استعراض الأقسام

دراسات ومقالاتصفحة

شارك آرثر الصغير وهو اليافع الذي لم يكن قد راهق 15، في مسابقة شعرية باللاتينية. كان ذلك في 2 يوليو/تموز 1869، في شارلفيل ميزيير مسقط رأسه. كان موضوع المسابقة هو الملك النوميدي «يوغرطة الذي أقض مضجع روما».
ويذكر بعض الذين نقلوا هذه القصيدة من اللاتينية إلى الفرنسية، أن الطفل الصغير آرتور كان ساهما ذاهلا؛ لا يكتب شيئا، عندما شرع التلاميذ المتسابقون في تدوين ما يعرفونه عن الموضوع. كان جائعا صبيحة ذلك اليوم، فطلب قليلا من الخبز المحمص. وما أن أن امتلأ بطنه وشبع، حتى أمسك بقلمه وبدأ في نظم قصيدته التي تحوي 75 بيتا.
والقصيدة أشبه بـ«قصيدة القناع» أو «المعادل الموضوعي، فهي مديح لهذه الشخصية الاستثنائية في تاريخ الشمال الافريقي؛ لكن يوغرطة ليس إلا قناع الأمير المجاهد العظيم عبد القادر الجزائري، الذي قاوم فرنسا سنوات طوالا؛ ثم أسره نابليون. على أنه لا يفوتني أن أنبه إلى أن رامبو كتب في النص اللاتيني الأصلي»في جبال بلاد العرب» وليس»في جبال الجزائر» كما «حرف» المترجم الفرنسي؛ وأنه قد يكون كتب هذه القصيدة، وقد ألمت به مؤثرات من والده، الذي ترجم القرآن، وشارك في الحرب ضد الأمير عبد القادر، وعاد إلى فرنسا معجبا بهذه الشخصية الفذة.
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
يوغرطة هذه الشعوب الأبية
كانت أولى الأيام تهم أن تتسرب إلى الغرب
عندما انتصب أمام أبويه، شبح مرعب، شبح يوغرطة منحنيا على ولدهما
وقد أخذ يقص حياته وشقاءه:
«آه أيتها البلاد.

٭ ٭ ٭

آه أيتها الأرض حيث تتوهج بسالتي»
ثم تلاشى الصوت في تنهدات الريح.
روما هذه المغارة مغارة الأشرار، عصابة اللصوص
المتسللة رأسا من أسوارها تلك التي تدفعها دفعا
روما الأثيمة، كانت بين مجساتها تكتم أنفاس جيرانها
وكانت في آخر المطاف، تبسط سلطانها على كل شيء.
غالبا ما كنا نخضع تحت النير
لكن الشعوب الثائرة لا تني تتبارى، في حمية
ومن أجل الحرية، تريق دمها
روما التي لا غالب لها

٭ ٭ ٭

بلا جدوى
كانت تعرف كيف تبيد الذين يقاومونها.
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
في روما هذه، كنت قد صدقت طفلا طهارة الروح
وإذ استطعت أن أبصر وجهها، بصورة أفضل
كابدت في ظل سلطتها المطلقة، الجرح الغائر
كان الظمأ المقدس إلى الذهب،
يسيل، هذا السم المقزز
منتشرا في دمها، وفي جسمها المدجج بالسلاح.

وكانت العاهر تبسط سلطانها على العالم
«أنا على هذه الملكة أعلنت الحربَ
تحديت الرومان الذين كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم» .

