استعراض الأقسام

الاخبارصفحة

في عالمٍ أصبحت فيه السعادة صناعةً متكاملة، تتنافس فيها كتب التنمية الذاتية ومنصات التواصل الاجتماعي على تقديم وصفات جاهزة لحياة مثالية، تطرح الفيلسوفة الإسبانية فيكتوريا كامبس رؤية مختلفة تماماً. ففي كتابها «البحث عن السعادة»، الذي حظي باهتمام واسع عقب صدوره بالفرنسية هذا العام وحقق انتشاراً كبيراً في إسبانيا، لا تبحث الكاتبة عن تقديم خطوات سريعة للوصول إلى السعادة، بل تدعو إلى إعادة التفكير في معناها من منظور فلسفي وإنساني أكثر عمقاً.

لا تتعامل كامبس مع السعادة باعتبارها هدفاً يمكن بلوغه عبر قائمة من التعليمات أو العادات اليومية، وإنما تنظر إليها بوصفها رحلة تتشكل عبر التجربة، والوعي، والعلاقات الإنسانية، والقدرة على التعايش مع تعقيدات الحياة. إنها دعوة للابتعاد عن فكرة “الحياة المثالية” التي تروّج لها الثقافة الرقمية، والعودة إلى سؤال قديم لا يزال مفتوحاً: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟

السعادة ليست منتجاً للاستهلاك

ترى كامبس أن الخطاب المعاصر حول السعادة وقع في فخ التسويق؛ إذ تحولت إلى سلعة تُباع تحت عناوين براقة مثل “أفضل نسخة من نفسك” أو “غيّر حياتك خلال أسابيع”. غير أن هذه الوعود، برأيها، تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الإنسان لا يملك السيطرة الكاملة على مسار حياته.

فالظروف الاقتصادية، والبيئة الاجتماعية، والعلاقات، والخسارات المفاجئة، جميعها عناصر تؤثر في شعور الإنسان بالرضا، ولا يمكن تجاوزها بمجرد التفكير الإيجابي أو اتباع برنامج يومي صارم. لذلك، فإن اختزال السعادة في وصفة موحدة لا يعكس تعقيد التجربة الإنسانية.

الفلسفة… قراءة مختلفة لمعنى الحياة الطيبة

بدلاً من تقديم نصائح جاهزة، تستعيد كامبس تاريخ الفلسفة لتتبع تطور مفهوم السعادة عبر العصور.

تتوقف عند أرسطو الذي ربط السعادة بممارسة الفضيلة وتحقيق الإنسان لذاته من خلال العمل الأخلاقي، وعند الرواقيين الذين رأوا أن السلام الداخلي يبدأ من قبول ما لا يمكن تغييره، كما تستحضر أفكاراً تربط السعادة بقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

ومن خلال هذه الرحلة الفكرية، تؤكد أن السعادة ليست لحظة عابرة من الفرح، بل ثمرة حياة تُبنى بالتدرج، وتحتاج إلى الصبر، والخبرة، واتخاذ قرارات مسؤولة، والقدرة على التكيف مع الخسارات والإخفاقات.

نقد هادئ لثقافة التنمية الذاتية

لا يهاجم الكتاب أدبيات التنمية الذاتية بشكل مباشر، لكنه يطرح أسئلة تكشف حدودها.

فبينما تعتمد كثير من هذه الكتب على فكرة أن النجاح أو السعادة نتيجة لتطبيق مجموعة من الخطوات الثابتة، تؤكد كامبس أن لكل إنسان ظروفه الخاصة، وأن التجارب الإنسانية لا يمكن نسخها أو تعميمها.

كما تنتقد الخطاب الذي يحمّل الفرد وحده مسؤولية تعاسته، متجاهلاً أثر الفقر، والبطالة، والتمييز، والعنف، والعزلة الاجتماعية. فالسعادة، في نظرها، ليست مسؤولية فردية فقط، بل ترتبط أيضاً بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان وبجودة المجتمع الذي ينتمي إليه.

التربيه.. البدايه الحقيقية للسعادة

من أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب أن بناء الإنسان يبدأ منذ الطفولة.

فالأسرة والمدرسة لا تعلمان الطفل القراءة والكتابة فحسب، بل تغرسان فيه أيضاً كيفية التعامل مع الفشل، وتأجيل الرغبات، واحترام الآخر، والصبر على الإنجاز، وفهم المشاعر.

