استعراض الأقسام

دراسات ومقالاتصفحة

في عالم يزداد ضجيجه كل يوم ، يكتشف الانسان بصمت ان اكثر ما يتلاشى فيه ليس الوقت ولا المسافات بل الدفء الانساني نفسه ، وشيئا فشيئا يتغير ايقاع الحياة وتصبح العلاقات اقل بساطة مما كانت وتفقد الكلمات بعضا من صدقها القديم ، فلا يحدث ذلك كحدث صاخب يلفت الانتباه بل كتبدل خفي في روح العالم ، وكان البرودة تسللت الى القلوب دون ان يراها احد ، وعند تلك اللحظة يبدأ الانسان في الشعور بان العالم الذي كان يعرفه قد اصبح مختلفا ، حيث نفس الوجوه تمر امامه ونفس الطرق يسير فيها لكن المعاني التي كانت تمنح الاشياء قيمتها لم تعد كما كانت ، ومن هنا يبدأ التأمل العميق في سؤال قديم يتجدد مع كل جيل : كيف اصبح العالم اكثر ازدحاما بالبشر ، واقل امتلاء بالمحبة؟ 

فهناك لحظات في حياة الانسان لا تأتي كالصدمات العنيفة بل كتحول صامت في نبرة العالم من حوله ، لحظات لا يشعر فيها المرء بان الدنيا قد تبدلت فجأة بل يكتشف ببطء مؤلم ان شيئا ما لم يعد كما كان ، فلم تعد الطيبة تقابل بالطمأنينة التي تستحقها ، ولم يعد الصدق يجد تلك الثقة البسيطة التي كانت تمنحه معناه ، حتى اصبح الحذر لغة خفية تسري بين الناس واصبحت المسافات النفسية اطول حتى بين القلوب التي كانت يوما متقاربة ، ففي زمن مضى كان الانسان يطمئن الى الكلمة كما يطمئن المسافر الى ضوء بعيد في اخر الطريق ، وكان الوعد يحمل وزنا اخلاقيا يربط القلوب قبل ان يربط المصالح ،  اما اليوم فقد اصبح العطاء مخاطرة والصدق استثناء والنقاء حالة نادرة في عالم تعلم ان يتقن فن الاقنعة اكثر مما يتقن فن الصراحة 

نعم الدنيا لم تتغير في ملامحها الظاهرة ، فالمدن ما زالت تضج بالحياة والطرقات تمتلئ بالناس والايام تمضي بايقاعها المعتاد ، لكن شيئا ما تبدل في روحها العميقة ، هناك برودة خفية تسللت الى العلاقات و ” براغماتية ” قاسية اصبحت تحكم كثيرا من التفاصيل الصغيرة التي كانت يوما تدار بالمودة والبساطة ، وفي عمق هذا التحول الصامت يولد داخل الانسان شعور غريب ، ليس حزنا على شخص بعينه ولا اسفا على علاقة انتهت بل حنين واسع الى زمن كان يبدو اقل تعقيدا واكثر صدقا 

انه ” الحنين ” الى تلك اللحظات التي كانت فيها المشاعر تقال ببساطة والنيات تفهم دون كثير من الشكوك والقلوب تمنح ثقتها دون ان تجبر على حساب الخسائر مسبقا ، اما الان فقد اصبح العالم سريعا الى حد يجعل المشاعر تبدو عبئا وعمليا الى حد يجعل البراءة سذاجة وباردا الى درجة لا يلتفت فيها كثيرون الى حرارة القلوب الصادقة ، لتبدأ من هنا تلك الأسئلة الداخلية التي لا تقال بصوت مرتفع ، لكنها تتردد في اعماق الروح كصدى بعيد : الى اين ذهبت البساطة التي كانت تجعل الحياة اخف؟ واين اختفى الوفاء الذي كان يمنح العلاقات معناها؟ لكن الانسان حين يطيل التأمل في هذه الاسئلة يبدأ في اكتشاف حقيقة اعمق من الحزن نفسه ، فالدنيا لم تكن يوما مكانا ثابتا ولم يكن البشر على حال واحدة عبر الزمن ، لأن التغير هو قانونها الاول والخذلان احد دروسها التي لا يتعلمها القلب الا بعد ان يمر بها ، والخسارة لغة صامتة تتحدث بها الحياة حين تريد ان تعيد ترتيب فهم الانسان لما حوله 

في عالم تتسارع فيه الإيقاعات حتى تكاد الأيام تفقد ملامحها ، وتختزل فيه معايير النجاح أحيانا في أرقام عابرة وصور سريعة الزوال ، يبقى الإنسان الطموح هو الثابت وسط هذا الاضطراب كضوء صغير لا ينطفئ ، وكبوصلة خفية تعيد للخطوات اتجاهها حين تتشابه الطرق ، لتبرز لنا من ذلك تجربة الدكتور المصري ” علي الدكروري ” ، لا بوصفها مجرد قصة نجاح مهني بل باعتبارها سيرة إنسانية تتشكل من تفاعل الفكر مع العمل ومن إيمان عميق بأن الإنجاز الحقيقي يبنى ببطء ووعي وأثر ممتد 

ففي ظهوره الأخير عبر برنامج ” بنفكر في بكره ” لم يكن الحوار استعراضا لمسيرة حافلة بقدر ما بدا تأملا هادئا في معنى الرحلة نفسها ، كان حديثه أقرب إلى جلسة مصارحة مع الزمن ، حيث تتراجع الضوضاء وتظهر التفاصيل التي لا تراها العناوين الكبيرة من : بدايات متواضعة وخطوات صغيرة ومحاولات لا تبدو استثنائية في ظاهرها ، لكنها كانت مشبعة بإصرار لا يعرف التراجع ، لقد اتسم حضوره بنبرة هادئة توحي بأن التجربة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب كي تثبت نفسها ، وأن الحكمة كلما تعمقت ازدادت بساطة ووضوحا ، فتحدث عن مسافة طويلة بين الفكرة والتنفيذ ، وعن ليال من العمل المتواصل ، حيث لا يكون الصبر انتظارا سلبيا بل فعلا يوميا من البناء والتصحيح والتعلم ، فمن هناك في تلك المساحات غير المرئية ، يتشكل جوهر النجاح الحقيقي ، ففي واحدة من عباراته التي بدت كخلاصة تجربة طويلة أشار إلى أن النجاح لا يقاس بسرعة الوصول بل بالقدرة على الاستمرار رغم الرياح ، وبالخطوات المتتابعة التي تقيم صرحا لا تهزه العواصف ، وهي رؤية تعيد تعريف ” القمة ” ذاتها ، فالقمة ليست نتيجة اندفاع سريع بل ثمرة توازن دقيق بين الرؤية والعمل وبين الطموح والصبر ، حين يصبح الطريق مدرسة وتتحول الرحلة إلى إنجاز قائم بذاته 

غير أن ما يمنح هذه التجربة بعدها الثقافي والإنساني هو إعادة تعريف غاية النجاح ، فالمسألة، في تصوره لا تتعلق بتحقيق إنجاز فردي بقدر ما ترتبط بقيمة الأثر ، لان النجاح الذي لا ينعكس خيرا على الآخرين يظل ناقصا ، أما حين يتحول إلى فرص تخلق ومعرفة تنشر وأمل يمنح ، فإنه يغادر حدود المكسب الشخصي ليصبح طاقة اجتماعية قادرة على صناعة مستقبل أفضل 

وهنا لا تبدو الأفكار الطموحة غاية بحد ذاتها ، بل بداية لمسؤولية أكبر ، فالفكرة التي تبقى في حيز الاحتمال تظل وعدا مؤجلا ، أما حين تترجم إلى عمل منظم ومؤثر فإنها تتحول إلى قوة تغيير حقيقية ، ليتجاوز النجاح بذلك لغة الأرقام والأرباح ويدخل مجال الرسالة والمعنى ، إن تجربة ” الدكروري ” ليست مجرد حكاية صعود مهني ، بل سردية إنسانية عن العلاقة بين الفكر والفعل وبين الطموح والعطاء ، وهي تذكير بأن الرقي لا يقاس بالألقاب أو الشهادات بل بما يتركه الإنسان من أثر حي ، وبما يزرعه من فرص وأفكار في حياة الآخرين ، فالقمة في جوهرها ليست مكانا نصل إليه بل قيمة نعيش بها ، والطموح حين يقترن بالحكمة يتحول إلى أداة بناء ، والعمل حين يستند إلى القيم يصبح طريقا نحو مجتمع أكثر وعيا وأملا 

وهكذا تتحول التجربة من قصة نجاح فردية إلى رسالة أوسع بأن الإنسان هو نقطة البداية ، وأن القيم هي الأساس ، وأن العمل هو الطريق ، وأن الحلم مهما كان كبيرا لا يكفي وحده بل يحتاج إلى عقل يديره وقلب يمنحه المعنى وإرادة تترجمه إلى فعل ، حينها فقط يصبح الطموح بصمة لا تمحى ، وحكاية تمتد آثارها إلى ما بعد صاحبها كضوء يظل حاضرا حتى بعد أن يغادر المشهد .

/
بقلم .. دعاء هزاع الجابري 

في ليال يغمرها المطر كوشاح من نغم خافت ويتمدد فيها الشتاء طويلا ، كأنه يسعى لأن يروي حنينا أزليا لا يرتوي ، نفتش عن كلمات تشعل في أعماقنا جمرة دفء لا تطفئها الرياح ، ونبحث عن حكاية تنصت لقلوبنا أكثر مما نحسن نحن الإصغاء إليها ، عن سطور تعرف كيف تحملنا برفق إلى عالم يتلاشى فيه وجع الدنيا ، ويعلو فيه صوت الروح صافيا بلا ضجيج 

هناك ، بين صفحات كتاب وآخر ، حيث تصفر الأوراق بمرور السنين ، كما لو أنها تحفظ ذاكرة اللمس ، تتفتح لنا أبواب لا يصل إليها النهار ، وتولد كلمات تبحر بنا على مهل نحو موطن دفء يأبى الفراق ، موطن يتشبث بنا حتى آخر لحظات بزوغ الفجر ، وكأن الفجر ذاته يتردد قبل أن يطل ، خشية أن يقطع علينا حلاوة التجلي في تلك اللحظة الساكنة بداخلنا 

نلتف بليل محاك من الكلمات ، ليل يشبه حضنا ناعما لا يرى ، وفي أيدينا فنجان شاي إنجليزي يتصاعد بخاره ، كأنه روح الكتاب القادمة 

إلينا بدفئها ، وعلى الطاولة قطعة كعك تفوح منها رائحة البيوت القديمة ، تلك البيوت التي لا تستعاد إلا بين دفتي رواية وأخرى ، ومع كل فصل جديد  نسافر بلا إذن : إلى تلال إيرلندا المسكونة بالندى ، إلى قلاع اسكتلندا حيث ينام الزمان شامخا ، إلى أزقة باث التي تخبئ بين حجارتها أنفاس قرون مضت ، ونمسك بحقائب من خيال ، ونلف أوشحة من شوق يعتصرنا ، ونمضي في دروب لم نعرفها إلا حين كتبتها لنا يد كانت تؤمن بأن العالم لا يتسع إلا للحلم إذا جاء مكتوبا ، تلك اليد ، يد امرأة نسجت من الرقة وطنا ، ومن البساطة رحلة ، ومن الحكاية موقدا يذيب صقيع هذا العالم ، امرأة ليست روائية فحسب ، بل سحر ودفء في قلب هذا الكون الشاحب 

إنها جين أوستن ، التي كتبت لنا قصصا لا تقرأ بل تعاش ، قصصا نضعها على صدورنا كما توضع الذكريات الثمينة ، ونرتلها في ليالي الوحدة كترنيمة تمنح القلب سببا للنبض ، وشغفا متجددا للحياة ، هي التي جعلت الكلمات تمشي على أطراف أصابعها كي لا تكسر صمت الأحلام ، ووهبتنا شخصيات تشبهنا : تحب مثلنا ، وتنتظر مثلنا ، وتخطئ وتخاف وترتجف كما ترتجف قلوبنا الساكنة وسط ضجيج هذا العالم ، امرأة أعادت إلينا دفء الروح حين كدنا نفقده ، ومنحتنا حكايات تفتح لليل نافذة ، وللروح ملاذا ، وللقلب لغة لا يعرفها سواه 

ففي أعمالها وجدنا حنينا يوقظ ذاكرتنا ، ودفئا يسكب الطمأنينة في قلوبنا وشغفا يعيد إلينا رغبتنا في الكتابة ، كأنها تضع القلم بين أيدينا وتهمس : اكتبوا ، فالعوالم لا تخلق إلا بالكلمات  

وهكذا ، يبقى أثرها فينا ممتدا لا يذوب بمرور الوقت ، ولا يتلاشى مهما تغير العالم من حولنا ، ويبقى معها ذلك الشعور الجميل بأن : الأدب ليس مجرد حكاية تقرأ ، بل وطن يحتوينا حين يبرد كل شيء ، فحين نغلق آخر صفحة ، يبقى دفء الحكاية عالقا في أطراف القلب ، لنقف أمام سؤال لا يبحث عن جواب ، بل عن دهشة أطول عمرا : من أي عالم جاءت جين أوستن يا ترى؟ ، أمن عالم يعرف كيف ينصت للقلوب قبل أن تنطق؟ أم من زمن كانت فيه المشاعر تكتب على مهل ، وتصان كما تصان الأسرار الجميلة؟ ، لعلها أتت من مكان لا يخضع لقسوة الواقع ، من ضفة أخرى للعالم ، حيث الحب لا يشيخ ، والرقة لا تهزم ، والكلمات تولد وفيها دفء البشر جميعا ، أو ربما لم تأت من عالم بعيد ، ربما كانت واحدة منا لكنها رأت ما عجزنا عن رؤيته ، وسمعت ما تجاهلناه طويلا ، فكتبت كي تترك لنا أثرا يدل الطريق ، وكي تهمس في آذاننا كلما اشتد البرد : إن في الحكاية خلاصا ، وفي الأدب حياة أخرى ، وفي الكلمات وطنا لا يخذل ساكنيه

لتبقى جين أوستن هكذا سؤالا جميلا لا نريد له جوابا ، لأن بعض الأسئلة خلقت كي تبقى مضيئة ، تماما كأثرها فينا ” دافئا ، وصامتا ، وأبديا ” .

