استعراض الأقسام

الأدبصفحة

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» عملٌ فكري لافت بعنوان «تدجين الفكر المتوحش» للأنثروبولوجي البريطاني جاك غودي، بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس، ليعيد طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، ويقود القارئ إلى مراجعة إحدى أكثر المسلّمات رسوخاً في فهمنا للإنسان وتاريخه.

ينطلق الكتاب من مفارقة عميقة: في تلك المساحة التي تتداخل فيها الأسطورة مع العقل، وتتشكّل فيها صورة «الآخر» على مرآة الذات، يطرح سؤالاً بسيطاً في صياغته، مربكاً في دلالاته: هل الفارق بيننا وبين ما نُسميهم «بدائيين» حقيقي، أم أنه نتاج أدواتنا قبل أن يكون نتاج عقولنا؟

عبر رحلة تحليلية متأنية، يعمل غودي على تفكيك ما يُعرف بـ«القسمة الكبرى» بين المجتمعات، تلك الثنائية التي رسّخت تصوراً حاداً يفصل بين «نحن» العقلانيين و«هم» غير العقلانيين. غير أن هذا التصنيف، كما يكشف الكتاب، ليس أكثر من بناء ذهني هش، أنتجته سياقات تاريخية ومعرفية، لا حقائق إنسانية جوهرية.

ومن هنا، ينفتح أفق التساؤل الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف كامناً في طبيعة العقل، فأين يكمن إذن؟

يقدّم المؤلف إجابته عبر فكرة مركزية تُعد من أكثر أطروحات الكتاب إثارة: إن التحوّل في أنماط التفكير لا يرتبط بالعقل ذاته، بل بالأدوات التي يستعين بها، وفي مقدمتها الكتابة. ففي المجتمعات الشفهية، كانت المعرفة متحركة، مرتبطة بالذاكرة والسياق، بينما جاءت الكتابة لتمنح اللغة بُعداً بصرياً، قابلاً للتفكيك والتنظيم وإعادة الترتيب. ومع هذا التحول، ظهرت أشكال جديدة من التفكير: القوائم، التصنيفات، الجداول، والأنساق المنطقية الدقيقة.

بهذا المعنى، يصبح «تدجين الفكر» توصيفاً لعملية تاريخية حقيقية، حيث لم يعد العقل يعمل في فضاء عفوي مفتوح، بل داخل بنى تنظّمها الوسائط المعرفية. ومع ذلك، لا يقع غودي في اختزال التفسير، بل يرفض ردّ كل شيء إلى عامل واحد، مؤكداً أن تطور الفكر الإنساني نتاج شبكة معقدة من التفاعلات بين التكنولوجيا، والبنية الاجتماعية، والسلطة، والثقافة.

ولعل أكثر ما يمنح الكتاب طابعه الإشكالي، هو تفكيكه لفكرة «التفكير البدائي». إذ يبيّن أن ما يبدو لنا أقل منطقية، ليس كذلك في جوهره، بل هو نمط مختلف من تنظيم المعرفة، مرتبط بسياق حي لا يعتمد على التجريد الرمزي. ففي تلك المجتمعات، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات ذهنية لا تقل تعقيداً، لكنها تعمل ضمن شروط مختلفة.

«تدجين الفكر المتوحش» ليس مجرد دراسة أنثروبولوجية، بل دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نُعرّف بها أنفسنا والآخرين، وفي الأدوات التي نظن أنها منحتنا التفوق، بينما قد تكون هي التي أعادت تشكيلنا على نحوٍ لم ننتبه له بعد.

