للمدن معالمها وللشوارع أسرارها!
لعلّ هذا ما ستفكر فيه وأنت ترسم أول خطواتك في شارع ليتيني، المتفرع عن شارع نيفسكي، أشهر شوارع مدينة سانت- بيتربورغ الروسية. مغموراً بالكثير من السكينة والطمأنينة، تنصت لإيقاع خطوات العابرين، التي تبدو مألوفة إليك، لكن خطوات شابة تغريك باكتشاف وجه صاحبها.
يطالعك الأمير ميشكين، بطل رواية فيودر دوستويفسكي (الأبله)، غارقاً في تأمل طويل، فتبتسم له معيداً التفكير في أحداث الرواية التي خرج من صفحاتها، ومتخيلاً ملامح هذا الشارع يوم مرّ به قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً.
يغيب الأمير، ولكن ليس قبل أن يسلمك إلى صوت آخر، تبدو صاحبته أقرب زماناً ومكاناً، تردّد على مسامع والدها صلاتها السحرية الأولى: سأصبح شاعرة!
تنقاد إلى الصوت المفعم عمقاً وشاعرية، فيوصلك إلى مدخل متماوج بين الضوء والعتمة، تعلن لافتة علّقت على أحد جدرانه أنك في طريقك إلى متحف آنا أخماتوفا (1889 – 1966)، الشاعرة الروسية، التي لُقّبت بـ(روح العصر الفضّي) و(ملكة نهر النيڤا).
يستقبلك مدخل شجري، يزيد في هدوئك ورغبتك في اكتشاف المكان، ويلتقط قلبك قبل عينيك، عزف سيدتين على بيانو قديم، وضِعت على غطائه لوحة، تفيد أنه يصلح للعزف رغم كل آثار السنين، فتردّد في داخلك أنه شبيه الشعر الجيد، الذي لا تفسده الأيام.
تحضر الموسيقى في كل شيء، ابتداء بصورة آخماتوفا المحفورة على الحجر، شامخة بطولها الكامل في وسط الحديقة، مروراً بالجدران الموشّحة بأبيات شعرية لشاعرتنا وغيرها من الشعراء، وبشاشة العرض السينمائي، والمقاعد المبعثرة بألفة، وكأنها تنتظر المحبين.
(لكنني كسابق عهدي، حارة في العناق) تشعر بالصورة الحجرية تقول لك مبتسمة، وهي تدعوك إلى الطابق الثالث، وتحديداً إلى شقة مشتركة تحمل الرقم 44، لتكون في البيت- المتحف، الذي افتتح في الرابع والعشرين من تموز 1989، الذكرى المئوية لميلاد الشاعرة.
شاعرة وناقد فني
في التاسع عشر من تشرين الأول من عام 1922، لبت الشاعرة دعوة الناقد الفني نيكولاي بونين (1888 – 1953)، وزارت الشقة لأول مرة، وفي اليوم ذاته كتب لها بونين، (أي فراغ غريب ومثير للاشمئزاز! قبل ساعة من الآن ملأت الغرف، وغيرتِ أحجام الأشياء كلها!)
في العام نفسه دعاها لمشاركته المكان الذي سكنه منذ مطلع 1920، ولم يكن لها في ذلك الوقت عنوان إقامة دائم، وبعد سنة كان يعترف لزوجته بحب أخماتوفا، وبالسحر الذي يراه في كل ما يخصّها.
ما لبثت الشاعرة الشبيهة بقطار خارج عن سكته، كما وصفت نفسها، أن شاركته السكن هناك منذ عام 1925 وحتى عام 1952.
(مساء يتربورغي ناعم! ملامح وجهك اللطيف يا أخماتوفا تغطي المدينة، تحت كل أضواء الشوارع يتنفسني وجهك. أحب، ولا أريد بدونك، حتى لو استطعت ذلك).
هكذا كتب الزوج الثالث للشاعرة، في مفكرته اليومية.
وعلى ذكر اليوميات نذكر أنهما كتبا المحادثات بينهما على دفاتر رقيقة، وكأنما يجريان محادثتهما بشكل مكتوب.
غرف وذكريات
في طريق صعودك نحو الشقة، ستحدّق بك نافذة داخلية صغيرة في أعلى السلّم، قد لا تعني شيئاً للكثيرين، لكن هذا التفصيل الصغير، كان رمزاً للخوف الذي خبرته أخماتوفا، وهي تعيش في هذا العنوان.
