ «نيران صديقة» أو أسلحة معطوبة وقنابل يحملونها فتنفجر بهم.

تظهر الوثائق أيضاً توتر العلاقة بين المتطوعين العرب والفلسطينيين أنفسهم. بينما تشيد الرسائل بجهود لجان فلسطينية قدّمت القليل المتاح للجنود، ترد شكاوى عن تجاوزات المتطوّعين في حوادث سرقة ومشاجرات، وبداية نفور القرى من وجودهم، مما دفع قاوقجي إلى إصدار أوامر بإبعاد الوحدات عن المدن خمسة كيلومترات «حفاظاً على سمعة الجيش».

تشير رسائل أرسلان أيضاً إلى قلة مشاركة الفلسطينيين في الحرب. يبرّر المؤلف ذلك: «جزء من غياب الفلسطينيين كان نتيجة للثقة التي عززها وصول جيش التحرير العربي نفسه، واعتقد عدد من الفلسطينيين أن هذه القوات وحدها ستكون كافية لهزيمة اليشوف».

نقرأ في رسالة من شاب فلسطيني يُدعى هاني أبو جولة لصديقه شعوره بالفخر لرؤية قوة عربية مستقلة تقاتل، ربما للمرة الأولى، واعتقد أن وصولها يعني أن المعركة لإنقاذ فلسطين ستكون سهلة وسريعة. روجت الدعاية العربية لوصول 15 ألف متطوع، في حين أنّ العدد الحقيقي كان خمسة آلاف. يقول أبو جولة: «لا حاجة إلى التجنيد سواء في جيش التحرير أو جيش الجهاد المقدس الذي يقوده عبد القادر الحسيني». ويخبر صديقه لاحقاً أن الحسيني حلّ جيشه لأنه لم يُستقبل بحفاوة كما استُقبل متطوعو «جيش الإنقاذ» في نابلس.

في المقابل، يعبر ارسلان عن إعجابه بحضور النساء الفلسطينيات: «صدق أو لا تصدق، الممرضات في مستشفيات نابلس من أعلى الطبقات الاجتماعية»، فقد أسست الفلسطينيات وحدة خاصة أطلقن عليها «زهرة الأقحوان» ترافق المقاتلين.

في رسائل أخرى نرى المتطوعين المرابطين في يافا يبعثون قائدهم عثمان الحوراني منسق «جيش الإنقاذ» يستجدون السلاح، تلك الرسائل لم تتلقَّ رداً إلا بوعد يائس: «سنعتني بعائلاتكم!».

انشق متطوعون وهرب آخرون، بينما تصرف كثيرون بشكل مستقل عن القيادة لحماية الفلاحين والبدو من الهجمات، مخاطِرين بالعقاب. يروي الضابط العراقي محي الدين الطيار في رسالة إلى والده تخطيطه للانتقام من اليهود الذين هاجموا البدو في أطراف بيسان. ويكتب المتطوع السوري محمد صالح سعيد، لذويه عن إنقاذ الفلاحين في قرية رأس عليّ بصحبة رفاقه من غارة يهودية.

يوميات وقصائد أيضاً

إلى جانب الرسائل، يضمّن الكتاب قصائد ويوميات لفلسطينيين تتفاعل مع الحرب والاحتلال لحظة وقوعه. نقرأ مثلاً قصيدة للشاعر شهاب الدين العبوشي يهجو فيها آل سرسق العائلة المسيحية الفلسطينية التي باعت أراضي «مرج ابن عامر» للصهاينة ويتمنى أن يُمحى اسمهم من التاريخ فلا يبقى لهم ذكر. ويقول: «لقد باعوا وطني من أجل عاهرة» في إشارة على الأرجح إلى «الحوادث التي أبُلغ فيها عن وسطاء من اليهود يقدمون العاهرات لمالكي الأراضي الفلسطينيين لإقناعهم ببيع أراضيهم».

الجنود اليهود يتلذّذون بالدماء

بدل التعامل مع الأيديولوجيا الصهيونية كوحدة متماسكة، تكشف رسائل الجنود ويومياتهم خلال العمليات الدموية في النقب والجليل عن مشهد أخلاقي متشظٍّ. جنود يتلذذون بارتكاب الفظائع ويبتهجون بالاستيلاء على الغنائم وآخرون يشعرون بالعار، ومنهم من يحمل الشعورين في آن.

