استعراض الأقسام

الكتبصفحة

“في كلّ مكان من المنفى” عنوان مختاراتٌ من قصائد الشاعرة الفلسطينية الأميركية ناتالي حنظل (1969) بترجمة أحمد م. أحمد، صدرت حديثاً عن دار “فواصل” في اللاذقية. كُتبت القصائد بين عامي 2005 و2019، ولعنوان الكتاب ما للقصائد من دلالة على المنفى المتعدّد. كما تحضر في المختارات التراجيديا الفلسطينية المعاصرة واللجوء السوري الراهن، وتجارب العيش في بلدان عديدة بين العالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية.

في القسم الأول من القصائد، “حيوات المطر” (2005)، تُعيد ناتالي حنظل العالم إلى تصوّراته القديمة الأصيلة، وتستخدم الشعر لفهم مأساة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. كما تُعيد صِلاتها بالمدن والثقافة الفلسطينية، ويحضرُ في قصائد هذه المجموعة صوتُ الفلسطيني المُبعَد. إذ تعيد الشاعرة الصراع مع المُحتلّ إلى وجه حضاري مرتبط بالمكان والثقافة: “قصيدةٌ/ ذكرياتُنا المتخمَةُ بالدفاتر البالية/ والطلاء الباهت، والحيطان المتداعية/ فهل علينا، كي نفهمَ هذا المكانَ، أن نفهمَ/ عويلَه، وكي نفهم عويلَه علينا أن نفهمَ أشعارَه/ وكي نفهم أشعارَه/ علينا أن نفهمَ الآلام؟”.

الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد إلى الانتماء

وفي قصيدة “بيت لحم”، يلمح القارئ التَنائي الذي طال بين المكان وأهلهِ بفعل التهجير. كما يتوضّح على نحو شديد الرّقّة ألّا فصام بينهما، فالمُحتلّ دخيل. وتُشركُ الشاعرة عناصر المكان من شجرٍ وحجر في نصوصٍ تعيدُ المكان إلى البشر الذين صنعوه: “جاؤوا ليقولوا لي إنّي/ لا أفهم المكانَ الذي ورثتُه/ وهكذا سوف يساعدوني على المغادرة”. على ضوء ذلك، شِعرُ ناتالي حنظل شِعرُ قضيّة، غير أنّه شِعرٌ خالٍ من الشعارات النضاليّة. وإنّما هو صوتٌ نسائيّ خافت يسعى إلى إعادة الصِّلات مع جزءٍ من ماضي شعبه، ليأخذ شِعرها مكانه في حيزٍ شخصي وعام. كما ليس شعرها شعراً للعودة، وإنّما هو استعادة للمكان. ونلمح في قصيدة “غرباء في داخلي” صورةَ شاعرةٍ تقيم كي ترحل، ومن خلال تلك اللوعة الأبدية للإقامة والرحيل ينمو الشعر. ونقرأ في قصيدة “بيت لحم”:
“تسكنُ أسرارٌ في المسافة التي تتخلّل خطانا.
وتتردّدُ أصداءُ كلمات جدّيَ في أحلامي،
إذ تحفظ السُّنونُ سبّحتَه ومدينتَه.
رأيتُ بيتَ لحم، وقد غرقتْ في الغبار، خاويةً، مِزْقة جريدةٍ تاهتْ في
شوارعها الضيّقة.
أين ذهب الجميعُ؟ تردِّدُ رسومات الجدران والأحجار.
أين بيت لحم الحقيقية – التي جاء جدّيَ منها؟
ثمة مناديل جفّفتْ الآلام من يديّ.
وتستمرّ أشجار الزيتون والدموعُ بالتذكّر.
أغذّ السير حتى أصلَ عجوزاً عربياً في رداء أبيض.
يرمقني بنظرة ويغادر. ألحق به – أسألُه لماذا يسير مبتعداً؟
يتابع السير. أتوقف، أتلفّتُ حولي، وأُدرِكُ
أنّه ترك لي أسراراً في المسافة التي تتخلّل خطاه”.

في القسم الثاني من الكتاب، “الحُبّ والأحصنة الغريبة” (2010)، يصبح الشعر أداةً للتلّقي، لا للقول. إذ يلمس مناطق غير مدركة من الشعور: “ذات يوم، والخيول تمرّ من أمامي/ ألقى أحدُها في داخلي الغرابةَ”. في هذه المجموعة من القصائد يفترّ الشعر عن تساؤلاتٍ تشيرُ إلى نفسٍ مضطربة توّاقة إلى الحُبّ. ونرى الاضطراب في صورٍ قلقةٍ غير متهادية، مثل “عالية هذي الجبالُ/ وواطئة، واطئة وعالية”، و”لا رغبةَ إلّا الريح”. كما تُجهد الشاعرة نفسها في الاعتراف بتردّدها حيال الحُبّ في قصيدة “سيرة ذاتية للّيل”. وفي قراءة ذاتها الحائرة يلمح القارئ أنّ الشاعرة ــ عبر تلقيّها ما يحدث من حولها ــ تقترب من نفسها أكثر. تسأل: “أما مِن جسرٍ في مكان ما؟”، وتجيب في قصيدة أخرى: “مَن قال إن علينا أن نكون غرباء/ حين نصغي إلى الموسيقا ذاتها؟”. إذاً، تتناسل الأفكار والمفردات واحدةً من الأخرى، وتستخدم الشاعرة كلماتٍ كي تُعرّف كلمات أخرى، خصوصاً في قصيدتها “فراشات سوداء؛ تانغو ضائع”. ونقرأ من قصيدة “انتماء”:
“مائة نفَسٍ تشقُّ الهواءَ
وأنا أستندُ
إلى شجرة الصنوبر الوحيدة التي وجدتُها.
إنْ يكنِ الوقتُ باكراً أم متأخراً، الجوُّ عليلاً أم قائظاً،
فالحقولُ جافّة. الصيف وشيك.
والأحصنةُ أنّى نظرتَ،
عدْوُها غرائبيّ كما في حلم،
لكنّي لا أستطيع أن أتذكر
كيف أناديها،
فأنتحي جانباً، وأرقبُ عبورَها”.