صدرت عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات رواية «المكلا.. التي نجت»، التي توثّق سرديًا التحولات العنيفة التي شهدتها مدن ساحل حضرموت، وبصورة خاصة مدينة المكلا، خلال فترة سيطرة تنظيم القاعدة عليها، من خلال مقاربة إنسانية تبتعد عن السرد الأمني والعسكري المباشر.

وتقدّم الرواية، للباحث والأكاديمي د. صبري عفيف، قراءة سردية توثّق مرحلة سقوط مدينة المكلا بيد تنظيم القاعدة، وما رافقها من تحولات نفسية واجتماعية عميقة في حياة السكان، مركّزة على أثر العنف في تفاصيل الحياة اليومية، لا على الحدث بوصفه واقعة أمنية معزولة.

وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى توثيق التحولات التي شهدتها المدن الساحلية في جنوب اليمن خلال السنوات الماضية، تبرز رواية «المكلا.. التي نجت» بوصفها عملًا سرديًا يقدّم مقاربة مختلفة لفهم تلك المرحلة، عبر تفكيك التغيرات التي أصابت اللغة، والسلوك الاجتماعي، وأنماط الخوف والتكيّف داخل المدينة.

وقال د. صبري عفيف لـ(اليوم الثامن) إن الرواية لم تسعَ إلى تسجيل الوقائع كما تفعل التقارير أو البيانات الرسمية، بل حاولت الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر توثيق الأثر النفسي والاجتماعي لسيطرة تنظيم متطرف على مدينة ساحلية عُرفت تاريخيًا بهدوئها وانفتاحها. وأوضح أن السقوط لا يظهر في النص من خلال مشاهد الاشتباكات أو مظاهر السلاح، وإنما عبر تغيّر الفضاء العام، وانكماش الحياة الاجتماعية، وتحول الخوف إلى سلوك يومي اعتيادي، وهو ما يمنح الرواية قيمة توثيقية من زاوية غالبًا ما تُهمَل في التحليل التقليدي.

وأشار إلى أن الرواية تتعامل مع مدينة المكلا بوصفها كيانًا حيًا، لا مجرد مسرح للأحداث، حيث تتحول الشوارع، والمدارس، والأسواق، والمجالس، وحتى الصمت، إلى أدوات سرد تكشف كيف أعاد التنظيم فرض تعريف جديد لما هو “عادي”، وكيف تكيف المجتمع مع واقع مفروض دون أن يعني ذلك القبول به. ويقدّم هذا النمط من السرد قراءة أعمق لكيفية عمل التنظيمات المتطرفة داخل المدن، وسعيها إلى تطويع المجتمع عبر التحكم في إيقاع الحياة اليومية، لا عبر المواجهة الدائمة.

وفي سياق استعادة الذاكرة، تستحضر الرواية التفجير الإرهابي الذي أودى بحياة الطفلة منار صالح شرارة فوق جسر خور المكلا عام 2016، بوصفه رمزًا لانتهاك العنف لحياة المدنيين، ولا سيما الأطفال. ويَرِد هذا الحدث في النص كجرح مفتوح في ذاكرة المدينة، دون استثمار عاطفي مباشر أو خطاب إدانة صاخب، ما يمنح السرد بعدًا أخلاقيًا متماسكًا ويعزّز من صدقيته الإنسانية.

ولا تتوقف الرواية عند لحظة السقوط أو ذروة العنف، بل تمتد إلى ما بعدها، متتبعة مرحلة الانسحاب، والفراغ الذي خلّفه التنظيم، ثم إعادة بناء الأمن، وعودة المدينة إلى نفسها بصورة مختلفة. ويمنح هذا الامتداد الزمني العمل أهمية خاصة، كونه يوثّق مرحلة “ما بعد التنظيم”، وهي مرحلة غالبًا ما تغيب عن النقاش العام رغم تأثيرها العميق على المجتمع.

ومن منظور بحثي، تمثّل الرواية نموذجًا لكيف يمكن للأدب أن يكمّل العمل التحليلي، من خلال توفير مادة حيّة لفهم الأثر الاجتماعي والنفسي للتطرّف، وكيفية تشكّل أنماط الصمت والتكيّف والنجاة داخل المدن. فهي لا تقدّم إجابات جاهزة، بقدر ما تفتح أسئلة حول العلاقة بين العنف والمدينة، وبين الخوف والذاكرة، وبين النجاة وإعادة بناء المعنى.

وبهذا المعنى، لا توثّق رواية «المكلا.. التي نجت» سقوط مدينة بيد تنظيم القاعدة بقدر ما توثّق كيف عاشت المدينة هذا السقوط، وكيف واجهته، وكيف خرجت منه وهي أكثر وعيًا بثمن الصمت وبقيمة الذاكرة، ما يجعل العمل إضافة مهمّة لمسار توثيق الذاكرة اليمنية الحديثة من زاوية إنسانية تستحق التوقف عندها.

ليان صالح/ المكلا

في هدوء أعالي جبال «إلك» بولاية كولورادو، وجدت شيلي ريد نفسها شاهدة على تحوّل غير متوقّع: روايتها الأولى «امضِ كنهر» تشق طريقها بهدوء نحو نجاح عالمي واسع، بينما كانت هي تراقب المشهد من منزل بسيط شيدته مع زوجها في بلدة «كريستد بوت».

تقول ريد، التي تنحدر من عائلة كولورادية تعود جذورها إلى خمسة أجيال:
«قبل أن تصدر الرواية في الولايات المتحدة، كانت قد بيعت حقوق ترجمتها لأكثر من ثلاثين لغة. شعرت حينها بالدهشة والرهبة والحماسة في آن واحد».

قصة هذا العمل تؤكد أن بعض الروايات قادرة على تجاوز الحواجز التسويقية المعتادة، دون أسماء لامعة أو تاريخ أدبي سابق، لتصل مباشرة إلى القارئ.

صدرت الرواية عام 2023 عن دار «شبيغل آند غراو»، ولم تحظَ عند إطلاقها بزخم نقدي كبير، كما اقتصر حضورها على جوائز محلية ودوريات متخصصة. لكن ذلك لم يمنعها من تحقيق انتشار لافت، إذ تصدرت قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، متجاوزة حاجز المليون نسخة مباعة.

هذا النجاح جذب أنظار صناعة السينما، حيث تعمل شركة «مازور كابلان» على تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، مع توقّعات بأن تتولى المخرجة إليزا هيتمان إخراجه.

تمتد الرواية على نحو 300 صفحة، وتغطي فترة زمنية من أربعينيات القرن الماضي حتى سبعينياته. وتدور أحداثها حول علاقة حب مأساوية تجمع فتاة ريفية في السابعة عشرة من عمرها برجل من السكان الأصليين، علاقة تترك أثرها العميق على شخصيات الرواية ومصائرهم عبر السنين.

رحلة كتابة مؤجلة
تضع «امضِ كنهر» شيلي ريد، البالغة من العمر 61 عامًا، ضمن فئة من الكتّاب الذين لم ينشروا أعمالهم الروائية إلا في مرحلة متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة من التراكم والتأمل، لتكون هذه الرواية ثمرة حلم مؤجل.

درست ريد في جامعة دنفر، ثم حصلت على الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة تمبل، قبل أن تمضي ثلاثة عقود في تدريس الأدب والكتابة بجامعة كولورادو الغربية. وخلال تلك السنوات، ظلت شخصية «فيكتوريا ناش» ترافقها في خيالها، وتلحّ عليها بالحضور.

تقول ريد إن انشغالها بالتدريس وتربية طفليها جعلها تؤجل الكتابة مرارًا، مكتفية بتدوين أفكار متفرقة على قصاصات ورقية ومناديل. ومع إلحاح زوجها، اتخذت قرار التقاعد المبكر عام 2018، لتمنح نفسها أخيرًا فرصة إنهاء الرواية.

وتوضح: «درّست الرواية سنوات طويلة، لكنني لم أتصور أنني سأكتب واحدة يومًا».

من الرفض إلى القبول
انتهت ريد من المسودة الأولى عام 2019، مستوحية بعض أحداثها من وقائع تاريخية حقيقية، مثل فيضان «إيولا» في ستينيات كولورادو. ورغم إعجاب وكيلتها الأدبية بالعمل، واجهت الرواية طريقًا شاقًا في النشر، إذ رُفضت من 21 دار نشر قبل أن تتبناها دار «شبيغل».

خضعت الرواية لاحقًا لمراجعات جوهرية، أبرزها حصر السرد في وجهة نظر البطلة «فيكتوريا»، بعد أن كانت تعتمد على أصوات متعددة، وهو تعديل أسهم في تعزيز قوتها السردية.

اليوم، تعمل شيلي ريد على رواية ثانية تدور أحداثها في جنوب شرق كولورادو، بينما منحتها عوائد روايتها الأولى قدرًا من الاستقرار، سمح لها بتحسين منزلها، ودعم تعليم ابنها، وتأمين مستقبلها.

وتختم بقولها:
«لا تزال حياتنا بسيطة، ولا أزال أقود شاحنتي القديمة. لكن الأهم أن هذه الرواية منحتني ما حلمت به دائمًا: أن أعيش ككاتبة»

في روايته «جنون مصري قديم» يضع الروائي المصري طلال فيصل المرويّة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد، حيث تصبح النصوص التاريخية القديمة جزءا من النسيج الحكائي المعاصر، وشريكاً في تساؤلاته وحيرته إزاء كتابة التاريخ.

في الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، تنطلق الحكاية من عتبة أستاذ تاريخ أكاديمي مُتقاعد، تقوده حزمة أوراق لمؤرخ مملوكي مجهول يُدعى جلال الساعي إلى مغامرة تحويل تلك الأوراق وصوت صاحبها إلى رواية، مغامرة تجعله يجلس على مقعد الروائي لأول مرة في حياته، بعد سنوات طويلة من التعامل مع التاريخ بوصفه علماً صارماً، ليكتشف داخل نفسه دافعاً وجودياً للكتابة: «غرقتُ في الكتابة وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة لمَ أكتبها رواية. لعلي أسلّي نفسي وقد خرجتُ على المعاش، ولعلي أجربُ حظي في شيء جديد ربما ينفعني بما لم ينفعني به التاريخ».

تعلن الرواية انحيازها الصريح لفن الحكاية، في مواجهة إقصاء المشاعر من سرد الوقائع. فالتاريخ -كما يراه الراوي- عاجز عن احتواء الخوف والذعر والانكسار الإنساني: «لسوء الحظ، يهمل المؤرخون تماماً أمر المشاعر وهم يدونون لنا أحداث ما جرى». بهذا المعنى، لا تتحوّل الرواية إلى مجرّد استعادة لسيرة «الأشرف برسباي»، أحد أبرز سلاطين دولة المماليك، بل إلى مساءلة جذرية لطبيعة المعرفة التاريخية نفسها، وحدودها الموضوعية، وكيف يُعاد إنتاج الوقائع داخل خطاب سردي يعترف بتدخّله وتأويلاته وشططه.

لعبة الاسم

لا يكتفي طلال فيصل برسم شخصية راوٍ متقاعد يحوّل أوراقاً تاريخية إلى رواية، بل يبدأ لعبته السردية منذ اللحظة الأولى حين يُطلق اسمه الحقيقي على اسم بطله الروائي نفسه، ليحمل أستاذ التاريخ المُتقاعد اسم «طلال فيصل»، في تطابق مقصود بين المؤلف وشخصيته الروائية، بما يضع القارئ مباشرةً داخل منطقة ملتبسة بين الكاتب والراوي، وبين من يكتب ومن يُكتب عنه.

لا يعمل هذا التطابق بوصفه حيلة شكلية، بل بوصفه تقنية سردية تنتمي إلى تقاليد التخييل الذاتي والميتا سرد، حيث يتحوّل فعل الكتابة نفسه إلى موضوع للحكي، ويتقمّص المؤلف شخصية داخل عمله، لا بوصفه مؤرخاً يمتلك سلطة المعرفة، بل بوصفه راوياً مرهقاً، متقاعداً، يكتب ليقتل الوقت، وليسلّي نفسه في وحدته، وفنياً فإن حضور الكاتب باسمه داخل النص لا يهدف إلى ترسيخ سلطة المؤرخ، بل إلى تفكيكها، وتحويل السرد إلى مساحة نقدية يتجاور فيها البحث والتخييل، والوثيقة والشك، في صيغة رواية تعيد التفكير في الماضي أكثر مما تكتفي باستعادته.

