استعراض الأقسام

الأدبصفحة

انتعاش عالمي لأدب الخيال العلمي مدفوعاً بالأزمات والمنصّات الرقمية

يشهد أدب الخيال العلمي في السنوات الأخيرة طفرة لافتة أعادت رسم خريطة سوق النشر العالمية، مدفوعاً بتحولات كبرى في الواقع المعاصر، من الأزمات المناخية والقلق التكنولوجي إلى صعود المنصّات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعدما ظل لسنوات يُنظر إليه بوصفه أدباً ترفيهياً هامشياً، تحوّل الخيال العلمي إلى مساحة تعبيرية عميقة تستكشف مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل سريع التغيّر، ما انعكس على ارتفاع مبيعاته وعودة النقاش حول مكانته الأدبية.

في فرنسا، كشفت دراسة صادرة عن «مرصد الخيال» لعام 2025 عن قفزة في مبيعات روايات الخيال العلمي بنسبة 40% بين عامي 2023 و2024، تزامناً مع ظهور دور نشر جديدة متخصصة بهذا النوع. الاتجاه ذاته برز في الولايات المتحدة، حيث أظهرت بيانات معهد «سيركانا بوك سكان» ارتفاع المبيعات بنسبة 12% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025. أما في المملكة المتحدة، فقد سجلت روايات الخيال العلمي والفانتازيا زيادة وصلت إلى 41.3% بين عامي 2023 و2024، وفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» حول دور منصّة «بوك توك» في تنشيط المبيعات.

ولم يعد هذا الأدب يُختزل في صورته التقليدية القائمة على المغامرة أو الكائنات الخرافية والسفر عبر الزمن، بل بات أقرب إلى أدب استكشافي يوظّف المستقبل لفهم قضايا سياسية واجتماعية وأخلاقية معاصرة. ويرى باحثون في الأدب المقارن أن الخيال العلمي يضخّم قضايا الحاضر مثل الرقمنة والرقابة والذكاء الاصطناعي والكوارث المناخية، ليقدّم قراءات نقدية للمجتمع. وتظل أعمال مثل «1984» لجورج أورويل و«عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي و«هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك نماذج بارزة على هذا التداخل بين الخيال والمخاوف الواقعية.

في المقابل، لعبت المنصّات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» في «تيك توك»، دوراً محورياً في هذا الانتعاش. إذ تشير بيانات «سيركانا بوك سكان» إلى أن واحداً من كل 12 كتاباً ورقياً يباع عالمياً يعود انتشاره مباشرة إلى تأثير صنّاع المحتوى على المنصة. وقد ساهمت هذه الظاهرة في تحقيق نجاحات قياسية لأعمال حديثة، مثل رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، التي دفعت دور النشر إلى طباعة مئات الآلاف من النسخ منذ الإصدار الأول. كما أعادت المنصة إحياء روايات قديمة، مثل «أغنية أشيل» التي تضاعفت مبيعاتها بعد سنوات من صدورها، فضلاً عن استمرار صعود مبيعات «1984» بمعدلات سنوية ملحوظة.

هذا التحول الرقمي لم ينعش المبيعات فحسب، بل كسر أيضاً احتكار النخب الثقافية لمنح «الشرعية الأدبية»، إذ باتت قوائم الأكثر مبيعاً، التي يقودها جمهور شاب عبر المنصّات الاجتماعية، عاملاً مؤثراً في إعادة تقييم هذا الجنس الأدبي.

وتتزامن هذه الطفرة مع تحوّل في نظرة النقاد إلى الخيال العلمي، خصوصاً مع تصاعد قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والحريات الفردية. فقد ظل هذا الأدب طويلاً مهمشاً بوصفه «أدباً شعبياً»، قبل أن يتعزز الاعتراف به بوصفه مختبراً فكرياً واجتماعياً يستشرف المستقبل لفهم الحاضر. وترى الكاتبة أورسولا ك. لو غوين أن الخيال العلمي «أداة قوية لاستكشاف معنى أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول»، فيما يعتبر عدد من الكتّاب والنقاد أن هذا الجنس الأدبي بات من أكثر الأشكال قدرة على دمج الأسئلة التكنولوجية والإنسانية في سرد روائي معاصر.

ويؤكد نجاح أعمال حديثة وحصولها على جوائز أدبية كبرى، إلى جانب إعادة إحياء الكلاسيكيات، أن الخيال العلمي لم يعد على هامش المشهد الثقافي، بل أصبح أحد محركاته الأساسية، وفضاءً رحباً لقراءة الحاضر عبر مرايا المستقبل.

افتتح معرض دمشق الدولي للكتاب، يوم الجمعة، أبوابه أمام الزوار وسط إقبال جماهيري واسع ومشاركة عربية ودولية تتجاوز 500 دار نشر، مع حضور سعودي لافت إذ تحلّ المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الدورة إلى جانب دولة قطر. وتأتي المشاركة السعودية بعد انقطاع دام 15 عاماً، ضمن توجه ثقافي يسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي السعودي المعاصر، الذي يجمع بين الأصالة والحداثة.