نقرأ رسائلهم يتذمرون من الهدنة الثانية عام 1948، لا سيّما وقد حُسمت الأفضلية العسكرية: «هذا الهدوء الطويل يثير أعصابي» يقول أحدهم، متعطشاً لاستئناف القتال. ومع انطلاق عملية يوآف ضد المصريين في بئر السبع، تتبدّل نبرة الرسائل: فالمصريون «يتساقطون كالذباب»، والنصر دليل على أنّ «اليهود محاربون من الطراز الأول» رغم قرون الشتات.

تعكس هذه الصياغات خطاب التثقيف العسكري الذي قدم العنف اليهودي كاستعادة للتاريخ وعودة اليهودية بشكل طبيعي «إلى مجراها».

وبعد سقوط بئر السبع، يكتب أحدهم «المدينة تبدو كأن زلزالاً ضربها. لم أتخيل أن جيش بني إسرائيل يمكن أن يكون بهذه الوحشية في نهب ممتلكات العرب. لقد تخطوا الحدود (…) أين هي الأخلاق اليهودية؟ بالنسبة إلي، هذه وصمة عار».

في رسائل بعد نهاية المعارك في مدينة مجدل، حين واجه الجنود دوراً جديداً بحكم سكان مدنيين مهزومين، يصف أحدهم نفسه: «غريب شعور الجندي المحتل… يدي مقيّدتان بقلبي العبري، بعواطفي اليهودية»، ممزقاً بين تعليم عسكري ينفي الرحمة وإرث أخلاقي يقاومه. هذا التوتر، الذي لا يُحسم في الرسائل، يستبق الواقع: طُرد الفلسطينيون المتبقون، وأقيمت مدينة عسقلان مكانهم.

ريفكا، ضابط استطلاع، كتب في يومياته: «يصرخ الجنود وهم يتجولون مخمورين بالنصر، ويتردد صدى هذا الصراخ في كل زاوية. أرغب في أن أشارك صرخات الفرح، ولكني أعتقد أن هذا الاحتلال عمل شيطاني. بعد احتلال القرى الكبيرة، زرت هذه الأماكن ككشاف في الخط الأمامي. كان طريقنا مغطى بجثث العرب.

قال القائد عبر الراديو إن الجثث وصلت إلى الركب. صفّيت عائلات بأكملها ولم يتبقَّ سوى أطلال. في المنازل، كل شيء مبعثر. وجدوا الكثير من الطعام والمجوهرات والمال والغنائم الأخرى. الجثث لا تزال ملقاة في المنازل، حين جمع الجنود ثروة من أعمال النهب».

رغم أهمية الاشتغال الأرشيفي في «عزيزتي فلسطين»، يظل الكتاب بحاجة إلى قراءة نقدية. فالقوة التحليلية للأرشيف الشخصي هي نفسها مصدر مخاطره. الرسائل، مهما بدت كاشفة، لا تقف خارج علاقات القوة التي أنتجتها، ولا تُعفي المؤرخ من سؤال الموقع والنتيجة. تحويل التجربة الفردية إلى مدخل تفسيري واسع قد يُغري بتسوية الفوارق البنيوية بين الاستعمار والاستجابة له، أو بإعادة توزيع العبء الأخلاقي على مستوى الشعور بدل البنية. شاي حزقاني واعٍ لهذه الإشكالية، ولكنه لا ينجو منها دائماً. لذلك، تتطلب قراءة الكتاب يقظة نقدية: الإصغاء للأصوات من دون السماح لها بحجب عدم التكافؤ التاريخي الذي نظم الحرب ونتائجها.

ترجمة رديئة لكتاب مهم

الحقيقة أنّ قارئ الكتاب بترجمته العربية سيحبط للكيفية التي تعامل بها المترجم مع عمل بهذه الأهمية، فهو لم يكلّف نفسه القيام بأبسط التحققات، كأن يتأكد مثلاً من أسماء معروفة يترجمها، فالمؤرخ الفلسطيني هو سليم تماري وليس سالم تماري، والأكاديمية والكاتبة المعروفة هي شيرين صيقلي وليست سكالي، وهليل كوهين رجل وليس امرأة. وهناك صيغة معروفة تميز اللغة العربية اسمها المبني للمجهول ترفّع المترجم عن استخدامها لسبب ما. أما عن ركاكة الصياغات والجمل الرديئة الصياغة، فحدّث ولا حرج. ومن حسن حظ كاتبة السطور أنّها قرأت الكتاب بالإنكليزية التي نُشر بها العمل أصلاً.