وتلفت كامبس إلى أن التربية الحديثة كثيراً ما تسعى إلى حماية الأطفال من كل إحباط أو ملل، بينما قد تكون هذه التجارب جزءاً أساسياً من بناء شخصية متوازنة. فالملل، على سبيل المثال، ليس وقتاً ضائعاً دائماً، بل مساحة قد تولد فيها الأفكار، وتنمو فيها المخيلة، ويتعلم الإنسان خلالها الإصغاء إلى ذاته.

المشاعر ليست عدواً

في مواجهة ثقافة “الإيجابية المطلقة”، تدعو كامبس إلى فهم المشاعر بدلاً من إنكارها.

فالحزن قد يكون استجابة طبيعية لفقد أو خيبة، والغضب قد يكشف عن ظلم يحتاج إلى مواجهة، والقلق قد يكون رسالة تدعو إلى مراجعة الخيارات أو طلب المساندة. لذلك، لا يتمثل التحدي في التخلص من هذه المشاعر، بل في تعلم إدارتها والتعبير عنها بطريقة صحية.

إن الاعتراف بالمشاعر، بحسب الكاتبة، لا يجعل الإنسان أضعف، بل يمنحه قدرة أكبر على فهم نفسه وبناء علاقة أكثر توازناً مع الآخرين.

السعادة كفن للعيش

لا يقدم كتاب «البحث عن السعادة» حلولاً سريعة، ولا يعد القارئ بحياة خالية من الألم أو القلق، لكنه يعيد الاعتبار للفلسفة باعتبارها أداة لفهم الذات والعالم.

وفي زمنٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان بالإنتاجية والإنجاز والصورة التي يعرضها على الشاشات، تذكرنا فيكتوريا كامبس بأن الحياة الجيدة لا تُختزل في النجاح أو المتعة اللحظية، بل تُبنى من خلال الوعي، والتعلم المستمر، والعلاقات الإنسانية، والقدرة على تقبل النقص باعتباره جزءاً أصيلاً من التجربة البشرية.

وربما تكمن قيمة هذا الكتاب في أنه لا يخبرنا كيف نكون سعداء، بل يساعدنا على طرح الأسئلة التي تجعلنا نفهم معنى السعادة بصورة أكثر نضجاً واتساعاً؛ وهي الأسئلة التي لطالما كانت جوهر الفلسفة، وما تزال حتى اليوم مدخلاً لفهم الإنسان وحياته.

لم يعد السباق بين منصات البث الرقمي يقاس بعدد المشتركين أو حجم مكتبة الأفلام والمسلسلات فقط، بل أصبح الزمن الذي يقضيه المستخدم داخل المنصة هو المؤشر الأكثر أهمية فكل دقيقة إضافية تعني فرصة أكبر للاحتفاظ بالمشاهد، وتعزيز ولائه، وزيادة العائدات الإعلانية.

في هذا المشهد المتغير تبدو «نتفليكس» أمام مرحلة جديدة من إعادة التفكير في نموذجها الذي غيّر صناعة الترفيه قبل سنوات فالمنصة التي رسخت مفهوم “المشاهدة عند الطلب” وابتعدت عن البث التلفزيوني التقليدي، تدرس اليوم إدخال خصائص أقرب إلى القنوات التلفزيونية، مثل القنوات الحية المستمرة، إلى جانب إمكانية توفير حزم تضم خدمات بث أخرى داخل تطبيقها.

المنافسة لم تعد بين منصات البث فقط

لم يعد المنافس الحقيقي لـ«نتفليكس» يقتصر على منصات مثل «ديزني+» أو «ماكس»، بل اتسعت دائرة المنافسة لتشمل «يوتيوب»، ومنصات الفيديو القصير، والألعاب الرقمية، والبودكاست المرئي، وكل ما ينافس على وقت المستخدم وانتباهه.

وتشير مؤشرات سوق المشاهدة في الولايات المتحدة إلى استمرار نمو البث الرقمي بوصفه الوسيلة الأكثر استخداماً لمتابعة المحتوى، إلا أن توزيع وقت المشاهدة أصبح أكثر تشتتاً بين عدد متزايد من المنصات، وهو ما يدفع الشركات إلى البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على جمهورها لذلك، لم يعد إنتاج أعمال ناجحة وحده كافياً، بل أصبح الهدف هو تحويل المنصة إلى وجهة يومية يعود إليها المستخدم باستمرار.