في القصائد المختارة من مجموعتها “شاعرة من الأندلس” (2012) يحضرُ المكان لا بصفتهِ مُحتَلّاً، وإنّما بصفتهِ مقدّساً، وبالتالي مبهماً، وقد تعمّد بالآلام: “أمشي في الشارع الرئيس/ والناس/ كأنهم يعرفون أمراً لا أعرفه/ قد رحل فرانكو/ لكن من الصعب نسيان خارطة العظام/ التي تركها وراءه”. وهي تبحث عمّا يجمعها بالمكان وعن تآلف عدّة أصوات حضارية في داخلها.

يلمح القارئ تعثّرها في الانتماءين، فشعرها إيفاءٌ لانتماءاتٍ تحاول تجديد صلاتها معها. في قصيدة “باقة زهر”، وفي العديد من القصائد المختارة في هذه المجموعة، الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد (“كيف يصوغ جسدك الهواءَ/ فيسبغ على الفضاء الملامحَ؟”)، إلى الانتماء (“لكي تفهم لماذا/ وأنت تمشي/ ستُملي الأوراقُ/ طريقةَ النبض/ على قلبك/ سيستغرق سنواتٍ”). إذ مع تعثّر تحقّق انتمائها للمكان، كأنّما بدأتْ تبحثُ عن انتماء آخر: “نحتاج أن نلفّقَ شيئاً ما/ يخصّنا: بلدَنا الأمّ/ اللون الأبيض الأخّاذ/ الظلّ المُفرَغ/ والورقة المتأجّجة”. مكانٌ وجدتْهُ الشاعرة في الحُبّ الذي يتناوب مع الزمن لعبتهما الأثيرة. لكنّ المكان، في معظم القصائد، هو ما يوحي بالعاطفة. نقرأ في قصيدتها “سبع نجوم في إشبيلية”:
“الجدران أكثر رقّة الآن،
تتشبث يداي بالصخب الذي تركته وراءك،
الفقد الذي يصمُّ الحُجرة.
انظر، هناك حريق شبَّ تحت البساط الفارسي،
هناك خطّ من الفضّة يتأجّج
حول لُفافتك.
أعطني زنبقةً،
قصّ عليَّ حكاية القمر،
حين باعَدَ ما بين جسدينا
ليفسح مكاناً للحمائم
في قاع قلبينا”.

في “النجم اللا مرئي” (2014)، نقرأ شهادات عن اغتراب أهالي بيت لحم في أميركا اللاتينية، وعن اللجوء السوري. وتحضرُ مفردة “العودة” إلى جانب مفردة الموت، كأنّهما صنوان. وكذلك الحُبّ يلتقي مع الموت في سبيلٍ واحد: “متُّ من جديد سعياً وراءك”. كما في القصائد المختارة من هذه المجموعة حضورٌ لمفردات البيت، وهو بصورة خاصّة البيت العربي في إسبانيا، وفي قصيدة “بيت” نقرأ:
“أحلمُ ببيتٍ حيث الأرواح مُسالمةٌ
حيث تَجسُّدُها رنينٌ في السّواد،
بيِّنَةٌ وبلا تجَلٍّ،
حيث سأنادي كلَّ مَن أعرف
وأولئك الذين لم ألتقِ بهم من قبلُ –
فهل سيُلبّون؟
سأطلب منهم أن يتناولوا غُصناً
من شجرة ويتحلّقوا حول الطاولة –
إذ في كلّ وُريقةٍ نقشٌ عتيق
من الكنعانيين أو الإغريق”.

تتآلف صلتها بفلسطين مع عدّة أصوات حضارية في داخلها

في القسم الأخير من الكتاب، “من الحياة في ألبوم البلاد” (2019)، تجمع قصيدتها “أصل” فلسفتها عن الجسد والحُبّ وعلاقته بالزمان والمكان، وهي قصيدة مُثلى للتعبير عن شعر ناتالي حنظل: ” – لماذا تترجمني؟/ – أريد أن أفهم كلَّ مُفردةٍ في جسدك. / – تعني كلَّ تكوين؟ / – أعني كلَّ نبْرة/ – أتعني حيث لا يمرُّ الزمن؟ / – حيث الماضي هو ما سيأتي. / – ذلك حين نتوصّل إلى مراقبة الوردة في طورِ تحوُّلِها إلى بحر”. في شِعرها إيقاع قصير متصاعدٌ وكلماتها تناوبٌ بين عاشقين يبحثان عن لقاء لا عن هَجر: “والآن حين تخطر أنت على البال، أظنُّ:/ أنك قرّرت ألّا/ تهوى مكاناً آخرَ/ وأنني، سأبقى أقتفي آثارك/ على كامل جسدي/ كما لو أنه خريطة عالَمٍ مثاليّ”. لكنه لقاءٌ يخبّئ خيبتها من أمكنةٍ شَقَّ عليها الانتماء إليها: “الحب ليس كذبة، لكن البلاد كذلك، صحيح؟”. ونقرأ في قصيدة “قطار منتصف الليل إلى جورجيا”:
“لم يكن ابنُ عمّي، النقيبُ في الجيشِ
يتحدث الكثيرَ،
لكنه فيما بعد كتبَ إليها:
ألم يَفقْ هيامي بكِ
الصمتَ في قسوته؟”.