٭ ٭ ٭

لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
عندما توصلت روما، في مجالس ملك نوميديا، إلى اكتساب الرضى ببراعة
وكانت بمكائدها تسعى إلى أن توثق وَثاقنا
أنا استشعرت الخطر
وصممت على أن أفسد خططها
وكنت أعرف جيدا أي جرح تفريه أحشاؤها
آه يا شعب الصناديد، آه يا مجد المعارك
روما ملكة العالم، التي كانت تزرع الموت
تجثو متذللة لي، التي كانت تتمرغ ثملة بالذهب
حقا لقد سخرنا من روما النهمة التي لا تشبع
عن واحد اسمه يوغرطة، كان الحديث هذا وأكثر، يدور
ذاك الذي لا أحد كان بميسوره، أن يصمد له
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
«بعلم من الرومان، حتى في حاضرتهم، لأدخلن أنا النوميدي غير عابئ بصلفها الملكي
لإمرغن جنودها المرتزقة في التراب
أخيرا استرجع هذا الشعب أسلحته المتروكة
لأشهرن سيفي، بلا أمل أخرق في الانتصار
لكن روما كانت تحت المحك تُمتحن
لأواجهن الجحافل، بجلاميد الصخر العالية، بأنهاري أنا
في ليبيا كان الرومان، يقاتلون في الرمال
كان عليهم أن يدركوا بروجا مشيدة منيعة تكاد:
من دمائهم، كانوا وهم البله، يرون حقولنا تُصبغ بالحمرة،
عشرين مرة، من غير أن يدركوا سر ذلك الاستبسال»
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
«ربما، ليس هذا مستحيلا لو أني لم أربح المعركة؟
غير أن هذا الماكر بوخوس.. وها أنا أقص عليكم قصتي:
لقد خلفت ورائي، دونما ندم، بلاطي ومملكتي
كانت ريح المتمرد تلفح وجه روما
بيْد أن فرنسا اليوم تبسط سلطانها على الجزائر
منتزعة الوطن إلى قدرها المشؤوم
ألا خذ بثأرنا يا ابني، وأنتم إلى مرمدة الموتى، يا حشد العبيد
ولينبعثن في قلوبكم المضطرمة رجال بواسل
بسيوف آبائكم، اطردوا المحتل
باسمي، بدمه أرووا أرضنا
وليثبْ من الجزائر مئة أسد
تنشب أنيابها المنتقمة في الكتائب
ولتنصرك السماء أيها الطفل، ألا اكبرْ سريعا
لطالما لوث الفرنسي شواطئنا
وكان الطفل ضاحكا يلاعب حسامه
واهًا نابوليون، لقد حطمنا حلم يوغرطة الثاني
هذا الذي يذوي في السلاسل
وإذن، نرى في العتمة ما يشبه خيال إنسان،
حيث من فمه وقد هدأ روعه، تتداعى هذه الكلمات:
لا تبك بعد الآن يا طفلي، سلم أمرك للإله الجديد
هي ذي أيام أجمل، وقد عفت عنك فرنسا
متقبلا في آخر المطاف سخي تحالفها
لترَين الجزائر تزدهر في ظل شريعته
هو سيد أرض شاسعة، كاهن قانوننا
فاحفظن بصدق، الذكرى الأثيرة
ذكرى اسم يوغرطة،
إياك أن تنسى مصيره، فأنا جني ضفاف الجزائر»

منصف الوهايبي-تونس

” يالك من أحمق يا نيتشه ، فأي سوبرمان هذا الذي تنادي به ؟ ” (ص219). 

 عبارة وردت في جواب محسن عن سؤال وجهته له ” محبوبته ، معشوقته ، زميلته ريتا ” عن معنى ـ بل عن جدوى ـ الحكمة .

  ثمة سؤال طرحته على نفسي ؛ لماذا يكتب الدكتور والناقد والأكاديمي على حسين يوسف رواية (تلك أسفارُه) ؟ وما الجدوى منها وهو الذي لديه كتب تدرَّس في الجامعات العراقية ؟ وقد خطر على بالي قول مايكل كارول في معرض وصفه لتجربة كتابة رواية ولم تحظ بالقبول والنشر، قائلا (ولست أشك في أن هنالك المئات من الأكاديميين لديهم مخطوطات يتجمع فوقها الغبار مركونة على رفوفهم، والحقيقة أن هنالك واحداً من كل عشرة آلاف أكاديمي يمتلك امكانية تحويل خبرته المدرسية إلى عمل روائي جيد). فهل كان علي حسين يوسف هو هذا الواحد ؟

 لا أعلم ، ولكنني وجدت بعضا من ضالتي في روايته (تلك اسفارُه) فاقتنصتها . 

 نحن نعلم أن غاية الروي أن تدخل المتعة على القارئ من خلال التسلية أو اللهو , لكنني لا أعتقد أن رواية ” تلك اسفاره ” تحمل أيا من تقنيات التسلية أو اللهو بالشكل المتقدم ، فهي خالية من التخمين ، والتوقع والانتظار والدهشة , ولكن قارئا مثلي قد يجد المتعةً في فك أسرارها المخبوءة خلف الكلمات المثقلة بالثقافة الموسوعية ، فيلتقط ما يشي بفلسفة فيها ومن بين سطورها . 