عودة غير مباشرة إلى التلفزيون

المفارقة أن الحلول التي تبحثها «نتفليكس» تبدو أقرب إلى النموذج الذي سعت في السابق إلى تجاوزه. فإضافة قنوات تبث محتوى متواصلاً على مدار الساعة تعيد فكرة المشاهدة التقليدية، حيث يفتح المستخدم الشاشة ليجد برنامجاً جاهزاً للمشاهدة دون الحاجة إلى البحث والاختيار.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تقليل ما يعرف بـ”إرهاق الاختيار”، بل أيضاً إلى تشجيع المشاهدة لفترات أطول، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للإعلانات، التي أصبحت تمثل أحد أهم مصادر الدخل في سوق البث الرقمي.

الرياضة والإعلانات… ملامح المرحلة المقبلة

إلى جانب الأفلام والمسلسلات، توسعت «نتفليكس» خلال الفترة الأخيرة في بث الفعاليات المباشرة والبرامج الحية، في محاولة لجذب جمهور يبحث عن التجربة الفورية، وليس المحتوى المؤجل فقط.

كما يواصل نموذج الاشتراك المدعوم بالإعلانات تحقيق حضور متزايد، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في استراتيجية المنصة التي باتت تنظر إلى وقت المشاهدة بوصفه قيمة تسويقية يمكن تقديمها للمعلنين، وليس مجرد مؤشر على نجاح المحتوى.

صناعة تعيد رسم ملامحها

التحولات لا تقتصر على «نتفليكس» وحدها، فشركات الإعلام العالمية تعيد هي الأخرى ترتيب استثماراتها، مع تصاعد أهمية البث المدعوم بالإعلانات، وازدياد الرهان على المنصات التي تجمع بين المحتوى المباشر والمشاهدة عند الطلب داخل تجربة واحدة.

وتشير هذه التغيرات إلى أن صناعة الترفيه تدخل مرحلة جديدة تتقاطع فيها الحدود بين التلفزيون التقليدي والبث الرقمي، بعدما كانت المنصات تعد نفسها بديلاً كاملاً عنه.

بين البساطة والتوسع

يبقى التحدي الأكبر أمام «نتفليكس» هو تحقيق توازن دقيق بين تطوير خدماتها وتوسيع خياراتها من جهة، والحفاظ على سهولة الاستخدام التي شكّلت أحد أبرز أسباب نجاحها من جهة أخرى. فكلما ازدادت الخدمات والقنوات والإعلانات داخل التطبيق، اقتربت تجربة المستخدم من النموذج التلفزيوني الذي حاولت المنصة تجاوزه منذ انطلاقتها.

وربما لم يعد السؤال اليوم: هل انتهى عصر التلفزيون؟ بل أصبح: كيف أعاد البث الرقمي إحياء التلفزيون داخل تطبيقات المشاهدة الحديثة؟ وهو سؤال يبدو أن السنوات المقبلة وحدها ستكشف إجابته.

/

صدر حديثاً عن دار المحرر في القاهرة كتاب «أيام الغصب والحب » للكاتبة والروائية المصرية نهى محمود، في عمل جديد يبتعد عن التصنيفات الأدبية التقليدية، ويقدم نصوصاً مفتوحة تمزج بين السرد واليوميات والتأملات الشخصية، وهو ما دفع الكاتبة إلى الاكتفاء بوصفه على الغلاف بكلمة «نصوص»، في إشارة إلى طبيعته الحرة التي تتجاوز الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية.

يتألف الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً تحمل عناوين ذات طابع شعري ودلالات وجدانية، من بينها «الكثير من الحزن والإندومي»و «الرايات الخضراء في قلبي»و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»ومن خلال هذه النصوص تستكشف نهى محمود مساحات متداخلة من المشاعر الإنسانية، حيث يتجاور الحب مع الغضب، والفقد مع الأمل، والعزلة مع الحنين، في كتابة تنطلق من التجربة الشخصية لتلامس أسئلة الإنسان اليومية والوجودية.