في الكتاب قصائد متفرّقة تحضر فيها المدن العربية مثل حلب ودمشق ويافا وحيفا وصور وعكا. مدنٌ تعرفها، بلا شكّ، ناتالي حنظل التي وُلدت لعائلة من بيت لحم ونشأت بين جمهورية الدومينكان وفرنسا وعاشت وتنقلت في بلدان مثل بريطانيا وإسبانيا وروسيا وأميركا اللاتينية، قبل أن تستقر في الولايات المتحدة. درست حنظل الأدب والفنون في بريطانيا والولايات المتحدة، ونشرت سبع مجموعات شعرية وأنطولوجيا بالإنكليزية للشاعرات العربيات المعاصرات بعنوان “شعر نساء عربيات”، كما شاركت في أكثر من عشرين إنتاج مسرحي ككاتبة أو مخرجة أو منتجة. حازت على العديد من الجوائز، مثل مثل “جائزة نادي القلم في أوكلاند”، و”جائزة الكتاب الفلسطيني”، و”جائزة الكتاب العربي الأميركي”، و”جائزة فيرجينا فوكنر للتميّز في الكتابة”، وهي أستاذة للأدب في “جامعة كولومبيا” الأميركية.

  • كاتب من سورية

سومر شحادة

في عام 1998، دعت منى أتاسي، إحدى المسؤولتَيْن عن “غاليري أتاسي” في دمشق، كلّاً من فاتح المدرّس وأدونيس إلى عقْد حوارٍ في منزلها، يدور بشكل أساسي حول تجربة المدرّس الذي كان قد تحوّل في ذلك الوقت إلى رمزٍ فنّي وموضوع احتفاء في المشهد الثقافي السوري.

بدلاً من يومٍ واحد، دام الحوار أربعة أيام؛ وكان محتواه، المسجَّل، موجّهاً إلى النشر في كتاب. غير أن رحيل المدرّس بعد أشهر قليلة (1922 – 1999) حال دون ذلك، ليتأخّر صدور الكتاب عشر سنوات، حيث أنتج “غاليري أتاسي” طبعة محدودة منه وزّعته على عدد من المثقّفين السوريين والعرب، تحت عنوان “فاتح وأدونيس: حوار” (2009).

عن دار “كاف بوكس”، صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من هذا الحوار، بعنوان “حوار فاتح أدونيس: الحدس والعقل”، بترجمة رولا بعلبكي. ويتضمّن العمل، أيضاً، نصّاً للشاعر السوري جولان حاجي، وآخَر للباحثة في الفن التشكيلي آمبرا دانتون، إضافةً إلى عدد من الأعمال الورقية للمدرّس، والتي تُعَدّ جزءاً من مقتنيات مجموعة “مؤسّسة أتاسي”.

يلعب أدونيس، خلال أيام الحوار الأربعة، دور المُسائل والمحفّز على النقاش، إذ يطرح على المدرّس عشرات الأسئلة التفصيلية، إن كان حول سيرته الشخصية، أو حول عمله، ورؤيته الفنية، وحتى الفلسفية، ونظرته إلى فنانين آخرين. أسئلةٌ تنتقل، بفعْل التداعي الحُرّ، لتناقش مسائل في السياسة والفكر والقومية والتاريخ والانتماء والكثير من الموضوعات.

على أن الحوار لا يتحوّل أبداً إلى لقاءٍ صحافيّ تُبرَز من خلاله شخصية المدرّس وآراؤه؛ بل إنه يتّخذ صيغةً جدلية، حيث يتّفق كلّ من التشكيليّ والشاعر على القليل من الأفكار والمواضيع (ولا سيّما الفنّية) ويختلفان على الأغلب منها (الفكرية والسياسية والتاريخية)، ما يضع متلقّي الحوار أمام خطابين ونظرتين مختلفتين تماماً ليس إلى سورية وفنّها فحسب، بل وإلى الثقافة العربية أيضاً.

بيروت

تصلح التحليلات التي جاءت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940 ــ 2015) في كتاباتها حول تهميش النساء وإقصائهنّ من المشهد السياسي العربي، على حال الفنانات العربيات بالمجمل. فكما بالسياسة، يظلّ تقديم الفنّانات العربيات في المشهد الثقافي مفارِقاً لحضورهنّ الكبير فيه، إذ غالباً ما يُنظَر إلى أعمالهنّ من باب الاستثناء أو الإطراء، وكأنّ اشتغال المرأة الفنّي ليس إلّا عملاً موازياً أو ثانوياً بالنسبة إلى اشتغال الرجل ـ الفنّان، الذي يُقَدَّم كمعيارٍ في المشهد الفني، كما في غيره من حقول النشاط الاجتماعي.

على أنّ هذه المعطيات بدأت بالتغيّر في السنوات الماضية ــ وإنْ كان هذا التغيّر نسبياً ــ بفضْل إعطاء الحركات النسوية العربية مؤخّراً بعضاً من ثمار نشاطها خلال العقود الأخيرة، وبفضل موجات النقد النسائي التي شهدها العالَم خلال الفترة القريبة المنقضية، الأمر الذي ساهم في تحرير الخطاب حولهنّ وحول دورهنّ في حقول مثل الفن، ما وضع الفاعلين وأصحاب القرار الثقافي أمام معادلات جديدة لا بدّ لهم من التعامل معها. لكنْ يبقى الأملُ ألّا تستند النظرة الجديدة إلى الاشتغال النسائي الفنّي على مقولات الإطراء و”احتواء” الأقلّية، بل على اعتراف فعليّ بهذا الفن وبقيمته.

في “المتحف الوطني للتصوير” بالرباط، افتُتح في الثامن من آذار/ مارس الجاري معرضُ “نساء فوتوغرافيات”، الذي يستمرّ حتى الثامن من حزيران/ يونيو المقبل، ضامّاً أعمالاً لمصوّرات مغربيات من مختلف الشرائح العمرية. وإن كان موعد إطلاق المعرض قد تزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق النساء، فإن المنتظَر من حدث كهذا ألّا يكتفي برمزية هذا التاريخ، بل أن يتعدّاه إلى اقتراح نظرة موسّعة على حال المشهد الفوتوغرافي المغربي وعلى دور النساء فيه، ويمكن القول إن المعرض ينجح في أداء هذه المهمّة.

