استعراض الأقسام

دراسات ومقالاتصفحة

/

ليست المدن مجرد خرائط وأبنية وشوارع، بل هي ذاكرة حيّة تتشكل من الأسماء والحكايات والوجوه التي مرّت بها. وفي قلب باريس، يبرز حي مونمارتر بوصفه واحداً من تلك الأمكنة التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح رمزاً ثقافياً وفنياً استثنائياً، حيث تتداخل سيرة المكان مع تاريخ الفن الحديث، وتتحول الأزقة والمقاهي والواجهات القديمة إلى صفحات مفتوحة من الذاكرة الإبداعية.

في كتابه الجديد «مونمارتر: أمكنة الأساطير»، يعود الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو إلى هذا الحي الباريسي الشهير، مستكشفاً طبقاته التاريخية والفنية، ومقدماً رحلة بين المواقع التي احتضنت تجارب كبار الرسامين والكتّاب والشعراء الذين تركوا بصماتهم على المشهد الثقافي العالمي.

كان مونمارتر في الأصل قرية صغيرة تتربع على تلة مطلة على باريس، تحيط بها الكروم والطواحين وبيوت العمال البسطاء. لكن مع التحولات العمرانية التي شهدتها العاصمة الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، أصبح الحي جزءاً من المدينة، محتفظاً في الوقت ذاته بروحه المستقلة وشخصيته الخاصة التي جعلته ملاذاً للفنانين والحالمين والمتمردين.

يمضي الكتاب في استعادة ذاكرة المكان عبر ساكنيه؛ أولئك الذين عاشوا بين جدرانه أو مروا في شوارعه، من رسامين وشعراء وكتّاب صنعوا جزءاً من تاريخ الفن الأوروبي. فهنا عمل فنسنت فان غوخ، وهنا مرّ بابلو بيكاسو وأميديو موديلياني وغيرهم من الأسماء التي ارتبطت بميلاد حركات فنية كبرى، من الانطباعية إلى التكعيبية والسريالية.

لكن أهمية مونمارتر لا تكمن في أسماء مشاهيره فقط، بل في البيئة التي احتضنت الإبداع ذاته. فقد كان الحي مساحة مفتوحة للتجريب الفني والتعبير الحر، حيث تلتقي المقاهي بالحانات والمراسم الصغيرة، وتجاور الأحلام الفنية واقعاً قاسياً من الفقر والعوز عاشه كثير من المبدعين في بداياتهم.

ويكشف الكتاب كيف أسهمت هذه التناقضات في صناعة أسطورة مونمارتر؛ فبين الجمال والبؤس، وبين الاحتفاء بالفن ومكابدة الحياة اليومية، تشكلت هوية الحي بوصفه عاصمة رمزية للفن الباريسي. هنا كانت الأفكار الجديدة تولد، والاتجاهات الفنية تتبلور، والصداقات الإبداعية تنسج ملامح مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة الأوروبية.

ومع انتقال مركز الحياة الفنية لاحقاً إلى أحياء أخرى في باريس، ظل مونمارتر محتفظاً بمكانته في الذاكرة الثقافية، ليس كموقع سياحي فحسب، بل كرمز لقدرة المكان على صناعة الحكايات وإلهام الأجيال المتعاقبة من الفنانين.

يذكرنا هذا الكتاب بأن الأحياء ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل كائنات حية تتشكل من التجارب الإنسانية التي احتضنتها. فالمكان، حين يتقاطع مع الفن، يتحول إلى سردية مستمرة تتجاوز الزمن، وتبقى تفاصيله عالقة في اللوحات والقصائد والروايات، حتى وإن تغيرت ملامحه أو تبدلت وجوه ساكنيه.

وفي هذا المعنى، يبدو مونمارتر مثالاً نادراً على قدرة الفن في حفظ ذاكرة المدن، وتحويل الشوارع والأبنية والمقاهي إلى علامات ثقافية خالدة، تستمر في رواية قصتها جيلاً بعد جيل.

بين عتمة الزنازين وبهجة العرائس تمتد هوّة مخيفة، قلّة من نجحت في عبورها دون أن تفقد روحها. من هؤلاء الشاعر والفنان المصري سمير عبد الباقي، الذي رحل قبل أيام عن عمر ناهز السابعة والثمانين، بعدما أمضى أكثر من ثلثي حياته في صراع مفتوح على جبهات عديدة، فكان الشاعر والمهرج والمناضل، القابض بإحدى يديه على جمر الواقع، فيما تحرّك الأخرى الدمى كي تمنح المستقبل ابتسامة طفل.