ويعتمد الكتاب على لغة رشيقة ذات حس شعري، دون أن تتخلى عن روح الحكاية، إذ تتحرك النصوص بين تأمل الذات ومراقبة العالم، مستثمرة تفاصيل الحياة البسيطة بوصفها مدخلاً لفهم التجارب الكبرى. وتحضر في الصفحات علاقات الكاتبة بابنتها ووالدتها، إلى جانب إشارات متكررة إلى السينما المصرية والعالمية، فضلاً عن حضور الطعام بوصفه عنصراً رمزياً يرتبط بالحالة النفسية والذاكرة، ليغدو اليومي مساحة للتأمل في المشاعر والتحولات الإنسانية.

ويأتي «أيام الغضب والحب» امتداداً للمشروع الأدبي الذي تنسجه نهى محمود عبر أعمالها الروائية والسردية، حيث تواصل استكشاف العوالم الداخلية للإنسان بلغة تمزج بين البساطة والعمق، وتمنح التفاصيل الصغيرة قدرة على التعبير عن الأسئلة الكبرى للحياة.

يُذكر أن نهى محمود كاتبة وصحافية مصرية، صدر لها عدد من الروايات، من بينها «راكوشا»، و«الحكي فوق مكعبات الرخام»، و«هلاوس»، و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، إلى جانب كتب سردية ومجموعات قصصية رسخت حضورها في المشهد الأدبي المصري المعاصر.

/

في مدينة اعتادت أن تحفظ آثار الحروب على جدرانها، يفتح معرض (احكيلي يا جنوب) أبواب الذاكرة من زاوية مختلفة؛ فلا يكتفي باستحضار الماضي، بل يمنحه مساحة ليُروى بأصوات أصحابه. داخل بيت بيروت، المبنى الذي تحوّل من شاهد على خطوط التماس إلى منبر للثقافة والفنون، تتلاقى الحكايات الشخصية مع الفن لتشكّل أرشيفًا إنسانيًا حيًا عن الجنوب اللبناني.

لا يتعامل المعرض مع الجنوب بوصفه حدودًا جغرافية أو مشهدًا سياسيًا، بل كحياة كاملة تشكّلت بين البيوت والحقول والطرقات، ثم أعادت الحرب رسم ملامحها. ومن خلال شهادات وصور وأصوات ومقتنيات شخصية، يمنح الزائر فرصة للدخول إلى تفاصيل يومية صنعتها الذاكرة أكثر مما صنعها التاريخ.

ويستند المعرض إلى مشروع (احكيلي)، الذي يعتمد على جمع الروايات الشفوية لأبناء القرى الجنوبية، ليصبح الأرشيف هنا مساحة مفتوحة للناس العاديين؛ أولئك الذين عاشوا التجربة بكل ما حملته من فقد ونزوح وانتظار، بعيدًا عن السرديات الرسمية أو الوثائق الجامدة.

في أروقة المعرض، تتحول الأشياء الصغيرة إلى شواهد كبيرة على الحياة؛ مفتاح منزل لم يعد قائماً، صورة عائلية نجت من الركام، ورسائل كتبت في زمن النزوح. ليست هذه القطع مجرد مقتنيات، بل مفاتيح لاستعادة زمن كامل، تختزن في تفاصيلها قصصًا عن الانتماء والغياب والأمل.

ولا يقتصر المشروع على عرض الذاكرة بصريًا، بل يوسّعها إلى تجارب معيشة تستعيد التراث بوصفه جزءًا من الهوية. ففي إحدى زوايا المعرض، تشارك نساء نازحات في ورش لإعداد الخبز التقليدي، حيث تتحول عملية العجن والخبز إلى فعل ثقافي يستحضر البيوت القديمة وروائح الطابون وإيقاع الحياة في القرى الجنوبية.

وتوضح الكاتبة والمخرجة اللبنانية نادين توما، المشرفة على هذه الورش، أن المبادرة تسعى إلى تمكين النساء وإعادة وصل علاقتهن بمهاراتهن التراثية، مؤكدة أن الحفاظ على الذاكرة لا يمر عبر الوثائق وحدها، بل عبر الممارسات اليومية التي تحمل روح المكان.

كما تروي المشاركات تجاربهن مع النزوح من خلال هذا الفضاء الثقافي، حيث يصبح الخبز لغة أخرى للحكاية، ووسيلة لاستعادة ما حاولت الحرب انتزاعه من تفاصيل الحياة.

من جهته، يرى الفنان والمخرج اللبناني أديب فرحات، منسق المعرض، أن النسخة الثانية من مشروع (احكيلي) تأتي امتدادًا لتجربة انطلقت قبل عامين بهدف توثيق الذاكرة المرتبطة بالحرب، لكنها اليوم تعود لتقرأ واقعًا جديدًا فرضته الحروب المتجددة والنزوح المستمر في الجنوب اللبناني.