أوّل ما يدفع إلى هذا القول هو عدم اكتفاء المنظّمين بتقديم “عيّنة” من الاجتهاد الفوتوغرافي النسائي في المغرب، بل بإتاحة ما يشبه بانوراما له، حيث يوفّر المعرض مئات الأعمال لـ24 فنانة فوتوغرافية؛ يُضاف إلى هذا التنوُّع الكبير في الاشتغالات والرؤى المطروحة من خلال هذه الأعمال، التي تجمع بين الصور الفنية، والتسجيلية، والصحافية، إضافة إلى أعمال تنتمي بوضوح إلى النضال والنشاط النسويين. وإلى هذا وذاك، يقترح المعرض مروحةً واسعة من الخبرات، حيث تُعرض أعمال فنّانات قارّات في المهنة إلى جانب صورٍ لفنانات حملن الكاميرا في الأشهر القليلة الماضية فقط.

وعلى سبيل المثال، يقترح المعرض سلسلةً من الصور أنجزتها الممثّلة فاطمة الزهرة الهويتر خلال فترات العزل الصحّي التي عاشها المغرب والعالَم في العامين الماضيين، وهي تشرح أن إنجاز سلسلة الصور هذه كان ثمرةً للصدفة ولظروف العزل الصحّي، وليس لامتهان الفوتوغرافيا. وإلى جانب أعمال الهويتر التي تُعالج المواضيع التي طرحها الحظر الصحّي من عُزلة ووحدة وأزمات اقتصادية وأُخرى عائلية وزوجية، تحضر صور فنانة مثل صفاء مازيغ، التي تكشف تقنيات المزج والتلوين التي تستخدمها، وكذلك صورها الذاتية، عن علاقةٍ ليست بالجديدة بالتصوير؛ الأمر نفسه ينطبق على أعمال المصوّرة هند مومو، التي تخرج في أعمالها من الثيمات المباشرة إلى فضاء فنّي، حُلميّ، يحوّل الصورة إلى عمل فنّي قائم بذاته بمعزل عن القطعة التي تصوّرها من الواقع.

تتوزّع الأعمال المشاركة في فضاءات وصالات تقوم كلٌّ منها على ثيمة معيّنة، حيث يبدأ المعرض بفضاء يضمّ أعمالاً تسعى إلى تفكيك الكليشيهات حول المرأة، والمرأة المغربية على وجه الخصوص، إن كان في المخيال الاجتماعي أو ذلك الاستشراقي، في حين تُخَصَّص صالاتٌ أُخرى للتصوير المفهومي، والتجريبي، أو لأعمال حول الذاكرة، وأُخرى تميل إلى الشعرية.

الفنّانات المشاركات في المعرض هنّ: أمينة بن بوشتة، لالة السعيدي، لمياء الناجي، ياسمينة بوزيان، ديبورا بنزاكن، ياسمينة علوي، غيتا علوي، صفاء مازيغ، عصماء أخنوش، حسناء الوركة، ياسمين حاتمي، إيمان جميل، ابتهال الرملي، مديحة الصباني، خديجة الأبيض، فاطمة الزهراء سري، إيناس بوعلو، سمية أزحاف، سليمة حمريني، هند مومو، نوار ناصح، فاطمة الزهرة الهويتر، جميلة مستقبل وزينب بلعياشي.

الرباط

في زاوية “إصدارات.. نظرة أولى” نقف على آخر ما تصدره أبرز دور النشر والجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي وبعض اللغات الأجنبية ضمن مجالات متعدّدة تتنوّع بين الفكر والأدب والتاريخ، ومنفتحة على جميع الأجناس، سواء الصادرة بالعربية أو المترجمة إليها.

هي تناولٌ أوّل لإصدارات نقترحها على القارئ العربي بعيداً عن دعاية الناشرين أو توجيهات النقّاد. قراءة أولى تمنح مفاتيح للعبور إلى النصوص.

مختارات هذا الأسبوع تتوزّع بين الدراسات السياسية والفلسفية والفكرية والسوسيولوجية والرواية والسيرة الذاتية والذكاء الاصطناعي.

ضمن “سلسلة ترجمان”، صدرَت حديثاً عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” النسخةُ العربية من كتاب “إمبراطورية في حالة تراجع: الولايات المتّحدة الأميركية بين الماضي والحاضر والمستقبل” للباحث البريطاني فيكتور بولمر توماس، بترجمة الأكاديمي المغربي توفيق سخان. يعزو الكتاب عوامل تراجع أميركا خلال القرن الحادي والعشرين إلى أسباب داخلية، تكمن أساساً في انكماش الاقتصاد الأميركي، وحالة الإحباط العام التي تسود المجتمع الأميركي جرّاء سياسة اجتماعية مجحفة، وتداعي الأساطير أو العقائد التي قامت عليها الإمبراطورية الأميركية.

“مستقبل الفن الميتافيرس” عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً للباحث فهد الراجحي عن “دار الحضارة العربية”. يناقش العمل جملة من المفاهيم والظواهر التي تواصل تأثيرها على الممارسة الفنية والتنظيرات المرتبطة بها؛ مثل الذكاء الاصطناعي‏، وعلم ‬الأحياء، ‬و‬علم ‬البيئة ‬والفن ‬الحيوي، ‬وفن ‬الألعاب، ‬وفن ‬التطبيقات، ‬ورسم ‬الخرائط ‬ثلاثية ‬الأبعاد‬، والتغيّرات التي يفرضها “الميتافيرس” كفضاء افتراضي على سوق الفن المعاصر، في الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل أنّ الرسم والنحت وغيره من الفنون التقليدية لا تزال تجذب المقتني والمتلقّي أيضاً.

عن “منشورات جامعة شيكاغو” صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من كتاب “العيش هو المقاومة: حياة أنطونيو غرامشي” للمؤرّخ الفرنسي جان إيف فرينيه بترجمة لورا ماريس وتقديم نادية أوربيناتي. يضيء العمل سيرة المفكّر الإيطالي (1891 – 1937) منذ نشأته في جزيرة سردينيا، حيث وُلد لعائلة فقيرة انتقلت للعيش في مدينة تورين في شمال إيطاليا، مروراً بامتهانه للصحافة في الجرائد اليسارية، ثم انتقاله إلى موسكو التي قضى فيها نحو ثلاث سنوات خلال فترة حكم لينين، وعودته إلى إيطاليا لتأسيس الحزب الشيوعي الجديد، واعتقاله وأثره في كتاباته.

