استعراض الأقسام

الأدبصفحة

لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في عيادات طب الأسنان مجرّد فكرة تُناقش في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً يتسلّل بهدوء إلى تفاصيل الممارسة اليومية. فقبل أن يجلس الطبيب مع مريضه، تكون الخوارزميات قد بدأت بالفعل في قراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات، ممهّدةً لمرحلة جديدة من التشخيص والدقة.

في هذا السياق، يبرز كتاب حديث للدكتور عميد خالد عبد الحميد بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry»، بوصفه محاولة جادة لفهم هذه التحوّلات العميقة، لا من زاوية تقنية فحسب، بل من منظور فكري وأخلاقي أيضاً. فالكتاب لا يكتفي برصد صعود الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، بل يسعى إلى مساءلة أثره على جوهر القرار الطبي، وعلى العلاقة الحساسة بين خبرة الطبيب وحدود تدخل الخوارزميات.

ينطلق المؤلف من سؤال لم يعد افتراضياً: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تطوّر الممارسة الطبية دون أن تُفرغها من بعدها الإنساني؟ هنا يقدّم رؤية متوازنة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته العالية على التحليل والدقة، يظل أداة مساعدة تعزّز القرار الطبي ولا تستبدل به. فالحكم السريري، كما يوضح، لا يُبنى على البيانات وحدها، بل يتشكّل عبر تجربة إنسانية تراكمية يعيشها الطبيب مع مرضاه.

ولا يقف الكتاب عند الجانب التقني، بل يغوص في تعقيدات الأسئلة الأخلاقية التي تفرضها هذه الثورة: من يتحمّل مسؤولية التشخيص عندما تشارك الخوارزميات في صنع القرار؟ كيف يمكن ضمان شفافية الأنظمة الذكية وعدالتها؟ وأين تنتهي حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ في هذا الإطار، يطرح المؤلف مفهوم «الشراكة الذكية»، حيث تتكامل قدرات الإنسان والآلة دون أن يُلغِي أحدهما الآخر، في صيغة تحافظ على إنسانية الطب وتستفيد في الوقت ذاته من قوة التقنية.

وقد صدر الكتاب بنسختين؛ إنجليزية موجّهة للقارئ العالمي، وأخرى عربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة النقاش داخل العالم العربي، ونقل هذا التحوّل من فضائه الدولي إلى سياقه المحلي، بما يفتح الباب أمام حوار علمي ومعرفي أوسع.

الكتاب هو خلاصة مسار بحثي وكتابي ممتد، جمع فيه المؤلف عدداً من مقالاته ودراساته المنشورة في الصحافة العلمية، لا سيما في صفحة «علوم» بصحيفة «الشرق الأوسط»، حيث دأب على تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب من زوايا متعددة تجمع بين العلم والفلسفة.

وقد لقي العمل صدى في الأوساط العلمية الدولية، إذ أشارت مجلة «British Dental Journal» إلى أهميته في تقديم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج، مع التأكيد على أن القرار الطبي النهائي يظل مسؤولية الطبيب وحده.

الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن، ويواصل عبر كتاباته الإسهام في بناء وعي نقدي حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية في المجال الصحي.

في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات بسرعة لافتة، يذكّر هذا الكتاب بأن الطب لن يتحوّل إلى معادلة رقمية صِرفة، بل سيبقى توازناً دقيقاً بين دقة التقنية وحكمة الإنسان. فجوهر الممارسة الطبية لا يكمن في البيانات وحدها، بل في القدرة على فهم الإنسان… قبل تشخيص مرضه.

الرائدات الأوائل اهتممن بالكتابة وليس التبشير بآيديولوجيا

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.