لا تستدعي الرواية زمن المماليك بوصفه زمناً غابراً يُروى من مسافة، بل بوصفه نموذجاً أولياً لجنون السلطة حين يتحوّل الحكم إلى «لعبة» لا تخلو من مشاهد هزلية وسوداوية معاً، مثل مشهد تنصيب سلطان «رضيع» على رأس السلطة، في إشارة إلى عالم يحكمه العبث: «يشير ططر للأمير ببغا المظفري، أكبر المماليك سناً ومقاماً، أن يجاور السلطان أثناء تنصيبه، وتظهر مشكلة بسيطة حين يحاولون وضع عمامة السلطنة على رأسه فيفاجئهم صغر رأس الصغير وهي تغطس في العمامة».

طبقات الصوت

تنهض الرواية على معمار أسلوبي مركّب يقوم على تبادل الأصوات السردية؛ هناك أولاً صوت المؤرخ التاريخي المُعايش لزمن المماليك، الذي يكتب من قلب زمنه وبمنطق الشاهد لا المعلِّق اللاحق، فتتحرّك لغته في أفق يومي مألوف ما بين الأمراء، والمؤامرات والأسواق، والبيمارستان، وأبواب القاهرة، في تسجيل وقائعي ينشغل بمنطق التدوين بلغة المخطوطات القديمة، بما في ذلك الدعاء الذي يُذيّل أوراق المؤرخين القدامى: «ولعل الله يغفر له بحسن صنيعه مع بركة».

إلى جوار هذا الصوت، يبرز صوت البطل العليم المتدخّل، الذي يُعلّق ويفكك ويؤوِّل بسخرية هادئة وهو يكتب روايته، بما لا يخلو من تحليل نفسي وتفكيك منطقي للمروية التاريخية، يضاف إلى هذين الصوتين طبقة ثالثة تعمل كجسر بينهما، وهو صوت شيوخ التدوين ومؤرخي العصر المملوكي أنفسهم، عبر توظيف مقاطع مقتبسة من كتب التاريخ للمقريزي وابن إياس وبدر الدين العيني وابن تغري بردي، وكتبهم التي تُعدّ في علم التاريخ مصادر أولية لفهم ذلك الزمن.

لا تُدرج تلك النصوص بوصفها إحالات علمية، بل بوصفها أصواتاً سردية مستقلة تضع القارئ داخل المنظومة المعرفية الخاصة لزمن المماليك، حيث تختلط السياسة بالغيبي، والسلطة بالتأويل، والوقائع بالكرامات والنبوءات.

يخلق هذا التراكب الصوتي مساحة تبادلية بين كل من خطاب المؤرخ القديم، وخطاب الراوي التاريخي المعايش، وخطاب الراوي المعاصر الناقد، بما يقدم التاريخ كنص مفتوح يعيد مساءلته بدلاً من تكريسه.

ولا يكتفي الراوي بالمعايشة أو التعليق، بل يتحكم في السرد بوصفه صانع حبكة، فهو، على سبيل المثال، حين يتحدث عن صعود «بدر العيني» في بلاط «برسباي»، لا يقدّم الوقائع دفعة واحدة، بل يصنع توتراً سردياً مقصوداً: «لم يجتمع مجلسُ مشورة واحد في زمن برسباي، إلا وكان الرجل حاضراً فيه حتى حدث ما حدث مما سنأتي على ذكره لاحقاً». وهو أسلوب سردي يتحكم في الإيقاع، ويؤجّل الحدث عمداً، ويعيد توزيعه على الزمن الحكائي، ويتحوّل «بدر العيني» من شخصية تاريخية إلى بطل في حبكة روائية له صعود ونفوذ وذروة وانكسار مؤجّل.

العدالة التاريخية

يقود السرد إلى مساءلة الذاكرة الثقافية، فلماذا بقي المقريزي حياً في الوعي العام، بينما تراجع بدر العيني؟ ومن يصنع قانون المؤرخين؟ ومن يقرّر من يبقى ومن يُنسى؟ في ظل سؤال مفتوح حول ما إذا كان التاريخ علماً مُحايداً أم فناً سردياً محكوماً بالاختيار والرؤية. أما جلال الساعي، كاتب الأوراق المجهول، فيحمل رمزاً فنياً لمن سقطوا من الذاكرة الرسمية، فقد عاش الطاعون، ورصد الجنون، وشهد شطط السلطة، ثم اختفى اسمه من كتب التاريخ الكبرى، وكأن الرواية كلها محاولة إنقاذ أثر إنسان محذوف من السجلات.

غير أن «الجنون» يظل الثيمة المركزية التي تنتظم حول الرواية كلها، ليس بوصفه توصيفاً نفسياً فردياً، بل معياراً سياسياً وأخلاقياً، من «المؤيد شيخ» إلى «برسباي»، ومن رجال البلاط إلى المحتالين و«البهلوان»، فتدور السلطة في فلك فقدان الرشد، ويتحوّل الجنون إلى مبدأ بنيوي لفهم السياسة، بما توحي به عبارة على لسان الشخصية الروائية التي تتقمص «المقريزي»، وتلخّص رؤيتها السوداء للسلطة: «أظنهم جميعاً مجانين يا خالي، غير أن جنون هذا باهظ التكاليف».

الكاتب/ منى أبو النصر / الشرق الاوسط

هذه قصة التكوين الأول للملياردير سالم السالم، أما ما يأتي بعدها فقد يكون مفاجئا للقارئ، إذ سيظن كثيرا أن الرواية تتحدث عن شخص حقيقي عاش كل الأحداث المسرودة مع أن الكاتب حرص في مقدمة الرواية على تدوين التنويه المعتاد الذي يشير إلى أن “جميع الأسماء والأحداث والأماكن في هذه الرواية من نسج الخيال. وليس التشابه بينها وبين أي أسماء وأحداث وأماكن أخرى سوى مصادفات عابرة”.

بطل خارق

يمكن قارئ الرواية أن يتجنب البحث عن اسم مشابه لاسم الملياردير في الرواية، فهو اسم متخيل بالتأكيد، أما الأحداث التي يوردها السارد كاتب سيرته، فتأخذه إلى المقارنة والبحث عن أحداث وتصرفات لشخصيات، أو شخصية محددة، في عالم المال والسياسة.

فهذا الرجل استغل فرصة زخم الاندفاع نحو الجهاد في أفغانستان خلال ثمانينات القرن الماضي، فعمل على دمج طموحاته التجارية بالسياسة، وصار شخصية مقربة من أصحاب القرار وأقام رابط تواصل بين بلدان عدة، إلى أن يكون مسؤولا عن إعادة استيعاب الجهاديين في عدد من البلدان. فنجده يتحدث عن علاقته بالمؤسسات المصرية حيث نقل تجارته إلى هناك، ثم السودان بعد ذلك، التي التقى رئيسها إلى جانب الترابي لاستيعاب بن لادن هناك ومحاولة تغيير اهتماماته من الجهاد إلى الاقتصاد وهي المحاولة التي لم يفلح فيها.

يحكي الملياردير للراوي قصصه وسط جو من الخوف والمراقبة، فينقله من بلد إلى آخر، جامعا بين أحداث وقعت بالفعل وأدوار متخيلة اختلقها لنفسه، فهو يتحدث عن العراق وحروبه ويقول بكل فخر إنه هو من غيّر العراق وإن له الدور الأكبر في تنمية دبي. كما يدعي أنه هو من أوجد الصلح بين الغرب والقذافي قبل إطاحته، وأنه عمل مع علي عبدالله صالح في تحقيق الوحدة اليمنية ومن ثم حرب 1994، وحاول أن يستحوذ على ميناء عدن مع هيئة موانئ سنغافورة. ومن أجل ذلك يتحدث عن لقاءات له مع مبارك والبشير وصدام والقذافي وصالح، وتخطيطه لإسقاط السلطات الشمولية قبل أن تفاجئ تونس الجميع ببدء “الربيع العربي”.

هناك شطحات كثيرة لا يتراجع الراوي عن التعليق عليها ويعتبرها ادعاءات، إذ لم يجد ما يؤكدها في الوثائق ومصادر المعلومات، التي لا تذكر أي دور لهذا الرأسمالي الذي عادة ما يبث القول إنه من أغنى خمسة أشخاص في العالم وفق ما تناقلته مجلات مختصة يذكرها بالاسم، وهو يعرف أن لا أحد لديه الوقت للعودة إليها ليتأكد.

ما يكتشفه الراوي في الأخير وبعد جلسات طويلة يتتبع فيها صاحب القصة في عواصم مختلفة حيث قصوره ومنازله ومكاتبه، أن هذا الملياردير لا يريد منه أن يكتب مذكراته، بحيث تنشر باسم صاحبها، بل يريده أن يكتب سيرته باعتباره شاهدا على الأحداث والوقائع، وهو ما لم يرض به الراوي، الذي لا نعرف عنه الكثير، ليخرج لنا بهذه الرواية.

رجل بثديين

في روايته الأولى، “الشيخ شمسان وشركاؤه”، الصادرة عن منشورات “أوكسجين” في كندا، يبدو أن طارق عباس زبارة يحكي لنا حكاية تتناسل منها حكايات عدة. فمنذ البدء ودون مقدمات، نجد الشيخ شمسان، أحد شيوخ القبائل، يستيقظ من النوم وقد صار لديه ثدي أنثى. يسارع إلى الطبيب الذي تكون هواجسه مشغولة مع أبي قتادة خطيب المسجد المجاور الذي يصر على أن يوقظهم في الرابعة صباحا بصوت الميكروفون الكبير لأداء صلاة الفجر. هناك نتعرف الى تاريخ أبي قتادة وعلاقته بالجهاديين العائدين من أفغانستان وكيف أن أجهزة الأمن تتبعه لكنها لا تفعل شيئا تجاهه.

ترصد الرواية الكثير من الجوانب الاجتماعية كعلاقة ضباط الأمن بالتجار المهربين وبالذات تجار الأسلحة وصانعي الخمور المحلية، ورفض الهاشميين تزويج بناتهم من خارج عائلاتهم مما يؤدي إلى تحجيم أجساد أبنائهم وتشويه أشكالهم، لكن الشيخ شمسان يستطيع الزواج من فتاة هاشمية، بسبب مكانته الاجتماعية ووضع أبيها المالي المتواضع، وهو زواج من ضمن ثلاث زيجات للشيخ، أولاها أنجبت له وهي في الثالثة عشرة من عمرها.

أحاديث الشيخ شمسان مع الطبيب تشير إلى خلل في الهرمونات ناتجة ربما من تناول حبوب مقوية جنسيا. مع هذا تتسع شكوكه ويصبح في حال اضطراب مع المحيطين به إذا ما لاحظوا كبر صدره الذي يغطيه بثياب فضفاضة، ومع هذا يظل دائم الارتباك، حتى إنه حين يدعى إلى جلسة قات مع “الرئيس” يلاحظ هذا الأخير تغيره، فيتساءل بسخرية إذا كان “المشايخ” قد صارت لهم أثداء.

يسافر الشيخ شمسان، الذي ازداد نفوذه واتسعت ثروته، إلى السويد للعلاج، لكنه لا يجد فائدة، بل إنه يفاجأ بعدها وقد صار له عضو أنثوي، ليصبح محل سخرية تتطور إلى حجر احد أبنائه على أمواله.

هكذا، إذا كان غريغور في قصة كافكا الشهيرة تحول إلى حشرة تجسيدا لحال الإنسان وهو يكابد مصائره اليومية، فإن اضطراب هرمونات الشيخ شمسان في قصة زبارة يبدو اضطراب مجتمع بأكمله، ارتبطت فيه التجارة بالسياسة والإدارة بالفساد والحياة بالتشوه.ل عيون الشخصيات المؤثرة والمتأثرة بهذا التحول.

علي المقري – عن المجلة

(بقلم: الدّكتور حاتم جوعيه – المغار – الجليل – فلسطين)

مقدِّمة: يقعُ هذا الدّيوان في 152 ص من الحجم المتوسط – صدرعن دار الوسط اليوم للإعلام والنّشر/ رام اللّه، وهو الدّيوان الرّابع الّذي تُصدرهُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان. استوحَتِ الشّاعرةُ هذا العنوان (أدَمْوِزُكِ تتعشترين) من الأسطورةِ السّومريَّةِ، مُمَثّلةً بإلهِ البحر (دموزي) حارسُ بوّابةِ السّماء، والمسؤولُ عن دورةِ الفصول ورمزُ الذّكورة. وأمّا (عشتار) فهي إلهةُ الجَمال والحُبّ والجنسِ عند البابليّين. في هذا الدّيوان الشّاعرة آمال متأثّرةٌ كثيرًا بنشيد الإنشاد لسليمان الحكيم (العهد القديم)، ففي سِفر الإنشاد المُحبُّ هو العريس، وهو المسيح حسب الشّرح والتّفسير اللّاهوتيّ المسيحيّ، والعروسُ هي الكنيسة، والسّيدُ المسيحُ هو زهرةً الشّعب اليهوديّ وسوسنةُ الشّعوب، جاءَ مِن البَرّيّةِ؛ أي مِن امرأةٍ بتولٍ لم يَمسُسْها رَجُلْ.

    في هذا الدّيوان يوجدُ مزجٌ روحيٌّ بينَ العوالمِ الصّوفيَّةِ والمفاهيمِ الرّوحيّةِ المسيحيّة، ومِن مُنطلق شرح وتفسير نشيد الإنشاد بمنظارٍ ومفهومٍ لاهوتيٍّ مسيحيّ، فقصائدُ الدّيوان متواصلةٌ ومُتداخلةٌ ومُتسلسِلةٌ وكأنّها قصيدةٌ واحدة، وهي مستوحاةٌ ومُستمدَّةٌ مِن الأسطورة السّومريَّة.