من هذه النافذة أطلّ المستأجرون برؤوسهم قبل فتح الباب بكثير من الحذر والتوجس، لأن زيارة ضيف من إحدى المنظمات المختصة بالقمع، يعني غرق ساكن البناء في حياة جديدة.
يبدو واضحاً الجهد المبذول للحفاظ على تقاليد مدينة بيتربورغ القديمة داخل الشقة، ويمكننا تخيّل المهمة الصعبة التي واجهها المصممون لجمع المتعلقات الشخصية، والعثور على الأشخاص المرتبطين بفترة حياة أخماتوفا في المدينة.
عُثِرَ على بعض الأشياء من خلال أحفاد المعاصرين والأصدقاء، وتمت استعادة الديكورات الداخلية، الصور الفوتوغرافية والكتب ذات التوقيعات والحروف.
كما أعيد مظهر مكتب نيكولاي بونين بشكل منفصل، مكان عمله مع أوراقه وهدايا من طلابه في أكاديمية الفنون.
تُترك الأشياء كما لو أنها لا تزال تعيش هنا: معطف على مشجب، حقائب معدّة ومستريحة على الأرض، هاتف على الحائط وموقد من القرميد الأبيض تم تنظيفه حتى يلمع، وكل حميمية الأغراض المنتشرة في الممر.
بعد اللقاء بكل تلك التفاصيل، تدخل الغرفة ذات النافذة المواجهة للحديقة.
هنا عاشت أخماتوفا، هنا بدأت كتابة نصها (قصيدة بلا بطل)، الذي ستطلق عليه فيما بعد سيمفونية لمصير جيلها كله.
في الغرفة الوردية التي شكّلت مركز البيت، استقبلت ضيوفها، الذين ستشعر بهم يلعبون الشطرنج، ويعقدون حوارات طويلة حول الفن والحياة.
يمكنك أنت أيضاً أن تجلس على مقعد يتوسط الغرفة، تستمع إلى تسجيلات لأشعارها، وتقلّب ألبوم الصور.
يبدو المتحف أكثر من مجرد شقة تذكارية، حفظت السجلات العائلية، الصور الشخصية والرسومات المعلّقة على الجدران، بل كل ما فيه ممتلئ بروح القصائد التي كتبتها الشاعرة، موسيقاها المفضلة، وأصوات ذلك الوقت.
خارج المكان داخل الذاكرة
تودّع المكان وصاحبته، ويستيقظ في داخلك كلّ ما سبق وقرأته أو سمعته عن الشاعرة، من حضورها مع الكاتب الشهير فلاديمير نابوكوف، في قائمة أي حديث عن مبدعين من غير القومية الروسية، إلى ما كتبه بعض أصدقائها عنها، مثل صديقتها الممثلة فاينا رانيفسكايا، التي أجابت على سؤال يتعلق بعدم كتابتها أي شيء عن أخماتوفا، رغم صداقتهما العميقة، بالقول: (لا أكتب عنها، لأني أحبها كثيراً).
أما الكاتب الروسي إيفان بونين، فرأى أن المواعيد مع أخماتوفا، تنتهي بالحزن دائماً.
صدقت يا بونين، فها هو الحزن يسير معنا ونحن نفارق بيتها- متحفها، يتخلله صوتها الذي يعانق كل تفاصيل شارع ليتيني والمدينة:
وكان هُناكَ صوتٌ، دعاني مُهدئاً..
قالَ: (تعالي إلى هنا..
دعي تلكَ البلاد الموحشة الخاطئة).
في كتابها “نحن لسنا آلات: الصراع من أجل مستقبل العمل” (دار Allen Lane، 2026)، تقدم الصحافية سارة أوكونور قراءة ميدانية لتحولات العمل تحت تأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة، مركزةً على سؤال يزداد حضوراً مع توسع الأنظمة الذكية، وهو كيف تتغير علاقة الإنسان بعمله حين تدخل الآلة إلى تفاصيل الإنتاج واتخاذ القرار؟
تنطلق أوكونور، الصحافية والكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز، من تحقيقاتٍ أجرتها في السنوات الأخيرة بخصوص مواقع العمل التي أصبحت مختبراً للتحول التقني. وتجمع في الكتاب شهاداتٍ وتجارب لعمال في قطاعاتٍ مختلفة، من العاملين في مستودعات تعتمد على الروبوتات، إلى المترجمين الذين يراجعون إنتاج الأنظمة الذكية وخريجي الجامعات الذين يخضعون لمقابلات توظيف تديرها البرمجيات. وعبر هذه القصص، ترصد الكاتبة تغيراتٍ تمس طبيعة العمل اليومية، إذ تتراجع مساحات الإبداع والاستقلالية لدى بعض العمال، كما يزداد حضور المراقبة الرقمية وقياس الأداء.