وأوضح مدير عام الإدارة العامة للنشر في هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، بسام البسام، أن الجناح السعودي صُمم ليعكس تنوع الثقافة في المملكة، من خلال عرض نماذج من الأزياء التراثية لمنطقتي الحجاز والوسطى، إلى جانب آلات موسيقية مثل الربابة والقانون التي أسهمت في تطور الموسيقى السعودية. كما يضم الجناح صالة عرض سينمائي يُعرض فيها الفيلم السعودي «نورة» المصوّر في مدينة العلا، والذي شارك في عدد من المهرجانات الدولية.

وتتضمن المشاركة السعودية برنامجاً ثقافياً يضم نحو تسع ندوات حوارية وأمسية شعرية، تُقام على المسرح الرئيسي للمعرض وداخل الجناح السعودي، إضافة إلى حضور عدد من دور النشر السعودية. وأشار البسام إلى أن هذه المشاركة تأتي ضمن خطة استراتيجية لهيئة الأدب والنشر والترجمة تستهدف الحضور في نحو 20 معرض كتاب حول العالم خلال العام الجاري، مؤكداً أن معرض دمشق يحتل مكانة خاصة ضمن هذه الخريطة الثقافية.

من جانبه، عبّر الروائي أحمد السماري، عضو الوفد الثقافي السعودي، عن تفاؤله بمستقبل المعرض، مشيراً إلى أن المشاركة السعودية تمثل دعماً مهماً للحراك الثقافي وتسهم في تعزيز التبادل المعرفي. ولفت إلى أن العلاقة بين الحضور الثقافي والسياسي لا يمكن فصلها، لما لها من دور في دفع المجتمعات نحو التقدم وتعزيز الوعي الثقافي.

بدوره، أكد الدكتور معجب العدواني، أحد ممثلي الوفد الثقافي السعودي، أن حضور المملكة كضيف شرف يحمل دلالات معرفية وثقافية تتجاوز الطابع الرسمي، ويعكس رسالة تضامن وتواصل إنساني بين السعودية وسوريا، مشيراً إلى أن اللقاء المباشر بين المثقفين يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإبداعي. كما شدد الروائي يوسف المحيميد على أن هذه المشاركة تمثل حضوراً ثقافياً ذا رمزية خاصة في ظل تعافي المشهد الثقافي السوري وعودة الاستقرار.

ويضم المعرض أكثر من 100 ألف عنوان في مختلف المجالات المعرفية، إلى جانب برنامج ثقافي حافل يتضمن ما يزيد على 650 فعالية بين ندوات وجلسات حوارية وأمسيات أدبية وفنية، ما يجعله من أبرز الأحداث الثقافية في البلاد بعد سنوات من التوقف. كما يتضمن إطلاق سبع جوائز ثقافية لدعم الكتّاب ودور النشر، وإعلان مبادرات من بينها «كتابي الأول» لإصدار 100 عنوان جديد خلال عام 2026، وبرنامج «زمالة دمشق» للترجمة، ومبادرة «مسار ناشئ» لدعم المواهب الشابة في مجال النشر والكتابة.

وتستمر فعاليات المعرض من 6 إلى 16 فبراير الجاري، يومياً من العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً، فيما يُفتح يوم الجمعة من الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً. وتأتي هذه الدورة بعد انقطاع دام خمس سنوات، علماً بأن أولى دورات معرض دمشق الدولي للكتاب أقيمت عام 1984، وظلّ لسنوات طويلة أحد أبرز الفعاليات الثقافية المنتظرة في المشهد العربي.

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية، اليوم الأربعاء، القائمة القصيرة لدورتها الـ19 خلال مؤتمر صحفي أُقيم في هيئة البحرين للثقافة والآثار، بمشاركة لجنة التحكيم وعدد من القائمين على الجائزة، على أن يُعلن العمل الفائز في أبوظبي يوم 9 أبريل/نيسان 2026.

وضمت القائمة ست روايات هي: «أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، «منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، «فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، «أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، «الرائي» للعراقي ضياء جبيلي، و«غيبة مي» للبنانية نجوى بركات.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وأدبياً لافتاً، بمشاركة كتّاب من مصر والجزائر والعراق ولبنان تتراوح أعمارهم بين 37 و69 عاماً، فيما تطرح الروايات قضايا إنسانية وراهنة بأساليب سردية مختلفة. كما يضم السباق كتّاباً سبق أن بلغوا مراحل متقدمة في الجائزة، من بينهم أحمد عبد اللطيف وأمين الزاوي وسعيد خطيبي.

رئيس لجنة التحكيم، الناقد التونسي محمد القاضي، أشار إلى أن الأعمال المختارة تجمع بين الغوص في النفس البشرية واستحضار التاريخ وقراءة الواقع العربي الراهن، مؤكداً أن الرواية العربية تواصل تطورها وانفتاحها على أساليب جديدة وقضايا معاصرة. من جانبه، لفت رئيس مجلس الأمناء ياسر سليمان إلى أن الأعمال المرشحة تعكس حيوية السرد العربي وقدرته على الربط بين المحلي والإنساني، وبين الماضي والحاضر، بما يعزز حضور الرواية العربية لدى القراء عربياً وعالمياً.

صدرت عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات رواية «المكلا.. التي نجت»، التي توثّق سرديًا التحولات العنيفة التي شهدتها مدن ساحل حضرموت، وبصورة خاصة مدينة المكلا، خلال فترة سيطرة تنظيم القاعدة عليها، من خلال مقاربة إنسانية تبتعد عن السرد الأمني والعسكري المباشر.