    في الدّيوان نجدُ التّحوّلاتِ في الخطاب الشّعريّ والرّؤيةِ الشّعريّة إلى خطى- ثلاثيّةِ الأبعاد؛ (صوفيٌّ، إسلاميّ،موروثٌ مسيحيّ يهوديّ وأسطوريّ)، والمناجاةُ بين الحبيب في نشيد الإنشاد شرَحَها علماءُ اللّاهوت المسيحيّ في حوارٍ بين المسيح وكنيستهِ – كما ذُكِرَ أعلاه، بيدَ أنّ هنالكَ مُفسرين آخرين يَشرحونَ نشيدَ الإنشاد ويُفسّرونهُ بشكلٍ مختلف، وينظرونَ إليه كأنّه مجرّد غزل محض، ليس فيه المعاني والأبعاد اللّاهوتيّة ونفحات التّصوّف.

   ونجدُ تعلُّقَ النّفسِ الكليَّة بالذّات المُقدّسة في حوارها الشّعريّ؛ شوق الحبيب للحبيبة، ويُقابلهُ ويُكملهُ شوقُ الصّوفي للقاء ربّهِ، وكما جاء في نشيد الإنشاد كشوق العشيقة (كالتّفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين)، وفي نشيد الإنشاد تكونُ المعرفةُ باحتساء خمور المعرفة، وفي هذا الدّيوان الشّعريّ يتجلّى الأمرُ بمفهوم الزّهد والعبادة، فتقول (ص82): “أنَّى لِغابِرٍ في الزّهد.. أنْ تَتعفَّفَ بُرُوقُهُ؟”

     النّصُّ الشّعريّ عند آمال عوّاد رضوان لهُ جماليَّاتُهُ، وصُورهُ، ولغتهُ الخاصّة، وإيقاعهُ الدّاخليّ والخارجيّ الأخّاذ، مع بُنيةٍ مُركّزةٍ تتّكئُ على افتراضيَّةٍ مُستفِزّةٍ للّحظة، وهي تعتمدُ على التّكثيفِ بالأسلوب الفنّيّ، مع إيحاءاتٍ في حقلِهِ الدّلاليّ فكريًّا ووجدانيًّا، ومع تعدُّدِ ظلالِ الرّؤية بوحدةٍ موضوعيّةٍ مُنسابة، وهذه هي المجموعة الرّابعة للشاعرةآمال عوّاد رضوان، وقبلها أصدرت ديوانها “بسمة لوزيّة تتوهَّج” عام (2005)، الدّيوان الثّاني “سلامي لك مطرًا” عام (2007)، و “رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ” عام (2015). وكان لي الشّرفُ في كتابةِ دراسةٍ مُطوّلةٍ لديوانها “بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهَّجُ”.

      كتاباتُ آمال عوّاد رضوان تُعبِّرُ عن حالةٍ شعوريَّة وجدانيَّة، يتداخلُ فيها السّياقُ الجماعيُّ والجمعيّ، ونصوصُ هذا الدّيوان تُحلّقُ وتصولُ ما بين عوالم الإله (ديموزي) كرمز أسطوريّ حارسٍ لبوابة السّماء ومسؤولٍ عن دورة الفصول وعنصر الذّكوريَّة في الطّبيعة، وبين زوجتِهِ (عشتار) إلهة الجنس والحُبِّ والجمال عند البابليّين، ويُقابلُها (إنانا) عند السّومريّين، وأفروديت عند اليونانيّين، وفينوس عند الرّومان. إنّ (دموزي) و (عشتار) في فضاءاتِ الوجود يُشكّلان أسطورةً مميّزةً، بأبعادِها وأسرارِها الجماليّةِ المثيرة، وبأحداثِها المُؤثّرةِ الّتي انعكستْ علاقةً عاطفيَّةً عظيمة.

     إنّ النّصَّ الشّعريّ عند آمال عوّاد رضوان يمتلكُ قدرةً تعبيريَّة رائعةً مُترعةً بالجماليَّة، مُتجرِّدةً ومُتحرِّرةً من المألوفِ والقوالب التّقليديّةِ الرّتيبة الجاهزة، مِن خلال ديناميكيَّةٍ مُكثّفةٍ وجديدة، وينمُّ عن هذا شاعرةٌ مُرهفةٌ تدركُ جيِّدًا بذاتها الشّفافةِ المبدعِة، والخلّاقةِ لتجربتها، والمدركة للواعجِها المُتوقِّدةِ عاطفيًّا ونفسيًّا، فنصوصُ آمال الشّعريّةُ هي ترجمةٌ صادقةٌ لمشاعرِها وأحاسيسِها ولواعجِها، ولانفعالاتِها وتفاعلاتِها الكيميائيَّةِ الدّاخليّة، مُشِعَّةً بالإبداع مِن خلال رؤيا عميقةٍ، ومِن خلال توطُّدِ أنماطٍ وتقنيّاتٍ فنّيّة، تعطي حياةً وحركةً نابضةً مُحرِّكةً للنّصّ، وفي طليعتها:  1* الرّمز.  2* أسلوب الاستفهام. 3* التّكراراللّفظي، وفيه يتحقّقُ التّوازن، ويخلق موسيقى شعريَّة.

      الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان تُوظّفُ المجاز المعبّر عن لحظاتِ وسويعاتِ التّوهّج، وهي تُحلّقُ في الرّؤيا الشّعريّة، وتعكس القيمةَ الجماليَّة للرّوح الإنسانيّة، وتمتاز كتاباتها بالتّكثيف اللّغويّ والمعنويّ، وفي الصّور الشّعريّة المبطّنة والمُثخنة بالتّورية وببنية السّرد الشّعريّ، وهي تستخدم الطّاقاتِ الحسّيَّةَ والصّوتيَّةَ والعقليَّة.

     وممّا يلفتُ النّظر في هذا الدّيوان ان الشّاعرة اختارت ضمير المخاطب المؤنّث بشكلٍ مُستمرّ، وكان عاملًا مُوحّدًا إضافيًّا، على اعتبار أنّ المجموعةَ كأنّها قصيدةٌ واحدةٌ متواصلةٌ ومتسلسلة، وكأن الّذي كتبَ نصَّ هذه المجموعة (الملحمة) هو شاعرٌ وليست شاعرة، وقد استطاعتْ وبكلّ لباقةٍ وفنّيّةٍ هذه الشّاعرةُ الأنثى في عصرٍ ومجتمعٍ ذكوريٍّ محض، أن تتجسَّدَ وتتقمّصَ صوتَ الرّجل وروحَهُ وضميرَهُ، وتنطقَ بلغتهِ وأسلوبهِ وطابعِهِ وميزتِهِ، مِن غير أن تُظهرَ الأنثى الشّاعرةَ ورقّتها، ولا يبدو ضعفُها وخضوعُها وتبَعيَّتَهَا.

      لقد أثبتت الشّاعرةُ القديرةُ آمال عوّاد رضوان قدرتَها ولباقتَها، على التّحدّثِ بلغةِ وأسلوبِ وروح الشّاعرِ العاشق، وعبّرتْ عن ميولِها ورغبتها أن يكونَ تعبيرُها هو لغة الشّعراء، وفي صدى وإيقاع الصّياغة الشّعريّة، وبشكلٍ عفويٍّ تلقائيٍّ هي تُقدّمُ رسالةً جماليَّةً للشّعراء، مفادها كيفيّة خطاب الأنثى، وذلك ليرتقيَ ويرتفعَ ويَسموَ الشّعراءُ بمحبوباتِهم وعشيقاتِهم إلى مصاف (عشتار) النّموذج، وللمثال الإلهيّ الرائع المترع والممتلئ بالحبّ والحياة والجمال. تقول الشّاعرة:

“وَمَا زِلْتُ فِي حَوْزَةِ مَاضِيكِ/ أَلُوذُ بِنَبْضِكِ/ ويُشِعُّكِ/ بَيْنَ اعْوِجَاجِ أَضْلُعِي”

      ولكي يكونَ نبضُ الاسطورةِ ناجحًا، يجب أن لا يوصفَ بمجرّد المفردات والتّعابير والمعاني الأسطوريّة، بل يجب أن يُوظّفَ كقيمةٍ فنّيّةٍ جماليَّة، وبشكلٍ متناسقٍ ومتناغم، وينطبقُ مع واقعِنا اليوم، فالأسطورةُ هي وسيلةٌ للوصول إلى المطلوب والمعنى والهدف المنشود.

       في هذا الدّيوان نجدُ الكثيرَ من الاستعارات والتّشبيهات البلاغيّة الجديدة المبتكرة، والصّور الشّعريّة الحديثة والخلّابة، ومثالٌ على ذلك في هذه الجمل واللّوحات الشّعريّة الفنّيّة (ص95):

* “منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ”/  *”لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!”/

* “وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ.. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا/ عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ.. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!”

* “رُؤى مَرَابِطِي”، * “لُعَابُ نُورِكِ”، * “مَضَائِقِ كِبْريَائِي”، * “إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!”،

* “لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ؟”، * “عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ”، * “عَلَى شِفَاهِي الْمَبْتُورَةِ”، * “كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟”.

      وتستعتملُ الشّاعرةُ أيضًا العديدَ من الكلماتِ الفصحى الجميلة الّتي لا يفهمُها كلُّ شخص، مثل:  * “أَسْمَالُ طُفُولَتِي تَرْتَجِفُ.. تَرْتَعِدُ” (ص122). و “ضَمِّخِينِي.. بِرِيحِ مَلَائِكَتِكِ” (ص124) حيث تقول: “أَنَا مَنْ ضَمَّخَنِي حَصَى فَرَاغِي”.

 إنه لتشبيه واستعارة جديدة لم تستعمل من قبل إطلاقا. وتقول (ص25):  

* “وَاغْسِلِي صَخْرَ قَلْبِي/ بِزَيْتِ حُبِّكِ.. بماءِ عَفْوِكِ”، وهذه الفكرةُ مستوحاةٌ ومُستمدّةٌ من الدّيانةِ المسيحيّةِ واليهوديّة- (المعموديّة والطّهارة).

 وتستعمل الشّاعرةُ أل التّعريف بدل الاسم الموصول في العديد من الجُمل الشّعريّة في هذا الدّيوان.. وأمثلة على ذلك،مثل:

* “صُورَتَكِ الْـــــ.. تُـــثِــــيـــرُ فِيَّ كُــــلَّ حِــــرْمَــــانِــي” (ص 11)، بدل (صورتُكِ الّتي تتثيرُ فيَّ كلَّ الحرمان).

* “وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ/ الْـ.. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!” (ص13)

* “فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا/ كَحَالِ قَلْبِي.. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!” (ص24).  

* “غِـــمَـــارُ أُنُـــوثَـــتِـــكِ الْــ أَشْـــتَـــهِـــي” (ص31)، وهذه الجملة قد تُفهَمُ وتفسَّرُ خطأً من قِبلِ بعض النّقّاد أو القرّاء، وكأنّ فيها إيحاً جنسيًّا، وهي بعيدةٌ كلّيًّا عن هذا الموضوع وهذا المجال، وتتحدّثُ عن الخصوبةِ والثمار ودورة الطبيعة والحياة.

* “أَيَّتُهَا النَّشْوَةُ الــ.. تَسْــ.. كُـــــنْ/ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ”.

و “لَا تَغْفِلِي.. عَنْ نَايَاتِي/ الْــــ لَهَا.. عَطَشُ الْحَاجَاتِ!” (ص66).

* “وَكُونِي غَزَالَتِي/ الــْ لَمْ يَزَلْ.. طَـــعْــــمُـــهَـــا/ عَلَى لِسَانِي!” (ص86)؛ أي الّتي لم يزل طعمها.

* “آهٍ مِنْ طُفُولَتِكِ الْــ  تَتَشَاقِينَهَا بِي” (ص132)، أي الّتي تتشاقينها.

* “أَضِيئِي.. أَوْتَارِيَ الْــ  يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!” (ص 104)، أي الّتي يوسوسها السّوس… وفي هذه الجملة جناس غير تام.

* “أَيَا مَنْفَايَ الْــ  يَتَوَارَى.. خَلْفَ حَنِينِي الْغَافِي!”، بدل (الّذي يتوارى ) (ص106).

* “أَيَا يَنْبُوعَ الْمُضِيئَاتِ/ اِغْفِرِي لِيَدِ عَبَثِي الْــ وَأَدَتْ/ خَفَقَاتِ عُمْرِي.. مِيزَانَ شِعْرِكِ/ ونَبَضَاتِ حُزْنِي.. شَقِيقِ فَرَحِكِ!” (ص113).  

* “يَنْهَشُ غَمَامَ عيْنِي الْـ تَحَجَّبَتْ” (ص118)

* “أَلَا أيْقِظِي جَدَاوِلَ نَوْمِي../ الْــ يَغْرَقُ فِي شَيْبُوبَتِهِ!” (ص121).

 قاموس آمال عوّاد رضوان الشّعريّ غزيرٌ،حافلٌ وزاخرٌ أيضًا بالكلمات الفصحى الجميلة، مثل: زمهرير؛ (أي البرد الشّديد القارص)، و(يتسربل؛ أي يرتدي ويلبس)- فتقول (ص107):

* “أَعْتِقِينِي مِنْكِ/ مِنْ إِغْرَاءَاتِ أَوْهَامِي/ مِنْ زَمَهْرِيرِ أَحْزَانِي!”..