“في كلّ مكان من المنفى” عنوان مختاراتٌ من قصائد الشاعرة الفلسطينية الأميركية ناتالي حنظل (1969) بترجمة أحمد م. أحمد، صدرت حديثاً عن دار “فواصل” في اللاذقية. كُتبت القصائد بين عامي 2005 و2019، ولعنوان الكتاب ما للقصائد من دلالة على المنفى المتعدّد. كما تحضر في المختارات التراجيديا الفلسطينية المعاصرة واللجوء السوري الراهن، وتجارب العيش في بلدان عديدة بين العالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية.

في القسم الأول من القصائد، “حيوات المطر” (2005)، تُعيد ناتالي حنظل العالم إلى تصوّراته القديمة الأصيلة، وتستخدم الشعر لفهم مأساة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. كما تُعيد صِلاتها بالمدن والثقافة الفلسطينية، ويحضرُ في قصائد هذه المجموعة صوتُ الفلسطيني المُبعَد. إذ تعيد الشاعرة الصراع مع المُحتلّ إلى وجه حضاري مرتبط بالمكان والثقافة: “قصيدةٌ/ ذكرياتُنا المتخمَةُ بالدفاتر البالية/ والطلاء الباهت، والحيطان المتداعية/ فهل علينا، كي نفهمَ هذا المكانَ، أن نفهمَ/ عويلَه، وكي نفهم عويلَه علينا أن نفهمَ أشعارَه/ وكي نفهم أشعارَه/ علينا أن نفهمَ الآلام؟”.

الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد إلى الانتماء

وفي قصيدة “بيت لحم”، يلمح القارئ التَنائي الذي طال بين المكان وأهلهِ بفعل التهجير. كما يتوضّح على نحو شديد الرّقّة ألّا فصام بينهما، فالمُحتلّ دخيل. وتُشركُ الشاعرة عناصر المكان من شجرٍ وحجر في نصوصٍ تعيدُ المكان إلى البشر الذين صنعوه: “جاؤوا ليقولوا لي إنّي/ لا أفهم المكانَ الذي ورثتُه/ وهكذا سوف يساعدوني على المغادرة”. على ضوء ذلك، شِعرُ ناتالي حنظل شِعرُ قضيّة، غير أنّه شِعرٌ خالٍ من الشعارات النضاليّة. وإنّما هو صوتٌ نسائيّ خافت يسعى إلى إعادة الصِّلات مع جزءٍ من ماضي شعبه، ليأخذ شِعرها مكانه في حيزٍ شخصي وعام. كما ليس شعرها شعراً للعودة، وإنّما هو استعادة للمكان. ونلمح في قصيدة “غرباء في داخلي” صورةَ شاعرةٍ تقيم كي ترحل، ومن خلال تلك اللوعة الأبدية للإقامة والرحيل ينمو الشعر. ونقرأ في قصيدة “بيت لحم”:
“تسكنُ أسرارٌ في المسافة التي تتخلّل خطانا.
وتتردّدُ أصداءُ كلمات جدّيَ في أحلامي،
إذ تحفظ السُّنونُ سبّحتَه ومدينتَه.
رأيتُ بيتَ لحم، وقد غرقتْ في الغبار، خاويةً، مِزْقة جريدةٍ تاهتْ في
شوارعها الضيّقة.
أين ذهب الجميعُ؟ تردِّدُ رسومات الجدران والأحجار.
أين بيت لحم الحقيقية – التي جاء جدّيَ منها؟
ثمة مناديل جفّفتْ الآلام من يديّ.
وتستمرّ أشجار الزيتون والدموعُ بالتذكّر.
أغذّ السير حتى أصلَ عجوزاً عربياً في رداء أبيض.
يرمقني بنظرة ويغادر. ألحق به – أسألُه لماذا يسير مبتعداً؟
يتابع السير. أتوقف، أتلفّتُ حولي، وأُدرِكُ
أنّه ترك لي أسراراً في المسافة التي تتخلّل خطاه”.