ينتمي عبد الباقي إلى ذلك الجيل الذي بلغ ذروة الحلم مع رومانسية ثورة يوليو 1952، وانتصارات حركات التحرر الوطني في أكثر من بلد حقق استقلاله آنذاك. جيل آمن بالبشارة الكبرى، ودفع ثمنها سنوات من العمر خلف القضبان. ثم جاء السقوط مدوّياً؛ هزة عنيفة أطاحته من نشوة الحلم القومي إلى قاع هزيمة يونيو 1967. لكن الهزيمة لم تكسره تماماً، بل دفعته إلى لملمة شظاياه ومواصلة المعركة، وحين لاح له طيف الانتصار في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، باغتته زلازل عصر السادات، فبددت ما تبقى من يقين، وأسلمته إلى غضب عارم، من دون أن تدفعه يوماً إلى فقء عيني دمية.

ابتعد عبد الباقي بشعر العامية عن مقاربة القضايا الكبرى، والانغماس المباشر في السياسة مثل شعراء سبقوه وآخرين جايلوه، حيث انشغل بيوميات الناس وتفاصيل حركتهم في بيوتهم وأشغالهم وأحلامهم البسيطة.

الحلم بغدٍ جميل

لم يكد عبد الباقي يتجاوز السابعة عشرة من عمره حتى انخرط في صفوف المقاومة الشعبية، مساهماً في دعم مهجّري بورسعيد إبّان العدوان الثلاثي عام 1956. وقبل أن يبلغ العشرين، كان يشارك في إصدار جريدة سرية بعنوان “صوت الفلاحين”، ترفع شعارات “الأرض، والديمقراطية، والاستقلال الوطني”. ذلك الشغف الثوري قاده سريعاً إلى المعتقلات في سبتمبر/ أيلول 1959، حيث أمضى خمس سنوات عجاف خلف القضبان، متنقلاً بين زنازين المنصورة وعتمة سجن الواحات؛ تلك العتمة التي ما إن يطؤها شاعر بقدميه حتى تتخلى الجدران عن صلابتها: “ليلاتي ألقى المجرّة في حضني/ ليلاتي/ تطوف بكل الشطوط الحرة/ جناحاتي/ آهاتي همس المدار/ في صمت زنزانتي/ خلّت حجارة الحيطان/تشهق بغنواتي…”.

هناك، في أكثر البقاع وحشة، تشارك عبد الباقي مع الكاتب والفنان المصري صلاح حافظ في تحويل الخامات البدائية داخل المعتقل إلى دمى ومجلات كاريكاتيرية، جاعلين من ذلك الحيز الخانق مساحة للعب؛ لا مجرد وسيلة لتزجية الوقت أو الهروب من وطأة الحبس الانفرادي، بل أداة للتهكم على السجن والسجّان، والأهم من ذلك، الترويح عن رفاق العزلة الذين اختُزلت جريمتهم في عشق هذا الوطن، كما يقول في إحدى قصائده: “عن عشق هذا التراب.. عمرك ما تمنعني/ جميع سجون العرب.. يعرفني سجانها/ وجميع بنوك العرب.. عجزت تبيعني/ أنا كل ما يمزَّعُوني.. إيزيس تجمَّعني”.

أثمرت تجربة السجن أيضاً، عن عملين بارزين في أدب السجون العربي؛ أولهما سيرته الذاتية “زمن الزنازين”، التي اتسمت بالصدق في تصوير الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه، بعيداً عن بطولات الخطابة الجاهزة. أما العمل الثاني فهو روايته “هكذا تكلمت الأحجار” (1979)، التي مزج فيها الواقعي بالأسطوري، مستلهماً روح الريف وحكاياته الشعبية لتفكيك قبضة السجّان.

قرص عسل من غير كسل

هكذا استمد أدب الطفل عند عبد الباقي خصوصيته من صنع الألعاب، محولاً المسرح إلى ساحة تفاعلية؛ يثور فيها العقل ضد الخزعبلات. ومنها مسرحية “قرص عسل من غير كسل”؛ تلك المغامرة الغنائية التي تحمل العديد من القيم، وأهمها روح الجماعة والإنجاز المشترك، ما يحول مشاق العمل إلى احتفال بالحياة، وتؤكد على منظومة متكاملة من حقوق الأطفال وحقهم في العيش الكريم.