وهذا تشبيهٌ جديدٌ ومبتكر، لم يستعملهُ شاعرٌ مِن قبل. ومثل كلمة (جحافل؛أي الجيوش الجرّارة)، وكلمة (يُضَمِّخ)، و (يشرئبُّ)، و (اضمحلال)، و (يتأجّجُ) وإلخ…

   وتستعملُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان التّكرارَ اللّفظيَّ، أو تكرارَ أحد الأحرف في نفس الكلمة، لتضيفَ للجملةِ والعبارة الشّعريّةِ تصويرًا للكلمة، وتُضفي جمالًا وسحرًا ورونقًا موسيقيّا، أو لتؤكّدَ على معنى معيّن، أو لتوضيح الصّورة والمشهد الشّعريّ الدّراميّ للقارئ، وبشكلٍ فنّيّ تقنيٍّ ذكيٍّ ومُحكم.. وأمثلة على ذلك، مثل:

* “فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ.. أَسُووووووحُ” (ص12). يتكرّر حرف الواو هنا خمس مرات.

* “آااااهٍ.. كَمْ تَشَهَّيْتُكِ” (ص28). يتكرّر حرفُ الألِف 4 مرّات في كلمة آه.

* “آااهٍ لَوْ تَعْلَمِينَ/ كَمْ يَشُوقُنِي يَنْبُوعُ قُبَلِكِ/ اِسْـقِــنِـيـهَـا.. اِرْوِنِـيـهَـا” (ص 10).

 حيث تكرّر الحرف الأول (آ) للتأكيد على المعنى والحالة النّفسية والحسرة..

* ” آآآآآآآآآآه/ نَشْوَةُ آهَتِي الْمَكْتُومَةُ/ مُتْخَمَةٌ.. بِلَدْغَاتِ تَجَاهُلِكِ!” (ص39).

   يتكرّرُ حرفُ الألف في كلمة (آه) عشر مرات، وتدلُّ وتشيرُ الكلمة هنا في هذا التّكرار الحرفيّ إلى ذروةِ وقمّةِ تفاقم النّشوة الحارقةِ والمتأجّجةِ والمكتومة..

* “وَيْحِي/ إِنْ كَفَّتْ رُوحِي عَنِ التَّشَظِّي/ فِي مَدَااااااااكِ الْبَعِيــــــــــــــــــــــــدِ” (ص 70).

    وتستعملُ في العديد من الجمل كلماتٍ مُفكّكةَ ومُبعثرةَ الأحرف أفقيًّا وعموديًّا، لتُشير إلى الوضع والحالة النّفسية، ولتؤكّدَ المشهدَ الدّراميَّ وغيرها أيضًا، مثل:

* “لَكَمْ يَسْتَهْوِينِي/ تَــ فْـــ كِـــ يـــ كُـــ كِ/ قَبْلَ أَنْ أُعِيدَ إِلَيَّ.. لُـــحْـــمَـــتَـــكِ” (ص29).

  وأيضًا مثل جملة: * “بَعْثِرِي  شِـــ فَـــ ا هِـــ ي/ عَلَى ضِفَافٍ.. تَلْتَهِبُ بِنبوغِ الْقُبَلِ!”.

     ويشعرُ القارئ ويحسُّ بالفعل عندما يقرأ هذه الجملة الشّعريّة، كأنّ الشّفاهَ مُفكّكةٌ بحسب طلبها وأمرها، لأنّ كلمةَ (شفاه) كُتبتْ مُفكّكة ومبعثرة وكلّ حرفٍ لوحده، ويُدخلُ إلى نفسيّة المتلقّي (القارئ) نوعيّةَ المشهد وجوَّهُ والحالةَ النّفسيّة، وأنّ الشّفاهَ مبعثرةٌ ومفكّكة..

    وأمثلة أخرى من هذا الدّيوان على كلماتٍ كُتبت أحرفُها مُفكّكة ومبعثرة مثل:  

* “أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ../  بَــ ~~ يــْـ ~~نَ../ وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ../ بَــ ~~ يــْـ ~~نَ../ جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!” (ص4)

* “قَلْبِي الْــــ  يَــــكْـــــــبُــــــــــــــــرُ  بِكِ/ حينَ../ يَـ~~جْـ~~ـمَـ~~ـحُ../ شَجْوًا” (ص5)

* “وَ.. أُحَلِّقُ حُرْقَةً/ أَ~ تَـــ~لَــــ~وَّ~ى/.. وَ../ أَ ~ تَـــ~ لَــ~ وَّ~ عُ/ فِي قَفَصِ النِّسْيَانِ!” (ص48).. أي أتلوَّى وأتلوَّع.

* “أَيَّتُهَا النَّشْوَةُ الــ.. تَسْــ.. كُـــــنْ/ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ” (ص56).

* “فَلَا تَقْلِبِي.. ظَهْرَ النَّهْرِ/ وَ بَـ~يْـ~نَ ظِلَّيْنَا/ دَعِيهِ يَــــجْــــرِي/ لِأُتَــوِّجَــكِ.. مَلِيكَةَ كُلِّ الْكَوْنِ” (ص62).

     وتستعملُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان الكثيرَ من علاماتِ السّؤال وعلامات التّعجب في نهاياتِ

الجُمل، فوُضِعَتْ وَوُظّفَتْ بشكلها الصّحيح الجميل والفنّيّ، تفيدُ الفحوى والمعنى المنشود، وتضيفُ رونقًا وجماليّةً خاصّةً ومميّزةً للجُمل الشّعريّة، ولا تخلو صفحةٌ واحدة في الدّيوان دون وضع بضعة علامات تعجّب واستفهام.. وأمثلة على ذلك مثل:

 * “كَأَنَّ حُبِّي وَهْمٌ.. كَإِلهٍ/.. إنْ لَمْ يَتَجَسَّدْ؟!”(ص6)

* “أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!” (ص7) 

* “وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي.. تَتَحَجَّبُ/ خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ!” (ص7)

* “فَلَا نَظَلُّ مُبَلَّلَيْنِ/ عَلَى نَاصِيَةِ رِيحٍ.. بِلَا مَصَابِيح!” (ص9) 

* “وَأَظَلُّ فَضَاءَكِ الْمُشَرَّعَ../ عَلَى قَيْدِ الاشْتِعَالِ!” (ص11)

* “فَلَا أَغْدُو فَرِيسَةً لِمَجْهُولٍ/ يَصْطَادُنِي فِي غَفْلَةٍ؟” (ص16).

* “لَا تُدْخِلِينِي.. فِي طُقُوسِ الاعْتِرَافِ/ حَيْثُ تَبُثِّينَ الرَّمِيمَ../ بِنَارِ الْحَيَاةِ!” (ص29) 

* “دَحْرِجِي النُّورَ/ عَنْ عَيْنِ دَهْرِي الْأَعْوَرِ!” (ص41) 

* “مِنْ خَلْفِ أَسْوَارِ الضَّاحِيَةِ/ تُطِلِّينَ.. بِحَيَاءِ ضَحِيَّة!/ إِلَامَ تُقَدِّسُنِي خَطِيئَتِي؟/ إِلَامَ تُؤَلِّهُنِي حَمَاقَتِي؟” (ص43).

   ونجد هنا التّشبيهَ النّقيضَ أو المعاكس، أي المشبَّه والمشّبه به متناقضان ومتعاكسان، ولا يوجد أيّ رابطٍ أو شبهٍ بينهما (سلبيّ وموجب).

* “رُحْمَاكِ/ لَا تُضَيِّقِي آهَاتي.. بِانْحِسَارِ دَهْرِي!” (ص57) 

 * “يَا مَنْ تَفُوحِينَ عِطْرَ رَبِيعِكِ صَبَابةً/ إِلَامَ تُقَلِّدِينَنِي مَحَارَاتِ سُهْدِي؟/ إِلَامَ تُؤَلِّقِينَنِي مَزْهُوًّا.. بِصَفْعِ عِنادِكِ؟” (ص61).

* “أَتَطَالُنِي آلِهَةُ حُزْنِي.. فِي مِصْيَدَةِ الْعَبَثِ!/ أَأَعْتَصِمُ بِلِقَاءِ الصُّدَفِ.. أَمْ بِسَطْوَةِ لَهْفَتِي؟/ كَيْفَ

أَقْمَعُ خَرِيفِي.. بِأُغْنِيَةِ الْمَطَرِ؟/ أَتَخْلُو قَوَادِمُ الْأَيَّامِ.. مِنْ لَهْفَةِ اشْتِهَاءٍ؟” (ص63). 

* “رُحْمَاكِ/ أَلْبِسِينِي زُرْقَةَ الْحَيَاةِ.. فِي أَوْطَانِ مَائِكِ النَّمِيرِ!” (ص68).

* “أَيَا أَيَّتُهَا الْفَاتِكَةُ بِي/ أَنَّى أَتَحَمَّلُ ذُنُوبَ فَوَاحِشِ حَرْفِكِ؟/ مُذْ غَادَرَتْنِي.. غُدْرَانُ مُحَيَّاكِ/ انْطَفَأَتْ.. ذُبَالَاتُ عَيْنَيَّ!” (ص75). 

* “أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا../ فِي حَقَائِبِ الْهَجِيرِ؟” (ص85) 

* “فهَلْ أَتَعَثَّرُ بِيَنَابِيعِكِ.. لِتَرْثِيَ خَوَاطِرِي الْمُتَكَسِّرَة؟” (ص89).

* “فَـقَــطَــفْــتِــنِـي اشْتِعَالًا/ وَأَطْــفَــأْتِــنِــي أَقْمَارًا مُتَكَسِّرَةً/ لكِنْ.. كَيْفَ أَتْــقَــنْــتِــنِـي جُنُونَ أَبْجَدِيَّةٍ؟” (ص91).

* “منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ/ لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!” (ص95).

* “يَا مَنْ لِحُضُورِكِ الْبَذْخُ/ كَحُضُورِ مَلِيكَةٍ كِنْعَانِيَّةٍ/ كَأُسْطُورَةٍ.. فِي خَيَالِي تَتَبَخْتَرُ/ مِنْ حَوْلِكِ مَلَائِكَةٌ تَتَمَخْتَرُ/ فِي سُبْحَةِ تَرَاتِيلِكِ/ وَرُوحُكِ تَتَجَلَّى.. فَوْقَ يَاقَةِ حُلُمِي!/ أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟/ أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي.. أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟” (ص102).

* “كَمْ أَتُوقُ إِلَى مَنَابِعِكِ/ لِأَرْوِيَ تَارِيخًا..مِنَ الْعِشْقِ الْمَكْنُونِ!” (ص111).

* “أَلَعَلَّ قِيثَارَةَ الْبَنَفْسَجِ/ تَتَسَايَلُ شَذًى مَسْحُورًا؟” (ص112).

* “وَقْتِي يَصْحُو مُعْتِمًا/ يَشِيبُ بِعِنَادِكِ/ وَلَيْلِي يَتَقَصَّفُ/ مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأَزَلِيِّ!” (ص115).

* “كَمْ حَنَّ خَيَالِي الْمَهْجُورُ!/ مَا انْحَنَى هَيْكُلُهُ/ وَبَوْحُ نَايِي الرَّشِيقِ/ مَا شَاخَ أَنِينُهُ!” (ص119) إلخ…

     وتُكثرُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان من استعمال الفواصل على شكل نقطتين بجانب بعض (..)، وتُوظّف في هذا الدّيوان الكثيرَ من الصّور الشّعريّة الخلّابة، والاستعاراتِ البلاغيّة الحديثة والمبتكرة وبشكل مكثّف، فديوانها حافلٌ وزاخرٌ بالصّور الشّعريّة، وبالاستعارات البلاغيّة الجديدة والمبتكرة الّتي لم يستعملها أحدٌ من قبل، وبالمصطلحاتِ اللّغويّة الجديدة، وأمثلة على ذلك مثل:

* “ففِي أَثِيرِكِ الْحَرِيرِيِّ/ أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ/ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!” (ص7).

* “أَنَا.. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ/ لَمَّا أزَلْ/ أُسَبِّحُ.. سِحْرَ سُكُونِكِ/ مَا نَسِيتُ.. ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ/ حِينَ يَسْتَحِيلُ.. لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!” (ص13).

* “سَلَامًا مُدَلَّهًا.. أَعْصِرُنِي/ لِنُورِكِ الْبَهِيِّ/ يَتَأتَّانِي.. مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ/ لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ/ أَلْفُ مَعْنًى.. وَ.. أَلْفُ مَغْنًى!” (ص18).

* “أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ دَعِينِي.. أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ/ أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ/ لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ” (ص24).

* “رُحْمَاكِ/ فِي طَوَاحِينِ خَفْقِكِ الْمَخْنُوقِ/ أَبْجِدِينِي.. بِجُنُونِكِ!” (ص36).

* “يَا الْمُتَسَلِّلَةُ.. كَشُعَاعٍ وَحْشِيٍّ/ إِلَى أَقْفَاصِ سَعْدِي/ ضَمِّخِينِي.. بِرِيحِ مَلَائِكَتِكِ/ دَحْرِجِي النُّورَ/ عَنْ عَيْنِ دَهْرِي الْأَعْوَرِ!” (ص41)

       ويبدو هنا بوضوح تأثُّر الشّاعرة بسِفر نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم.

* “بَوْحِي.. وَرْدٌ جَرِيحٌ/ عَلَى سِيَاجِ رَبِيعِكِ/ لَا يَحُدُّهُ نَزْفٌ/ وَلَا يَلُفُّهُ وَدْعٌ.. وَلَا حَتْفٌ!/

وَأَنْتِ وَدْعِي وقَدَري!/ أَنْتِ وَدَعِي وَسَكَنِي!/

وَكَنُبُوءَةٍ وَادِعَةٍ../ فِي تَمَامِ الْأَزْمِنَةِ/ تَبْعَثِينَني شَهْوَةً/ فِي لُغَتِكِ الْيَانِعَةِ!” (ص45).