 

هناك في أقصى الجنوب من خرائط اللغة ، حيث تمتزج الشمس بالأسطورة وتكتب الأرض حكاياتها بالحبر والدمع ، يولد ” الأدب اللاتيني ” ككائن حي يتنفس الذاكرة ويقاوم النسيان ، ففي مدن تشبه الحلم مثل ” بوينس آيرس ، وليما ، ومكسيكو سيتي ” لم يكن الأدب يوما ترفا ثقافيا بل كان ضرورة وجود ، كان صوتا يخرج من بين شقوق القهر ومن ذاكرة الشعوب التي عاشت بين استعمار طويل ، وثورات لم تهدأ وأحلام أكبر من حدود الجغرافيا 

لقد تميز الأدب اللاتيني بأنه لا يفصل بين الواقع والخيال بل يذيبهما في كأس واحدة ، ففيه قد تمشي الأرواح بين الأحياء وقد تتحدث الأشجار وقد يصبح الزمن دائرة لا خطا مستقيما ، وهذا ما جعل ما يعرف ” بالواقعية السحرية ” ليس مجرد أسلوب بل فلسفة ترى أن الحقيقة أوسع من أن تقيد بالعقل وحده ،

لذلك حين نذكر هذا الأدب تنهض أسماء لا تقرأ بل تعاش مثل ” غابرييل غارسيا ماركيز ” الذي لم يكن يكتب الروايات كمجرد رواية بل خلق بها عوالم كاملة مثال ” مئة عام من العزلة ” حيث العائلة مرآة القارة والزمن حكاية تتكرر بأشكال مختلفة ، اما ” خورخي لويس بورخيس ” فهو الأخر قد جعل من المتاهة فكرة ومن الفكرة كونا ، حتى بدا وكأن الكتابة عنده لعبة ذهنية بين الحقيقة والوهم ، ولا يمكن من ذلك أن نغفل عن ” ماريو بارغاس يوسا ” ذاك الذي حمل السياسة على كتفي الرواية ، وجعل من النص ساحة لصراع السلطة والحرية 

أن هذا الأدب ” الأدب اللاتيني ” لا يكتب بالحبر فقط بل بالتاريخ ايظا ، فكل سطر فيه يحمل صدى القارة من : أصوات الفلاحين ، أنين المدن ، وصرخات الثورات ، لذلك.هو أدب مشحون بالهوية ومتخم بالأسئلة ومشبع بقلق الإنسان الباحث عن معنى في عالم مضطرب ، ومع ذلك كله يبدو اليوم وكأنه منسي ، أو على الأقل لا يحظى بما يستحق من ضوء ، ربما لأن العالم المعاصر يميل إلى السرعة ، بينما هذا الأدب يحتاج إلى تأمل كامل ذا استثناء ، لأن صوته عميق إلى حد أنه لا يستهلك بسهولة ، في حين أن المركزية الثقافية اليوم ما زالت تميل إلى تضخيم صوت واحد وتهميش ما عداه ، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الأدب اللاتيني لم يكن يوما هامشا ، فلقد غير شكل الرواية العالمية وفتح أبوابا جديدة للخيال وعلم العالم أن الحكاية ليست مجرد سرد بل رؤية للعالم 

أن بصمته ليست تحصيل حاصل ، بل هي ندبة جميلة في وجه الأدب العالمي التي تذكرنا بأن هناك دائما طرقا أخرى لرؤية الحقيقة ، وأن الإنسان مهما اختلفت لغته فهو يحمل في داخله الحكاية ذاتها وهي ” حكاية البحث عن ذاته ، وعن معنى وجوده في هذا الكون الواسع ” ، لذلك هو أدب لا يموت ، لأنه ببساطة كتب من قلب الحياة نفسها ، وحين نغادر هذا العالم الموشى بالحكايات ، ندرك أن الأدب اللاتيني لم يكن ترفا ولا زخرفة لغوية بل كان ضرورة تشبه التنفس ، فقد علمنا كما قال ” ماريو بارغاس يوسا ” : أن الحياة من دون أدب ستكون خطأ فادحا ، وكأن الكلمات ليست مجرد حروف بل خلاص خفي يرمم أرواحنا ويعيد ترتيب فوضى العالم داخلنا ، فمن دون الأدب تفقد الحياة صوتها وتبهت معانيها ونغدو عابرين بلا ذاكرة ، أما به فنصبح أكثر إنسانية وأكثر قدرة على أن نحيا لا أن نوجد فقط .

//

روايات نشرت على مدى 65 عاماً وكتبت في جغرافيات مختلفة

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً – ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.