عن \د.رشيد العناني

في أقصى الشمال حيث يطول الليل حتى يكاد يصبح ذاكرة لا تمحى ، وتشتعل الأرواح بدل الشمس ، ولدت ” روسيا ” لا كبلاد فحسب بل كحالة إنسانية متفردة وقصيدة طويلة كتبت بالحبر والثلج وتوارثتها الأجيال منذ زمن القياصرة حتى نبض الحاضر فلم تكن الثقافة الروسية يوما زينة على هامش التاريخ بل كانت قلبه الخفي النابض بالفكرة والوجدان ، فمن قصور القياصرة التي صاغت ملامح السلطة إلى أكواخ الفلاحين التي حفظت روح الأرض ، تشكلت هوية لا تشبه إلا نفسها   هوية صنعت من المعاناة معنى ومن الصمت لغة ومن الشتاء الطويل تأملا عميقا في ماهية الإنسان ، حيث في تلك الأرض لم يكن ” الأدب ” ترفا بل ضرورة وجودية ، فقد جلس هناك ” فيودور دوستويفسكي ” ينصت لاهتزازات الروح البشرية ويغوص في أعماقها حتى كشف تناقضاتها القاسية ، بينما كان ” ليو تولستوي ” يكتب الحياة بكل اتساعها ممتدا من تفاصيل القلب إلى مصائر الأمم ، أما ” أنطون تشيخوف ” فقد التقط لحظات الإنسان الهشة وحولها إلى مرايا تعكس الحقيقة دون ضجيج ، ومن رحم تلك الروح ولد أيضا ” ألكسندر بوشكين ، الذي صاغ اللغة كأنها موسيقى وأعاد للهوية الروسية صوتها الشعري الأول 

ولم تكن الفنون أقل إشراقا دون سواها فقد ارتفعت الموسيقى كصلاة خفية في أعمال ” بيوتر إليتش تشايكوفسكي : حيث تتراقص الألحان بين الحزن والأمل ، بينما حمل ” إيغور سترافينسكي ” التمرد الفني إلى آفاق جديدة كاسرا القوالب ومعلنا ولادة زمن مختلف ، وفي الأداء كان صوت ” فيودور شاليابين ” صدى للروح الروسية بكل ما فيها من عمق وهيبة 

أما العمارة فهي الأخرى تحمل ذات الأهمية ، فهي ليست رحجارة صامتة بل قصائد قائمة في وجه الزمن ، فحين يمر الزائر أمام ” الكرملين ” لا يرى مجرد حصن سياسي بل يلمس تاريخا متراكما كطبقات الذاكرة ، وحين تتلألأ قباب ” كاتدرائية القديس باسيل ” بألوانها، يشعر وكأنها حكاية مرسومة على صفحة السماء ، اي أن هناك لا يمكن للعين أن تعبر دون أن تدرك أن الثقافة قد سكنت الحجر كما سكنت الإنسان ، فقد أثرت هذه الروح العميقة في الشعب الروسي حتى صاغت منه إنسانا يميل إلى التأمل ويبحث عن المعنى خلف كل شيء ، إنسانا يرى في الألم تجربة ، وفي الصبر قوة ، وفي الفن خلاصا ، حيث لم تكن هذه الثقافة مجرد إرث يحكى بل كانت طريقا للارتقاء الفكري والسلوكي والروحي ، حتى غدا الإبداع جزءا من الهوية لا خيارا خارجها 

وهكذا من زمن القياصرة إلى اليوم.لم تنطفئ الشعلة ، فما زالت روسيا تكتب نفسها لا بالحبر وحده ، بل بالفكر ، بالفن ، وبروح تعرف كيف تحول أقسى الفصول إلى ولادة جديدة ، إنها ثقافة لا تروى كقصة من الماضي بل تعاش كحقيقة مستمرة تذكر العالم بأن الجمال قد يولد من القسوة ، وأن الإنسان حين يصغي لروحه يستطيع أن يخلد أثره في الزمن ، لتبقى بذلك الثقافة الروسية شامخة كصمت الثلج حين يحمل في داخله ألف حكاية ، وعميقة كأرض خبأت في طبقاتها ذاكرة الشعوب ، لا تبهت مع الزمن ولا تنحني لعابر الأيام ، وكما يقول المثل الروسي القديم : ليس الجمال فيما تراه العين ، بل فيما تشعر به الروح ، فكأن روسيا بثقافتها كاملة لم تخلق لترى فقط ، بل لتعاش وتفهم وتحفر في أعماق الإنسان حيث لا يصل إلا ما هو خالد .


تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة. في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً. تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي. بيع الأفكار تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية. وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها. من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري». وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر. حضور مُتخيّل في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة». ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون». وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع. تدريب على المشي تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها. في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص. ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل. هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر. حرر هذه المقاله واعد صياغتها لنشرها في موقع جدارية

/

لطالما مثّل “الوحش” في الأدب انعكاساً لمخاوف الإنسان عبر العصور. ففي الأساطير والحكايات الشعبية ظهر ككائن مخيف يُستخدم لتحذير الأطفال وضبط سلوك المجتمع، قبل أن يتحول مع تطور العلم إلى مسوخٍ وُلدت من غرور الإنسان نفسه. ومع صعود علم النفس، لم يعد الوحش كائناً خارجياً فقط، بل صار رمزاً لظلال النفس البشرية وصراعاتها الداخلية.

غير أن صورة الوحش في الأدب ظلت طويلاً محكومة بنظرة ذكورية، حيث ظهرت المرأة إما ضحية تحتاج إلى الحماية أو مغوية تهدد النظام الاجتماعي. هذا التصور بدأ يتغير مع الكاتبة البريطانية أنجيلا كارتر في مجموعتها القصصية الغرفة الدموية (1979)، إذ أعادت تقديم البطلات لا كفرائس بل ككائنات قادرة على مواجهة الوحش وربما التحالف معه.

امتد هذا التحول إلى إعادة قراءة الأساطير، مثل شخصية ميدوزا التي أعيد تقديمها بوصفها رمزاً للقوة النسوية. ففي مقال ضحكة ميدوزا، دعت الكاتبة والناقدة هيلين سيكسو المرأة إلى اكتشاف المناطق المحظورة داخل ذاتها بوصفها مصدراً للإبداع والتحرر.

في الأدب المعاصر تتجسد هذه الفكرة بوضوح في رواية نايت بيتش (2021) للكاتبة الأمريكية راشيل يودر، حيث تتحول أم شابة إلى كلبة بعد سنوات من القمع النفسي وضغوط الأمومة. لا يُقدَّم هذا التحول ككارثة، بل كوسيلة لاستعادة الجسد والهوية بعد أن اختزلها المجتمع في دور الزوجة والأم. وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 2024 بطولة إيمي آدامز.

وتقدم الكاتبة مادلين ميلر في روايتها سيرسي (2018) إعادة قراءة لأسطورة الساحرة الإغريقية التي حوّلت الرجال إلى خنازير. فبدلاً من تصويرها كشريرة، تظهر سيرسي كامرأة منفية تعيد تشكيل ذاتها وتستخدم “وحشيتها” وسيلة للاستقلال عن سلطة الآلهة والرجال.

وتستمر هذه الموجة في أعمال حديثة مثل صنعت من نفسها وحشاً لآنا كوفاتشيفا وساعات التوهج لليلى صديقي، حيث لم يعد الوحش رمزاً للشر المطلق، بل أداة للبقاء والتمرد على واقع ظالم. ففي هذه النصوص يتحول الرعب من صراع بين الخير والشر إلى تفاوض مع الواقع القاسي، حيث قد يصبح الوحش أحياناً الحليف الوحيد في مواجهة “المنقذ الزائف”.

هكذا يكشف الأدب الحديث تحوّلاً لافتاً: لم يعد الوحش عدواً يجب قتله، بل مرآة لقلق الإنسان ورغبته في الحرية، وربما وسيلة لإعادة كتابة الحكايات القديمة من منظور أكثر إنصافاً للمرأة.

في عالم يزداد ضجيجه كل يوم ، يكتشف الانسان بصمت ان اكثر ما يتلاشى فيه ليس الوقت ولا المسافات بل الدفء الانساني نفسه ، وشيئا فشيئا يتغير ايقاع الحياة وتصبح العلاقات اقل بساطة مما كانت وتفقد الكلمات بعضا من صدقها القديم ، فلا يحدث ذلك كحدث صاخب يلفت الانتباه بل كتبدل خفي في روح العالم ، وكان البرودة تسللت الى القلوب دون ان يراها احد ، وعند تلك اللحظة يبدأ الانسان في الشعور بان العالم الذي كان يعرفه قد اصبح مختلفا ، حيث نفس الوجوه تمر امامه ونفس الطرق يسير فيها لكن المعاني التي كانت تمنح الاشياء قيمتها لم تعد كما كانت ، ومن هنا يبدأ التأمل العميق في سؤال قديم يتجدد مع كل جيل : كيف اصبح العالم اكثر ازدحاما بالبشر ، واقل امتلاء بالمحبة؟ 