* “أَيَا مُهْرَةَ بَوْحِي/ حَلِّقِينِي إِشْرَاقَةً.. تَجْثُو فِي السَّحَر/ لِأَتَشَدَّقَ بِفِيكِ.. برَغْوَةِ مُرَاوَغَتِكِ/ ولِتَشْرَئِبَّ شِفَاهِي اللَّهْبَى ظَمَأً/ لِعَطَشِ أَلْسِنَةِ لَهَبِكِ/ فَمَا أَرْوَعَكِ.. أَيَا مَاهِرَةَ الْبَوْحِ/ أَنْهَلُكِ.. نَهْلَةً نَهْلَةً.. وَلَا أَرْتَوِي” (ص52).

* “غمَامًا روحيًّا.. تَتَشكّلينَ/  فِي وَاحَةِ أشْجَانِي/ وأَبَدًا/ مَا كَانَ جَمَالُكِ.. إِلَى اضْمِحْلالِي” (ص53).

* “أَرْغِفَةُ عُمْرِي../ قَدَّدَهَا غُبَارُ أَحْلَامِي!/ كُؤُوسُ جَوَارِحِي.. تَنَاهَبَتْنِي/ فِي دَهَالِيزِ اللَّحْظَةِ!/ وَقَوَافِلُ نبضي.. تَمْضِي مُثْقَلَةً بِشُحِّهَا” (ص58).

* “يُسَاهِرُنِي اللَّيْلُ../ يُرَاقِصُ زَنَابِقَ أَحْلَامِي/ يُدَغْدِغُ مَكْنُونَاتِ رُوحِي/ وَأَتَثَاءَبُنِي.. انْسِكَابَ خُمُورٍ/ لَا يُدْرِكُ كُنْهَهَا/ إِلَّا مَنْ نَادَمَ كُؤوسَ أَبْجَدِيَّتِكِ!” (ص74).

* “وَلَمَّا تَزَلْ تَنْسَلُّ.. خُيُوطُ قَلْبِي شَاحِبَةً/ فيَكِرُّ وَجْهِي.. جَمَالَكِ/ ويَتَسَلَّلُ إِلَيَّ.. ضَبَابُ اللِّقَاءِ/ وَأَخْـــشَــعُ سَــاجِــدًا/ حِينَ تَتَدَلَّى ضَفَائِرُ آمَالِي!” (ص76).

* “يَا مَنْ تُفَتِّقِينَ أَكْمَامَ الْبَرْدِ/ بِلَفْتَاتِكِ الْـ.. تَـــثْـــقُـــبُـــنِــي/ كَعُصْفُورٍ كِرْكِسِيٍّ.. مُغَرِّدًا أَنْبَثِقُنِي/ أَتَسَرْبَلُ نِدَاءَكِ/ حِينَ تُسْدِلِينَ.. زَقزَقاتِ حُرُوفِكِ الْمَائِيَّةِ/ عَلَى جِذْعِ لَيْلِي الْمُجَوَّفِ/ وَأُورِقُ.. بِمِيلَادِ طِفْلَةِ الرُّوحِ!” (ص76).

* “أَجْهَشَتْ رَقْصَةُ زُورْبَا.. تُحَاكِي أَطْلَالِي/ تُجَبِّرُ مَا بَطُنَ مِنْ كُسُوري/ فِي هَوَامِشِ خَطوي!” (ص83)… وتوظف الشّاعرة هنا شخصيّة زوربا.

* “زِئْبَقُ الْمَسَافَاتِ يَزُفُّ هَمْسِي/ يَثُورُ وَلَهًا.. يَفُورُ شَغَفًا/ يَتَوَغَّلُ فِي رُكُودِ حِكَايَةٍ جَامِحَةٍ/ وَلَا يَخْنَعُ.. لِمَا بَطُنَ  مِنْ جِرَاحِي!” (ص92)، وقد تعني هنا المسافات الطّويلة الّتي لا تحسُّ وتشعر بها، وتختفي وتتلاشى كأنّها عنصر الزّئبق.

* “أَترَاكِ تُمْعِنِينَ فِي فَتْكِي/ وَفَكِّ عَقَارِبِ وِصَالِنا الْقُرْمُزِيِّ؟” (ص93).

* “أَكَأَنَّمَا../ عَجَّتْ أَنْفَاسُ الْمَاضِي الْمَثقُوبِ/ بصَرَخاتِي الْمُنِيفَة؟/ أَيَا غَزَالةَ النَّدَى/ ها ظَمَئِي.. لَمَّا يَزَلْ يَسْتَعِرُ بفُيُوضِكِ النَّوْرَانِيَّة!/ أَنَا مَنِ احْدَوْدَبَ لَهِيبُ أَدْغَالِي.. مُذْ فَطَمَتْهَا نِيرَانُكَ/ مَا تُبْتُ عَنْ ظَمَئِكِ

الْمُدَّخَرِ!” (ص93).

   ويبدو هنا بوضوح الصّور الشّعريّة الجميلة والحديثة، والتّعابير والاستعارات البلاغيّة المبتكرة

الّتي لم يستعملها أحدٌ من قبل.

* “منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ/ لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!/ وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ.. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا/ عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ.. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!/ فِي رُؤى مَرَابِطِي/ تَفَشَّى سَيِّدُ الرَّحِيلِ الصَّاهِلِ!”

(ص95).  

* “لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ/ حِينَ هَشَّـتْهَا أَنْفَاسُ (أُحُبُّكِ)؟”(ص96).

* “بِلَيَالِي عَطْفِكِ الشَّمْعِيِّ/ تَضَافَرْتُ.. جَدَائِلَ أَحْلَامٍ مُتَكَسِّرَةٍ” (ص98).

* “دَعِينِي أَلْتَحِفُ.. بِرَوَافِدِ أَسْرَارِكِ/ لأَزْدَانَ بِحَمَائِمِ نَقَاوَتِكِ!” (ص106).

* “بِتَجَاعِيدِ نَدَاكِ/ أَمْتَطِي خُيُولَ خَيَالِي( (ص110).

* “عُذْرِيَّةُ سُيُولِي/ أَضْنَتْهَا مَلَاحِمُ شَفَقِكِ الْنّاعِسِ” (ص112).

* “من مواقدِكِ/  أستمدُّ دَيْمُومَة التّوَقّدِ.” (ص114).

* “وَقتي يصحُو مُعتمًا.. يشيبُ بعنادِكِ/ وليلي يتقصَّفُ.. مُتبرعمًا بيأسي الأزليّ!” (ص115) تعطينا الشّاعرة هنا صورة شعريّة جديدة لليأس.

* ” أأهابُ دَيْنونة التّمَرُّدِ؟؟” (ص114).

* “هَدْهِدي أهدابَ سُحبي.. بدمعةِ شمسِكِ !” (ص120).

* “أنا المُكبَّلُ بتبرِ روحِكِ” (ص124).

* ” وَكَمِثْلِ خَلَاخِيلِ وقْتِي الْجَرِيحِ/ غَدَتْ تَعْزِفُنِي أنْفَاسِي!” (ص127).

* “لِمَ أَعْشَاشُ ذِكْرَاكِ .. فَاضَتْ عَارِيَةً/ زَاهِدَةً .. عَنْ فِرَاخِي الْجَائِعَةِ؟” ( ص 140).

* “هَا انْسَابَ لُعَابُ نُورِكِ/ في مَضَائِقِ كِبْريَائِي”. و *”يُجَرْجِرُنِي.. إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!”،  و *”لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ؟”، و *”أَنَّى يَشِينِي مَوْجُكِ الْغَافِي/ عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ؟”، و *”أَنْدَهِشُ وَأَنْذَهِلُ/ كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟”

      وتستعملُ الشّاعرةُ آمال وتُوظّفُ في ديوانها أيضًا الكثيرَ من المُحسّنات اللّفظيَّة والبديعيَّة، وخاصّةً الجناس، مثل:

* “برَغوةِ مُرَاوَغتِكِ”، و *”لتشرئبَّ شفاهيَ اللّهبى” (ص 52).

* “حِينَ تُوَشْوِشُنِي أَهْوَاءُ أَمْوَاهِكِ/ يَلْهَجُ نَبْضُ مَدَاكِ حَيَاةً” (ص99).

* ” أَضِيئِي.. أَوْتَارِيَ الْــ يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!” (ص104)

* “أَبِمَائِكِ أَتَحَمَّمُ وَأَحْتَمِي!” (ص127)،  وهنا جناس غير تامّ، ولكن كلمة (أتحمَّمُ) غير صحيحة من ناحية لغويّة، وقد وقع في هذا الخطأ الشّاعر والأديب المهجريّ الكبير والعالميّ جبران خليل جبران في قصيدته المواكب حيث يقول: “هل تحمَّمتَ بعطرٍ وتنفستَ بنور”، والصّحيح هو: هل

(استحممت وليس تحمَّمتَ. (نقول: استحمَّ ويستحمُّ وليس تحمَّم و يتحمّمُ).

* “بِتَجَاعِيدِ نَدَاكِ/ أَمْتَطِي خُيُولَ خَيَالِي”(ص110).

* “تتلهَّى بغيِّهَا.. تتغاوى برغوةِ عشقي” (ص113)، جناس غير تامّ.

* “هَا الْمَجْهُولُ الدَّاهِمُ.. يُزَقْزِقُ/ ومَا عَادَتْ أَنْغَامُ الْغَمَامِ.. تَلْكُؤُهُ!” (ص122).

  ويبدو هنا بوضوح قدرةُ الشّاعرةِ وعبقريَّتُها الشّعريّة وذكاؤُها، في اختيار الكلمات المعبّرة والهادفة بشكلٍ يعطي المعنى الحسّيّ والذّهنيّ الدّقيق، ويوصِل الرّسالةَ والفحوى للقارئ بشكل صحيح وكامل تقنيِّ وفنّيّ مميّز.

   وتستعملُ في هذا الدّيوان وفي غيره من دواوينها الأخرى الفعل بصيغة الأنا، أي أنَّ الشّخص نفسه يقوم بالأمر وبإلقاء العمل على نفسه، وهذا الاستعمالُ اللّغويّ والنّحويّ جديدٌ ودخيلٌ على اللّغة والأدب العربيّ ومنذ فترة قصيرة، والقلائلُ من الشّعراء العرب الحديثين والمجدّدين الّذين يستعملونه، ويتوكّؤون على هذا النّمط كلونٍ وشكلٍ من التّجديد في اللّغة – محلّيًّا وفي العالم العربيّ، وقد يكون غير مستحبٍّ وَمُحبَّذ لبعض الشّعراء والأدباء، ولكن إذا استُعمِلَ بشكل صحيح وفنّيّ، وليس بشكلٍ مكثّفٍ ومُملٍّ، يكون جميلًا شكلًا وأسلوبًا، وعلى سبيل المثال في هذا الدّيوان، مثل:

* “هَاءَنَذَا أَتْرُكُنِي لَكِ قَلْبًا سَاخِنًا/ عَلَى عَتَبَةِ لِقَائِنَا” (ص 99)، أي أَتركُ نفسي لك قلبًا.

* “عَلَى حَافَّةِ الْمَسَاءِ.. غَادَرْتُنِي” (ص127)، أي غادرت أنا نفسي بنفسي

     وتستعملُ أيضًا التّشبيهَ العكسيَّ والنّقيض، فلا يكون هنالك أيُّ وجهٍ للشبه أو أي تقارب بين المُشبَّه والمُشبَّه به، أي عكس التّشبيه المباشر والواضح الّذي يكون كالتّصوير الفوتوغرافيّ المحض، والّذي ينتَهجُهُ ويتقيّدُ به معظمُ الشّعراءِ العرب منذ الجاهليّة إلى الآن.

     وفي العصر الحديث أصبح العديدُ من الشّعراء العرب المجدّدين، والّذين يسيرون في ركْب الحداثة، يبتعدون عن القوالب الشّعريّة التّقليديّة الجاهزة، وعن التّشبيهاتِ والاستعارات البلاغيّة المتسعملة والمستهلكة الّتي أكل الدّهرُ عليهَا وشرب، وبدؤوا يتعَمَّقُون في الفحوى والجوهر، ويبتكرون الكثيرَ من الصّور الشّعريّة، والاستعاراتِ البلاغيّة، والمُحسّناتِ اللّفظية الجديدة، وخاصّة في مجال التّشبيه، حيث لا يكون هنالكَ تصويرٌ واضحٌ ومباشر، ممّا يصعبُ على القارئ البسيط تحليلَ الصّورة الشّعريّة وفهمها بشكل عميق وشامل.

      ويوجدُ العديدُ من شعراءِ الحداثة في العصر الحديث على هذا النّمط، وأمّا في العصور السّابقة فربّما يكون امرؤُ القيس الكنديّ أولَ من جدّد في هذا المجال وابتكرَ، فابتعد عن السّطحيّة والتّشبيهات البسيطة المباشرة والواضحة، وتفنّنَ بكلِّ معنى الكلمة في استعمال تشبيهات وصور واستعارات بلاغيّة لم يستعملها شاعر من قبل، وفي الكثير من الأحيان لم يستعمل أدوات التّشبيه، واستعملَ التّشبيهَ والصّورةَ المعاكسة والمناقضة، وأبدع في هذا المجال أيُّما إبداع، وهنالك من النّقاد والأدباء الأجانب الكبار مَن شبَّهَ امرؤ القيس بالشّاعر العالميّ وليم شكسبير.