عن| سوسن الابطح

/

في مدينةٍ مثل عدن، لا تُقاس الأزمنةُ بالساعات، بل بالأصوات التي تتبدّل على كراسي المقاهي هناك، حيث يتكئ النهار على فنجان شاي، ويُسند الليلُ رأسه إلى دخانٍ متصاعد، تبدأ الحكايات في التشكل لا باعتبارها ترفاً لغوياً، بل بوصفها ضرورةً إنسانية تُعيد ترتيب العالم.

المقهى العدني ليس مجرد مكانٍ عابر، بل مساحةٌ تتقاطع فيها الحيوات، موظفٌ أنهكه الانتظار، طالبٌ يطارد مستقبلاً غامضاً، بحّارٌ يحمل في ذاكرته خرائط قديمة، وبائعٌ يعرف المدينة أكثر مما تعرف نفسها.على تلك الكراسي الخشبية أو البلاستيكية، تُكتب نصوصٌ شفوية، قد لا تجد طريقها إلى الورق، لكنها تظل حيّة في الذاكرة الجمعية.

في الصباح، يبدو الحديث أكثر واقعيةً وصرامة، أخبار الأسعار، انقطاع الخدمات، تدبير لقمة العيش، وشكوى مكتومة من يومٍ يتكرر، هنا تتحول الجملة البسيطة إلى وثيقةٍ اجتماعية، تختزن تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف عن نبض المدينة الحقيقي بعيداً عن الخطابات الرسمية.

كل عبارةٍ تُقال، حتى وإن بدت عابرة، تحمل في طيّاتها شهادةً على زمنٍ مضطرب،أما في الليل، فالمقهى يستعيد وجهه الآخر تخفّ حدّة الواقع، ويعلو صوت الحلم تتحول الطاولات إلى منصاتٍ للسرد، حكايات حبٍ مؤجلة، ذكريات ما قبل الحرب، نكاتٌ تُخفي وجعاً عميقاً، وأحاديث عن سفرٍ قد لا يحدث هنا، يصبح الكلام أقرب إلى الأدب، لغةٌ مشبعة بالصور، ومجازاتٌ تولد من رحم المعاناة. الليل يمنح الناس شجاعة البوح، ويمنح اللغة حرية الانفلات ما بين الصباح والليل، تتشكل هوية المقهى كفضاء مزدوج، منجمٌ أدبي يستخرج الصور والتعابير من الحياة الخام، ووثيقةٌ اجتماعية تسجّل تحولات المجتمع دون قصدٍ أو رقابة فكم من كاتبٍ وُلدت فكرته الأولى على طاولة مقهى؟ وكم من باحثٍ لو أنصت جيداً، لوجد في تلك الأحاديث مادةً لا تقل أهميةً عن أي دراسة ميدانية؟

في عدن، حيث البحر شاهدٌ صامت، والميناء ذاكرةٌ مفتوحة، تظل المقاهي امتداداً للشارع بل مرآته الأصدق. لا تحتاج إلى أرشيفٍ رسمي لتفهم ما يجري؛ يكفي أن تجلس، أن تُنصت، وأن تترك الكلمات تمرّ عبرك. هناك، ستكتشف أن الحديث العابر ليس عابراً كما يبدو، بل هو نصٌ غير مكتوب، ينتظر من يلتقطه.

إن السؤال: «منجم أدبي أم وثيقة اجتماعية؟» قد لا يحتاج إلى إجابةٍ حاسمة. فالمقهى العدني، في جوهره، هو الاثنين معاً؛ مكانٌ تتجاور فيه الحقيقة والخيال، ويتحوّل فيه الكلام اليومي إلى أثرٍ ثقافي. وربما تكمن قيمته الحقيقية في هذه الازدواجية تحديداً—في قدرته على أن يكون بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد.

في النهاية، لا يُكتب الأدب دائماً في عزلة، ولا تُجمع الوثائق دائماً في مؤسسات. أحياناً، يكفي فنجان شاي، وكرسيٌ مهترئ، ومدينةٌ تتكلم بصوتٍ خافت… لتولد حكاية.