في “حلم علاء الدين”، و”بركات الحكيم”، و”بقبق الحمال”، ينفض عبد الباقي الغبار عن قصص التراث، ليحوّلها إلى دراما تخاطب طفل القرن الحادي والعشرين لأنها بالبديهة، صالحة لكل زمان ومكان لا سيما عصرنا المفتقر للخيال. وحين يقتحم عوالم الفنتازيا في “مملكة القرود” أو يواجه الطغيان بالسخرية في “جحا وتيمور لنك”، يمزج الشعر بالرقص بالصورة البصرية، وهو ما امتد إلى صفحات مجلتي “ميكي” و”سمير”، ولم ينتهِ حتى وثّق الراحل أسرار صنعته نقداً وتنظيراً في سلسلته الشهيرة “دفاتر ابن عبد الباقي”.

كرة الساحر البلورية

في مسرح عبد الباقي، يسقط قناع الساحر دائماً في اللحظة التي يظنه فيها الجميع قادراً على صنع المعجزات؛ فلا يعود السحر قوة خارقة تحرك الكون بلمسة عصا، بل يتحول إلى علم ومعرفة وعزيمة الإنسان. لذلك تنتهي العروض عادةً بنزع الهيبة عن الدجال، ليكتشف الأطفال أن صاحب العباءة اللامعة ليس سوى مخادع يتغذى على جهل الآخرين، ويمارس سلطته عبر التضليل والخداع: “واللي افتكرناه عقل/ من صغره كان أهبل”.

في المقابل، يدفع عبد الباقي بأبطاله الكادحين إلى مواجهة هذا “الساحر” الذي يعد بالثراء السريع والحلول السهلة، ضمن معارك مسرحية صاخبة بالمفارقات الكوميدية؛ حيث يضحك الطفل من الساحر بدلاً من أن يخشاه، ويسخر من ألاعيبه قبل أن يكتشف، في نهاية الرحلة، أن الخلاص الحقيقي لا يأتي إلا عبر الحب والعمل.

لهذا لم يكن غريباً أن يحتفي المشهد الثقافي العربي بصوت سمير عبد الباقي؛ فثمة مفارقة آسرة تنطوي عليها تجربته: كيف لشاعر عركته المعتقلات، وعرف قسوة الزنازين وعتمة القضبان، أن يخرج إلى العالم بكتابة تكاد تخلو من المرارة، محتفظة بقدرتها المدهشة على صناعة البهجة؟

غير أن ذلك الحس المرح بدا وكأنه يتشقق في خواتيم الرحلة، حين تسللت مرارة الخذلان إلى “نهنهات المشيب”، فتخلى الشاعر عن كبريائه المعتاد، وواجه العالم بصوت مكسور: “على شط بحر الهوى.. رسيت مراكبنا/ صبرنا خمسين سنة .. وهلكنا وتعبنا/ ملعون أبوها الشطوط .. اللي بتطفح ملح/ نزفت جراحنا وليه .. تكرهنا حبايبنا!/ داحنا رقصنا لهم .. والحبل في رقابنا!”.

على إيقاع هذا النزف، ترجّل سمير عبد الباقي عن صهوة الحياة. ومع طيِّ الصفحة الأخيرة من دفاتره التي تجاوزت الأربعين مؤلفاً مطبوعاً، إلى جانب مئات السيناريوهات والقصص المصورة، يتردد صدى صوته الحالم بالمستقبل، متشبثاً بشعلة الأمل ومحتمياً بـ “اكتئابه النبيل”: “مَحْلاه.. شعور الاكتئاب النبيل/ لو شقّ قلبك حزن ساعة أصيل/ الكون ينام يبكي في كفّ إيديك/ وإنتَ بلا حضن طيّب في حنانه تميل../ … ورغم جمر الألم/ تحلم ببُكرة.. جميل”.

سناء عبد العزيز/ عن العربي الجديد

 

هناك في أقصى الجنوب من خرائط اللغة ، حيث تمتزج الشمس بالأسطورة وتكتب الأرض حكاياتها بالحبر والدمع ، يولد ” الأدب اللاتيني ” ككائن حي يتنفس الذاكرة ويقاوم النسيان ، ففي مدن تشبه الحلم مثل ” بوينس آيرس ، وليما ، ومكسيكو سيتي ” لم يكن الأدب يوما ترفا ثقافيا بل كان ضرورة وجود ، كان صوتا يخرج من بين شقوق القهر ومن ذاكرة الشعوب التي عاشت بين استعمار طويل ، وثورات لم تهدأ وأحلام أكبر من حدود الجغرافيا 

لقد تميز الأدب اللاتيني بأنه لا يفصل بين الواقع والخيال بل يذيبهما في كأس واحدة ، ففيه قد تمشي الأرواح بين الأحياء وقد تتحدث الأشجار وقد يصبح الزمن دائرة لا خطا مستقيما ، وهذا ما جعل ما يعرف ” بالواقعية السحرية ” ليس مجرد أسلوب بل فلسفة ترى أن الحقيقة أوسع من أن تقيد بالعقل وحده ،