يقول امرؤُ القيس مثلا: “وليلٍ كموج البحر ِأرخى سُدوله عليَّ/ بأنواع  الهُمومِ  ليبتلي/ فقلتُ لهُ لمَّا تمطّى بصلبهِ/  وَأردفَ إعجازًا وناءَ بكلكلِ”

امرؤُ القيس يشبّهُ اللّيلَ بموج البحر، وقد أرخى سدوله، وهو أول شاعر عربيّ استعمل هذا المصطلح (أرخى اللّيلُ سدوله)، ويُشبِّهُ اللّيلَ أيضًا بالجَمل، مع أنه لا يوجد أيُّ قاسم مشتركٍ، أو أيُّ وجه شبه بين اللّيل وموج البحر والجمل، وهو أيضًا أول من استعملَ هذا التّشبيه (مِكرٍّ مِفرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ)… وفي كلمات متناقضة.

 ومثال على ذلك من ديوان الشّاعرة القديرة آمال عوّاد رضوان حيث تقول:

* “ما أحيلاهُ مُرَّكِ”  (ص100) – النّقيض – المر والحلاوة.

* “ألبسيني أدغالَ سماواتِكِ” (ص 104). المعنى الشّكليّ للكلمتين متناقض، فالأدغال ترمزُ وتشيرُ إلى العتمة، وللمتاهات، وللشّرّ، والصّراع وللأماكن الخطرة. والسّماءُ ترمزُ للنّقاءِ، والصّفاء، والسّلام والعدالة المطلقة.

* “خطيئتي المُقدّسة”  (ص 106).. ويبدو النّقيض – القداسة والخطيئة.

* “تُخلّدُهُ نارُكِ.. ولا يؤُولُ إلى رماد” (ص 114).

* “فاضتْ كفِّي المَثقوبةُ”  (ص120). * “نهاركِ الكفيف” (ص 127).

   وتستعملُ في هذا الدّيوان بعض المصطلحات والجمل التي لا يفهمها القارئُ البسيط  والسّطحيّ  ويدرك فحواها، ويظنُّ أنّها إيحاءاتٌ  جنسيّة، وقد تعني بها الشّاعرةُ أمورًا ومواضيع وقضايا أخرى، وأبعادًا إنسانيّة وتاريخيّة ولاهوتيّة وفلسفيّة، وترمزُ إلى العطاء والثمار والخصوبة والأمومة ودورة الطبيعة والحياة والبقاء، وتلتقي في هذا المنطلق والمنحى مع الشّعراء الصّوفيين، وهي تذكرنا بالشّعراء الصّوفيّين الكبار الغزليّين، وبكتاباتهم وقصائدهم الغزليّة المُوَشَّحَة بالتّعابير الحسّيّة والجنسيّة، ويقصدون مواضيع وقضايا أخرى: فلسفيّة، وإنسانيّة، وروحيّة، وتفاني المخلوق وذوبانه حُبًّا في محبَّةِ الخالق (الحب الإلهيّ):

     يقول الشّاعرُ الصّوفيُّ الكبير ابن الفارض: “ومن أجلها طاب افتضاحي/ ولذّ لي اطراحِي وذلي بعد عِزِّ مقامي/  وفيهَا حلا بعدَ نُسكي تهَتّكي/  وَخلعُ عِذاري وارتكابُ أثامي/ فرشتُ لها خدّي وطاءً على الثّرى/  فقالتْ لك البشرى بلثمِ لثامي”.

       ومن الشّعراءِ الكبار في العصر الحديث الّذين نجد في شعرهم النّفحات الصّوفيَّة المترعة بالتّعابير والمصطلحات الجنسيَّة، الشّاعر العراقي الكبير (مضفر النّوَّاب)، ويقولُ في قصيدة له من ديوانه (وتريَّات ليليَّة): “في تلكَ السّاعةِ من شهَوَاتِ اللّيل/  وعصافيرُ الشّوكِ الذّهبيَّةِ تستجلي أمجادَ ملوكِ العربِ القدماءْ/  وَشُجَيْرَاتُ البرِّ تفوحُ بدفءِ مراهقةٍ بدويَّهْ/  يكتظُّ حليبُ اللّوزِ ويقطرُ من نهديهَا في اللّيلِ/ وأنا تحتَ النّهدينِ غناءْ”.

ويقولُ أيضًا في قصيدةٍ أخرى: (شبقًا في لحمِ المرأةِ كالسّيفِ العذب الفحلْ).

 وتقول الشّاعرة آمال عوّاد رضوان:

* “.. وَعَتِيقُ رَجَائِي.. مَا انْفَكَّ يَتَأَنَّقُ/ بِرَائِحَةِ بَيَاضِ أُنُوثَتِكِ!” (ص26).

* ” دَعِينِي أُمَرِّرُ شَفَتَيْكِ../ عَلَى شَفَتَيَّ/ لِأَنْذَهِلَ اتِّقَادًا” (ص29).

* “ها تِينُكِ المُعَسَّلُ/ يقطرُ شهدُهُ مُتَّقِدًا/ كَجَمْرَةٍ/ تَفُوحُ مِنْهُ رِائِحَتُكِ/ وَغِمَارُ أُنُوثَتِكِ الــ أَشْتَهِي” (ص31)/ * “غِماري.. في تمامِ نضجِهَا/ مُثقلةٌ.. بلذائذِ فاكهتِكِ المُشْتَهَاةِ/ تشَقَّقتْ.. مُولعَةً بنُضْجِكِ”. وإلخ.. (ص32).

   ويبدُو هنا بوضوح تأثّرُ الشّاعرة بسفر نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم.

* “أَتَــــمَـــرَّغُ.. بِبَحْرِ جُنُونِكِ/ حِينَ أَنْفَاسُكِ/ تُنْبِئُنِي.. بِجُلِّ خَلَجَاتِكِ/ وَحينَ تَندُّ عَنْكِ.. شَهْقَةُ اشْتِهَاءٍ/ فَلَا أَنْطَفِئُ!” (ص34).

* ” وَأَنَا الْمَسْكُونُ بِرَغْبَةٍ/ تَطْغَى عَلَى رَبِيعِ حِرْمَانِي/ دَفْقَاتِي/ مَا عَادَتْ تَحْتَمِلُ/ أَيًّا مِنَ تَأْجِيلَاتِكِ!” (ص28).

* “ولمَّا يزل طعمُ نهديكِ على لساني../ مذ كنتُ رضيعِكِ/ ولمَّا أزلْ..أفتقدُ بياضَ حليبٍ/ يدرُّ شبقًا على شفاهي! / ما أفُلَتِ اللّذّةُ..في رعشتِهَا”(ص39).

* “رفّئيني.. بوِئامِكِ والهَناءِ!/ ولا تتنصَّلي من دفءِ جَسَدي/ أريدُكِ.. أنثى مُشْبَعَةً بي/ تَهْذي في مجاهلِ الدّفءِ/ بحرارةِ ذراعيّ” (ص134).

     وفي الدّيوان نجدُ الكثيرمن الإشعاعات والنّفحات الصّوفيَّة والفلسفيّة عميقة المعاني، جليلة الفحوى والأهداف بأبعادها الإنسانيّة، والعاطفيّة، والفكريَّة واللّاهوتيَّة، ويصعبُ جدًّا فهمها وتفسيرها على القارئ العاديّ، إلا مَن كان مُطّلعًا، ومُلِمًّا، ومُتعَمِّقًا ومُتبحِّرًا في الأدب الصّوفيّ. ويبدُو هنا بوضوح تأثُّر الشّاعرة بالفكر والأدب الصّوفيّ، وبروائع شعرائهِ الكبار المُترعة والمُشِعَّة بالحبِّ الإلهيّ مثل: جلال الدّين الرّوميّ، ومحيي ابن عربيّ، وابن الفارض، والسّهرودي، وشمس التّبريزي، ورابعة العدويَّة وغيرهم… تقول الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان:  

* “بِأَوْتَارِ جَنَاحَيْكِ../ أُحَلِّقُ قَوْسَ قُزَحٍ.. خَلْفَ غَمَامِكِ/ حَيْثُ تَسْكُنُنِي السَّمَاءُ/ وَفَوْقَ حُدُودِ الْأَجْسَادِ.. تَطُوفُ بِي خُيُوطُ أَشْجَانِكِ!/ أَنَّى لِغَابِرٍ فِي الزُّهْدِ..  أَنْ تتَعَفَّفَ بُرُوقُهُ/ وَنِيرانُكِ الْمُرَاوِغَةُ عَرّافَةٌ.. فِي مَواقِدِي تَتَأَنَّقُ وَتَتَجَمَّلُ؟” (ص82).

 وتقول أيضًا: *”هَا زِئبَقِي راكِدٌ.. فِي قوارير عُزْلَتِي/ يُومِضُكِ حَكَايَا جَامِحَةً.. في فَجْوَاتِ زَمَانِي!”. وتقول: *”لِلْمَقَامَاتِ.. سُبُلٌ مُقَدَّسَةٌ/ تَتَرَجْرَجُ.. وَتُلَامِسُ أَشِعَّتي/ وَتَتَوَغّلُ فِي فُيُوضِ تَقَرُّبِكِ!/ لكنَّ تهَرُّبَكِ/ يَفْتِكُ بِحَمَائِمِ أَعْشَاشِي/ يَقْضِمُ صَوْتِي الْمُتَعَسِّرَ فِي خَرَائِبِهِ/ مُذْ فَطَمَتْنِي عَنَاقِيدُ نَارِكِ!/ هَا نِصْفِي السَّمَاوِيُّ/ غَطَّ.. فِي تَفَحُّمِ ذَاكِرَتِي النَّيِّئَةِ/ يَحْرِقُ هَوَائِيَ الْمُمَغْنَطَ../ بِقَبْضَةِ صَمْتِكِ الصَّاهِرِ” (ص84 – 85).

 ونقول أيضًا: *”هَا الْحُزْنُ الْمُخْمَلِيُّ/ يَتَوَسَّدُنِي.. كَوْمَةً شَوْكِيَّةً/ يُوغِلُ فِي مَشِيبِي/ فِي إغْفَاءَةٍ مُقَدَّسَةٍ/ وأَنَا الْمُكَبَّلُ بِتِبْرِ رُوحِكِ/ مَفَاتِيحُ الضَّبَابِ بَاتَتْ بِيَدِكِ!

أَيَا طَاعِنَةً/ فِي رَفِيفِ عِطْرِكِ السَّمَاوِيِّ/ أَنَا مَنْ ضَمَّخَنِي حَصَى فَرَاغِي/ بِنَبْضِ بَحْرِكِ/ بَاتتْ تَعُبُّني جِرَارُ الْحُرْقَةِ عُطُورًا/ وَتُغَنِّي لِلرَّاحِلِينَ/ أَلَا فَابْرِقِينِي.. بِوَمْضِ عَيْنَيْكِ/ غِيمِي حَنَانًا.. هِيمِي مَطَرًا/ وَاغْسِلِي صَخْرَ قَلْبِي/ بِزَيْتِ حُبِّكِ.. بماءِ عَفْوِكِ

لَا تُؤَثِّثِينِي/ لِشِعْرِكِ الْأُقْحُوَانِيِّ/ بَلِ اُنْقُشِينِي.. قَصَائِدَ صَلَاةٍ/ لِيَخْشَعَ.. ضَجِيجُ ضَيَاعِي

رُحْمَاكِ/ لَا تُقَمِّطِي رِيحِيَ.. بِأَسْمَالِ النَّارِ/ لَا تَلْتَهِمِي شُعَاعَ سُوَيْعَاتِي/ بِدَامِسِ ظُلمِكِ/ وَلَا تَغْسِلِي دَمِي.. بِالطِّينِ.. بالْغُبَارِ/ بَلِ اِرْوِي طَرِيقِيَ.. بِخُضْرَةِ أَنَامِلِكِ/ وَانْبُشِي أَعْشَاشَ ضَوْئِكِ/ عَلَّكِ تَبْعَثِينَنِي.. أَنَا الْمَنْسِيُّ/ فِي مِشْكَاةِ عَتْمَتِكِ الْبَهِيَّةِ/ وَعَلَّنِي أَنْبَثِقُ ذَاكِرَةً حَيَّةً/ مِنْ شُقُوقِ النِّسْيَانِ!” (ص124 – 126).

     ونجدُ في هذا الدّيوان توظيفَ عناصر الطّبيعةِ: كالعصافير، والضّباب، والسّحاب الماطر،

والشّتاء والعواصف، كرموزٍ دلاليَّةٍ لأبعادٍ وأهدافٍ عديدة، ومثال على ذلك تقولُ الشّاعرةُ:

*”غَيِّبِينِي فِي عَيْنَيْكِ.. دَمْعَةً/ وَدَعِينِي.. أَحِنُّ.. أُجَنُّ/ وَلا أَكِنُّ.. فِي عُرْيِ عَصَافِيرِكِ!/ يَا مَنْ أَسْـتَـغْـفِـرُكِ وَتَـسْـتَـغْـرِبِـيـن!؟/ كُونِي ضَبَابِيَ الْمُسَافِرَ/ إلَى سَحَابِكِ الْمَاطِرِ/ كُونِي.. قُوتَ حُلُمِي الْعَاصِفِ/ كُونِي.. قُطُوفَ شِتَائِي/ لِيَطُوفَ.. بِنَا الدُّوَارُ” (ص42).