في القسم الثاني من الكتاب، “الحُبّ والأحصنة الغريبة” (2010)، يصبح الشعر أداةً للتلّقي، لا للقول. إذ يلمس مناطق غير مدركة من الشعور: “ذات يوم، والخيول تمرّ من أمامي/ ألقى أحدُها في داخلي الغرابةَ”. في هذه المجموعة من القصائد يفترّ الشعر عن تساؤلاتٍ تشيرُ إلى نفسٍ مضطربة توّاقة إلى الحُبّ. ونرى الاضطراب في صورٍ قلقةٍ غير متهادية، مثل “عالية هذي الجبالُ/ وواطئة، واطئة وعالية”، و”لا رغبةَ إلّا الريح”. كما تُجهد الشاعرة نفسها في الاعتراف بتردّدها حيال الحُبّ في قصيدة “سيرة ذاتية للّيل”. وفي قراءة ذاتها الحائرة يلمح القارئ أنّ الشاعرة ــ عبر تلقيّها ما يحدث من حولها ــ تقترب من نفسها أكثر. تسأل: “أما مِن جسرٍ في مكان ما؟”، وتجيب في قصيدة أخرى: “مَن قال إن علينا أن نكون غرباء/ حين نصغي إلى الموسيقا ذاتها؟”. إذاً، تتناسل الأفكار والمفردات واحدةً من الأخرى، وتستخدم الشاعرة كلماتٍ كي تُعرّف كلمات أخرى، خصوصاً في قصيدتها “فراشات سوداء؛ تانغو ضائع”. ونقرأ من قصيدة “انتماء”:
“مائة نفَسٍ تشقُّ الهواءَ
وأنا أستندُ
إلى شجرة الصنوبر الوحيدة التي وجدتُها.
إنْ يكنِ الوقتُ باكراً أم متأخراً، الجوُّ عليلاً أم قائظاً،
فالحقولُ جافّة. الصيف وشيك.
والأحصنةُ أنّى نظرتَ،
عدْوُها غرائبيّ كما في حلم،
لكنّي لا أستطيع أن أتذكر
كيف أناديها،
فأنتحي جانباً، وأرقبُ عبورَها”.

في القصائد المختارة من مجموعتها “شاعرة من الأندلس” (2012) يحضرُ المكان لا بصفتهِ مُحتَلّاً، وإنّما بصفتهِ مقدّساً، وبالتالي مبهماً، وقد تعمّد بالآلام: “أمشي في الشارع الرئيس/ والناس/ كأنهم يعرفون أمراً لا أعرفه/ قد رحل فرانكو/ لكن من الصعب نسيان خارطة العظام/ التي تركها وراءه”. وهي تبحث عمّا يجمعها بالمكان وعن تآلف عدّة أصوات حضارية في داخلها.

يلمح القارئ تعثّرها في الانتماءين، فشعرها إيفاءٌ لانتماءاتٍ تحاول تجديد صلاتها معها. في قصيدة “باقة زهر”، وفي العديد من القصائد المختارة في هذه المجموعة، الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد (“كيف يصوغ جسدك الهواءَ/ فيسبغ على الفضاء الملامحَ؟”)، إلى الانتماء (“لكي تفهم لماذا/ وأنت تمشي/ ستُملي الأوراقُ/ طريقةَ النبض/ على قلبك/ سيستغرق سنواتٍ”). إذ مع تعثّر تحقّق انتمائها للمكان، كأنّما بدأتْ تبحثُ عن انتماء آخر: “نحتاج أن نلفّقَ شيئاً ما/ يخصّنا: بلدَنا الأمّ/ اللون الأبيض الأخّاذ/ الظلّ المُفرَغ/ والورقة المتأجّجة”. مكانٌ وجدتْهُ الشاعرة في الحُبّ الذي يتناوب مع الزمن لعبتهما الأثيرة. لكنّ المكان، في معظم القصائد، هو ما يوحي بالعاطفة. نقرأ في قصيدتها “سبع نجوم في إشبيلية”:
“الجدران أكثر رقّة الآن،
تتشبث يداي بالصخب الذي تركته وراءك،
الفقد الذي يصمُّ الحُجرة.
انظر، هناك حريق شبَّ تحت البساط الفارسي،
هناك خطّ من الفضّة يتأجّج
حول لُفافتك.
أعطني زنبقةً،
قصّ عليَّ حكاية القمر،
حين باعَدَ ما بين جسدينا
ليفسح مكاناً للحمائم
في قاع قلبينا”.

