يقع قُصير عمرة في بادية الأردن جنوب غربي محمية وادي الأزرق، ويُعدّ أحد أبرز شواهد الفن الأموي الجداري. يشتهر الموقع بزخارفه التصويرية التي تحوّل جدرانه إلى ما يشبه متحفاً مفتوحاً للرسم الأموي، وقد كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل مطلع القرن العشرين، لتبدأ منذ ذلك الحين سلسلة من الدراسات والترميمات التي أعادت قراءة لوحاته الشهيرة.
من أبرز هذه الأعمال جدارية «ملوك العالم» التي تحتل الجدار الغربي في الإيوان الغربي من القصر، ضمن تكوين يتجاور مع لوحتين أخريين. تُظهر الجدارية ست شخصيات ملكية متقابلة ترفع أيديها باتجاه لوحة مقابلة تمثّل الأمير الأموي الوليد بن يزيد في مجلسه، في مشهد يجمع بين الرمزية السياسية والتمثيل الفني. وقد اعتمد الباحثون في دراستها على رسم توثيقي نشره موزيل عام 1907، إذ لم تصل اللوحة بحالتها الكاملة بعد أن فُقدت أجزاء منها أثناء محاولة نقلها، ونُقلت عيّنة صغيرة منها إلى متحف الفن الإسلامي في برلين.
شهدت الجدارية عمليات تنظيف وتدعيم في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تخضع لترميم علمي دقيق بدأ عام 2010 بإشراف فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم»، ما أسفر عن ظهور تفاصيل لونية وملامح وجهية كانت مطموسة. وتُظهر اللوحة في مقدمتها ثلاث شخصيات كاملة القامة ترتدي أزياء فاخرة، وخلفها ثلاث شخصيات أخرى تبدو وجوهها جزئياً، في تكوين يوحي بمصافٍ واحد يجمع ملوكاً من عوالم مختلفة.
تكشف الكتابات المرافقة عن هوية أربعة من هؤلاء الملوك: «قيصر» إمبراطور الروم، و«كسرى» ملك الفرس الساسانيين، و«النجاشي» ملك الحبشة، وملك القوط رودريغو حاكم هسبانيا في مطلع القرن الثامن. أما الشخصيتان المتبقيتان فظلتا موضع بحث، ويُرجّح أن تمثّلا ملك الترك وملك الصين أو الهند. ويلاحظ أن الأسماء دوِّنت باليونانية والعربية معاً، في دلالة على التداخل الثقافي الذي ميّز المرحلة الأموية.
رأى الباحث أوليغ غرابار في منتصف القرن العشرين أن هذه الجدارية تعبّر مجازياً عن رؤية الحكم الأموي للعالم، حيث يُقدَّم الملوك المهزومون في التاريخ الإسلامي في هيئة وقورة تقف في حضرة الأمير، لا بوصفهم أعداء منكسرين بل ضمن مشهد يوحي بوراثة حضارية وثقافية. ويُحاكي التكوين تقاليد تصوير فارسية تُظهر ملوك الأرض مجتمعين، لكنه يكتسب طابعاً محلياً من خلال تدوين الأسماء وصياغتها ضمن سياق أموي.
تعكس جدارية «ملوك العالم» في قصير عمرة روحاً أممية ميّزت المجتمع الإسلامي في العصر الأموي، حيث تداخلت تقاليد فنية من الروم والفرس وبلاد أخرى، لتُصاغ ضمن رؤية بصرية جديدة. وتبقى هذه اللوحة، بما تحمله من رمزية سياسية وجمالية، واحدة من أهم الشواهد على قدرة الفن الأموي على استيعاب الموروثات العالمية وإعادة إنتاجها في سياق إبداعي خاص.