عودة للمثقف اليومي العربي. هو في وضع لا يحسد عليه. لم يقدّم مشروعا فكريا خاصا. المشروع الفكري – الثقافي الغربي المسقط عربيا تحرك بعيدا عن الأساسيات وصار مشاريع فكرية مفصلة على مجتمعات تزداد تعقيدا. ما عاد بوسعنا الاستعارة. المشروع الفكري الغربي صار نقيضا لواقعنا العربي. ضع صراع الأيديولوجيات جانبا لأن أيّ توافق بين الليبرالية الغربية والانغلاق الإسلاموي في منطقتنا مستحيل. السياسيون الغربيون منافقون أو متأقلمون. يقبلون الإسلاموية على علاّتها لأسباب أمنية وسياسية. المثقف الغربي ليس بصدد قبول مثل هذه المساومات.

المثقف اليومي العربي اليوم مجموعة تناقضات في شخصية واحدة. تستطيع أن تجد مثقفين عربا تنقلوا من اليسار إلى القومية إلى الإسلاموية وصولا إلى الشعبوية. هؤلاء كانوا نسخا قديمة من التأثر بالتيارات الجارية في حينها. المثقف الحالي يجمع من هذه الأفكار سوية وأكثر من هذا. يتغير اتجاه الريح، ولكنه لا يغير اتجاهه، بل يزيد على تناقضاته اتجاهات جديدة. يرى المجتمعات تعيد تشكيل نفسها، فيقوم بتقديم التناقضات سوية في إطار يعتبره فكريا.

الميديا الحديثة تساعده على هذا. مفكرنا يبرز إعلاميا حتى قبل أن يبرز فكريا. مثقفنا سلعة يومية تتداولها الفضائيات، بعض الأحيان أكثر من فضائية في اليوم الواحد. من لديه هواية اللعب بريموت كونترول التلفزيون يعرف هذا. نفس الوجه الفكري يتنقل، ويعيد تشكيل أفكاره ومفرداته بحسب طبيعة القناة الفضائية. اللغو كثير وسيضيع ما يقوله. لا يوجد مشروع فكري أو ثقافي له مدوّن في كتاب أو مكتوب في موقع ليحاسب عليه أو أن تطاله أقلام النقاد. المفكر أو المثقف أصبح مشهدا تلفزيونيا.

الإعلام مفيد للشهرة. ولكنه في النهاية مشروع فضيحة فكرية للسذج من مدّعي المعرفة والثقافة والفهم والفكر. الشبكات الاجتماعية مليئة بالمشاهد من برامج يقول فيها مفكرنا الشيء وضده خلال أيام أو أشهر، وإذا كان محظوظا خلال سنوات. من حق المرء أن يغير أفكاره. لا يوجد ما يجبر المثقف على الالتزام بفكرة معينة طوال عمره. ولكن من حق الناس على المثقف أو المفكر أن يثبت على رأيه في ذلك اليوم أو الأسبوع أو المرحلة. هو ليس حلوى بنكهات وألوان مختلفة.

الانفتاح الفكري ليس تقلبا. هذا ما نحن بحاجة إليه. أن نستطيع أن نفهم التغيرات العميقة التي تجتاح العالم، وتجتاح عالمنا العربي تحديدا، كي نستطيع أن نسهم فيها فكريا وثقافيا. من دون هذا الانفتاح سيكون من الصعب النهوض بمشروع فكري أو ثقافي عربي. والانفتاح هنا بالتأكيد ليس على الطريقة القديمة من الإسقاطات الفكرية والثقافية العربية من/عن النتاج الفكري الغربي. لا نريد أن نقول السرقات الفكرية فهي أيضا كثيرة.