لذلك حين نذكر هذا الأدب تنهض أسماء لا تقرأ بل تعاش مثل ” غابرييل غارسيا ماركيز ” الذي لم يكن يكتب الروايات كمجرد رواية بل خلق بها عوالم كاملة مثال ” مئة عام من العزلة ” حيث العائلة مرآة القارة والزمن حكاية تتكرر بأشكال مختلفة ، اما ” خورخي لويس بورخيس ” فهو الأخر قد جعل من المتاهة فكرة ومن الفكرة كونا ، حتى بدا وكأن الكتابة عنده لعبة ذهنية بين الحقيقة والوهم ، ولا يمكن من ذلك أن نغفل عن ” ماريو بارغاس يوسا ” ذاك الذي حمل السياسة على كتفي الرواية ، وجعل من النص ساحة لصراع السلطة والحرية 

أن هذا الأدب ” الأدب اللاتيني ” لا يكتب بالحبر فقط بل بالتاريخ ايظا ، فكل سطر فيه يحمل صدى القارة من : أصوات الفلاحين ، أنين المدن ، وصرخات الثورات ، لذلك.هو أدب مشحون بالهوية ومتخم بالأسئلة ومشبع بقلق الإنسان الباحث عن معنى في عالم مضطرب ، ومع ذلك كله يبدو اليوم وكأنه منسي ، أو على الأقل لا يحظى بما يستحق من ضوء ، ربما لأن العالم المعاصر يميل إلى السرعة ، بينما هذا الأدب يحتاج إلى تأمل كامل ذا استثناء ، لأن صوته عميق إلى حد أنه لا يستهلك بسهولة ، في حين أن المركزية الثقافية اليوم ما زالت تميل إلى تضخيم صوت واحد وتهميش ما عداه ، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الأدب اللاتيني لم يكن يوما هامشا ، فلقد غير شكل الرواية العالمية وفتح أبوابا جديدة للخيال وعلم العالم أن الحكاية ليست مجرد سرد بل رؤية للعالم 

أن بصمته ليست تحصيل حاصل ، بل هي ندبة جميلة في وجه الأدب العالمي التي تذكرنا بأن هناك دائما طرقا أخرى لرؤية الحقيقة ، وأن الإنسان مهما اختلفت لغته فهو يحمل في داخله الحكاية ذاتها وهي ” حكاية البحث عن ذاته ، وعن معنى وجوده في هذا الكون الواسع ” ، لذلك هو أدب لا يموت ، لأنه ببساطة كتب من قلب الحياة نفسها ، وحين نغادر هذا العالم الموشى بالحكايات ، ندرك أن الأدب اللاتيني لم يكن ترفا ولا زخرفة لغوية بل كان ضرورة تشبه التنفس ، فقد علمنا كما قال ” ماريو بارغاس يوسا ” : أن الحياة من دون أدب ستكون خطأ فادحا ، وكأن الكلمات ليست مجرد حروف بل خلاص خفي يرمم أرواحنا ويعيد ترتيب فوضى العالم داخلنا ، فمن دون الأدب تفقد الحياة صوتها وتبهت معانيها ونغدو عابرين بلا ذاكرة ، أما به فنصبح أكثر إنسانية وأكثر قدرة على أن نحيا لا أن نوجد فقط .

عودة للمثقف اليومي العربي. هو في وضع لا يحسد عليه. لم يقدّم مشروعا فكريا خاصا. المشروع الفكري – الثقافي الغربي المسقط عربيا تحرك بعيدا عن الأساسيات وصار مشاريع فكرية مفصلة على مجتمعات تزداد تعقيدا. ما عاد بوسعنا الاستعارة. المشروع الفكري الغربي صار نقيضا لواقعنا العربي. ضع صراع الأيديولوجيات جانبا لأن أيّ توافق بين الليبرالية الغربية والانغلاق الإسلاموي في منطقتنا مستحيل. السياسيون الغربيون منافقون أو متأقلمون. يقبلون الإسلاموية على علاّتها لأسباب أمنية وسياسية. المثقف الغربي ليس بصدد قبول مثل هذه المساومات.

المثقف اليومي العربي اليوم مجموعة تناقضات في شخصية واحدة. تستطيع أن تجد مثقفين عربا تنقلوا من اليسار إلى القومية إلى الإسلاموية وصولا إلى الشعبوية. هؤلاء كانوا نسخا قديمة من التأثر بالتيارات الجارية في حينها. المثقف الحالي يجمع من هذه الأفكار سوية وأكثر من هذا. يتغير اتجاه الريح، ولكنه لا يغير اتجاهه، بل يزيد على تناقضاته اتجاهات جديدة. يرى المجتمعات تعيد تشكيل نفسها، فيقوم بتقديم التناقضات سوية في إطار يعتبره فكريا.

