يشهد المشهد الإعلامي الصوتي تحولاً لافتاً مع صعود «البودكاست» بوصفه واحداً من أبرز أشكال استهلاك المحتوى الصوتي في العصر الرقمي. فوفقاً لبيانات حديثة، تمكن هذا النمط من المحتوى من تجاوز الإذاعة التقليدية للمرة الأولى من حيث حجم الاستماع، في تطور يعكس تغيراً عميقاً في عادات الجمهور وطبيعة العلاقة مع الوسائط الإعلامية. ومع أن المؤشرات تدل على توسع سوق «البودكاست» بصورة متسارعة، يرى خبراء إعلام أن الراديو لا يزال يمتلك عناصر قوة تمنحه القدرة على الحفاظ على مكانته في الفضاء الإعلامي.
فقد كشفت نتائج مسح أجرته مؤسسة Edison Research الأميركية، ونشرتها في نهاية فبراير الماضي، عن ارتفاع ملحوظ في إقبال الجمهور على «البودكاست»، بحيث تجاوزت حصته من إجمالي وقت الاستماع للمحتوى الصوتي الإذاعة الحوارية للمرة الأولى. وأوضحت المؤسسة، المتخصصة في استطلاعات الرأي ودراسات الإعلام والسوق، أن تتبع سلوك الجمهور خلال العقد الأخير أظهر نمواً تدريجياً في الوقت الذي يخصصه المستمعون للبودكاست مقابل تراجع نسبي في حصة الإذاعة. وتشير البيانات إلى أن «البودكاست» استحوذ على نحو 40 في المائة من إجمالي وقت الاستماع، مقابل 39 في المائة للإذاعة الحوارية، مع استثناء وقت الاستماع للموسيقى مقارنة بالبث المرئي للبودكاست.
ورغم ضآلة الفارق بين الوسيلتين، فإن هذا التحول يطرح تساؤلات حول مستقبل المحتوى الصوتي، خصوصاً مع دخول منصات رقمية كبرى إلى ساحة المنافسة، مثل Spotify وYouTube، الأمر الذي يعكس توجهاً متنامياً داخل صناعة الإعلام نحو الاستثمار في هذا النمط الجديد من الإنتاج الصوتي.
وترى الصحافية اللبنانية والمدربة في الإعلام الرقمي هيفاء البنا أن تفوق «البودكاست» على الإذاعة التقليدية لا يرتبط بالصوت وحده، بل يعكس تحولاً أوسع في أنماط استهلاك المحتوى. وتوضح أن الجمهور اعتاد اليوم نموذج «المحتوى عند الطلب»، سواء في مشاهدة الفيديو أو الاستماع إلى الموسيقى، وهو ما جعل التجربة نفسها مطلوبة أيضاً في المجال الصوتي. فالمستمع بات قادراً على اختيار الموضوع والحلقة ووقت الاستماع، بينما يبقى الراديو التقليدي محكوماً بجدول بث ثابت يفرض على الجمهور التكيف معه.
كما تشير البنا إلى عامل التخصص بوصفه أحد أبرز عناصر قوة «البودكاست»، إذ يتيح إنتاج برامج شديدة التحديد تستهدف اهتمامات دقيقة لجمهور بعينه، وهو أمر يصعب تحقيقه في الإذاعات العامة التي تسعى إلى مخاطبة شريحة واسعة ومتنوعة من المستمعين. وتضيف أن انتشار أنظمة الترفيه الذكية في السيارات، وإمكانية ربط الهواتف الذكية بها، أسهم في تسهيل الوصول إلى تطبيقات البودكاست والكتب الصوتية ومنصات الموسيقى.
وفي مؤشر آخر على تحولات الصناعة، دخلت شركات إعلامية كبرى على خط الاستثمار في هذا المجال. فقد أبرمت منصة Netflix اتفاقيات مع مؤسسات إعلامية مثل iHeartMedia وBarstool Sports لعرض إنتاجاتهما من «البودكاست» عبر المنصة بصيغ بصرية متطورة، تتجاوز القالب الصوتي التقليدي وتقترب من إنتاج البرامج التلفزيونية.
ويتقاطع هذا الاتجاه مع بيانات أعلنتها YouTube في ديسمبر الماضي، كشفت عن نمو كبير في مشاهدة «البودكاست المصور» عبر أجهزة التلفاز الذكية. فقد سجلت المنصة نحو 700 مليون ساعة مشاهدة شهرية خلال عام 2025، مقارنة بنحو 400 مليون ساعة في عام 2024، ما يعكس اتساع جمهور هذا النوع من المحتوى.
ويرى خبير تحليلات الإعلام الرقمي الحسيني موسى أن المقارنة بين «البودكاست» والإذاعة لا تتعلق بتفوق أحدهما على الآخر بقدر ما تعكس اختلافاً في النموذجين من حيث الإنتاج والتوزيع وطبيعة العلاقة مع الجمهور. فالإذاعة، بحسب موسى، تقوم على منظومة مهنية أكثر صرامة في التحرير والتحقق من المعلومات، الأمر الذي يقلل من احتمالات الخطأ أو التضليل. في المقابل، يمنح «البودكاست» مساحة أوسع من الحرية الإبداعية التي تكسر القوالب التقليدية، لكنه قد يفتح المجال أحياناً لانتشار محتوى غير دقيق أو غير خاضع للرقابة.
ويضيف موسى أن أحد أبرز عوامل جاذبية «البودكاست» يكمن في العلاقة الشخصية التي يبنيها مع الجمهور، إذ تميل حلقاته إلى الامتداد لفترات طويلة قد تصل إلى ساعات، ما يمنح المستمع إحساساً بالقرب والثقة الناتجة عن التواصل الإنساني المباشر، حتى وإن لم يكن هذا الشعور قائماً دائماً على معايير مهنية صارمة.
ومع ذلك، يؤكد موسى أن الإذاعة لا تزال تمتلك مزايا تنافسية مهمة. فالعامل الأول يتمثل في الثقة، إذ يشعر جمهور الراديو غالباً بقدر أكبر من الاطمئنان إلى المحتوى الذي يخضع لعمليات تحرير وتدقيق مهني. أما العامل الثاني فهو الآنية، إذ تبقى الإذاعة واحدة من أسرع الوسائل الإعلامية في نقل الأخبار العاجلة ومتابعة التطورات اللحظية.
أما العامل الثالث، فيكمن في قدرة الإذاعة على التكيف مع التحول الرقمي. فالمستقبل، بحسب موسى، لن يكون للبث التقليدي وحده، بل لإعادة توزيع المحتوى الإذاعي عبر المنصات الرقمية بطريقة أكثر مرونة، بما يسمح بالوصول إلى جمهور أصغر سناً اعتاد استهلاك الإعلام عبر التطبيقات والمنصات الرقمية.