عن “دار التنوير”، صدرت مؤخراً رواية “السيد العميد في قلعته” للكاتب التونسي شكري المبخوت وهي خامس أعماله الروائية بعد “الطلياني” (2014)، و”باغندا” (2016)، و”مرآة الخاسر” (2019)، و”السيرة العطرة للزعيم” (2020)، إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان “السيّدة الرئيسة” صدرت عام 2015. تتناول الرواية الجديدة الفضاء الجامعي بكواليسه وعلاقاته المعقّدة والمرتبطة بدوائر المعرفة والسلطة، وهو عالم ليس غريباً عن عوالم المبخوت التخييلية؛ فقد سبق أن حضرت الجامعة في روايتيه “الطلياني” وفي “السيرة العطرة للزعيم”.

في كتابه “نحو إصلاح جنسي في الإسلام”، الصادر مؤخّراً عن “المركز الثقافي العربي”، يواصل عالم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي، البحث في إشكالية الجنس في الفضاء العربي من زاوية سوسيولوجية. وهذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار وصول موجة “الثورة الجندرية” التي تتفرّع عنها ظاهرتان اجتماعيّتان؛ الأولى هي صعود الخطاب النسوي والثانية ظهور بنى تنظيمية لتمثيل الأقلّيات الجنسية. كما يلاحظ المؤلّف أنّ تحوّلات كثيرة طاولت العالم العربي يظلّ أهمّها بروز سلوكيات جنسية جديدة لم تكن حاضرة أو معلناً عنها في العقود السابقة.

“دكتور باركمان ومستر ويبستر” عنوان كتاب جديد يصدر للباحث المصري ممدوح رزق عن “مؤسّسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع”. العمل يستعيد الرواية الشهيرة للكاتب البريطاني روبيرت لويس ستيفنسون “دكتور جيكل وميستر هايد”، ويبحث في أصولها الواقعية كقضية حدثت بالفعل في بوسطن الأميركية، ومن ثمّ يبيّن الباحث المصري صنعة الأدب في تحويل الوقائع إلى عمل فنّي وما الذي يُبقي عليه المؤلف وما يتركه في سبيل بناء عالمه التخييلي وتمرير مجموعة من المضامين يوجزها رزق في قضايا السلطة والكبت والعلاقة بين الأخلاق والغرائز.

عن دار “صفحة سبعة”، صدرت حديثاً ترجمة كتاب “معنى الحياة وقيمتها” للمفكّر الألماني الحائز جائزة “نوبل للآداب” عام 1908، رودولف كريستوف أويكن (1845 – 1926)، بتوقيع محمد المهذبي. وُضع الكتاب في سياق الجدل الذي خاضه الروحانيون من المفكّرين الأوروبيّين، نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، ضدّ الأطروحات الداروينية القائلة بأسبقية البُعد الطبيعي في الحياة. دون أن ينفي أهمّية البيولوجيا في حياة البشر، يحاول أويكن لفت النظر إلى أسبقية “الحياة الروحية”، وإلى ضرورتها في ضمان مبدأ الحرّية للإنسان في وجه الحتمية الطبيعية.

عن منشورات “إيليبس” في باريس، صدر حديثاً كتاب “بيرغسون: فلسفةُ الجديد”، للباحث الفرنسي أرنو بوانيش. يسعى المؤلّف إلى تقديم مدخلٍ مزدوج إلى فكر الفيلسوف الفرنسي (1859 – 1941): مدخلٌ موضوعاتي، عبر ثيمة الجديد، التي يمكن خلالها قراءة أعماله، ما يقود إلى مدخلٍ تاريخيّ لها يوضَع انطلاقاً من هذه الثيمة. عبر الموازاة بشكل مستمرّ بين مؤلّفات بيرغسون وسيرته، يلاحظ بوانيش كيف أنّ الجديد، باعتباره مفاجأةً، حَكَمَ تطوُّر فكر بيرغسون الذي ظلّ يغيّر في رؤاه الفلسفية والمنهجية وفق المعطيات الجديدة التي كان يقف عليها، بالصدفة أحياناً، خلال أبحاثه التجريبية. كما يشير إلى دور تحليل بيرغسون لفكرة الجديد في اقتراحه أبرز مفاهيمه: المدّة، والتي كان أوّل مَن ميّز فلسفياً بينها وبين الزمان.

“ليل ونهار” عنوان النسخة العربية من رواية الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف (1882 – 1941)، وقد صدرت حديثاً بترجمة باسل المسالمة عن “دار التكوين”. تقدّم صاحبة “السيّدة دالاوي” في هذا العمل (1919) سيرةَ شخصيّتين، هما كاثرين هيلبيري وماري داتشيت، اللتين تختلفان إلى حدّ بعيد في طبيعتهما ورؤيتهما إلى العالَم، لكنْ تجمعهما صداقةٌ وأسئلةٌ مشتركة حول العديد من المواضيع، مثل الحبّ، والعلاقات الغرامية، والزواج، والسعادة، والنجاح. كما انتقد وولف، بشكل ساخر، الأوضاع التي عاشتها إنكلترا تحت حكم إدوارد السابع مطلع القرن الماضي.

لندن

فقدت الساحة الثقافية العربية كاتباً رائداً في إسهاماته الأدبية المتنوّعة والمعرِّف الأول بالأدب الألباني في اللغة العربية. وُلد الكاتب عبد اللطيف الأرناؤوط في دمشق عام 1931 في أسرة ألبانية هاجرت من كوسوفا بعد حرب البلقان (1912 – 1913)، وحظيت بالترحيب هناك شأنها كبقية المهاجرين الذين سمّي حي راق باسمهم في دمشق.