في “النجم اللا مرئي” (2014)، نقرأ شهادات عن اغتراب أهالي بيت لحم في أميركا اللاتينية، وعن اللجوء السوري. وتحضرُ مفردة “العودة” إلى جانب مفردة الموت، كأنّهما صنوان. وكذلك الحُبّ يلتقي مع الموت في سبيلٍ واحد: “متُّ من جديد سعياً وراءك”. كما في القصائد المختارة من هذه المجموعة حضورٌ لمفردات البيت، وهو بصورة خاصّة البيت العربي في إسبانيا، وفي قصيدة “بيت” نقرأ:
“أحلمُ ببيتٍ حيث الأرواح مُسالمةٌ
حيث تَجسُّدُها رنينٌ في السّواد،
بيِّنَةٌ وبلا تجَلٍّ،
حيث سأنادي كلَّ مَن أعرف
وأولئك الذين لم ألتقِ بهم من قبلُ –
فهل سيُلبّون؟
سأطلب منهم أن يتناولوا غُصناً
من شجرة ويتحلّقوا حول الطاولة –
إذ في كلّ وُريقةٍ نقشٌ عتيق
من الكنعانيين أو الإغريق”.

تتآلف صلتها بفلسطين مع عدّة أصوات حضارية في داخلها

في القسم الأخير من الكتاب، “من الحياة في ألبوم البلاد” (2019)، تجمع قصيدتها “أصل” فلسفتها عن الجسد والحُبّ وعلاقته بالزمان والمكان، وهي قصيدة مُثلى للتعبير عن شعر ناتالي حنظل: ” – لماذا تترجمني؟/ – أريد أن أفهم كلَّ مُفردةٍ في جسدك. / – تعني كلَّ تكوين؟ / – أعني كلَّ نبْرة/ – أتعني حيث لا يمرُّ الزمن؟ / – حيث الماضي هو ما سيأتي. / – ذلك حين نتوصّل إلى مراقبة الوردة في طورِ تحوُّلِها إلى بحر”. في شِعرها إيقاع قصير متصاعدٌ وكلماتها تناوبٌ بين عاشقين يبحثان عن لقاء لا عن هَجر: “والآن حين تخطر أنت على البال، أظنُّ:/ أنك قرّرت ألّا/ تهوى مكاناً آخرَ/ وأنني، سأبقى أقتفي آثارك/ على كامل جسدي/ كما لو أنه خريطة عالَمٍ مثاليّ”. لكنه لقاءٌ يخبّئ خيبتها من أمكنةٍ شَقَّ عليها الانتماء إليها: “الحب ليس كذبة، لكن البلاد كذلك، صحيح؟”. ونقرأ في قصيدة “قطار منتصف الليل إلى جورجيا”:
“لم يكن ابنُ عمّي، النقيبُ في الجيشِ
يتحدث الكثيرَ،
لكنه فيما بعد كتبَ إليها:
ألم يَفقْ هيامي بكِ
الصمتَ في قسوته؟”.

في الكتاب قصائد متفرّقة تحضر فيها المدن العربية مثل حلب ودمشق ويافا وحيفا وصور وعكا. مدنٌ تعرفها، بلا شكّ، ناتالي حنظل التي وُلدت لعائلة من بيت لحم ونشأت بين جمهورية الدومينكان وفرنسا وعاشت وتنقلت في بلدان مثل بريطانيا وإسبانيا وروسيا وأميركا اللاتينية، قبل أن تستقر في الولايات المتحدة. درست حنظل الأدب والفنون في بريطانيا والولايات المتحدة، ونشرت سبع مجموعات شعرية وأنطولوجيا بالإنكليزية للشاعرات العربيات المعاصرات بعنوان “شعر نساء عربيات”، كما شاركت في أكثر من عشرين إنتاج مسرحي ككاتبة أو مخرجة أو منتجة. حازت على العديد من الجوائز، مثل مثل “جائزة نادي القلم في أوكلاند”، و”جائزة الكتاب الفلسطيني”، و”جائزة الكتاب العربي الأميركي”، و”جائزة فيرجينا فوكنر للتميّز في الكتابة”، وهي أستاذة للأدب في “جامعة كولومبيا” الأميركية.