ويؤكد أن المشروع لا يسعى إلى تجميد الماضي داخل أرشيف مغلق، بل إلى إبقائه حيًا ومتجددًا، باعتباره ذاكرة تتحرك مع الناس وترافق تحولاتهم، لتصبح الثقافة هنا وسيلة للمقاومة، والفن مساحة لحماية الرواية الإنسانية من النسيان.

في “احكيلي يا جنوب”، لا يخرج الزائر بحكاية واحدة، بل بمجموعة من الأصوات التي تتجاور دون أن تتشابه، لتؤكد أن الذاكرة ليست رواية ثابتة، بل فسيفساء من التجارب الإنسانية. إنها دعوة إلى الإصغاء أكثر من المشاهدة، وإلى إدراك أن ما يبقى بعد الحروب ليس الدمار وحده، بل الحكايات التي يصر أصحابها على روايتها، جيلاً بعد جيل.

/

أثار الجزء الجديد من سلسلة بيكسار الشهيرة Toy Story 5 نقاشاً واسعاً بعد طرحه في دور العرض، إذ ابتعد عن أجواء المغامرة والمرح المعتادة ليتناول تأثير الألعاب الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي على حياة الأطفال وعلاقاتهم الإنسانية.

ويركز الفيلم على الطفلة «بوني» التي تجد صعوبة في تكوين صداقات، قبل أن تنشغل بعالم الألعاب الإلكترونية عبر جهاز لوحي جديد، ما يدفع ألعابها القديمة إلى الشعور بالخوف من النسيان والتهميش. ومن خلال هذه الحبكة، يطرح الفيلم أسئلة حول الوحدة والعزلة والقلق الذي يعيشه الأطفال والآباء في العصر الرقمي.

ورغم أن العمل يحمل رسالة اجتماعية واضحة، إلا أن كثيراً من النقاد رأوا أنه فقد جزءاً من روح السلسلة المعروفة بخفتها ودفئها الإنساني، معتبرين أن الفيلم يبالغ في الطابع الوعظي ويبتعد عن الكوميديا والخيال اللذين ميّزا الأجزاء السابقة.

ومع ذلك، يبقى «حكاية لعبة 5» من أكثر أفلام بيكسار إثارة للجدل هذا العام، لأنه يحاول نقل اهتمام السينما الموجهة للأطفال من عالم اللعب إلى الأسئلة الأكثر تعقيداً حول الصداقة والانتماء والحضور الإنساني في زمن الشاشات.

//

ضمن برامج استديو الحاضنة الذكية للرسم الرقمي، نفذت مؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام ورشة تدريبية بعنوان “أساسيات رسم الإنسان – التشريح وتصميم الشخصية”، قدّمتها المدربة مرام عثمان، بمشاركة نخبة من المبدعين والمهتمين بمجال الرسم الرقمي وتصميم الشخصيات.

واستمرت الورشة، التي أُقيمت على مدى ثلاث ساعات، في تقديم تدريب عملي ونظري ركّز على أساسيات رسم جسم الإنسان، وفهم النِّسب التشريحية والحركة، وآليات توظيف هذه المعارف في بناء وتصميم شخصيات فنية ورقمية تتمتع بالتوازن والهوية البصرية.

وتناول البرنامج التدريبي عدداً من المحاور الأساسية، من بينها دراسة البناء التشريحي للجسم، وتحليل النِّسب والحركة، إلى جانب تطبيقات عملية ساعدت المشاركين على الانتقال من الفهم الأكاديمي للتشريح إلى تصميم شخصيات أكثر تعبيراً واحترافية، بما يسهم في تطوير مهاراتهم الفنية والإبداعية.

وتأتي هذه الورشة ضمن جهود مؤسسة جدارية الرامية إلى دعم المواهب الشابة، وتوفير بيئة تدريبية متخصصة تسهم في تنمية قدرات الفنانين وصنّاع المحتوى البصري، وتعزز حضور الرسم الرقمي وفنون تصميم الشخصيات في المشهد الثقافي والإبداعي.

ويُنفذ هذا النشاط ضمن منح برنامج الورشة الثقافية في اليمن، الذي ينفذه الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) بالشراكة مع اليونسكو، في إطار مشروع “توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن”، والممول من الاتحاد الأوروبي.