اهتم والده بتعليم أبنائه، وبرز منهم ثلاثة أسماء هامة في الساحة الثقافية؛ هم: عبد القادر الأرناؤوط الفنان التشكيلي والأكاديمي، والشاعرة والروائية عائشة الأرناؤوط. وكان عبد اللطيف أول من أكمل الدراسة الثانوية من أبناء المهاجرين، وتابع دراسته في “دار المعلمين” ليعمل بعدها معلماً ومديراً. ثم التحق بوزارة التربية ليكون أمين تحرير لمجلة “المعلم العربي” حتى سبعينيات القرن العشرين. انتقل بعد ذلك إلى “اتحاد الكتاب العرب”، حيث شغل أمين تحرير “الموقف الأدبي” الفصلية، وكذلك مجلة “التراث الأدبي” (1997)، ثم تفرّغ للترجمة والكتابة.

كان لنشأته في أسرة ألبانية دور في إتقان اللغة الألبانية المحكية، واستفاد من موجة المهاجرين السياسيين الذين وفدوا إلى سورية، وتأسيس أول جمعية للألبان في دمشق عام 1949، حيث أتاحت تعزيز الروابط وتوثيق الصلة باللغة الأم التي بدأ تعليمها كلغة حديثة للألبان، وترافق ذلك مع اهتمامه باللغة العربية التي أحبّها وكتب بها العديد من كتبه. بدأ حياته الأدبية شاعراً وأصدر ديوانه “عزف على قيثارة الوطن”. أما أول كتاب له فكان بعنوان “الأخطاء الشائعة في اللغة العربية” مع زميله خالد قوطرش (دمشق – 1966)، ثم تتالت مؤلفاته لتصل إلى مئة كتاب بين الترجمة والنقد والدراسة.

بدأ عبد اللطيف الأرناؤوط إنتاجه بالتعريف بالشعر الشعبي الألباني وشعر عهد النهضة القومية الألبانية، الذي كان الأساس للشعر الألباني المعاصر والذي عبّر عن الألبان في موطنيهما ألبانيا وكوسوفا. ونشر ترجمة لـ 42 قصيدة متنوعة نشرت في الصحف السورية كـ “دمشق المساء” وجريدة “الأخبار” وجريدة “الثقافة الأسبوعية” وغيرها.

كان أول من ترجم أعمال إسماعيل كاداريه إلى العربية

لعبت الأوضاع السياسية في الوطن الأم دوراً في إنتاجية الكاتب وتفاعله مع المشهد الثقافي. وبدا ذلك مع انطلاقة “الثورة الثقافية” في ألبانيا (1967-1970) التي أحكمت الحصار عليها وعزَلتها عن العالم، بهدف حمايتها من الفكر الغربي ولوثة الليبرالية، مما أدى إلى تدهور شروط الحياة والإبداع وتراجع الأدب. وتوقف الكاتب الأرناؤوط لسنوات عن الكتابة والنشر.

في الضفة الأخرى من الوطن تمكّن الكاتب من زيارة موطن أسرته في كوسوفا، الذي أصبح إقليماً يتمتع بحكم ذاتي واسع تحت مظلة جمهورية يوغسلافيا السابقة. ومع الاختلاف الكبير بين النظامين، استعاد الأرناؤوط حماسه السابق نحو ثقافته الألبانية ومعاودة الإنتاج الأدبي ولا سيما بعد تعرّفه على أهم الشعراء والكتّاب الألبان.

وجاء الانعطاف الكبير في مسيرة عبد اللطيف الأرناؤوط الأدبية عندما عرّف الكاتب العربي بأهم الكتاب الروائيين في ألبانيا، ومن بينهم المرشح المتكرر لجائزة نوبل للآداب إسماعيل كاداريه المولود في 1936 الذي أصبح نائب “الجبهة الديموقراطية”، وهي الواجهة الشكلية للحزب الحاكم. ووضعه ذلك في زاوية إشكالية لم ينج منها في ما بعد. كانت بدايات ترجمات الأرناؤوط لكاداريه هي قصيدته الطويلة “يوميات الجيل”.

أما أولى ترجماته الروائية فكانت رواية “جنرال الجيش الميت”، وهي الرواية التي فتحت له طريق الشهرة، وصدرت الرواية عن “وزارة الثقافة السورية” في 1981، وأتيح لها الانتشار خارج سورية، ثم أتبع ذلك برواية “الحصن” في 1986 التي حظيت بالاهتمام أيضاً. في ذلك الوقت بدأت ترجمة كاداريه إلى اللغات العالمية كالإنكليزية والفرنسية وغيرها، ونجد صدى هذه الترجمات في العربية كرواية “من أعاد دورنتين” بترجمة أنطوان أبو زيد وروايتا “مدينة الحجر” و”الوحش” بترجمة عفيف دمشقية. كما صدرت الرواية الشهيرة “قصر الأحلام” بترجمة حياة الحويك.

تداخل صدور هذه الروايات مع فجر التغييرات في أوروبا الشرقية، والذي وصل تأثيره إلى ألبانيا، كتحدٍ لآخر قلعة للستالينية في أوروبا، ونجحت في تبني تحوّل ديموقراطي منذ نهاية 1990 انتهى بتسلم الحزب الديموقراطي الحكم بعد أول انتخابات حرة.

وتتالت ترجمات الأرناؤوط لروايات كاداريه بإصدار “وزارة الثقافة السورية” رواية “العرس” في 2006 ثم رواية “الملف هـ” في 2008 ورواية “لجنة الاحتفال” في 2009. ولم يكتف الأرناؤوط بترجمة هذه الروايات لكاداريه فألف كتاباً عن مؤلفها بعنوان ” اداريه شاعراً وروائياً: تأملات في أعماله المترجمة إلى العربية”، وفيه قال كلمته الفاصلة حول كاداريه الذي انتُقد لأجل موقعه في النظام الشمولي السابق ولجوئه إلى باريس حينها: “يجب أن يُحكم على عظمة أدب إسماعيل كاداريه بعيداً عن مواقفه السياسية وتحولاته، فالسياسة تتبدّل والإنسان يتغير”. ورغم إشكالية هذا الرأي فإن الاهتمام بأدب كاداريه استمر وانتقل التعريف به إلى بيروت والقاهرة.