فهناك لحظات في حياة الانسان لا تأتي كالصدمات العنيفة بل كتحول صامت في نبرة العالم من حوله ، لحظات لا يشعر فيها المرء بان الدنيا قد تبدلت فجأة بل يكتشف ببطء مؤلم ان شيئا ما لم يعد كما كان ، فلم تعد الطيبة تقابل بالطمأنينة التي تستحقها ، ولم يعد الصدق يجد تلك الثقة البسيطة التي كانت تمنحه معناه ، حتى اصبح الحذر لغة خفية تسري بين الناس واصبحت المسافات النفسية اطول حتى بين القلوب التي كانت يوما متقاربة ، ففي زمن مضى كان الانسان يطمئن الى الكلمة كما يطمئن المسافر الى ضوء بعيد في اخر الطريق ، وكان الوعد يحمل وزنا اخلاقيا يربط القلوب قبل ان يربط المصالح ،  اما اليوم فقد اصبح العطاء مخاطرة والصدق استثناء والنقاء حالة نادرة في عالم تعلم ان يتقن فن الاقنعة اكثر مما يتقن فن الصراحة 

نعم الدنيا لم تتغير في ملامحها الظاهرة ، فالمدن ما زالت تضج بالحياة والطرقات تمتلئ بالناس والايام تمضي بايقاعها المعتاد ، لكن شيئا ما تبدل في روحها العميقة ، هناك برودة خفية تسللت الى العلاقات و ” براغماتية ” قاسية اصبحت تحكم كثيرا من التفاصيل الصغيرة التي كانت يوما تدار بالمودة والبساطة ، وفي عمق هذا التحول الصامت يولد داخل الانسان شعور غريب ، ليس حزنا على شخص بعينه ولا اسفا على علاقة انتهت بل حنين واسع الى زمن كان يبدو اقل تعقيدا واكثر صدقا 

انه ” الحنين ” الى تلك اللحظات التي كانت فيها المشاعر تقال ببساطة والنيات تفهم دون كثير من الشكوك والقلوب تمنح ثقتها دون ان تجبر على حساب الخسائر مسبقا ، اما الان فقد اصبح العالم سريعا الى حد يجعل المشاعر تبدو عبئا وعمليا الى حد يجعل البراءة سذاجة وباردا الى درجة لا يلتفت فيها كثيرون الى حرارة القلوب الصادقة ، لتبدأ من هنا تلك الأسئلة الداخلية التي لا تقال بصوت مرتفع ، لكنها تتردد في اعماق الروح كصدى بعيد : الى اين ذهبت البساطة التي كانت تجعل الحياة اخف؟ واين اختفى الوفاء الذي كان يمنح العلاقات معناها؟ لكن الانسان حين يطيل التأمل في هذه الاسئلة يبدأ في اكتشاف حقيقة اعمق من الحزن نفسه ، فالدنيا لم تكن يوما مكانا ثابتا ولم يكن البشر على حال واحدة عبر الزمن ، لأن التغير هو قانونها الاول والخذلان احد دروسها التي لا يتعلمها القلب الا بعد ان يمر بها ، والخسارة لغة صامتة تتحدث بها الحياة حين تريد ان تعيد ترتيب فهم الانسان لما حوله 

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي من صعيد مصر مسرحاً رئيسياً لتأملاته في الهامش الاجتماعي والمكاني. فالنجع في الرواية لا يظهر مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء مكتظ بالمهمشين الذين يكتفون بالكفاف ويكافحون من أجل البقاء. وهكذا يغدو المكان بنية ضاغطة تعيد إنتاج الفقر والقهر، تماماً كما تعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

الرواية، الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع في القاهرة، تمهّد لعالمها السردي عبر شبكة من الحكايات اليومية و«النميمة» القروية التي تشكّل متنفساً لأهل النجع في مواجهة قسوة النهار ووحشة الليل. فالحكاية هنا ليست مجرد تسلية؛ بل آلية للبقاء ووسيلة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، حيث يلتف الناس ليلاً حول «كانون» الشاي الثقيل يتبادلون الأخبار والقصص. ومن هذه التهيئة الجماعية تنطلق شرارة الحدث الأساسي في الرواية: اختفاء الشابين «حامد» و«صباح»، وما يثيره ذلك من شائعات وتكهنات بين أهل القرية.