مشكلة هذا التحدي عويصة. إذا استثنينا المثقف أو المفكر اليومي المتنقل بين الفضائيات فهو لا يصلح لهذه المهمة، فأن قولبة الفكر في إطار ثابت مهمة صعبة. وكي نتأقلم مع التغيرات فأن الانفتاح يخرجنا من مناطق الراحة التقليدية. يريد البعض أن يضع المفكر ضمن قالب وصايا عشر تحسم كل شيء. علينا أن نتخيل كيف أن المشروع الفكري – لو حدث – سيولد خديجا ويبقى خديجا. الوصايا تضع سقفا لما يمكن أن نصل إليه حتى من قبل أن نبدأ. لكن العقلية السائدة، سواء الفكرية أو الاجتماعية، تريد هذه القولبة وهذه الأسقف.

مثل هذه التقييدات الساذجة هي ما يؤدي إلى التراجع الفكري وخسران الأرضية لصالح التيارات الفكرية الدينية أو المتعصبة. وصايا عشر قومية ووصايا عشر يسارية ووصايا عشر شعبوية ووصايا عشر قومية – يسارية ووصايا عشر قومية – يسارية – شعبوية – دينية، والحبل على الجرار. صحيح أن المفردات المستخدمة على لسان المفكرين والمثقفين كثيرة ومتعددة، لكنها لا تخفي الطابع النمطي والتزمت لما يصفونه بالفكر. وما يزيد حزن المتابعين والمتأملين خيرا في ثورة فكرية أو ثقافية قادمة، أن التزمت صار وصفة، حتى في حال وصايا التناقضات. يأتيك من ينظر بيسار ديني شعبوي. بماذا تردّ عليه؟ تسكت وتمضي.

المثقف والمفكر لا يتطوران لأسباب “تسويقية” بل يجب أن تكون هذه الأسباب حقيقية. هناك الكثير من الأدوات المعرفية المتاحة مما تؤهل لقيام ثورة فكرية وثقافية في مجتمعاتنا تبني على الأسباب الحقيقية. لا أدري لماذا نعجز مرات ومرات عن التقاطها. ربما لم يحن الوقت بعد.

د. هيثم الزبيدي

زمنٍ كانت فيه المدن تُعَلِّق أسماءها على واجهات المحلات وتُميّز الأصوات العالية، وُلدت صناعةٌ هادئة صناعة الكتاب تعمل في الظلال كما لو أنها خائفةٌ من الأضواء. أعرف ورشةً لا مكان لها على الخرائط؛ يسكنها كاتبٌ مسافر في المدينة بحبره، ومصمِّمٌ يبني للورق وجهًا، ومحرِّرٌ يقطف العبارات كفاكهةٍ ناضجة،في الصباح يأتون وهم يحملون في جيوبهم خبزاً رخيصاً وكومة أحلامٍ لا تكلّ، وفي الليل يغادرون حاملين نسخًا معدودة، وكأنهم يخرِجون مولودًا من بيتٍ صغير إلى شارعٍ لا يعرفه.

الكتاب هنا صناعةٌ من ضوءٍ مقطوع كل صفحة تُصنع من مئات البدايات المهجورة ،فكرة بدأت على منديل، فصل وُلد ثم طار، عنوان رفض أن يبقى ليس فقط الحبر أو الورق ما يجعل العمل عسيراً، بل شبكةٌ من عوائقٍ مرئيةٍ وغير مرئية. أذكر مرةً بحثت عن ناشر في حارةٍ يبدو أن الكتب فيها أصبحت ترفًا؛ استقبلني رجلٌ من طرازٍ قديمٍ، نظر إليّ بعينين متعبة، وقال: “نص جيد، لكن من يشتريه؟” كانت الإجابة كالسوائل التي تهرب من أصابعي: القارئ غائب، المال محدود، والوقت يسرقنا بلا هوادة.

هناك من يظن أن المظلومية التي تلاحق هذه الصناعة تأتي من رقابةٍ رسمية فقط. لا، الرقابة أعقد: رقابة الخوف من قِبل المجتمع، رقابة السوق الذي يفضل الخفيف على العميق، ورقابة الجهل الذي لا يعرف طقوس القراءة. الكاتب يصبح متهمًا بتبذير الكلام إذا لم يُحَقِّق مبيعات، والناشر يُحاكم إذا خاطر بتمويل كتابٍ لا يوافق ذوق السوق. وفي ظاهرةٍ أكثر قسوة، يتعلّم بعض الأدباء أن يهمّشوا أنفسهم طواعيةً كي لا يُطردوا من سوقٍ لا رحمة فيه.