وتقدّم الرواية، للباحث والأكاديمي د. صبري عفيف، قراءة سردية توثّق مرحلة سقوط مدينة المكلا بيد تنظيم القاعدة، وما رافقها من تحولات نفسية واجتماعية عميقة في حياة السكان، مركّزة على أثر العنف في تفاصيل الحياة اليومية، لا على الحدث بوصفه واقعة أمنية معزولة.

وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى توثيق التحولات التي شهدتها المدن الساحلية في جنوب اليمن خلال السنوات الماضية، تبرز رواية «المكلا.. التي نجت» بوصفها عملًا سرديًا يقدّم مقاربة مختلفة لفهم تلك المرحلة، عبر تفكيك التغيرات التي أصابت اللغة، والسلوك الاجتماعي، وأنماط الخوف والتكيّف داخل المدينة.

وقال د. صبري عفيف لـ(اليوم الثامن) إن الرواية لم تسعَ إلى تسجيل الوقائع كما تفعل التقارير أو البيانات الرسمية، بل حاولت الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر توثيق الأثر النفسي والاجتماعي لسيطرة تنظيم متطرف على مدينة ساحلية عُرفت تاريخيًا بهدوئها وانفتاحها. وأوضح أن السقوط لا يظهر في النص من خلال مشاهد الاشتباكات أو مظاهر السلاح، وإنما عبر تغيّر الفضاء العام، وانكماش الحياة الاجتماعية، وتحول الخوف إلى سلوك يومي اعتيادي، وهو ما يمنح الرواية قيمة توثيقية من زاوية غالبًا ما تُهمَل في التحليل التقليدي.

وأشار إلى أن الرواية تتعامل مع مدينة المكلا بوصفها كيانًا حيًا، لا مجرد مسرح للأحداث، حيث تتحول الشوارع، والمدارس، والأسواق، والمجالس، وحتى الصمت، إلى أدوات سرد تكشف كيف أعاد التنظيم فرض تعريف جديد لما هو “عادي”، وكيف تكيف المجتمع مع واقع مفروض دون أن يعني ذلك القبول به. ويقدّم هذا النمط من السرد قراءة أعمق لكيفية عمل التنظيمات المتطرفة داخل المدن، وسعيها إلى تطويع المجتمع عبر التحكم في إيقاع الحياة اليومية، لا عبر المواجهة الدائمة.

وفي سياق استعادة الذاكرة، تستحضر الرواية التفجير الإرهابي الذي أودى بحياة الطفلة منار صالح شرارة فوق جسر خور المكلا عام 2016، بوصفه رمزًا لانتهاك العنف لحياة المدنيين، ولا سيما الأطفال. ويَرِد هذا الحدث في النص كجرح مفتوح في ذاكرة المدينة، دون استثمار عاطفي مباشر أو خطاب إدانة صاخب، ما يمنح السرد بعدًا أخلاقيًا متماسكًا ويعزّز من صدقيته الإنسانية.

ولا تتوقف الرواية عند لحظة السقوط أو ذروة العنف، بل تمتد إلى ما بعدها، متتبعة مرحلة الانسحاب، والفراغ الذي خلّفه التنظيم، ثم إعادة بناء الأمن، وعودة المدينة إلى نفسها بصورة مختلفة. ويمنح هذا الامتداد الزمني العمل أهمية خاصة، كونه يوثّق مرحلة “ما بعد التنظيم”، وهي مرحلة غالبًا ما تغيب عن النقاش العام رغم تأثيرها العميق على المجتمع.

ومن منظور بحثي، تمثّل الرواية نموذجًا لكيف يمكن للأدب أن يكمّل العمل التحليلي، من خلال توفير مادة حيّة لفهم الأثر الاجتماعي والنفسي للتطرّف، وكيفية تشكّل أنماط الصمت والتكيّف والنجاة داخل المدن. فهي لا تقدّم إجابات جاهزة، بقدر ما تفتح أسئلة حول العلاقة بين العنف والمدينة، وبين الخوف والذاكرة، وبين النجاة وإعادة بناء المعنى.

وبهذا المعنى، لا توثّق رواية «المكلا.. التي نجت» سقوط مدينة بيد تنظيم القاعدة بقدر ما توثّق كيف عاشت المدينة هذا السقوط، وكيف واجهته، وكيف خرجت منه وهي أكثر وعيًا بثمن الصمت وبقيمة الذاكرة، ما يجعل العمل إضافة مهمّة لمسار توثيق الذاكرة اليمنية الحديثة من زاوية إنسانية تستحق التوقف عندها.

ليان صالح/ المكلا

/

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 حضوراً جماهيرياً قياسياً تجاوز 6 ملايين زائر خلال 13 يوماً، ليؤكد مكانته كأحد أكبر الفعاليات الثقافية العربية وفضاءً مفتوحاً يجمع بين القراءة والفكر والاحتفاء بالإبداع في أجواء كرنفالية جذبت مختلف الأعمار.