تطرح أوكونور فكرةً أساسيةً مفادها أن مستقبل العمل لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالطريقة التي تصمم بها المؤسسات أنظمتها وأيضاً بالخيارات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم استخدامها. فالذكاء الاصطناعي يحمل إمكاناتٍ لتحسين بيئات العمل وتخفيف المهام المرهقة، كما يكشف عن مخاطر مرتبطةٍ بتحويل النشاط الإنساني إلى سلسلةٍ من المؤشرات والبيانات القابلة للقياس.
يولي الكتاب اهتماماً بفكرة كرامة العمل ويرى قيمة الوظيفة في ما تمنحه للإنسان من معنى واستقلالية.
وتعود الكاتبة إلى تاريخٍ طويل من العلاقة بين الإنسان والآلة وتستحضر احتجاج عمال المناجم السويديين سنة 1969 الذين رفعوا شعار “نحن لسنا آلات” رفضاً لأساليب جديدةٍ لمراقبة الإنتاجية. وتربط هذا الحدث بأسئلة الحاضر، حيث تتجدد المخاوف حول موقع العامل داخل أنظمةٍ تعتمد على الخوارزميات والتقييم المستمر.
يولي الكتاب اهتماماً خاصاً لفكرة كرامة العمل، إذ ترى أوكونور أن قيمة الوظيفة يتم قياسها بما تمنحه للإنسان من معنى واستقلالية وقدرة على استخدام الخبرة والحكم الشخصي، إلى جانب مقياس الإنتاجية. ولهذا تتوقف عند نماذج استطاع فيها العمال التأثير في طريقة إدخال التكنولوجيا إلى مجالاتهم، مثل تجربة كتّاب السيناريو في الولايات المتحدة الذين ناقشوا شروط استخدام الذكاء الاصطناعي، وبعض مبادرات الرعاية الصحية التي أعادت تنظيم العمل تبعاً لاحتياجات الأشخاص.
ويندرج كتاب “نحن لسنا آلات”، الصادر الشهر الماضي عن دار نشر “ألين لين” التابعة لدار بنغوين، ضمن النقاش العالمي حول مستقبل العمل في ظل الثورة التقنية. وتكمن أهميته في أنه يعيد وضع الإنسان في مركز النقاش حول الذكاء الاصطناعي، عبر مساءلة الطريقة التي يمكن بها للتكنولوجيا أن تخدم الخبرة البشرية وتحافظ على قيمة العمل باعتباره نشاطاً يرتبط بالمعرفة والإبداع والكرامة.
صدر حديثاً عن دار الزمان في دمشق كتاب “علم اللغة: مستويات التحليل الألسني” باللغة الكردية الكرمانجية، للباحث المتخصص في اللسانيات الدكتور برزو محمود، في خطوة تسهم في إثراء المكتبة الكردية بمؤلف أكاديمي يعالج أسس علم اللغة ومناهج تحليله الحديثة.
ويقدم الكتاب عرضاً مبسطاً ومنهجياً للمستويات الرئيسة في التحليل اللساني، بدءاً من دراسة الأصوات ووصولاً إلى تحليل المعنى والتواصل، مستنداً إلى أمثلة تطبيقية من اللغتين الكردية والإنجليزية، مع الاعتماد على أبرز المراجع الأكاديمية الإنجليزية في هذا المجال.
ويتناول المؤلف ستة محاور أساسية تشمل: علم الصوتيات (الفونتيك)، وعلم الأصوات الوظيفي (الفونولوجيا)، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة، والتداولية، موضحاً كيفية انتقال اللغة من وحداتها الصوتية الأولى إلى بناء المعاني داخل الخطاب والتفاعل اللغوي.