رغم ذلك، لا تمُتُّ الروح. هناك ركنٌ مظلم في المقاهي، حيث يُجتمع قارئون كالمتمردين، يحملون نصوصًا مطبوعة على طابعاتٍ منزلية، يقرأون بصوتٍ منخفض وكأنهم يؤدون طقسًا سريًا. أذكر سيدةً مسنةً تقرأ قصصًا لأطفالٍ لا يملكون سوى جهازٍ صغيرٍ على الطاولة يشتري لهم ألعابًا افتراضية، وتقول للكاتب بابتسامةٍ تعلو وجهها: “أنت تحفظ دنياي من الضياع.” هذه الجملة وحدها تقلب المظلومية إلى معنى—لا قيمة للكتاب عند من لا يعرف احتياجه، لكن هناك دائمًا من يعرف.

صناعة الكتاب في بلادنا مُطالبةٌ بصبرٍ أسطوري. أحيانًا تتطلب ثمنًا شخصيًا: تنازلات، ساعاتٍ بلا نوم، وظائفٍ نهارية تمنعك من الكتابة ليلًا. وفي المقابل، تُعطى نادرةً من الاعتراف؛ جائزاتٌ تُمنَح كذباً أو تُنسى، مراجعاتٍ سريعة لا تتجاوز ثلاثة أسطر، أو أصواتٍ نقديةٍ تتنافس على رفض الأعمال بدلاً من قراءتها. هذه لعبةٌ مُرهِقة—لكنها أيضًا المكان الذي تُولد فيه الشجاعة.

ما الذي يجعل هذه الصناعة مظلومة؟ ليس فقط قلة الموارد أو غياب القارئ، بل أيضاً أن المجتمع نفسه لا يعترف بالكتاب كصنعةٍ تنتج قيمًا حقيقية. عندما يُعامل الكاتب كمتعةٍ ثانوية أو كوسيلةٍ للتسلية، يتقلص دوره من صانعٍ للذاكرة إلى مُنتِجٍ استهلاكي. ولأن الثقافة تُبنى على تراكمٍ يوميّ، فإن إهمال الكتاب يعني إهمال التاريخ، إضاعة حكاياتٍ كانت ستكوّن ذاكرة الأجيال المقبلة.

لكن القصص الصغيرة تنقذنا. في أزقة الحارات، يظهر ناشرٌ مستقل يطبع خمسين نسخة بتمويلٍ ذاتي، ثم يوزع بعضها على المكتبات، وبعضها على الأصدقاء. يخرج مشروعٌ رقمي من غرفةٍ صغيرة يكتشف مواهبٍ كانت مخفية. وفي المدارس، حين يبدأ معلمٌ بسيطٌ بتشجيع الأطفال على كتابة قصصهم، تنشأ بذرة قد تتحول إلى حقل. هذه الحركات الشفافة لا تصنع ثورةً فجائية، لكنها تبني شيئًا لا يُقاس بالأرقام: ثقافة تُقدر الحكاية.

أكتب هذا الكلام كمواطنٍ شاهد وألمس، لا كخبيرٍ بعيد. أحب أن أتصور يومًا تأتي فيه دور النشر لتَجِد جمهورًا لا يكترث بالإعلانات، بل يبحث عن نصٍّ يُحركه. أتخيل مكتباتٍ في الأحياء، ليس فقط لعرض الكتب، بل كمراكزٍ للتلاقي والحوار. أتخيل مؤسساتٍ صغيرة تدعم الكُتّاب مادياً فلا يضطرون للعمل في وظائفٍ تدفِن نصوصهم في أدراج الساعات.