UNESCO Gulf States & Yemen
European Union in Yemen بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن

AFAC – The Arab Fund for Arts and Culture Fund for Arts and Culture

CulturePartnersYemen

JedariaStudio

/

يبحث عن عناصر هويته في معرض استعادي بلندن

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً. وليس متوقعاً أن تكون لوحات تلك المرحلة مدهشة وذات قيمة فنية عالية. لكن تجربة هورفن أندرسون الذي ولد عام 1965 في برمنغهام البريطانية في عائلة مهاجرة من جامايكا تبطل تلك الشكوك من خلال إزاحة ذلك المكان من موقعه الواقعي لتصنع منه عالماً يتجرد من غاياته العملية ويكون بمثابة مسرح يُعاد رسمه بنية استكشاف أنماط مختلفة من الرسم، يتنقل الرسام من خلالها بين التشخيص والتجريد مندفعاً بقوة في اتجاه رسم الموضوعات التقليدية كالطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية والبورتريه. منذ عام 2006 رسم هورفن أندرسون عشرات اللوحات التي صور من خلالها محل الحلاقة، بل إنه أقام معرضاً بعنوان «لوحات الصالون» متخذاً من ذلك المشهد العادي وسيلة للتنقيب في الذاكرة الكاريبية بحثاً عن عناصر الهوية التي تصلح أن تكون معياراً للانتماء الوطني.

انطلق أندرسون في تلك السلسلة من واقعة عاشها في طفولته ورافقته باعتبارها مؤشراً على الاختلاف في الهوية والانتماء. فلأن الحلاقين البيض في بريطانيا كانوا يترددون في قصّ شعر السود كان المهاجرون الكاريبيون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يقصّون شعر بعضهم بعضاً في المنازل. ذلك ما جعله ينظر إلى صالون الحلاقة المؤقت الذي كان والده يتردد عليه باعتباره الفضاء الذي يعيده إلى بيته الحقيقي الذي يقع في مكان بعيد. سيكون من الخطأ النظر إلى رسوم تلك المرحلة الأساسية في تجربة الرسام الذي رُشح عام 2017 لنيل جائزة تيرنر من جهة وصفية. فالجمالية القلقة وغير المستقرة تكشف عن نزعة الرسام في الانضمام إلى ذلك العالم باعتباره زبوناً ولكنه الزبون الذي يعتبر حضوره هناك علامة اختلافه. يعيده الصالون إلى البيت وهو بيت قد يكون متخيلاً غير أنه قد يكون موجوداً هناك، في جامايكا.

يضم المعرض الذي يقيمه تيت بريتان لهورفن أندرسون أكثر من 80 لوحة وهو أشبه بمعرض استعادي يغطي مسيرته الفنية بأكملها، من أيام دراسته وحتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل. في المعرض يكشف أندرسون عن انخراطه العميق في تقاليد الرسم البريطاني للمناظر الطبيعية. غير أن ذلك لا يتعارض مع استعادته لصور أفراد عائلته وتجارب من شبابه وأماكن ذات أهمية شخصية وثقافية مثل صالون الحلاقة. ومن خلال إعادة النظر في عناصر معينة وأحياناً دمج موقع مع آخر، يتناول أندرسون عدم موثوقية الذاكرة والتوتر المحيط بالتراث الثقافي.

بطريقة أو بأخرى يضفي نقاد الفن على رسوم أندرسون طابعاً تجريدياً. في عدد من لوحاته رسم صالون الحلاقة من غير زبائن فبدا كما لو أنه قد رسم حياة صامتة. المرايا فيها تستدعي عالماً وهمياً. وهو عالم غني بالألوان. بالنسبة للفنان يشكل ذلك العالم فضاء يصل الانتماء بالشتات. «لقد ولدت هنا كما لو أنني ولدت هناك» بين بريطانيا والكاريبي هناك مسافة جمال متشنج يحتمل في الوقت نفسه عدم التوافق. تلك مسافة يمكن التحقق منها تجريدياً. يرسم هورفن أندرسون بقوة انتمائه إلى مكانين. كل واحد منهما يلقنه لغة مختلفة. قد يبدو حكماً جاهزاً إذا ما قلنا إن الفنان الذي صارت أعماله منذ أكثر من عشر سنوات تُباع في المزادات بملايين الجنيهات الإسترلينية يوزع اهتمامه من خلال موضوعاته بين الانتماء والشتات. ذلك حكم سريع ومبتسر لا يخلص إلى روح التجربة الفنية.