وتميّزت الدورة الأخيرة بالاحتفاء بأصوات جديدة في مجالات الإبداع والنقد والنشر، حيث توزعت جوائز المعرض على كتّاب وباحثين وشعراء من أجيال متعددة، من بينهم مدحت صفوت وصلاح السروي في النقد الأدبي، والباحث حسن محمد الشافعي في العلوم الإنسانية، والكاتبة هناء متولي في القصة القصيرة، والشاعر سعيد شحاتة في شعر العامية، إضافة إلى فوز الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية لفئة الشباب. كما تقاسمت جائزتي «أفضل ناشر عربي» دار بيت الحكمة المصرية ودار أصالة اللبنانية.

وشملت الجوائز مجالات التراث والترجمة والفنون وكتاب الطفل، إلى جانب استحداث «جوائز التميز» للمرة الأولى بقيمة إجمالية مليوني جنيه، لتكريم أفضل الأجنحة والفعاليات والندوات، في خطوة تعكس توجه المعرض لدعم المبادرات الثقافية النوعية وتعزيز دور الكتاب في بناء الوعي.

وعلى صعيد الجوائز الأدبية، فاز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، من بين 108 روايات مشاركة، في تأكيد على انفتاح المعرض على المشهد الروائي العربي وتقدير التجارب السردية الجديدة.

كما ازدانت أروقة المعرض بالأمسيات الشعرية والندوات الفكرية التي جمعت شعراء ونقاداً من مختلف الأجيال، لتكرّس الدورة الـ57 حضورها بوصفها منصة للحوار الثقافي واكتشاف المواهب، وتجدد العلاقة بين الجمهور والكتاب في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية.

/

في تلك المسافة الرمادية التي لا يرى فيها الصمت ولا يسمع ، تتكاثف الأسئلة الأكثر إلحاحا ، أسئلة لا تطرق الأبواب بل تسكن الجدران الداخلية للروح ، هناك حيث نتقن ارتداء الهدوء كما لو كان قدرا مكتوبا ونؤجل ارتباكنا العميق إلى زمن غير مسمى ، فتمضي ذواتنا مثقلة بما لم يقل وبما كان يجب أن يقال ولم يجد جرأة الظهور ، فالصمت ليس دائما فراغا بل امتلاء خفي وتراكم غير مرئي للأوجاع ، وليس دائما بحكمة وعبرة بل شكل مؤجل من التعب ، تعب يتخفى في هيئة اتزان وكبرياء وعنفوان 

فنحن لا نعيش حياتنا كما حلمنا بها بل كما نحتملها ، ونعيد تشكيل ذواتنا مرارا لا وفق رغباتها الأولى بل وفق قدرة الروح على الصمود ، فنصبح على ما يمكننا احتماله لا على ما تمنيناه ، فالصمت الذي نلوذ به ليس دائما انسحابا من العالم بل محاولة يائسة أحيانا لإعادة ترتيب الداخل حين يصبح الخارج أثقل من أن يحمل ، فنصمت لأن اللغة تخذلنا ولأن بعض التجارب ترفض أن تسمى ولأن الوعي حين يتخم بالأحداث يحتاج إلى فراغ مؤقت ومساحة بيضاء ليعيد تعريف نفسه بعيدا عن الضجيج 

وهكذا نجد أنفسنا نغذي هذا الصمت بتجاهل متعمد ، لا كفعل إنكار بل كاستراتيجية وجودية للبقاء ، فليس كل ما يرى يواجه وليس كل ما يؤلم يقاوم فورا ، فأحيانا يكون التريث شكل آخر من أشكال الحكمة وأحيانا أخرى تأجيلا واعيا للانكسار ، لكن الصبر مهما بدا نبيلا يبقى حالة زمنية مؤقتة له حد أقصى وبعده يتحول إلى عبء أخلاقي على الذات ، إذ يطالبها بالتحمل على حساب صدقها مع نفسها ، وحين نبلغ ذلك الحد لا نثور عبثا ، فالانتفاضة هنا لا تكون انفجارا انفعاليا بل لحظة وعي حاد تشبه استيقاظا متأخرا للذات من سباتها الطويل ، هو انشقاق داخلي بين ما كناه وما لم نعد قادرين على احتماله ، وفي تلك اللحظة يتبدد الخوف من العواقب لأن السؤال لم يعد : ماذا سيحدث بعد ذلك؟ بل يصبح : كيف أمكننا البقاء كل هذا الوقت دون أن ننهار؟ 

وعندها نكتشف أن السكينة التي بحثنا عنها خارجنا كانت مؤجلة في الداخل  ومحاصرة بين طبقات من الصمت القسري والصبر المختار ، سكينة لم تضع بل علقت مؤقتا في انتظار لحظة نضج وجودي تسمح لنا باستعادتها دون أوهام ، لان السكينة في معناها العميق ليست غياب الاضطراب بل القدرة على التعايش معه دون أن نفقد جوهرنا ، حيث نمر في الحياة بمحطات لا نختارها لأن الحرية كما نكتشف متأخرين ليست في اختيار الظروف بل في تأويلها ، فنحن كائنات ملقاة في هذا العالم محملة بأسئلة أكثر من الإجابات ومطالبة بالعبور رغم الغموض ، ومع كل محطة مفروضة يتآكل تعريف قديم للذات ويعاد بناؤه على أسس أكثر هشاشة لكنها أكثر صدقا فالهشاشة هنا ليست ضعفا بل اعترافا إنسانيا بحدودنا 