في النهاية، صناعة الكتاب في الوطن العربي ليست مجرد مهنة؛ هي طقسٌ إنساني. ربما تبدو مظلومة لأن صوتها منخفض، لكنها تبقى الحبل الذي يربط بين أجيالٍ لا تريد أن تُنسى. إن أردنا أن نُنهي تلك المظلومية، فليس بالكلام وحده بقدر ما هو بالممارسات اليومية: شراء كتاب، حضور قراءة، تشجيع ناشرٍ صغير، وتعليم طفلٍ كيف يُحبّ صفحةً جديدة. بهذه الأشياء الصغيرة تتراكم مقاومةُ الهشاشة، ويصبح لكل نصٍ موضعٌ آمنٌ ليولد ويكبر.

لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في عيادات طب الأسنان مجرّد فكرة تُناقش في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً يتسلّل بهدوء إلى تفاصيل الممارسة اليومية. فقبل أن يجلس الطبيب مع مريضه، تكون الخوارزميات قد بدأت بالفعل في قراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات، ممهّدةً لمرحلة جديدة من التشخيص والدقة.

في هذا السياق، يبرز كتاب حديث للدكتور عميد خالد عبد الحميد بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry»، بوصفه محاولة جادة لفهم هذه التحوّلات العميقة، لا من زاوية تقنية فحسب، بل من منظور فكري وأخلاقي أيضاً. فالكتاب لا يكتفي برصد صعود الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، بل يسعى إلى مساءلة أثره على جوهر القرار الطبي، وعلى العلاقة الحساسة بين خبرة الطبيب وحدود تدخل الخوارزميات.

ينطلق المؤلف من سؤال لم يعد افتراضياً: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تطوّر الممارسة الطبية دون أن تُفرغها من بعدها الإنساني؟ هنا يقدّم رؤية متوازنة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته العالية على التحليل والدقة، يظل أداة مساعدة تعزّز القرار الطبي ولا تستبدل به. فالحكم السريري، كما يوضح، لا يُبنى على البيانات وحدها، بل يتشكّل عبر تجربة إنسانية تراكمية يعيشها الطبيب مع مرضاه.

ولا يقف الكتاب عند الجانب التقني، بل يغوص في تعقيدات الأسئلة الأخلاقية التي تفرضها هذه الثورة: من يتحمّل مسؤولية التشخيص عندما تشارك الخوارزميات في صنع القرار؟ كيف يمكن ضمان شفافية الأنظمة الذكية وعدالتها؟ وأين تنتهي حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ في هذا الإطار، يطرح المؤلف مفهوم «الشراكة الذكية»، حيث تتكامل قدرات الإنسان والآلة دون أن يُلغِي أحدهما الآخر، في صيغة تحافظ على إنسانية الطب وتستفيد في الوقت ذاته من قوة التقنية.

وقد صدر الكتاب بنسختين؛ إنجليزية موجّهة للقارئ العالمي، وأخرى عربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة النقاش داخل العالم العربي، ونقل هذا التحوّل من فضائه الدولي إلى سياقه المحلي، بما يفتح الباب أمام حوار علمي ومعرفي أوسع.

الكتاب هو خلاصة مسار بحثي وكتابي ممتد، جمع فيه المؤلف عدداً من مقالاته ودراساته المنشورة في الصحافة العلمية، لا سيما في صفحة «علوم» بصحيفة «الشرق الأوسط»، حيث دأب على تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب من زوايا متعددة تجمع بين العلم والفلسفة.

وقد لقي العمل صدى في الأوساط العلمية الدولية، إذ أشارت مجلة «British Dental Journal» إلى أهميته في تقديم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج، مع التأكيد على أن القرار الطبي النهائي يظل مسؤولية الطبيب وحده.

الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن، ويواصل عبر كتاباته الإسهام في بناء وعي نقدي حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية في المجال الصحي.

في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات بسرعة لافتة، يذكّر هذا الكتاب بأن الطب لن يتحوّل إلى معادلة رقمية صِرفة، بل سيبقى توازناً دقيقاً بين دقة التقنية وحكمة الإنسان. فجوهر الممارسة الطبية لا يكمن في البيانات وحدها، بل في القدرة على فهم الإنسان… قبل تشخيص مرضه.

الرائدات الأوائل اهتممن بالكتابة وليس التبشير بآيديولوجيا

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.

عن \د.رشيد العناني