ويُلاحظ هنا أن عبد اللطيف الأرناؤوط لم يتوقف عند هذا الكاتب بل قام بترجمة مجايلين له من الكتاب الذين لم يسبق الترجمة لهم والتعريف بهم، لتكون دمشق مركزاً للتعريف بالأدب الألباني في العالم العربي.

إضافة إلى هذه الريادة في ثقافته الأم فإنّ انتماءه إلى الثقافة العربية واهتمامه بالأدب والتأليف والنقد دفعه إلى كتابة المقالة والقصة والدراسات الأدبية والنقدية. هكذا نجد مجموعة من الكتب التي تتناول مسيرة وإبداع عدد من الكتاب والشعراء كعبد السلام العجيلي ومعروف الأرناؤوط وعبد الوهاب البياتي وسليمان العيسى وشفيق جبري وغيرهم. وانحاز الكاتب باهتمام واضح لأدب المرأة رداً على التهميش الذي رآه مجحفاً بحقها، فأصدر عدداً من الكتب حول كتابات غادة السمان وليلى العثمان وعائشة الأرناؤوط وسعاد الصباح وغيرهن في عنوان واحد “الأعمال غير الكاملة”، متناولاً أعمالهن ومسيرتهن الإبداعية.

كما كتب للأطفال مجموعات قصصية وقصائد شعرية صدرت عن “اتحاد الكتاب العرب” و”وزارة الثقافة السورية”.

أما إنتاجه في اللغة الألبانية، فقد كتب مجموعات شعرية منها: “ما وراء الجبال والبحار” و”لهيب الشوق”، وقام بترجمة مسرحية “الغرباء” لعلي عقلة عرسان.

مع هذا الإنتاج المتنوّع، قدّم الأرناؤوط “زبدة القول وخلاصة المسيرة الإبداعية” في كتابه “تجربتي مع الثقافة والأدب”. أما المسيرة الحياتية فخصّها بكتيّب بعنوان “أوراق بعد الستين من العمر”.

هكذا أخلص عبد اللطيف الأرناؤوط لثقافته الأم، فكان رائداً في نقلها إلى اللغة العربية والتعريف بهذه الثقافة المتوارية، كما أخلص لثقافته العربية التي اكتسبها وأحبها وأبدع بها كتبه الكثيرة.

  • كاتبة من سورية
  • محسنة الخطيب

منذ أوّل أمس الخميس، يُقام في مقر بلدية مدينة ليون الفرنسية “الملتقى الدولي لرسومات الصحافة”، والذي يمثّل تظاهرة تعمل على إيجاد فضاء تواصل وتشابك بين فناني الكاريكاتير والمصوّرين الفوتوغرافيين والمصمّمين.

يتواصل الملتقى حتى يوم غد، ويشارك فيه عدد من أشهر رسامي الكاركاتير؛ مثل الإيراني مانا نايستاني، والفرنسي لاكومب، كما تشارك الفنانة التونسية نادية الخياري المعروفة بشخصية القط ويليس.

على هامش الملتقى يُقام معرض يتضمّن 200 رسماً كاريكاتيرياً تعود إلى فناني كاريكاتير حاضرين خلال التظاهرة مثل: ويليم، وبانشو، وكامبون، وديبيون، وريمي مالينغراي، وسوف.

كما يجري تقديم كتاب مؤرّخة الفن الفرنسية فابيين ديسو والذي يحمل عنوان “خطوط ملتزمة”؛ حيث تقدّم المؤلفة الفنانين الذين اعتمدت عليهم في دراستها، كما تبيّن العلاقة بين فن الكاريكاتير والالتزام بالقضايا السياسية والبيئية والاجتماعية.

ضمن فعاليات اليوم الأخير، غداً، تقام حلقة نقاش حول حضور الجزائر في الرسومات الكاريكاتيرية وفي كتب الأشرطة المصوّرة، ويتساءل المشاركون إن كان هناك تحوّل بين صورة الجزائر اليوم مقارنة بالفترة الاستعمارية.

باريس

صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط – إيطاليا، مجموعة شعرية جديدة للشاعر الفلسطيني رائد وحش حملت عنوان “كتاب الذاهبين”، وذلك ضمن سلسلة “براءات”، التي تصدرها الدار وتنتصر فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.

كرس رائد وحش مجموعته هذه لتناول موضوعة الموت من زوايا عديدة، في بحثٍ شعريّ يرمي إلى تقديم مقاربة خاصة للموت، حيث تسأل القصائد: ما الموت فعلًا؟ هل له جسد وملامح وشخصية؟ كيف وبماذا يفكر؟ ماذا يريد؟ هل ثمة حقّاً سيناريو مرسوم سلفاً لرحلة الميّت إلى عالم آخر؟ هل يجري ذلك كما قالت به الأساطير أو الأديان؟ أم أنّ هناك قصة أخرى؟

تأتي كل هذه الأسئلة وغيرها من أجل الوصول إلى خلاصة ترى في الموت ليس مآل الأشياء وحسب، بل هو أصلها قبل ذلك، فكلُّ ما يولد يأتي منه، مثلما أنّ كل ما يذهب يمضي إليه. وهكذا يغدو الموت صانعًا أولًا للحياة، وضمنًا للدين والفن والثقافة. يغدو الموت مفتاح الوجود الأول والأكبر.

من فكرة الزوال التي ترافق الريح، إلى أسطورة القرين الشخصيّ التي تجعل المصائر البشرية مرايا للموت، إلى محاولة العثور على اللغة السرية التي يتكلم بها الموت نفسه، إلى كل ما يحمله هذا العالم من معاني التحول والتبدل والانتقال؛ تصل قصائد المجموعة إلى أن الموت حجر كبير لا يتوقف في النمو، وكل ما يموت إنما ينضم إلى ذلك الحجر العملاق، الذي سيكبر ويكبر إلى اللحظة التي يدرك فيها الجميع، حين يغدون جزءاً منه، أنهم مصنوعون من حجر واحد.