الميديا الحديثة تساعده على هذا. مفكرنا يبرز إعلاميا حتى قبل أن يبرز فكريا. مثقفنا سلعة يومية تتداولها الفضائيات، بعض الأحيان أكثر من فضائية في اليوم الواحد. من لديه هواية اللعب بريموت كونترول التلفزيون يعرف هذا. نفس الوجه الفكري يتنقل، ويعيد تشكيل أفكاره ومفرداته بحسب طبيعة القناة الفضائية. اللغو كثير وسيضيع ما يقوله. لا يوجد مشروع فكري أو ثقافي له مدوّن في كتاب أو مكتوب في موقع ليحاسب عليه أو أن تطاله أقلام النقاد. المفكر أو المثقف أصبح مشهدا تلفزيونيا.

الإعلام مفيد للشهرة. ولكنه في النهاية مشروع فضيحة فكرية للسذج من مدّعي المعرفة والثقافة والفهم والفكر. الشبكات الاجتماعية مليئة بالمشاهد من برامج يقول فيها مفكرنا الشيء وضده خلال أيام أو أشهر، وإذا كان محظوظا خلال سنوات. من حق المرء أن يغير أفكاره. لا يوجد ما يجبر المثقف على الالتزام بفكرة معينة طوال عمره. ولكن من حق الناس على المثقف أو المفكر أن يثبت على رأيه في ذلك اليوم أو الأسبوع أو المرحلة. هو ليس حلوى بنكهات وألوان مختلفة.

الانفتاح الفكري ليس تقلبا. هذا ما نحن بحاجة إليه. أن نستطيع أن نفهم التغيرات العميقة التي تجتاح العالم، وتجتاح عالمنا العربي تحديدا، كي نستطيع أن نسهم فيها فكريا وثقافيا. من دون هذا الانفتاح سيكون من الصعب النهوض بمشروع فكري أو ثقافي عربي. والانفتاح هنا بالتأكيد ليس على الطريقة القديمة من الإسقاطات الفكرية والثقافية العربية من/عن النتاج الفكري الغربي. لا نريد أن نقول السرقات الفكرية فهي أيضا كثيرة.

مشكلة هذا التحدي عويصة. إذا استثنينا المثقف أو المفكر اليومي المتنقل بين الفضائيات فهو لا يصلح لهذه المهمة، فأن قولبة الفكر في إطار ثابت مهمة صعبة. وكي نتأقلم مع التغيرات فأن الانفتاح يخرجنا من مناطق الراحة التقليدية. يريد البعض أن يضع المفكر ضمن قالب وصايا عشر تحسم كل شيء. علينا أن نتخيل كيف أن المشروع الفكري – لو حدث – سيولد خديجا ويبقى خديجا. الوصايا تضع سقفا لما يمكن أن نصل إليه حتى من قبل أن نبدأ. لكن العقلية السائدة، سواء الفكرية أو الاجتماعية، تريد هذه القولبة وهذه الأسقف.

مثل هذه التقييدات الساذجة هي ما يؤدي إلى التراجع الفكري وخسران الأرضية لصالح التيارات الفكرية الدينية أو المتعصبة. وصايا عشر قومية ووصايا عشر يسارية ووصايا عشر شعبوية ووصايا عشر قومية – يسارية ووصايا عشر قومية – يسارية – شعبوية – دينية، والحبل على الجرار. صحيح أن المفردات المستخدمة على لسان المفكرين والمثقفين كثيرة ومتعددة، لكنها لا تخفي الطابع النمطي والتزمت لما يصفونه بالفكر. وما يزيد حزن المتابعين والمتأملين خيرا في ثورة فكرية أو ثقافية قادمة، أن التزمت صار وصفة، حتى في حال وصايا التناقضات. يأتيك من ينظر بيسار ديني شعبوي. بماذا تردّ عليه؟ تسكت وتمضي.

المثقف والمفكر لا يتطوران لأسباب “تسويقية” بل يجب أن تكون هذه الأسباب حقيقية. هناك الكثير من الأدوات المعرفية المتاحة مما تؤهل لقيام ثورة فكرية وثقافية في مجتمعاتنا تبني على الأسباب الحقيقية. لا أدري لماذا نعجز مرات ومرات عن التقاطها. ربما لم يحن الوقت بعد.