صحيح أن أندرسون وُلد في بريطانيا وصحيح أن طريقته في الرسم متصلة بتقاليد الرسم البريطاني فهو في عدد من أعماله يقف قريباً من تجربة الفنان الراحل ديفيد هوكني على سبيل المثال غير أن الصحيح أيضاً هو أن فنه يطرح أسئلة وجودية متوترة لا تخص هوية المكان وحده، بل وأيضا هوية بشر، يفكرون بلغة ويحلمون بلغة أخرى. هوية لا يمنع الواقع بصلابته تمركز أطياف أسطورية فيها.

تلك الكرة هي قمر سقط من السماء

«عادةً ما تُركّز لوحاته على حالة مزاجية مُعينة أو وقت مُحدد من اليوم أو زاوية مُعينة أو منزل مُعين. ولكن يبقى دائماً حاضراً التفكير في مكان آخر». تقول الناقدة هايس مور. ذلك يعني أن طابعاً رمزياً يخترق لوحات أندرسون من الداخل كما لو أن هناك صوتاً يُسمع بلغة أخرى ليوسع من حدود التجربة البصرية. ما تراه بشكل مباشر ليس هو الحقيقة كلها. هناك حقائق غاطسة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التأمل المفعم بالأسئلة.

في لوحته «مراقبة الكرة» التي تعود لعام 1997 تقف مجموعة من الصبية على رقعة عشبية بجوار بحيرة. السماء زرقاء ضبابية والماء فيروزي زاهٍ. يتناقض اللون الأخضر أسفلهم وهم يديرون ظهورهم للمشاهد مع الحصى الداكن خلفهم مما يعزلهم فيما يشبه جزيرة استوائية خاصة بهم. ذلك مشهد سيعود أندرسون إليه في لوحات أخرى بعد أكثر من عشر سنين في محاولة منه لتحويل صورة فوتوغرافية التقطها عام 1983 في حديقة هاندسوورث المهملة في برمنغهام إلى رؤية مشحونة عاطفياً لمدينته الأم ومنطقة الكاريبي، موطن عائلته الأصلي. في واحدة من تلك اللوحات التي يعود تاريخ رسمها إلى سنة (2010) يسترجع الرسام المشهد نفسه غير أن أشجار الكاريبي تهيمن هذه المرة على الأفق وقد خفت بريقها المعتاد بفعل درجات اللون الرمادي. يقترح الرسام هنا معادلة صعبة غير أنها محتملة على المستوى النفسي. أن يرى المرء مكاناً فيما يذهب خياله إلى مكان آخر.

يعلق أندرسون على تلك التجربة «بسبب موقع الكرة في منتصف الصورة، وسط البركة بدا وكأن القمر قد سقط من السماء» لا يخرج الرسام في تصوره بعيداً عن مفهوم الصورة باعتبارها لعبة ذهنية. ما لا تراه العين المباشرة منها تقوم الذاكرة بتخزينه لكي يُعاد إنتاجه في أوقات لاحقة. ببساطة يمكن القول إن هورفين أندرسون يتنقل بخفة بين شواطئ الأطلسي والكاريبي. ذلك ما برع في فعله.

تُعرض من قبل

الحنين إلى مكان جرى تدميره

يقول هورفن أندرسون: «أحاول فهم عصرنا». الرسام الذي يُقدم اليوم باعتباره واحداً من أهم الرسامين البريطانيين يضع مفهوم العصر تحت مطرقة تأويل ملتبس. ففي تعليقه على لوحاته القديمة التي سعى من خلالها لتجسيد مهاراته في تجسيد قدرته على هضم عناصر التقليد الفني البريطاني قال: «كنت دائماً في الخارج» وهو ما يمكن فهمه على نحو مزدوج، أي خارج صالون الحلاقة الذي يضم رجالاً سود البشرة وخارج الذات التي ورثت الذكريات لا باعتبارها عقيدة اختلاف حسب، بل وأيضاً كونها تمثل مزاجاً يحلق بحساسية جمالية لا تحتويها تقاليد الرسم المتاحة.