ويبرز الكتاب أهمية التمييز بين علم الصوتيات، الذي يدرس الخصائص الفيزيائية لأصوات الكلام وآليات إنتاجها وانتقالها وإدراكها، وعلم الفونولوجيا الذي يركز على تنظيم الأصوات داخل النظام اللغوي ودورها في بناء الكلمات وإيصال المعنى.
كما يخصص فصولاً لعلم الصرف، موضحاً كيفية تكوين الكلمات من المورفيمات بوصفها أصغر الوحدات اللغوية ذات المعنى أو الوظيفة النحوية، إضافة إلى استعراض قواعد النحو (السينتاكس) التي تنظم تركيب الجمل والعلاقات بين مكوناتها، بما يمنح اللغة بنيتها الدلالية السليمة.
ويهدف المؤلف من خلال هذا الإصدار إلى توفير مرجع علمي باللغة الكردية لطلاب الجامعات والباحثين، في ظل محدودية المؤلفات اللسانية المتخصصة بهذه اللغة، فضلاً عن المساهمة في تطوير المصطلح اللغوي الكردي وتقليص الفجوة الاصطلاحية في الدراسات اللسانية.
ويشير الكتاب إلى أن إعداد عمل أكاديمي بهذا الحجم باللغة الكردية شكّل تحدياً حقيقياً، نظراً لوفرة المصطلحات اللسانية وتعدد مفاهيمها، إلا أن خبرة المؤلف في اللهجتين الكرمانجية والسورانية، إلى جانب تخصصه في علم اللغة، مكّنته من صياغة مقابلات علمية دقيقة للمصطلحات، بما يجعل الكتاب إضافة نوعية للباحثين والمهتمين بالدراسات اللغوية الكردية واللسانيات الحديثة.
تتناول الرواية حكاية الطموح المستحيل لموظف صغير
في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.
قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».
في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.
في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».
بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين… إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».
بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير…». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».
أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.
في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (…) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.
صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.
في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.
الشرق الاوسط
أثارت قائمة صحيفة (ذا غارديان) لأفضل مئة رواية في التاريخ، والمبنية على اختيارات القرّاء، نقاشاً واسعاً بعد تصدّر ثلاثية “سيد الخواتم” للكاتب تولكين، في مؤشر واضح على ميل القرّاء نحو عوالم الفانتازيا والمغامرة والهروب من ضغوط الواقع المعاصر.
ورغم تنوع الأعمال المختارة بين الروايات الكلاسيكية والحداثية والديستوبية، كشفت القائمة عن هيمنة واضحة للأدب الغربي، مع حضور محدود للآداب الآسيوية والإفريقية، وغياب كامل للأدب العربي، الأمر الذي أعاد طرح التساؤلات حول أسباب ضعف حضور الرواية العربية في المشهد الأدبي العالمي.
ويرى المقال أن المشكلة لا ترتبط بجودة الأدب العربي بقدر ما ترتبط بعوامل عدة، أبرزها محدودية الترجمة، وضعف التسويق الثقافي، وهيمنة الصور النمطية التي تحصر اهتمام القارئ الغربي في الأعمال التي تتناول الحروب والصراعات والقضايا الاجتماعية في المنطقة العربية.
كما أظهرت نتائج التصويت أن اختيارات القرّاء تأثرت إلى حد كبير بعوامل الذاكرة والنوستالجيا والاقتباسات السينمائية والتلفزيونية، أكثر من اعتمادها على معايير نقدية خالصة، ما ساهم في ترسيخ حضور أعمال غربية أصبحت جزءاً من الوعي الثقافي لجمهورها عبر الأجيال.
ويخلص المقال إلى أن غياب الرواية العربية عن هذه القوائم لا يقلل من قيمتها الأدبية أو تأثيرها الثقافي، بل يعكس محدودية الخيارات المتاحة أمام القارئ الغربي، الذي ما يزال بعيداً عن اكتشاف كثير من الأصوات السردية العربية الثرية التي أسهمت في تشكيل وجدان قرّائها وأثرت المشهد الأدبي الإنساني
قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحفاظ على التراث يتطلب رؤى معاصرة
قال عازف الغيتار الإسباني راؤول بييلا إن الموسيقى كانت دائماً إحدى أكثر الوسائل قدرة على جمع البشر رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، لأنها تخاطب الجانب الإنساني المشترك بينهم قبل أي شيء آخر، مؤكداً أن قوة الفن تكمن في قدرته على بناء جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب.