سيزيف معاصر

يستدعي الراوي، الذي تربطه بـ«حامد» علاقة قديمة، صورة هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنية، الذي يعمل «فاعلاً» بالأجر اليومي ويهوى الغناء الصعيدي. وعلى الرغم من أن أهل القرية يطلقون عليه لقب «الأبله»، فإن السارد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن أدانته الجماعة اجتماعياً.

اختيار مهنة «الفاعِل» ليس تفصيلاً عابراً؛ فـ«حامد» يبدو أقرب إلى سيزيف معاصر، عالق في طاحونة العمل اليومي. يبدأ نهاره بحمل الأثقال مقابل أجر زهيد، لا يطلب منه سوى ما يكفي لشراء «دخان المعسل»، بينما يهب بقية يوميته لأمه. هكذا يتكرر الفعل ذاته كل يوم في دورة لا تتغير، بما يحيل إلى استعارة الطاحونة التي تمنح الرواية عنوانها.

ويرسم العديسي ملامح القرية ببطء مشهدي؛ القيظ الحاد، وحقول القصب والذرة، وأسطح البيوت الفقيرة. فالطقس هنا ليس مجرد خلفية؛ بل سلطة رمزية تهيمن على المشهد. فالحرّ «يتبختر» بين الحقول والطرق، كأنه يعلن سيطرته على الجميع، تماماً كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها على حياة الناس. وفي هذا المناخ المشحون تنتشر الشائعات بسرعة، لتتغذى القرية الصغيرة على «فضلات الأخبار»، بينما يتحول خبر هروب «حامد» و«صباح» إلى مادة يومية للسخرية والتندر، بوصفهما عاشقين خرجا على تقاليد النجع.

نباهة شعبية

تكشف علاقة «حامد» بالراديو وأغاني المداحين وأغاني «الكف» جانباً إنسانياً مهماً من شخصيته. فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة حين يلاحظ أن كثيراً من أهل القرية، رغم أميتهم، يتفاعلون بعمق مع معاني القصائد الصوفية التي يرددها المداحون، حتى تلك التي كتبها شعراء كبار مثل ابن الفارض وابن عربي. ويعترف الراوي بعجزه عن تفسير هذه القدرة الحدسية على التقاط المعنى، في إشارة إلى وعي شعبي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

«العندليب الأسود»

في ذاكرة السارد، يظل «حامد» حاضراً كشخصية ملتبسة تجمع بين السخرية والبراءة. فأهل النجع يطلقون عليه لقب «العندليب الأسود» تهكماً على صوته الغليظ وهو يغني، لكنه مع ذلك يحرص على حضور تجمعات المداحين والموالد والأفراح، وكأنه يبحث عن مساحة اعتراف لا توفرها له حياة القرية اليومية.

وتبرز علاقة «حامد» بوالدته «شفا» بوصفها مساحة الحنان الوحيدة في حياته؛ فهي ترعاه حتى وفاتها بعطف كبير، مدركةً في الوقت نفسه هشاشة وضعه الاجتماعي والهامش الذي كُتب له أن يعيش فيه.

منطقة رمادية

يتداخل صوت الراوي مع ذكرياته عن «حامد» في طبقتين سرديتين: استعادة طفولة مشتركة، وتأمل متأخر في طبيعة هذا الفتى المختلف. فالراوي يشعر منذ الصغر بأن «حامد» ليس طفلاً عادياً، بسبب قوته الجسدية وشروده الدائم وصمته الطويل ونظرته الزائغة. ومع ذلك لا يحسم السارد طبيعة هذا الاختلاف؛ بل يتركه مفتوحاً، مانحاً الشخصية عمقاً إنسانياً يتجاوز الأحكام الجاهزة التي أطلقها المجتمع عليه.