د. هيثم الزبيدي

الرائدات الأوائل اهتممن بالكتابة وليس التبشير بآيديولوجيا

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.

عن \د.رشيد العناني

في أقصى الشمال حيث يطول الليل حتى يكاد يصبح ذاكرة لا تمحى ، وتشتعل الأرواح بدل الشمس ، ولدت ” روسيا ” لا كبلاد فحسب بل كحالة إنسانية متفردة وقصيدة طويلة كتبت بالحبر والثلج وتوارثتها الأجيال منذ زمن القياصرة حتى نبض الحاضر فلم تكن الثقافة الروسية يوما زينة على هامش التاريخ بل كانت قلبه الخفي النابض بالفكرة والوجدان ، فمن قصور القياصرة التي صاغت ملامح السلطة إلى أكواخ الفلاحين التي حفظت روح الأرض ، تشكلت هوية لا تشبه إلا نفسها   هوية صنعت من المعاناة معنى ومن الصمت لغة ومن الشتاء الطويل تأملا عميقا في ماهية الإنسان ، حيث في تلك الأرض لم يكن ” الأدب ” ترفا بل ضرورة وجودية ، فقد جلس هناك ” فيودور دوستويفسكي ” ينصت لاهتزازات الروح البشرية ويغوص في أعماقها حتى كشف تناقضاتها القاسية ، بينما كان ” ليو تولستوي ” يكتب الحياة بكل اتساعها ممتدا من تفاصيل القلب إلى مصائر الأمم ، أما ” أنطون تشيخوف ” فقد التقط لحظات الإنسان الهشة وحولها إلى مرايا تعكس الحقيقة دون ضجيج ، ومن رحم تلك الروح ولد أيضا ” ألكسندر بوشكين ، الذي صاغ اللغة كأنها موسيقى وأعاد للهوية الروسية صوتها الشعري الأول 

ولم تكن الفنون أقل إشراقا دون سواها فقد ارتفعت الموسيقى كصلاة خفية في أعمال ” بيوتر إليتش تشايكوفسكي : حيث تتراقص الألحان بين الحزن والأمل ، بينما حمل ” إيغور سترافينسكي ” التمرد الفني إلى آفاق جديدة كاسرا القوالب ومعلنا ولادة زمن مختلف ، وفي الأداء كان صوت ” فيودور شاليابين ” صدى للروح الروسية بكل ما فيها من عمق وهيبة 

أما العمارة فهي الأخرى تحمل ذات الأهمية ، فهي ليست رحجارة صامتة بل قصائد قائمة في وجه الزمن ، فحين يمر الزائر أمام ” الكرملين ” لا يرى مجرد حصن سياسي بل يلمس تاريخا متراكما كطبقات الذاكرة ، وحين تتلألأ قباب ” كاتدرائية القديس باسيل ” بألوانها، يشعر وكأنها حكاية مرسومة على صفحة السماء ، اي أن هناك لا يمكن للعين أن تعبر دون أن تدرك أن الثقافة قد سكنت الحجر كما سكنت الإنسان ، فقد أثرت هذه الروح العميقة في الشعب الروسي حتى صاغت منه إنسانا يميل إلى التأمل ويبحث عن المعنى خلف كل شيء ، إنسانا يرى في الألم تجربة ، وفي الصبر قوة ، وفي الفن خلاصا ، حيث لم تكن هذه الثقافة مجرد إرث يحكى بل كانت طريقا للارتقاء الفكري والسلوكي والروحي ، حتى غدا الإبداع جزءا من الهوية لا خيارا خارجها 

وهكذا من زمن القياصرة إلى اليوم.لم تنطفئ الشعلة ، فما زالت روسيا تكتب نفسها لا بالحبر وحده ، بل بالفكر ، بالفن ، وبروح تعرف كيف تحول أقسى الفصول إلى ولادة جديدة ، إنها ثقافة لا تروى كقصة من الماضي بل تعاش كحقيقة مستمرة تذكر العالم بأن الجمال قد يولد من القسوة ، وأن الإنسان حين يصغي لروحه يستطيع أن يخلد أثره في الزمن ، لتبقى بذلك الثقافة الروسية شامخة كصمت الثلج حين يحمل في داخله ألف حكاية ، وعميقة كأرض خبأت في طبقاتها ذاكرة الشعوب ، لا تبهت مع الزمن ولا تنحني لعابر الأيام ، وكما يقول المثل الروسي القديم : ليس الجمال فيما تراه العين ، بل فيما تشعر به الروح ، فكأن روسيا بثقافتها كاملة لم تخلق لترى فقط ، بل لتعاش وتفهم وتحفر في أعماق الإنسان حيث لا يصل إلا ما هو خالد .