وزار بييلا القاهرة، أخيراً، للمشاركة في احتفالات الذكرى الـ150 لميلاد الموسيقار الإسباني مانويل دي فايا، أحد أبرز أعلام الموسيقى الإسبانية في القرن العشرين، وذلك من خلال سلسلة من الحفلات والأنشطة الثقافية نظمتها السفارة الإسبانية في مصر، ليقدم الموسيقي الإسباني خلال الزيارة مختارات من العمل الشهير «الحب الساحر»، إلى جانب ورشة عمل متخصصة لطلاب الموسيقى وعازفي الغيتار الشباب بأكاديمية الفنون المصرية.
وتحمل هذه الفعاليات بعداً خاصاً بالنسبة إلى العازف الإسباني الذي يرى في دي فايا واحداً من أهم الشخصيات التي ساهمت في صياغة الهوية الموسيقية الحديثة لإسبانيا، مؤكداً أن إرث المؤلف الإسباني لا يزال حياً حتى اليوم لكونه نجح في الوصول إلى معادلة فنية نادرة جمعت بين احترام الجذور والانفتاح على الحداثة، وهي معادلة ما زالت تلهم أجيالاً متعاقبة من الموسيقيين.
وقال بييلا لـ«الشرق الأوسط» إن موسيقى «دي فايا» تمكنت من الحفاظ على حضورها العالمي لأنها لم تكتفِ باستحضار التقاليد الموسيقية الإسبانية، بل أعادت صياغتها ضمن رؤية إبداعية جديدة، فاستطاع أن يستخلص جوهر الثقافة الموسيقية لبلاده ويحوله إلى لغة فنية ذات طابع عالمي، الأمر الذي جعل أعماله تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وتصل إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن أهميته لا تكمن فقط في القيمة الفنية لأعماله، بل أيضاً في الدور الذي لعبه في إعادة الموسيقى الإسبانية إلى موقع متقدم على الساحة الدولية، فبعد قرون من هيمنة مدارس موسيقية أوروبية أخرى، تمكن دي فايا من تقديم صوت إسباني مميز وجد مكانه بين أهم التجارب الموسيقية في القرن العشرين.
وحمل بييلا معه إلى القاهرة مشروعاً فنياً يسعى من خلاله إلى إلقاء الضوء على جانب مختلف من عالم دي فايا الموسيقي، عبر تقديم مختارات من «الحب الساحر»، أحد أشهر أعمال المؤلف الإسباني وأكثرها ارتباطاً بالمخيلة الفنية الإسبانية، معتبراً أن هذا العمل يشكل نموذجاً مثالياً لفهم رؤية دي فايا الفنية، لكونه يجمع بين العناصر الشعبية والبناء الموسيقي الحديث في صيغة متماسكة ومؤثرة.
وأضاف أن اختياره لهذه المقطوعات تحديداً جاء لسبب فني خاص، يتمثل في أن الجمهور لا يسمعها كثيراً على آلة الغيتار، رغم أن تأثير هذه الآلة حاضر بقوة في روح العمل، لافتا إلى أن «الحب الساحر» كتب للأوركسترا، لكنه يحمل في داخله الكثير من خصائص الغيتار التعبيرية والإيقاعية، وهو ما رغب في إبرازه خلال حفلاته بالقاهرة.
ويرى بييلا أن تقديم أعمال كلاسيكية شهيرة لا يعني الاكتفاء بإعادة إنتاجها كما عرفها الجمهور من قبل، بل يتطلب البحث عن زوايا جديدة تسمح بإعادة اكتشافها مؤكداً أن مهمة الفنان لا تقتصر على الحفاظ على التراث الموسيقي، وإنما تشمل أيضاً تقديم رؤى معاصرة تساعد على إبقائه حياً وقادراً على التواصل مع الأجيال الجديدة.
وتشكل هذه الفكرة جزءاً أساسياً من فلسفته الفنية، إذ يعتقد أن الموسيقى لا يمكن أن تستمر إذا تحولت إلى مجرد مادة محفوظة داخل الكتب أو قاعات الأرشيف، مشيراً إلى أن الأعمال الكبرى تظل حية لأنها تسمح بإعادة قراءتها باستمرار، ولأن كل جيل يجد فيها معاني جديدة تتوافق مع تجربته الخاصة.