في المجموعة ست قصائد، أربع منها طوالٌ، إلا أن هذه القصائد كلها تتقاطع في قصصها وشخصياتها في القصيدة الأخيرة، التي تلتقي فيها كل الشخصيات، وتنتهي إليها كل الخطوط التي الحكائية التي فُتحت على مدار الصفحات.

أخيراً جاء الكتاب في 88 صفحة من القطع الوسط.

من الكتاب:

لا وجود لنحتٍ

الحجارة ذاتها تصنع تلك الوجوه

تبني الكتل التي تريد

وتوهمكم أنكم صانعوها.

لا وجود لتماثيل

وما تضعونه في مدائنكم

ليكون تمائم ضد الموت

هو الموت ذاته.

لا وجود لنحت،

قلتُ لكم من قبل،

في رسائل سابقةٍ:

كيف يكون ثمة نحت

وأصل الأزاميل معدن

وأصل المعدن حجر؟

كيف يكون هناك نحّاتون

وأصل الأيدي عظمٌ

وأصل العظم حجر؟

عن الكاتب

رائد وحش شاعر وكاتب وصحافي من فلسطين – سوريا، من مواليد دمشق 1981. عمل محرّرًا في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية السورية والعربية. “كتاب الذاهبين” مجموعته الشعرية الخامسة.

صدر له في الشعر: “دم أبيض” 2005، و”لا أحد يحلم كأحد” 2008، و”عندما لم تقع الحرب” 2012، و”مشاة نلتقي.. مشاة نفترق” 2016، وفي النثر “قطعة ناقصة من سماء دمشق” 2015، وفي الرواية “عام الجليد” 2019.

قام الممثّل المصري الرائد عمر وصفي (1874- 1945) برحلة إلى سورية في عام 1897 بصحبة أستاذه أبو خليل القبّاني، بحثاً عن المطربة ملكة سرور التي كانت تغنّي في حلب، لتنضمّ إلى الفرقة التي أنشأها القبّاني وضمّت فنانين آخريم منهم الممثّلة السورية مريم سماط (1870 – 1950).

نشَر وصفي مذكّراته في مجلَّة “الصباح” القاهرية طَوَالَ العام 1931 في ستِّ وثلاثين حلقة، والتي مثّلت شهادة مهمة على تلك المرحلة الغامضة من تاريخ المسرح العربي، على لسان آخر الأبطال الأحياء من ذلك العهد، الذي لم ينل حظّه الوافر من التوثيق، بينما نشرت سماط مذكراتها في جريدة “الأهرام” عام 1915 بعنوان “التمثيل العربي” في خمس حلقات، والتي تعدّ أوّل مذكّرات لممثّلة في الثقافة العربية.

“سيرة الأجواق المسرحية العربية في القرن التاسع عشر – مذكّرات الممثّلين عمر وصفي ومريم سماط”، عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً عن “منشورات المتوسط” في ميلانو، من إعداد الباحث الفلسطيني السوري تيسير خلف.

يضمّ الكتاب مذكرات ممثليْن عاصرا بداية ظهور الفرق المسرحية المحترفة في مصر

يضمُّ الكتاب المذكّرات الفنية لهذين الممثلين اللذين عاصرا بداية ظهور الفرق المسرحية المحترفة في مصر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر، إلى جانب مقدّمتين إضافيّتيْن، توضّحان أهمّيتهما في تاريخ الفن الرابع عربياً.

يكتب خلف في مقدّمته: “وإن كانت مُذكّرات مريم سماط مُختَزَلَة إلى حَدٍّ كبير، فإن مُذكِّرات عمر وصفي أكثر تفصيلًا وإحاطة بتفاصيل تلك المرحلة التَّأسيسيَّة للنهضة الفنِّيَّة التي ترفل فيها مصر منذُ قرن ونصف القرن، بمُساهمة حاسمة من فنَّانين ومُبدعين سُوريِّيْن، فرُّوا من الجَوْر الحَمِيْدِيِّ؛ وَوَجَدُوا في أرض الكنانة جنَّة الحُرِّيَّة التي كانوا بها يحلمون”.

ويشير إلى أن أبا خليل القبَّاني اتّفق مع شريكه عبد الرزاق بك على تكوين فرقة جديدة أواخر عام 1894، لتمثّل في مسرح شارع عبد العزيز لأن الملاهي كانت قد انتقلت من جواره، وتكوّنت الفرقة من بنات سماط (مريم وهيلانة وحنينة) وعمر وصفي، والمُطرب الشيخ حسن صالح، وعمر فايق، الاختصاصي في أدوار المُلُوك، واختصَّت بالروايات المُؤلَّفة بدل المُعرَّبة، حيث كانت تمثّل “عنتر بن شداد”، و”وَلَّادة بنت المستكفي”، و”عفيفة”، و”الأمير محمود”.

ويوضّح وصفي في مذكّراته كيف شهدت تلك العروض رواجاً كبيراً، حيث يقول: “ما شاهدتُ مثل هذا الإقبال من قبل.. تزاحُمٌ على باب التياترو لا مثيل له، وتعارُكٌ على شُبَّاك التذاكر، وقد تاجر الكثيرون في هذه التذاكر التي كانوا يشترونها من التياترو ويبيعونها بأضعاف ثمنها، وفي ليلة التمثيل، كان البوليس، مُشاة ورُكباناً، على باب التياترو حفْظاً للنظام”.

وتلفت سماط في مذكّراتها إلى وجود فرقتين عاملتين في تلك الفترة هما “جماعة المعارف” التي كان يرأسها محمود أفندي رفقي، وثانيهما جوق أبي خليل القباني وكان يقوم بأدوار البنات في كلا الجوقتين شباب من الممثلين، حيث التحقت بالفرقة الثانية وواصلت التمثيل على الخشية قرابة خمسة وعشرين عاماً.

ميلانو