  • كاتب من سورية

سومر شحادة

في عام 1998، دعت منى أتاسي، إحدى المسؤولتَيْن عن “غاليري أتاسي” في دمشق، كلّاً من فاتح المدرّس وأدونيس إلى عقْد حوارٍ في منزلها، يدور بشكل أساسي حول تجربة المدرّس الذي كان قد تحوّل في ذلك الوقت إلى رمزٍ فنّي وموضوع احتفاء في المشهد الثقافي السوري.

بدلاً من يومٍ واحد، دام الحوار أربعة أيام؛ وكان محتواه، المسجَّل، موجّهاً إلى النشر في كتاب. غير أن رحيل المدرّس بعد أشهر قليلة (1922 – 1999) حال دون ذلك، ليتأخّر صدور الكتاب عشر سنوات، حيث أنتج “غاليري أتاسي” طبعة محدودة منه وزّعته على عدد من المثقّفين السوريين والعرب، تحت عنوان “فاتح وأدونيس: حوار” (2009).

عن دار “كاف بوكس”، صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من هذا الحوار، بعنوان “حوار فاتح أدونيس: الحدس والعقل”، بترجمة رولا بعلبكي. ويتضمّن العمل، أيضاً، نصّاً للشاعر السوري جولان حاجي، وآخَر للباحثة في الفن التشكيلي آمبرا دانتون، إضافةً إلى عدد من الأعمال الورقية للمدرّس، والتي تُعَدّ جزءاً من مقتنيات مجموعة “مؤسّسة أتاسي”.

يلعب أدونيس، خلال أيام الحوار الأربعة، دور المُسائل والمحفّز على النقاش، إذ يطرح على المدرّس عشرات الأسئلة التفصيلية، إن كان حول سيرته الشخصية، أو حول عمله، ورؤيته الفنية، وحتى الفلسفية، ونظرته إلى فنانين آخرين. أسئلةٌ تنتقل، بفعْل التداعي الحُرّ، لتناقش مسائل في السياسة والفكر والقومية والتاريخ والانتماء والكثير من الموضوعات.

على أن الحوار لا يتحوّل أبداً إلى لقاءٍ صحافيّ تُبرَز من خلاله شخصية المدرّس وآراؤه؛ بل إنه يتّخذ صيغةً جدلية، حيث يتّفق كلّ من التشكيليّ والشاعر على القليل من الأفكار والمواضيع (ولا سيّما الفنّية) ويختلفان على الأغلب منها (الفكرية والسياسية والتاريخية)، ما يضع متلقّي الحوار أمام خطابين ونظرتين مختلفتين تماماً ليس إلى سورية وفنّها فحسب، بل وإلى الثقافة العربية أيضاً.

بيروت

تصلح التحليلات التي جاءت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940 ــ 2015) في كتاباتها حول تهميش النساء وإقصائهنّ من المشهد السياسي العربي، على حال الفنانات العربيات بالمجمل. فكما بالسياسة، يظلّ تقديم الفنّانات العربيات في المشهد الثقافي مفارِقاً لحضورهنّ الكبير فيه، إذ غالباً ما يُنظَر إلى أعمالهنّ من باب الاستثناء أو الإطراء، وكأنّ اشتغال المرأة الفنّي ليس إلّا عملاً موازياً أو ثانوياً بالنسبة إلى اشتغال الرجل ـ الفنّان، الذي يُقَدَّم كمعيارٍ في المشهد الفني، كما في غيره من حقول النشاط الاجتماعي.

على أنّ هذه المعطيات بدأت بالتغيّر في السنوات الماضية ــ وإنْ كان هذا التغيّر نسبياً ــ بفضْل إعطاء الحركات النسوية العربية مؤخّراً بعضاً من ثمار نشاطها خلال العقود الأخيرة، وبفضل موجات النقد النسائي التي شهدها العالَم خلال الفترة القريبة المنقضية، الأمر الذي ساهم في تحرير الخطاب حولهنّ وحول دورهنّ في حقول مثل الفن، ما وضع الفاعلين وأصحاب القرار الثقافي أمام معادلات جديدة لا بدّ لهم من التعامل معها. لكنْ يبقى الأملُ ألّا تستند النظرة الجديدة إلى الاشتغال النسائي الفنّي على مقولات الإطراء و”احتواء” الأقلّية، بل على اعتراف فعليّ بهذا الفن وبقيمته.