ومن هذا العمق يتسلل إلى وعينا سؤال الزمن : ماذا يعني أن تثبت أعمارنا على هذه الأرض؟ أهو الثبات في الشكل أم في المعنى؟ ، لندرك حينها أن البقاء وحده لا يكفي وأن الامتداد الزمني بلا اتساق داخلي ليس حياة بل تكرار منهك للأيام ، لذلك نتمسك بتلك الأسس الأولى التي تربينا عليها ، لا بوصفها قيودا أخلاقية جامدة بل كبوصلة وجودية تعيدنا إلى أنفسنا كلما فقدنا الاتجاه ، ومن

هناك حيث المسافة الفاصلة بين الصمت والانتفاضة تتشكل هويتنا الحقيقية ونتعلم أن الاتزان ليس حالة دائمة بل تفاوض مستمر مع الذات ، وأن الحرية ليست في أن نقول كل شيء ولا في أن نصمت عن كل شيء ، بل في أن نعرف متى يصبح الصمت خيانة للذات ومتى تصبح المواجهة ضرورة أخلاقية ،

ومن خلال ذلك نمضي في هذا الوجود لا بحثا عن يقين كامل بل عن معنى قابل للعيش نعيد به تعريف أنفسنا مع كل عبور ، لنفهم أخيرا أن السلام الداخلي ليس نهاية الرحلة بل شكل من أشكال الشجاعة ، شجاعة أن نكون كما نحن دون أقنعة ودون صمت يتجاوز حده المشروع .

يرصد كتاب شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» كواليس حرب 1948 عبر رسائل شخصية ومواد دعائية، كاشفاً زيف السرديات الرسمية. يبرز الكتاب التخبط الأخلاقي للجنود اليهود بين الأيديولوجيا والواقع الدموي، ومعاناة المتطوعين العرب من نقص الإمدادات، موثقاً النكبة من داخل الأرشيفات العسكرية كشهادة حية على التحولات النفسية والميدانية لحظة وقوع الحرب


يضمر عنوان كتاب الباحث شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» (2021) مفارقة تتكشف لدى قراءته. حتى وإن أوحت صيغة الخطاب بالألفة والمعرفة والحميمية بين المرسل والمرسل إليها، تكشف الرسائل التي يناقشها الكتاب لجنود يهود شاركوا في حرب 1948 عن مشاعر اغتراب تجاه فلسطين التي تُخاطَب، ويُكتب عنها، ويُتخيَّل مستقبلها وماضيها.

كما تكشف عن تخبّط أخلاقي وحيرة حول ما يفعلونه أو ينتمون إليه وتعطش إلى العنف ثم نفور منه فمحاولة تبريره بذريعة ضرورة «عودة اليهودي إلى التاريخ».

بين الأرض المتخيلة والأرض المأهولة

كم كان هناك فرق، بين الرغبة في عودة اليهودي إلى التاريخ وعودة الفلسطيني إلى بيته وفراشه، هذا الشرخ بين الأرض المتخيّلة وتلك المأهولة، بين الامتلاك الأيديولوجي والاقتلاع المعيشي، يمتد في فصول الكتاب الخمسة كخطّ صدع مستمر. قبل أن تطأ أقدام معظم من أصبحوا جنوداً إسرائيليين أرض فلسطين، أُخضعت البلاد لتكثيف رمزي مفرط، فظهرت أرضاً خلاصية. وحالما جرى اللقاء الفعلي، حتى بدأت هذه التجريدات بالتبدد.

يتعامل الكتاب، الصادر أخيراً بالعربية عن دار «صفصافة» في القاهرة (ترجمة ميسرة صلاح الدين)، مع رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في «جيش الإنقاذ»، إلى جانب مواد دعائية وأيديولوجية: أوامر المعارك، كتيبات، مجلات ونشرات الجيش، والبث الإذاعي، التي استُخدمت لتعبئة الجنود وتشكيل وعيهم.

التنقّل بين أنظمة أرشيفية معادية

يشكّل العثور على الرسائل نفسها وتحويلها إلى أرشيف بُعداً حاسماً في المنهج التاريخي للكتاب. فلم يعثر المؤلف على مجموعة جاهزة من المراسلات الشخصية، بل أعاد بناء هذه المواد من خلال التنقّل بين أنظمة أرشيفية مجزأة ومعادية غالباً: الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، وملفات الاستخبارات، ومكاتب الرقابة، ومجموعات لم تبقَ فيها الرسائل الخاصة إلا لأنها كانت قد صودرت أو تُرجمت أو حُفظت لأغراض المراقبة.

يظهر عدد من رسائل الجنود والمتطوعين لا بوصفها وثائق شخصية كاملة، بل في شكل نسخ أو مقتطفات أو ترجمات مُدرجة داخل تقارير استخباراتية وملفات إدارية.

وهذا يعني أنّ ما نجا من هذه المواد هو أصلاً مُشكَّل بعلاقات القوة: فقد حفظت الدولة هذه الأصوات الحميمة لا من أجل تذكّرها، بل من أجل مراقبتها والسيطرة عليها واستخلاص المعلومات منها. ومن خلال إعادة تجميع هذه الآثار المتناثرة، يحوّل المؤلف فعلياً أدوات المراقبة إلى مصادر للشهادة التاريخية. فهو يقرأ الأرشيف «ضدّ تيّاره»، متعاملًا مع ممارسات الرقابة والاستخبارات لا بوصفها عوائق، بل باعتبارها جزءاً من القصة نفسها. والنتيجة منهج يكشف كيف تدخل التجربة الخاصة إلى التاريخ عبر أنظمة بيروقراطية قسرية، وكيف يمكن كتابة النكبة من خلال وثائق لم تُكتب أصلاً للشهادة التاريخية.