بين الحب وسلطة الجماعة

مع عودة «حامد» و«صباح» إلى النجع، يتسع الصراع بين سلطة التقاليد وتمرد الفرد. وهنا تكشف الرواية عن تبادل مواقع السخرية والهامش، وكأن القرية نفسها مضطرة لإعادة تعريف مركزها. غير أن رهان «حامد» في النهاية يبدو بسيطاً وبالغ الإنسانية: الوقوع في الحب، والتعلق بأغاني الصعيد الشجية التي يجد فيها صدىً لمشاعره، بينما تبادله «صباح» الهوى بالحساسية ذاتها.

بهذا المعنى، تقدّم «طواحين الهوى» سردية عن الهامش الإنساني في الريف المصري، حيث تتقاطع السخرية مع القهر، وتدور حياة الناس في حلقة يومية تشبه دوران الطاحونة، فيما تظل الحكايات ملاذهم الوحيد لمقاومة قسوة الواقع.

/

تنطلق الباحثة البريطانية كاتي دا كونها لوين في كتابها الجديد «غرفة الكاتب: العوالم الخفية التي تشكّل الكتب التي نحبها» (منشورات جامعة برنستون، 2026) من سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: ما الذي يفعله المكان بالنص الأدبي؟ وكيف تسهم الغرفة أو المكتب أو المقهى في تشكيل إيقاع الكتابة وبنيتها؟

مستحضرةً مقولة فرجينيا وولف عن ضرورة امتلاك «دخل ثابت وغرفة يمكن قفلها»، تعيد المؤلفة النظر في الأمكنة التي وُلدت فيها أعمال كبرى من الأدب الحديث، لا بوصفها تفاصيل هامشية في سِيَر الكتّاب، بل كمفاتيح لفهم طبيعة نصوصهم.

من غرفة وولف الخاصة، إلى الطاولة المشتركة لدى إميلي برونتي، ومن مكتب سيغموند فرويد وأريكته الشهيرة، إلى مقاهي باريس التي كتب فيها إرنست همنغواي دفاتره الصغيرة؛ ترسم دا كونها لوين خريطة دقيقة للعلاقة بين الحيّز المادي وشكل العمل الأدبي.

ولا تتوقف الرحلة عند الفضاءات التقليدية، بل تمتد إلى غرف الفنادق التي اختارتها مايا أنجيلو عمداً لتكتب فيها، والحافلات التي حوّلتها لورين إلكين إلى مكتب متنقّل، وطاولات المطابخ التي شكّلت فضاء عمل جماعي لدى أودري لورد ومؤسِّسات دار نشر «نساء ملوّنات».

يغطي الكتاب طيفاً واسعاً من الأسماء، من جيمس بالدوين والأخوات برونتي وأغاثا كريستي وتشارلز ديكنز وجون كيتس، مروراً بـسيلفيا بلاث وويليام شكسبير، وصولاً إلى أسماء معاصرة مثل زادي سميث وهيلاري مانتل.

بين السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي، يفكّك الكتاب صورة «الإلهام الغامض»، ليقدّم قراءة تُبرز تداخل العزلة والرفقة، والاستقرار المادي والمكاني، في تشكيل التجربة الإبداعية. فالمكان، كما تقترح دا كونها لوين، ليس خلفية صامتة، بل عنصر فاعل في نحت الأفكار وتحديد إيقاعها.

وينتهي العمل بفكرة بسيطة وعميقة في آن: الكتابة فعلٌ يولد في عالم ملموس — من طاولةٍ ومقعدٍ وضوء نافذة — قبل أن يتحوّل إلى كتابٍ على رفّ، يخفي وراء صفحاته أثر المكان الذي شهد ولادته.

في «جدارية»، يبدو هذا الإصدار دعوةً لإعادة النظر في أمكنة الكتابة اليوم، والتفكير في العلاقة الخفية بين الجدران التي نكتب بينها، والنصوص التي تبقى بعدها.