في “المتحف الوطني للتصوير” بالرباط، افتُتح في الثامن من آذار/ مارس الجاري معرضُ “نساء فوتوغرافيات”، الذي يستمرّ حتى الثامن من حزيران/ يونيو المقبل، ضامّاً أعمالاً لمصوّرات مغربيات من مختلف الشرائح العمرية. وإن كان موعد إطلاق المعرض قد تزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق النساء، فإن المنتظَر من حدث كهذا ألّا يكتفي برمزية هذا التاريخ، بل أن يتعدّاه إلى اقتراح نظرة موسّعة على حال المشهد الفوتوغرافي المغربي وعلى دور النساء فيه، ويمكن القول إن المعرض ينجح في أداء هذه المهمّة.

أوّل ما يدفع إلى هذا القول هو عدم اكتفاء المنظّمين بتقديم “عيّنة” من الاجتهاد الفوتوغرافي النسائي في المغرب، بل بإتاحة ما يشبه بانوراما له، حيث يوفّر المعرض مئات الأعمال لـ24 فنانة فوتوغرافية؛ يُضاف إلى هذا التنوُّع الكبير في الاشتغالات والرؤى المطروحة من خلال هذه الأعمال، التي تجمع بين الصور الفنية، والتسجيلية، والصحافية، إضافة إلى أعمال تنتمي بوضوح إلى النضال والنشاط النسويين. وإلى هذا وذاك، يقترح المعرض مروحةً واسعة من الخبرات، حيث تُعرض أعمال فنّانات قارّات في المهنة إلى جانب صورٍ لفنانات حملن الكاميرا في الأشهر القليلة الماضية فقط.

وعلى سبيل المثال، يقترح المعرض سلسلةً من الصور أنجزتها الممثّلة فاطمة الزهرة الهويتر خلال فترات العزل الصحّي التي عاشها المغرب والعالَم في العامين الماضيين، وهي تشرح أن إنجاز سلسلة الصور هذه كان ثمرةً للصدفة ولظروف العزل الصحّي، وليس لامتهان الفوتوغرافيا. وإلى جانب أعمال الهويتر التي تُعالج المواضيع التي طرحها الحظر الصحّي من عُزلة ووحدة وأزمات اقتصادية وأُخرى عائلية وزوجية، تحضر صور فنانة مثل صفاء مازيغ، التي تكشف تقنيات المزج والتلوين التي تستخدمها، وكذلك صورها الذاتية، عن علاقةٍ ليست بالجديدة بالتصوير؛ الأمر نفسه ينطبق على أعمال المصوّرة هند مومو، التي تخرج في أعمالها من الثيمات المباشرة إلى فضاء فنّي، حُلميّ، يحوّل الصورة إلى عمل فنّي قائم بذاته بمعزل عن القطعة التي تصوّرها من الواقع.

تتوزّع الأعمال المشاركة في فضاءات وصالات تقوم كلٌّ منها على ثيمة معيّنة، حيث يبدأ المعرض بفضاء يضمّ أعمالاً تسعى إلى تفكيك الكليشيهات حول المرأة، والمرأة المغربية على وجه الخصوص، إن كان في المخيال الاجتماعي أو ذلك الاستشراقي، في حين تُخَصَّص صالاتٌ أُخرى للتصوير المفهومي، والتجريبي، أو لأعمال حول الذاكرة، وأُخرى تميل إلى الشعرية.

الفنّانات المشاركات في المعرض هنّ: أمينة بن بوشتة، لالة السعيدي، لمياء الناجي، ياسمينة بوزيان، ديبورا بنزاكن، ياسمينة علوي، غيتا علوي، صفاء مازيغ، عصماء أخنوش، حسناء الوركة، ياسمين حاتمي، إيمان جميل، ابتهال الرملي، مديحة الصباني، خديجة الأبيض، فاطمة الزهراء سري، إيناس بوعلو، سمية أزحاف، سليمة حمريني، هند مومو، نوار ناصح، فاطمة الزهرة الهويتر، جميلة مستقبل وزينب بلعياشي.

الرباط