قراءة هذه الرسائل على خلفية خطاب التلقين العسكري تفكّك الطريقة التي أُنتج من خلالها المعنى القومي للحرب لحظة وقوعها، بعيداً عن السرديات الرسمية اللاحقة. تكشف هذه المقاربة فجوات واضحة بين الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتجربة القتال الفعلية.

مثلاً، محاولات قيادة «جيش الدفاع» الإسرائيلي لإقناع الأشكيناز (يهود أوروبا) بأن العنف المنظّم منسجم تماماً مع التقاليد الدينية اليهودية، أو تصوير قتل العربي للمزراحيين (اليهود العرب خاصة المغاربة) كفعل ثأري يعوّض عن معاناة اليهود في البلاد العربية، لم تُقابل دوماً بالامتثال. تُظهر المراسلات تردّداً، اعتراضاً، وأحياناً لامبالاة تجاه هذه السرديات، سواء لدى الأشكناز أو المزراحيين، ما يقوّض صورة التماسك الأيديولوجي التي روجت لها القيادة العسكرية. سنقرأ كيف عاد كثير من اليهود المغاربة إلى وطنهم كرد فعل على ما حدث في عام 1948.

رسائل المتطوعين العرب وكتابات الفلسطينيين

تفصح رسائل المتطوعين العرب والفلسطينيين عن توترات في علاقتهم بقيادة «جيش الإنقاذ العربي»، أو حتى مع الفلسطينيين في القرى والبلدات التي مروا عليها. يكتب خالد ارسلان، المتطوع الدرزي السوري الذي دخل فلسطين ضمن قافلة يقودها الضابط السوري فوزي قاوقجي، إلى عمّه عن الحفاوة والحماسة، فقد استقبلهم أهالي المدن والقرى بالهتافات «عاشت الدول العربية، عاشت فلسطين عربية»، فزادت من ثقة المقاتلين المؤمنين بحتمية الانتصار.

سنقرأ عن هذه الثقة في رسائل آخرين أيضاً، قبل أن تتسرب لغة التقهقر مع تقدم الحرب؛ فتشكو مراسلات المقاتلين العرب من نقص حاد في الإمدادات والسلاح إلى سوء الرعاية الطبية وقلة الطعام والملابس. يكتب بعضهم عن إصابات وقتلى سقطوا بـ «نيران صديقة» أو أسلحة معطوبة وقنابل يحملونها فتنفجر بهم.

تظهر الوثائق أيضاً توتر العلاقة بين المتطوعين العرب والفلسطينيين أنفسهم. بينما تشيد الرسائل بجهود لجان فلسطينية قدّمت القليل المتاح للجنود، ترد شكاوى عن تجاوزات المتطوّعين في حوادث سرقة ومشاجرات، وبداية نفور القرى من وجودهم، مما دفع قاوقجي إلى إصدار أوامر بإبعاد الوحدات عن المدن خمسة كيلومترات «حفاظاً على سمعة الجيش».

تشير رسائل أرسلان أيضاً إلى قلة مشاركة الفلسطينيين في الحرب. يبرّر المؤلف ذلك: «جزء من غياب الفلسطينيين كان نتيجة للثقة التي عززها وصول جيش التحرير العربي نفسه، واعتقد عدد من الفلسطينيين أن هذه القوات وحدها ستكون كافية لهزيمة اليشوف».

نقرأ في رسالة من شاب فلسطيني يُدعى هاني أبو جولة لصديقه شعوره بالفخر لرؤية قوة عربية مستقلة تقاتل، ربما للمرة الأولى، واعتقد أن وصولها يعني أن المعركة لإنقاذ فلسطين ستكون سهلة وسريعة. روجت الدعاية العربية لوصول 15 ألف متطوع، في حين أنّ العدد الحقيقي كان خمسة آلاف. يقول أبو جولة: «لا حاجة إلى التجنيد سواء في جيش التحرير أو جيش الجهاد المقدس الذي يقوده عبد القادر الحسيني». ويخبر صديقه لاحقاً أن الحسيني حلّ جيشه لأنه لم يُستقبل بحفاوة كما استُقبل متطوعو «جيش الإنقاذ» في نابلس.

في المقابل، يعبر ارسلان عن إعجابه بحضور النساء الفلسطينيات: «صدق أو لا تصدق، الممرضات في مستشفيات نابلس من أعلى الطبقات الاجتماعية»، فقد أسست الفلسطينيات وحدة خاصة أطلقن عليها «زهرة الأقحوان» ترافق المقاتلين.

في رسائل أخرى نرى المتطوعين المرابطين في يافا يبعثون قائدهم عثمان الحوراني منسق «جيش الإنقاذ» يستجدون السلاح، تلك الرسائل لم تتلقَّ رداً إلا بوعد يائس: «سنعتني بعائلاتكم!».