يُعرف أندرسون في المقام الأول رسام مناظر طبيعية وغالباً ما يصوّر منطقة الكاريبي وبريطانيا كما لو أن إحداهما تكمل الأخرى وليس الشيء نفسه. جزء أساس من عالمه إنما يكمن في التلويح بضياعه. ذلك شعورٌ يُمكن أن يتفهمه المهاجرون من غير أن يربك سعيهم في اتجاه الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة. يصف أندرسون أعماله بأنها تدور حول «السفر». ولكنها تسمية مضللة تنطوي على إخفاء المعنى الحقيقي من أجل أن يكون ككل شيء مريحاً. ولكن الحقيقة لا تقف عند حدود الهجرة الجسدية بكل ما تحمله من أعباء نفسية ثقيلة، بل تتعداها إلى تاريخ العبودية الذي لم يكن أندرسون جزءاً من مخلفاته غير أن ملامح ذلك التاريخ بسبب عمق معانيه تنطبع بقوة على سلوك أفراد لم يكونوا من ضحاياه. تنفعنا رسوم هورفن أندرسون في فهم علاقة المهاجر بتراثه الثقافي الذي هو بالنسبة للرسام ليس مجموعة الرموز والعلامات التشكيلية ولا تقاليد الصناعات الشعبية، بل هو ذلك الإنسان المقتلع الذي يحن إلى مكان جرى تدميره

/

اعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي “كتارا” في قطر عن القوائم الطويلة للدورة الثانية عشرة من جائزة كتارا للرواية العربية، كاشفةً عن 18 عملاً مرشحاً في كل فئة من فئات الجائزة، وسط حضور عربي واسع وتنوع لافت في الجنسيات والموضوعات.

وشهدت هذه الدورة مشاركة قياسية غير مسبوقة، إذ بلغ عدد الأعمال المتقدمة 2610 مشاركات، متجاوزةً الرقم الأعلى المسجل سابقاً في عام 2021، ما يعكس تنامي حضور الرواية العربية وتزايد الاهتمام بها على مستوى الكتاب والناشرين.

تنوعت القوائم بين خمس فئات رئيسية، شملت الروايات المنشورة وغير المنشورة، وروايات الفتيان، والرواية التاريخية، إضافة إلى الدراسات النقدية. وفي فئة الروايات غير المنشورة، برز حضور عشر دول عربية، تصدّرتها مصر بأربع روايات، تلتها سوريا وفلسطين بثلاث روايات لكل منهما، إلى جانب مشاركات من الجزائر والسعودية واليمن والأردن والسودان والمغرب وتونس.

أما فئة الروايات المنشورة، فقد ضمت أعمالاً من تسع دول عربية، كان النصيب الأكبر فيها لمصر بثماني روايات، فيما تقاسمت الجزائر ولبنان المرتبة التالية بروايتين لكل منهما، إلى جانب حضور فردي لعدد من الدول العربية الأخرى.

وفي الدراسات النقدية، برز المغرب بثماني دراسات، متقدماً على بقية الدول المشاركة، تليه مصر بثلاث دراسات، بينما توزعت بقية الأعمال على دول عربية وأفريقية من بينها اليمن وفلسطين وموريتانيا وغينيا.

كما سجلت فئة روايات الفتيان حضوراً لست دول عربية، تصدّرها كتّاب الجزائر بستة أعمال، فيما جاءت مصر والمغرب بأربع روايات لكل منهما، مع مشاركات أقل من الأردن واليمن وتونس.

وفي فئة الروايات التاريخية، توزعت 18 رواية على ثماني دول، كان لمصر النصيب الأكبر بسبعة أعمال، تلتها الجزائر بأربع روايات، ثم المغرب بروايتين، إلى جانب مشاركات من اليمن وعُمان والسودان وفلسطين وتونس.

ومن المنتظر أن تعلن “كتارا” عن القوائم القصيرة (تسعة أعمال لكل فئة) خلال شهر أغسطس المقبل، تمهيداً للإعلان عن الفائزين ضمن فعاليات مهرجان كتارا للرواية العربية، فيما تخضع فئة الرواية القطرية لتقييم منفصل.

وتواصل جائزة كتارا، منذ انطلاقها عام 2014 وإقامة دورتها الأولى في 2015، ترسيخ مكانتها كإحدى أبرز الجوائز الأدبية في العالم العربي، من خلال دعمها للإبداع الروائي وتعزيز حضوره عالمياً عبر الترجمة والانفتاح على الثقافات الأخرى.