 ونجدُ أيضًا البعدَ الوطنيَّ واتّحادَ العاشق بالحبيبة الّتي هي الأرض والوطن والهويّة وكلُّ شيء، تقولُ الشّاعرةُ:

*”رُحْمَاكِ/ أَطْفِئِي يَأْسِي.. بِنُورِكِ الْمُقَدَّسِ/ لِأَظَلَّ أَجْمَعُ ظِلَالَكِ/ أُلَمْلِمُ رَعَشَاتِ ضَوْئِكِ/ وَلِأَسْتَظِلَّ بِقَدَرِي!/ أَعِدِّي مَائِدَةَ الْحُبِّ.. لِثِمَارِ حَنَانِي/ اِخْلَعِي عَنِّي مَنْفَايَ/ وَأَلْبِسِينِي وَجْهَكِ/ لِأَنْضُجَ.. بِحَنَانِكِ”. (ص46).

     ويتجلَّى بوضوح البعدَ الوطنيّ وذكرَ أسماء بعض المعالم الهامّة في بلادنا مثل: مدينة حيفا ومنطقة الجليل، والنّاصرة والبشارة في هذه الجمل الشّعريّة:

* “مَا أُحَيْلَاهُ مُرَّكِ.. يَا ابْنَةَ النَّسَمَاتِ/ كَأَنَّ رَحِيقَكِ.. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا/ أَيَسُوقُ النَّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ/ لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي/ لِتَجْبِلَكِ عُيُونِ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ!؟/ يَا أَرَقَّ مِنْ نَرْجَسَةٍ اشْتَمَّهَا شَاعِرٌ/ فَغَدَا مَلَاكًا” (ص100).

      وبالإضافةِ للبعدِ الوطنيّ يحوي ويشملُ هذا الدّيوانُ مواضيعَ وأبعادًا عديدةً مثل: البعد اللّاهوتيّ، والبعد التّاريخيّ والميثولوجيّ (الأسطورة)، والبعد الفلسفيّ، والعاطفيّ، والبعد الإنسانيّ والفنّيّ. والشّىاعرة آمال عوّاد رضوان في هذا الدّيوان تتقيَّدُ بالقافيةِ والقفلة أحيانًا في نهاية بعض الجُمل الشّعريّة، وتتقيَّدُ بوزنٍ واحد أيضًا في بعض الجمل وبشكل عفويّ، فتضيف جمالًا وإيقاعًا حلوًا للقصيدة، وأمثلة على ذلك: 

* “وَحْدَكِ/ مَنْ تُؤَجِّجُنِي بِالْجِنَانِ.. مَنْ تُتَوِّجُنِي بِالْحَنَانِ!/ مَنْ تَضْفِرُنِي مَوَاجِعا../ فَتَصْفِرُنِي رِيَاحُ أَحْزَانِي!/ أَتُرَاكِ تُعَاقِبِينَنِي.. بِكَمَالِكِ؟/ أَتُرَاقِصِينَنِي.. عَلَى أجْنِحَةِ هَذَيَانِي؟” (ص61).

 وتقولُ: * “مَضَيْتِ.. وَخَلْفَكِ ظِلِّي الْمَوْجُوعُ/ وَمَا انْفَكَّتْ آفَاقِي.. يَتَنَاءَاهَا الجوعُ!/ فِي أَحْشَاءِ مَدَاكِ الْمُضِيئَةِ أَرْكَعُ/ وفِي دَهَالِيزِ عَيْنَيْكِ الْمُشِعَّتَيْنِ/ كَهَرَمٍ هَرِمٍ.. أَكْبُرُ وأَخْشَعُ!” (ص103).

    في هذه الأبياتِ الشّعريّة يوجدُ التزامٌ وتقيُّدٌ بالوزن أيضًا، مع خروج بسيط عن الوزن.. والأبيات على وزن المتدارك أو الخبب. ومثال آخر على التّقيُّد بالقافيةِ وقفلة البيت:

* “سُلْطانٌ حَالِمٌ.. تنَزّلَ بغيْمِ غَابَاتِي/ وَأَغْوَانِي!/ أَسْرَجَ عَيْنَ فرَسِي هَوًى/ وَهَوَى!/ وَلَمَّا يَزَلْ.. يُلَاغِفُ

أجْنِحَةَ شيْطانِي/ يُغْمِضُ خَطِيئَةَ مَلَاكِي/ عَلَى سَلَامِ إلْهَامِي.. وَمَا أَلْهَانِي!/ وَمَضَى/ مضى بعُمْرِي يَتَلَهَّى/ يَتَلَبَّسُ حُمَّى عِطْرِي/ يَتَلَمَّسُ ظِلَّ هَذَيَانِي!” (ص117).

      والشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان في هذا الدّيوان كما ذكرت سابقًا، تُوظّفُ الأساطيرَ (الميثولوجيا) وأسماءَ بعض الآلهة، والشّخصيّات الأسطوريّة القديمة، وبعض الشّخصيّات وأسماء الأماكن وإلخ…، بشكل صحيح وجميل وفنّيّ، فلا يُحسُّ القارئ الذّكيُّ بتكلُّفٍ، أو حشوٍ  وابتذالٍ، أو تكرارٍ مُملٍّ، فلها اطّلاعٌ واسعٌ على التّاريخ والأدب، وخاصّة تاريخ وآداب الشّعوب القديمة، وهي تمتلكُ ثقافةً واسعة، بالإضافةِ إلى موهبتها الشّعريّةِ الفنّيّةِ الرّاقية والمميّزة، ولهذا فقد نجحت نجاحًا كبيرًا في توظيف شخصيّات الآلهة الأسطوريّة، والشّخصيّات التّاريخيَّة وغيرها في الدّيوان، لأهدافٍ وأبعادٍ عديدة ومعانٍ تريدها، والقارئ المتذوّقُ، وليس فقط النّاقد الذّكيّ الفذّ والمتعمّقُ والمتبحِّر، يستطيعُ أن يدركَ ويفهمَ الكثيرَ من معاني وأبعاد هذا الدّيوان والفحوى المطلوب.

     وبهذا شاعرتُنا تتميَّزُ عن العديدِ من الشّعراء المحلّيّين الّذين يتَّجهُون إلى الأساطير، ويتوكّؤون على التّراث القديم والقصص القديمة الأسطوريّة، ويقومونَ بتوظيفِ أسماء بعض الآلهة، وهم لا يعرفون تفسير معنى وَكُنهَ كلِّ إلهٍ، وما هي وظيفتُه، ولأيّ إقليم وبلد وحضارة وشعب يتبع، وما يكتبونهُ ويُخربشونهُ هو مجرّد حشو ولغوٍ، ووضع كلماتٍ مِن دون فهم وإدراك.. وهنالك أمثلة عديدة على شويعرين وشويعرات محلّيّين، يذكرون أسماء آلهةٍ قديمة فيما يكتبونه ويخربشونه من تفاهات وسخافاتٍ، ويُسمّونه شِعرًا، ولا يعرفون ما معنى اسم هذا الإله أو ذلك الإله، ومن أين جاءت التّسمية، وما هي وظيفتهُ ومُهمّتُهُ وميزاته، ولأيّ بلدٍ وإقليم ينتمي .

     وإذا نظرنا إلى هذا الدّيوان من ناحيةٍ شكليّةٍ وللبناءِ الخارجيّ، فهو على نمطِ الشّعر الحديث، غيرُ مقيّدٍ بالوزن والقافية، أو بالأحرى هو مزيجٌ بين الشّعرِ الحديث الحُرّ والشّعر التّفعيلة، لأنَّ هنالك العديدُ مِنَ الجميل، ومن العباراتِ الشّعريّة في هذا الدّيوان مُتقيّدةٌ بتفعيلةٍ ووزنٍ واحد، وحتّى الجُمَل الّتي تُدرجُ في إطار الشّعر الحُرّ يوجد فيها موسيقى داخليّة، بيدَ أنّها مُكوَّنةٌ مِن أكثر مِن تفعيلة، أي هي موزونة، ولكنّها غيرُ مقيّدةٍ وملتزمةٍ ببحور الخليل بن أحمد الفراهيدي بحذافيرها، فقد يكونُ في الجملةِ الشّعريّة أكثرُ مِن وزن، وزنان، أو ثلاثة أوزان، والقارئُ المُتذوّقُ يُحسُّ ويشعرُ بجماليّة الموسيقى الشّعريّة، وإيقاعِها وجرسِها العذب، مع أنّها ليست كلاسيكيّةً تقليديّة، وعلى عكس البعض مِن الّذين يكتبونَ الشّعرَ التّقليديَّ مَحلّيًّا، ولا توجدُ عندهم الموهبةُ الشّعريّةُ الحقيقيّةُ الرّبانيَّة، ولا المستوى الثّقافيُّ المطلوب، فتأتي قصائدُهم المُقيَّدةُ ببحور الخليل كأنّها دونَ موسيقى ووزن، وكأنّنا نسمعُ شخصًا يُكسّرُ أحجارًا، لأنّها تفتقرُ للموسيقى الدّاخليّةِ، وللألفاظِ الجميلةِ العذبة وللصُّوَر الشّعريّة، فالشّعرُ الحقيقيُّ هو صُورٌ، وأحاسيسُ، ومشاعرُ، وعواطفُ، ولواعجُ جيّاشة، ووجدانٌ مُتدفّقٌ، ومعانٍ رائعةٌ وعميقة، ومواضيعُ راقيةٌ، واستعاراتٌ ومصطلحاتٌ بلاغيّة جديدةٌ ومبتَكَرة، وتلاؤُمٌ وانسجامٌ وتناغمٌ بين اللّفظ والمعنى، بالإضافةِ إلى جزالةِ اللّغة وعذوبةِ الألفاظ، وسلاسةِ العباراتِ والجُملِ الشّعريّة بإشعاعاتِها السّاحرة، وحتّى إذا لم تكن مُقيّدةً ببحور الخليل، فتكفي هذه الأسسُ والعناصرُ أن تجعلَ من كلِّ قصيدةٍ على هذا النّحو، أن تكونَ ناجحةً وإبداعيّةً ورائعة.

     وهذا هو الشّعرُ الّذي تكتبُهُ آمال عوّاد رضوان، والشّعراءُ القديرونَ المبدعونَ المجدّدون، والّذين يواكبونَ تيَّارَ الحداثة وركْبَ التّجديد في هذا العصر، مع المحافظةِ على المستوى الفنّيّ والإبداع بمعناه الصّحيح الشّامل، والجرس والإيقاع الموسيقيّ الدّاخليّ الّذي قد يكون أهمَّ أحيانًا من الوزن الخارجيّ (بحور الخليل)، ولكن إذا كان هنالك تقّيدٌ كامل بالوزن، تكون القصيدةُ أحلى وأعذبَ وأروع، ولها رونقها وسحرها المُمَيَّز، وتكون مُشعةً أكثر بالجمال الشّكليّ.

  وأخيرًا وليس آخرا: إنَّ هذا الدّيوان يُعدُّ من أحسن وأفضل الدّواوين الشّعريّة الّتي صدرت في السّنوات الأخيرة من جميع الأسس والمفاهيم النّقديّة والفنّيّة والذّوقيَّة، وخاصّة في صدد التّجديدِ والابتكار، والتّكثيف من الصّور الشّعريّة الجميلة والحديثة، والاستعارات البلاغيّة المبتكرة، والمعاني العميقة، والأبعاد الفلسفيّة والإنسانيّة، والنّفحات الصّوفية وومضات الإيمان الّتي تسربلُ حَيِّزًا لا بأسَ به من الدّيوان، وأيضًا المستوى الفنّيّ، والثّروة اللّغويّة الكبيرة الّتي يحتويهَا، وفي توظيف الرّموز، والتّراث، والتّاريخ، والأسطورة، والمخزون الثّقافي الواسع بالشّكل الصّحيح، وبالشّكل التّقنيّ والإبداعيّ الجميل والسّلس والمميَّز.

      لقد تطرَّقتُ إلى جميع الجوانب والأمور والمجالات الهامّة في هذا الدّيوان، وخاصّة الأمور والمواضيع الّتي لم يتطرّق إليها بشكل واسع الأدباء والنّقادُ الّذين كتبوا عن هذا الدّيوان، وجميع الّذين كتبوا عنه أبدعوا، وكان نقدُهُم موضوعيًّا ونزيهًا وأكاديميًّا وعميقا. وأنا، بدوري، حاولتُ الاختصارَ قدرَ الإمكان في هذه المقالة، لأنّها ليست أطروحة جامعيّة، ولو أردت التّوسّعَ وتحليلَ كلِّ جملة شعريّة كما يجب، لكتبت مئات الصّفحات التّحليليَّة لهذا الدّيوان الشّعريّ، فاكتفيتُ بالاستعراضِ مع شرح وتحليلٍ مُقتضب، وآمل أن أكون في هذه المقالةِ قد أعطيتُ الدّيوان حَقّهُ، وألفُ مبارك للشاعرةِ المبدعة آمال عوّاد رضوان على هذا الإصدار القيّم والمُمَيَز، وعقبال إصدارات أخرى أدبيّة وشعريّة إبداعيَّة.

أسماء المصادر:

1 – سفر نشيد الإنشاد – الكتاب المُقدّس – العهد القديم.

2 – قصيدة المواكب – (جبران خليل جبران – المجموعة الكاملة – دار الجيل – بيروت – لبنان

3 – ديوان وتريَّات ليليَّة – مضفر النّوَّاب – منشورات صلاح الدّين… و(مضفر النّوَّاب المجموعة الكاملة – منشورات قنبر – لندن).

4 – ديوان امرىء القيس الكندي – دار إحياء العلوم – بيروت – لبنان.

5- ديوان ابن الفارض.