ولا يقتصر اهتمام بييلا على الأداء الموسيقي فقط، فهو يجمع بين العمل الفني والبحث الأكاديمي والتدريس، وهي مجالات يعدّها مترابطة ومتكاملة، مؤكداً أن دراسة التاريخ وعلم الموسيقى لعبت دوراً محورياً في تشكيل رؤيته للأعمال التي يؤديها، لكون فهم السياق الثقافي والفكري لأي عمل موسيقي يساعد على تقديمه بصورة أكثر عمقاً وإقناعاً.
وأوضح أن الأداء الموسيقي الحديث لم يعد قائماً على المهارة التقنية وحدها، بل أصبح يتطلب فهماً شاملاً للعالم الذي نشأت فيه الأعمال الموسيقية، مشيراً إلى أن المؤدي لا يكتفي اليوم بقراءة النوتة الموسيقية، وإنما يحاول أيضاً فهم الظروف الاجتماعية والثقافية والفكرية التي أحاطت بالمؤلف في أثناء كتابة العمل.
ويعتقد أن «هذه المعرفة تمنح الموسيقي قدرة أكبر على بناء علاقة حقيقية مع النص الموسيقي، وتساعده في نقل أبعاده الإنسانية والفكرية إلى الجمهور، بدلاً من الاكتفاء بتقديم قراءة تقنية بحتة».
وخلال مسيرة امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، قدم بييلا حفلات في نحو عشرين دولة موزعة على أربع قارات، وهي تجربة يعدّها من أهم العناصر التي ساهمت في تشكيل شخصيته الفنية، معتبراً أن السفر والعمل في بيئات ثقافية مختلفة أتاحا له فرصة اكتشاف طرق متعددة لفهم الموسيقى والتفاعل معها.
وتطرق راؤول بييلا إلى الصورة النمطية التي يحملها بعض الجمهور الدولي عن الثقافة الإسبانية، مؤكداً أن «كثيرين يربطون الموسيقى الإسبانية بالفلامنكو وحده لكونه يمثل بالفعل جزءاً مهماً من التراث الإسباني، لكنه لا يعكس سوى جانب واحد من مشهد موسيقي شديد التنوع والثراء».
وأضاف أن «إسبانيا تمتلك تقاليد موسيقية متعددة تمتد عبر مناطقها المختلفة، إلى جانب تراث كلاسيكي غني ازدهر خلال مراحل تاريخية متنوعة، بدءاً من عصر النهضة وصولاً إلى القرن العشرين الذي شهد بروز أسماء كبيرة مثل مانويل دي فايا».
وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم اليوم، يرى بييلا أن الموسيقى الكلاسيكية قادرة على الحفاظ على مكانتها إذا أحسنت الاستفادة من الوسائل الرقمية الجديدة، مؤكداً أن المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي تتيح فرصاً مهمة للوصول إلى جمهور جديد، خصوصاً بين الشباب.
عن/ الشرق الاوسط
في حضرة قاهرة الغيطاني…
نحكيها كما رآها.
هنا، في متحف نجيب محفوظ،
تلتقي روحان…
كاتبٌ كتب المدينة،
وآخرُ منحها الخلود.
احتفاءً بذكرى ميلاد جمال الغيطاني (1945–2015)،
نعود إلى القاهرة التي أحبّها،
لا كحجارةٍ وشوارع،
بل ككائنٍ حيّ…
يحفظ الحكايات،
ويهمس بتاريخٍ لا ينتهي.
من الجمالية بدأت الرؤية،
ومن الأزقّة خرجت الحكاية،
حيث المآذن والبيوت والوجوه
تصير نصّاً…
وتصير الذاكرة مدينة.
في تكية محمد أبو الدهب،
حيث يتجاور الأثر والزمن،
نستعيد القاهرة كما كتبها الغيطاني،
في “ملامح القاهرة في ألف سنة”،
حيث التاريخ ليس ماضياً…
بل حضورٌ دائم.
قراءاتٌ تُضيء الروح،
وفيلمٌ يستنطق الحجر،
“ذاكرة الحجر”…
حيث الأطلال لا تموت،
بل تروي ما بقي.
