/

الوحش في الأدب: من العدو الخارجي إلى الحليف الخفي

عرض
6 mins read

لطالما مثّل “الوحش” في الأدب انعكاساً لمخاوف الإنسان عبر العصور. ففي الأساطير والحكايات الشعبية ظهر ككائن مخيف يُستخدم لتحذير الأطفال وضبط سلوك المجتمع، قبل أن يتحول مع تطور العلم إلى مسوخٍ وُلدت من غرور الإنسان نفسه. ومع صعود علم النفس، لم يعد الوحش كائناً خارجياً فقط، بل صار رمزاً لظلال النفس البشرية وصراعاتها الداخلية.

غير أن صورة الوحش في الأدب ظلت طويلاً محكومة بنظرة ذكورية، حيث ظهرت المرأة إما ضحية تحتاج إلى الحماية أو مغوية تهدد النظام الاجتماعي. هذا التصور بدأ يتغير مع الكاتبة البريطانية أنجيلا كارتر في مجموعتها القصصية الغرفة الدموية (1979)، إذ أعادت تقديم البطلات لا كفرائس بل ككائنات قادرة على مواجهة الوحش وربما التحالف معه.

امتد هذا التحول إلى إعادة قراءة الأساطير، مثل شخصية ميدوزا التي أعيد تقديمها بوصفها رمزاً للقوة النسوية. ففي مقال ضحكة ميدوزا، دعت الكاتبة والناقدة هيلين سيكسو المرأة إلى اكتشاف المناطق المحظورة داخل ذاتها بوصفها مصدراً للإبداع والتحرر.

في الأدب المعاصر تتجسد هذه الفكرة بوضوح في رواية نايت بيتش (2021) للكاتبة الأمريكية راشيل يودر، حيث تتحول أم شابة إلى كلبة بعد سنوات من القمع النفسي وضغوط الأمومة. لا يُقدَّم هذا التحول ككارثة، بل كوسيلة لاستعادة الجسد والهوية بعد أن اختزلها المجتمع في دور الزوجة والأم. وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 2024 بطولة إيمي آدامز.

وتقدم الكاتبة مادلين ميلر في روايتها سيرسي (2018) إعادة قراءة لأسطورة الساحرة الإغريقية التي حوّلت الرجال إلى خنازير. فبدلاً من تصويرها كشريرة، تظهر سيرسي كامرأة منفية تعيد تشكيل ذاتها وتستخدم “وحشيتها” وسيلة للاستقلال عن سلطة الآلهة والرجال.

وتستمر هذه الموجة في أعمال حديثة مثل صنعت من نفسها وحشاً لآنا كوفاتشيفا وساعات التوهج لليلى صديقي، حيث لم يعد الوحش رمزاً للشر المطلق، بل أداة للبقاء والتمرد على واقع ظالم. ففي هذه النصوص يتحول الرعب من صراع بين الخير والشر إلى تفاوض مع الواقع القاسي، حيث قد يصبح الوحش أحياناً الحليف الوحيد في مواجهة “المنقذ الزائف”.

هكذا يكشف الأدب الحديث تحوّلاً لافتاً: لم يعد الوحش عدواً يجب قتله، بل مرآة لقلق الإنسان ورغبته في الحرية، وربما وسيلة لإعادة كتابة الحكايات القديمة من منظور أكثر إنصافاً للمرأة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

القصة السابقة

نشطح في خيالنا… الرسم الرقمي

الأحدث من