انشق متطوعون وهرب آخرون، بينما تصرف كثيرون بشكل مستقل عن القيادة لحماية الفلاحين والبدو من الهجمات، مخاطِرين بالعقاب. يروي الضابط العراقي محي الدين الطيار في رسالة إلى والده تخطيطه للانتقام من اليهود الذين هاجموا البدو في أطراف بيسان. ويكتب المتطوع السوري محمد صالح سعيد، لذويه عن إنقاذ الفلاحين في قرية رأس عليّ بصحبة رفاقه من غارة يهودية.

يوميات وقصائد أيضاً

إلى جانب الرسائل، يضمّن الكتاب قصائد ويوميات لفلسطينيين تتفاعل مع الحرب والاحتلال لحظة وقوعه. نقرأ مثلاً قصيدة للشاعر شهاب الدين العبوشي يهجو فيها آل سرسق العائلة المسيحية الفلسطينية التي باعت أراضي «مرج ابن عامر» للصهاينة ويتمنى أن يُمحى اسمهم من التاريخ فلا يبقى لهم ذكر. ويقول: «لقد باعوا وطني من أجل عاهرة» في إشارة على الأرجح إلى «الحوادث التي أبُلغ فيها عن وسطاء من اليهود يقدمون العاهرات لمالكي الأراضي الفلسطينيين لإقناعهم ببيع أراضيهم».

الجنود اليهود يتلذّذون بالدماء

بدل التعامل مع الأيديولوجيا الصهيونية كوحدة متماسكة، تكشف رسائل الجنود ويومياتهم خلال العمليات الدموية في النقب والجليل عن مشهد أخلاقي متشظٍّ. جنود يتلذذون بارتكاب الفظائع ويبتهجون بالاستيلاء على الغنائم وآخرون يشعرون بالعار، ومنهم من يحمل الشعورين في آن.

نقرأ رسائلهم يتذمرون من الهدنة الثانية عام 1948، لا سيّما وقد حُسمت الأفضلية العسكرية: «هذا الهدوء الطويل يثير أعصابي» يقول أحدهم، متعطشاً لاستئناف القتال. ومع انطلاق عملية يوآف ضد المصريين في بئر السبع، تتبدّل نبرة الرسائل: فالمصريون «يتساقطون كالذباب»، والنصر دليل على أنّ «اليهود محاربون من الطراز الأول» رغم قرون الشتات.

تعكس هذه الصياغات خطاب التثقيف العسكري الذي قدم العنف اليهودي كاستعادة للتاريخ وعودة اليهودية بشكل طبيعي «إلى مجراها».

وبعد سقوط بئر السبع، يكتب أحدهم «المدينة تبدو كأن زلزالاً ضربها. لم أتخيل أن جيش بني إسرائيل يمكن أن يكون بهذه الوحشية في نهب ممتلكات العرب. لقد تخطوا الحدود (…) أين هي الأخلاق اليهودية؟ بالنسبة إلي، هذه وصمة عار».

في رسائل بعد نهاية المعارك في مدينة مجدل، حين واجه الجنود دوراً جديداً بحكم سكان مدنيين مهزومين، يصف أحدهم نفسه: «غريب شعور الجندي المحتل… يدي مقيّدتان بقلبي العبري، بعواطفي اليهودية»، ممزقاً بين تعليم عسكري ينفي الرحمة وإرث أخلاقي يقاومه. هذا التوتر، الذي لا يُحسم في الرسائل، يستبق الواقع: طُرد الفلسطينيون المتبقون، وأقيمت مدينة عسقلان مكانهم.

ريفكا، ضابط استطلاع، كتب في يومياته: «يصرخ الجنود وهم يتجولون مخمورين بالنصر، ويتردد صدى هذا الصراخ في كل زاوية. أرغب في أن أشارك صرخات الفرح، ولكني أعتقد أن هذا الاحتلال عمل شيطاني. بعد احتلال القرى الكبيرة، زرت هذه الأماكن ككشاف في الخط الأمامي. كان طريقنا مغطى بجثث العرب.

قال القائد عبر الراديو إن الجثث وصلت إلى الركب. صفّيت عائلات بأكملها ولم يتبقَّ سوى أطلال. في المنازل، كل شيء مبعثر. وجدوا الكثير من الطعام والمجوهرات والمال والغنائم الأخرى. الجثث لا تزال ملقاة في المنازل، حين جمع الجنود ثروة من أعمال النهب».

رغم أهمية الاشتغال الأرشيفي في «عزيزتي فلسطين»، يظل الكتاب بحاجة إلى قراءة نقدية. فالقوة التحليلية للأرشيف الشخصي هي نفسها مصدر مخاطره. الرسائل، مهما بدت كاشفة، لا تقف خارج علاقات القوة التي أنتجتها، ولا تُعفي المؤرخ من سؤال الموقع والنتيجة. تحويل التجربة الفردية إلى مدخل تفسيري واسع قد يُغري بتسوية الفوارق البنيوية بين الاستعمار والاستجابة له، أو بإعادة توزيع العبء الأخلاقي على مستوى الشعور بدل البنية. شاي حزقاني واعٍ لهذه الإشكالية، ولكنه لا ينجو منها دائماً. لذلك، تتطلب قراءة الكتاب يقظة نقدية: الإصغاء للأصوات من دون السماح لها بحجب عدم التكافؤ التاريخي الذي نظم الحرب ونتائجها.