الغيطاني…
الذي عبر من الصحافة إلى السرد،
ومن الحرب إلى الذاكرة،
ترك لنا مدينةً مكتوبة،
نقرأها كلما ضاقت الطرق،
فنجدها أوسع من الزمن.
هنا لا نحتفي بذكرى،
بل نفتح باباً إلى القاهرة…
كما رآها،
كما أحبّها،
وكما ستبقى:
مدينةً تُروى…
ولا تنتهي.
ليست المدن مجرد خرائط وأبنية وشوارع، بل هي ذاكرة حيّة تتشكل من الأسماء والحكايات والوجوه التي مرّت بها. وفي قلب باريس، يبرز حي مونمارتر بوصفه واحداً من تلك الأمكنة التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح رمزاً ثقافياً وفنياً استثنائياً، حيث تتداخل سيرة المكان مع تاريخ الفن الحديث، وتتحول الأزقة والمقاهي والواجهات القديمة إلى صفحات مفتوحة من الذاكرة الإبداعية.
في كتابه الجديد «مونمارتر: أمكنة الأساطير»، يعود الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو إلى هذا الحي الباريسي الشهير، مستكشفاً طبقاته التاريخية والفنية، ومقدماً رحلة بين المواقع التي احتضنت تجارب كبار الرسامين والكتّاب والشعراء الذين تركوا بصماتهم على المشهد الثقافي العالمي.
كان مونمارتر في الأصل قرية صغيرة تتربع على تلة مطلة على باريس، تحيط بها الكروم والطواحين وبيوت العمال البسطاء. لكن مع التحولات العمرانية التي شهدتها العاصمة الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، أصبح الحي جزءاً من المدينة، محتفظاً في الوقت ذاته بروحه المستقلة وشخصيته الخاصة التي جعلته ملاذاً للفنانين والحالمين والمتمردين.
يمضي الكتاب في استعادة ذاكرة المكان عبر ساكنيه؛ أولئك الذين عاشوا بين جدرانه أو مروا في شوارعه، من رسامين وشعراء وكتّاب صنعوا جزءاً من تاريخ الفن الأوروبي. فهنا عمل فنسنت فان غوخ، وهنا مرّ بابلو بيكاسو وأميديو موديلياني وغيرهم من الأسماء التي ارتبطت بميلاد حركات فنية كبرى، من الانطباعية إلى التكعيبية والسريالية.
لكن أهمية مونمارتر لا تكمن في أسماء مشاهيره فقط، بل في البيئة التي احتضنت الإبداع ذاته. فقد كان الحي مساحة مفتوحة للتجريب الفني والتعبير الحر، حيث تلتقي المقاهي بالحانات والمراسم الصغيرة، وتجاور الأحلام الفنية واقعاً قاسياً من الفقر والعوز عاشه كثير من المبدعين في بداياتهم.
ويكشف الكتاب كيف أسهمت هذه التناقضات في صناعة أسطورة مونمارتر؛ فبين الجمال والبؤس، وبين الاحتفاء بالفن ومكابدة الحياة اليومية، تشكلت هوية الحي بوصفه عاصمة رمزية للفن الباريسي. هنا كانت الأفكار الجديدة تولد، والاتجاهات الفنية تتبلور، والصداقات الإبداعية تنسج ملامح مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة الأوروبية.
ومع انتقال مركز الحياة الفنية لاحقاً إلى أحياء أخرى في باريس، ظل مونمارتر محتفظاً بمكانته في الذاكرة الثقافية، ليس كموقع سياحي فحسب، بل كرمز لقدرة المكان على صناعة الحكايات وإلهام الأجيال المتعاقبة من الفنانين.
يذكرنا هذا الكتاب بأن الأحياء ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل كائنات حية تتشكل من التجارب الإنسانية التي احتضنتها. فالمكان، حين يتقاطع مع الفن، يتحول إلى سردية مستمرة تتجاوز الزمن، وتبقى تفاصيله عالقة في اللوحات والقصائد والروايات، حتى وإن تغيرت ملامحه أو تبدلت وجوه ساكنيه.
وفي هذا المعنى، يبدو مونمارتر مثالاً نادراً على قدرة الفن في حفظ ذاكرة المدن، وتحويل الشوارع والأبنية والمقاهي إلى علامات ثقافية خالدة، تستمر في رواية قصتها جيلاً بعد جيل.