في عالم يزداد ضجيجه كل يوم ، يكتشف الانسان بصمت ان اكثر ما يتلاشى فيه ليس الوقت ولا المسافات بل الدفء الانساني نفسه ، وشيئا فشيئا يتغير ايقاع الحياة وتصبح العلاقات اقل بساطة مما كانت وتفقد الكلمات بعضا من صدقها القديم ، فلا يحدث ذلك كحدث صاخب يلفت الانتباه بل كتبدل خفي في روح العالم ، وكان البرودة تسللت الى القلوب دون ان يراها احد ، وعند تلك اللحظة يبدأ الانسان في الشعور بان العالم الذي كان يعرفه قد اصبح مختلفا ، حيث نفس الوجوه تمر امامه ونفس الطرق يسير فيها لكن المعاني التي كانت تمنح الاشياء قيمتها لم تعد كما كانت ، ومن هنا يبدأ التأمل العميق في سؤال قديم يتجدد مع كل جيل : كيف اصبح العالم اكثر ازدحاما بالبشر ، واقل امتلاء بالمحبة؟ 

فهناك لحظات في حياة الانسان لا تأتي كالصدمات العنيفة بل كتحول صامت في نبرة العالم من حوله ، لحظات لا يشعر فيها المرء بان الدنيا قد تبدلت فجأة بل يكتشف ببطء مؤلم ان شيئا ما لم يعد كما كان ، فلم تعد الطيبة تقابل بالطمأنينة التي تستحقها ، ولم يعد الصدق يجد تلك الثقة البسيطة التي كانت تمنحه معناه ، حتى اصبح الحذر لغة خفية تسري بين الناس واصبحت المسافات النفسية اطول حتى بين القلوب التي كانت يوما متقاربة ، ففي زمن مضى كان الانسان يطمئن الى الكلمة كما يطمئن المسافر الى ضوء بعيد في اخر الطريق ، وكان الوعد يحمل وزنا اخلاقيا يربط القلوب قبل ان يربط المصالح ،  اما اليوم فقد اصبح العطاء مخاطرة والصدق استثناء والنقاء حالة نادرة في عالم تعلم ان يتقن فن الاقنعة اكثر مما يتقن فن الصراحة 

نعم الدنيا لم تتغير في ملامحها الظاهرة ، فالمدن ما زالت تضج بالحياة والطرقات تمتلئ بالناس والايام تمضي بايقاعها المعتاد ، لكن شيئا ما تبدل في روحها العميقة ، هناك برودة خفية تسللت الى العلاقات و ” براغماتية ” قاسية اصبحت تحكم كثيرا من التفاصيل الصغيرة التي كانت يوما تدار بالمودة والبساطة ، وفي عمق هذا التحول الصامت يولد داخل الانسان شعور غريب ، ليس حزنا على شخص بعينه ولا اسفا على علاقة انتهت بل حنين واسع الى زمن كان يبدو اقل تعقيدا واكثر صدقا 

انه ” الحنين ” الى تلك اللحظات التي كانت فيها المشاعر تقال ببساطة والنيات تفهم دون كثير من الشكوك والقلوب تمنح ثقتها دون ان تجبر على حساب الخسائر مسبقا ، اما الان فقد اصبح العالم سريعا الى حد يجعل المشاعر تبدو عبئا وعمليا الى حد يجعل البراءة سذاجة وباردا الى درجة لا يلتفت فيها كثيرون الى حرارة القلوب الصادقة ، لتبدأ من هنا تلك الأسئلة الداخلية التي لا تقال بصوت مرتفع ، لكنها تتردد في اعماق الروح كصدى بعيد : الى اين ذهبت البساطة التي كانت تجعل الحياة اخف؟ واين اختفى الوفاء الذي كان يمنح العلاقات معناها؟ لكن الانسان حين يطيل التأمل في هذه الاسئلة يبدأ في اكتشاف حقيقة اعمق من الحزن نفسه ، فالدنيا لم تكن يوما مكانا ثابتا ولم يكن البشر على حال واحدة عبر الزمن ، لأن التغير هو قانونها الاول والخذلان احد دروسها التي لا يتعلمها القلب الا بعد ان يمر بها ، والخسارة لغة صامتة تتحدث بها الحياة حين تريد ان تعيد ترتيب فهم الانسان لما حوله 