ترجمة رديئة لكتاب مهم

الحقيقة أنّ قارئ الكتاب بترجمته العربية سيحبط للكيفية التي تعامل بها المترجم مع عمل بهذه الأهمية، فهو لم يكلّف نفسه القيام بأبسط التحققات، كأن يتأكد مثلاً من أسماء معروفة يترجمها، فالمؤرخ الفلسطيني هو سليم تماري وليس سالم تماري، والأكاديمية والكاتبة المعروفة هي شيرين صيقلي وليست سكالي، وهليل كوهين رجل وليس امرأة. وهناك صيغة معروفة تميز اللغة العربية اسمها المبني للمجهول ترفّع المترجم عن استخدامها لسبب ما. أما عن ركاكة الصياغات والجمل الرديئة الصياغة، فحدّث ولا حرج. ومن حسن حظ كاتبة السطور أنّها قرأت الكتاب بالإنكليزية التي نُشر بها العمل أصلاً.

في هدوء أعالي جبال «إلك» بولاية كولورادو، وجدت شيلي ريد نفسها شاهدة على تحوّل غير متوقّع: روايتها الأولى «امضِ كنهر» تشق طريقها بهدوء نحو نجاح عالمي واسع، بينما كانت هي تراقب المشهد من منزل بسيط شيدته مع زوجها في بلدة «كريستد بوت».

تقول ريد، التي تنحدر من عائلة كولورادية تعود جذورها إلى خمسة أجيال:
«قبل أن تصدر الرواية في الولايات المتحدة، كانت قد بيعت حقوق ترجمتها لأكثر من ثلاثين لغة. شعرت حينها بالدهشة والرهبة والحماسة في آن واحد».

قصة هذا العمل تؤكد أن بعض الروايات قادرة على تجاوز الحواجز التسويقية المعتادة، دون أسماء لامعة أو تاريخ أدبي سابق، لتصل مباشرة إلى القارئ.

صدرت الرواية عام 2023 عن دار «شبيغل آند غراو»، ولم تحظَ عند إطلاقها بزخم نقدي كبير، كما اقتصر حضورها على جوائز محلية ودوريات متخصصة. لكن ذلك لم يمنعها من تحقيق انتشار لافت، إذ تصدرت قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، متجاوزة حاجز المليون نسخة مباعة.

هذا النجاح جذب أنظار صناعة السينما، حيث تعمل شركة «مازور كابلان» على تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، مع توقّعات بأن تتولى المخرجة إليزا هيتمان إخراجه.

تمتد الرواية على نحو 300 صفحة، وتغطي فترة زمنية من أربعينيات القرن الماضي حتى سبعينياته. وتدور أحداثها حول علاقة حب مأساوية تجمع فتاة ريفية في السابعة عشرة من عمرها برجل من السكان الأصليين، علاقة تترك أثرها العميق على شخصيات الرواية ومصائرهم عبر السنين.

رحلة كتابة مؤجلة
تضع «امضِ كنهر» شيلي ريد، البالغة من العمر 61 عامًا، ضمن فئة من الكتّاب الذين لم ينشروا أعمالهم الروائية إلا في مرحلة متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة من التراكم والتأمل، لتكون هذه الرواية ثمرة حلم مؤجل.

درست ريد في جامعة دنفر، ثم حصلت على الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة تمبل، قبل أن تمضي ثلاثة عقود في تدريس الأدب والكتابة بجامعة كولورادو الغربية. وخلال تلك السنوات، ظلت شخصية «فيكتوريا ناش» ترافقها في خيالها، وتلحّ عليها بالحضور.

تقول ريد إن انشغالها بالتدريس وتربية طفليها جعلها تؤجل الكتابة مرارًا، مكتفية بتدوين أفكار متفرقة على قصاصات ورقية ومناديل. ومع إلحاح زوجها، اتخذت قرار التقاعد المبكر عام 2018، لتمنح نفسها أخيرًا فرصة إنهاء الرواية.

وتوضح: «درّست الرواية سنوات طويلة، لكنني لم أتصور أنني سأكتب واحدة يومًا».

من الرفض إلى القبول
انتهت ريد من المسودة الأولى عام 2019، مستوحية بعض أحداثها من وقائع تاريخية حقيقية، مثل فيضان «إيولا» في ستينيات كولورادو. ورغم إعجاب وكيلتها الأدبية بالعمل، واجهت الرواية طريقًا شاقًا في النشر، إذ رُفضت من 21 دار نشر قبل أن تتبناها دار «شبيغل».

خضعت الرواية لاحقًا لمراجعات جوهرية، أبرزها حصر السرد في وجهة نظر البطلة «فيكتوريا»، بعد أن كانت تعتمد على أصوات متعددة، وهو تعديل أسهم في تعزيز قوتها السردية.

اليوم، تعمل شيلي ريد على رواية ثانية تدور أحداثها في جنوب شرق كولورادو، بينما منحتها عوائد روايتها الأولى قدرًا من الاستقرار، سمح لها بتحسين منزلها، ودعم تعليم ابنها، وتأمين مستقبلها.

وتختم بقولها:
«لا تزال حياتنا بسيطة، ولا أزال أقود شاحنتي القديمة. لكن الأهم أن هذه الرواية منحتني ما حلمت به دائمًا: أن أعيش ككاتبة»