في عالم تتسارع فيه الإيقاعات حتى تكاد الأيام تفقد ملامحها ، وتختزل فيه معايير النجاح أحيانا في أرقام عابرة وصور سريعة الزوال ، يبقى الإنسان الطموح هو الثابت وسط هذا الاضطراب كضوء صغير لا ينطفئ ، وكبوصلة خفية تعيد للخطوات اتجاهها حين تتشابه الطرق ، لتبرز لنا من ذلك تجربة الدكتور المصري ” علي الدكروري ” ، لا بوصفها مجرد قصة نجاح مهني بل باعتبارها سيرة إنسانية تتشكل من تفاعل الفكر مع العمل ومن إيمان عميق بأن الإنجاز الحقيقي يبنى ببطء ووعي وأثر ممتد 

ففي ظهوره الأخير عبر برنامج ” بنفكر في بكره ” لم يكن الحوار استعراضا لمسيرة حافلة بقدر ما بدا تأملا هادئا في معنى الرحلة نفسها ، كان حديثه أقرب إلى جلسة مصارحة مع الزمن ، حيث تتراجع الضوضاء وتظهر التفاصيل التي لا تراها العناوين الكبيرة من : بدايات متواضعة وخطوات صغيرة ومحاولات لا تبدو استثنائية في ظاهرها ، لكنها كانت مشبعة بإصرار لا يعرف التراجع ، لقد اتسم حضوره بنبرة هادئة توحي بأن التجربة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب كي تثبت نفسها ، وأن الحكمة كلما تعمقت ازدادت بساطة ووضوحا ، فتحدث عن مسافة طويلة بين الفكرة والتنفيذ ، وعن ليال من العمل المتواصل ، حيث لا يكون الصبر انتظارا سلبيا بل فعلا يوميا من البناء والتصحيح والتعلم ، فمن هناك في تلك المساحات غير المرئية ، يتشكل جوهر النجاح الحقيقي ، ففي واحدة من عباراته التي بدت كخلاصة تجربة طويلة أشار إلى أن النجاح لا يقاس بسرعة الوصول بل بالقدرة على الاستمرار رغم الرياح ، وبالخطوات المتتابعة التي تقيم صرحا لا تهزه العواصف ، وهي رؤية تعيد تعريف ” القمة ” ذاتها ، فالقمة ليست نتيجة اندفاع سريع بل ثمرة توازن دقيق بين الرؤية والعمل وبين الطموح والصبر ، حين يصبح الطريق مدرسة وتتحول الرحلة إلى إنجاز قائم بذاته 

غير أن ما يمنح هذه التجربة بعدها الثقافي والإنساني هو إعادة تعريف غاية النجاح ، فالمسألة، في تصوره لا تتعلق بتحقيق إنجاز فردي بقدر ما ترتبط بقيمة الأثر ، لان النجاح الذي لا ينعكس خيرا على الآخرين يظل ناقصا ، أما حين يتحول إلى فرص تخلق ومعرفة تنشر وأمل يمنح ، فإنه يغادر حدود المكسب الشخصي ليصبح طاقة اجتماعية قادرة على صناعة مستقبل أفضل 

وهنا لا تبدو الأفكار الطموحة غاية بحد ذاتها ، بل بداية لمسؤولية أكبر ، فالفكرة التي تبقى في حيز الاحتمال تظل وعدا مؤجلا ، أما حين تترجم إلى عمل منظم ومؤثر فإنها تتحول إلى قوة تغيير حقيقية ، ليتجاوز النجاح بذلك لغة الأرقام والأرباح ويدخل مجال الرسالة والمعنى ، إن تجربة ” الدكروري ” ليست مجرد حكاية صعود مهني ، بل سردية إنسانية عن العلاقة بين الفكر والفعل وبين الطموح والعطاء ، وهي تذكير بأن الرقي لا يقاس بالألقاب أو الشهادات بل بما يتركه الإنسان من أثر حي ، وبما يزرعه من فرص وأفكار في حياة الآخرين ، فالقمة في جوهرها ليست مكانا نصل إليه بل قيمة نعيش بها ، والطموح حين يقترن بالحكمة يتحول إلى أداة بناء ، والعمل حين يستند إلى القيم يصبح طريقا نحو مجتمع أكثر وعيا وأملا 

وهكذا تتحول التجربة من قصة نجاح فردية إلى رسالة أوسع بأن الإنسان هو نقطة البداية ، وأن القيم هي الأساس ، وأن العمل هو الطريق ، وأن الحلم مهما كان كبيرا لا يكفي وحده بل يحتاج إلى عقل يديره وقلب يمنحه المعنى وإرادة تترجمه إلى فعل ، حينها فقط يصبح الطموح بصمة لا تمحى ، وحكاية تمتد آثارها إلى ما بعد صاحبها كضوء يظل حاضرا حتى بعد أن يغادر المشهد .