 فالسؤال السردي التخميني : ما التالي ؟ وقد تمت الإجابة عليه من الصفحات الأولى للرواية ، بموت محسن ، وجنون زوجته لكن السؤال الفلسفي بقي شاخصاً ، ماذا يريد أن يقول لنا (علي حسين يوسف) ؟ يمكنني القول إنها سرد فلسفي , فهل في ذلك مجازفة ؟ 

 وهل هو يبحث عن قارئ تقليدي للرواية (باحث عن المتعة) ، أو يتوجه إلى قارئ مغاير ؟ أزعم بأنه لو كان راغبا في التوجه “لطالب المتعة” لما أثقلها بكل تلك الآراء والأسماء : الفلسفية والنفسية ، والتحليلات الاجتماعية والأنثروبولوجية , فما اعتقده أنه يبحث عن قارئ مشاكس لا متواطئ ؛ قارئ لا يفترسه النص وبعيداً عن التلقين ، قارئ يصبر عليه ويفكر بما بعد النص ، ليصبح منتجاً لنص مواز … إنها تدريب لتفكير فلسفي . 

 إنها أسفار في الحكمة وأهلها والفلسفة وفلاسفتها وعلم النفس وعلمائه ، والتاريخ وشراحه ، والشعر والشعراء والفن ومبدعيه ، إنها أسفار ذاكرة مختزنة بثقافة موسوعية يتم تظهيرها سردياً , تستخدم هنا السردية (إن لكل شيء قصة) لتفسير الخبرة البشرية ، فكل شيء يأتي من مكان، وله قصة وعلاقات بالأشياء الأخرى، وما دام بالإمكان إعادة سرد تكوين وتطور شيء ما سيكون بالإمكان وضعه بلغة سردية. 

 إنها سيرة شخصية وتاريخ … أرشيف للحوادث والأفكار(ص290) , هي ملاحظات لشاهد عيان ينظر للآخرين من عليائه العقلي بعيدا عن مشاعره ، ليسجل بأسلوبه الخاص الحوادث وهو غير معني بهم ، فهو سارد حيادي ، فهو لا يخوض في بيان مكابداتهم وكيف يشعرون ، بل يصف من الخارج ما يشغلهم ويعانون ، إنه يترفع على تقمص شخصياته ، ليبقى عقلاً شارحا ومفسرا لما يحدث ولا يعيش الحدث ، لذا فهو لا يجعلنا نعيش الدهشة ، بل يوقظنا في كل حين ، وتلك مهمة الفلسفة . 

هنالك انفصال بين الحدث والمشاعر … بين الزمن وتوالي الأحداث ، حتى لتشعر وكأنك في هياج من تلاطم الأفكار , فثمة فرق بين سرد يمثل تواليا للأحداث ، وسرد نقدي لهذه الأحداث نفسها ، لا تجد تفسيرا لهذا التوتر بين الزمن السردي والانفعال ، أو بين الحدث والمشاعر. 

 نجد هنا سردا يقوم على تأسيس قوي عن الصدق والحق الأخلاقي ، أي لا يقنع بمجرد السرد ، بل هو مدعوم بأفكار وحجج يمكن أن تنتج تفكيرا نقديا , فعلينا أن نقرأ (أسفاره) في علاقاتها بمفاهيم كلية  مثل : الحق والأخلاق ، والعدالة ، والحيادية في النظر إلى الاشياء ، وصولا إلى إمكان تحقيق مآلات البشرية . 

 لذا فهو يسأل عن حدود العقل(ص14) ليقول لنا إن ” من أصفها لكم لا تتوهمونها بفقدانها للعقل ” وهو لا يدع لنا مجالا أو فسحة لكي نترقب التالي ، فيقضي على متعة الانتظار والاكتشاف لدى القارئ ، ليجيب : لماذا ينسبون العقل للبعض فيما تسلبونه مني(ص16). 

 فهل هو سرد احتجاجي أو تحليل للواقع عندما يستفهم عن “عقل الانسان الذي نادرا ما يستحضر حكمة الموت (ص39)” , فغاية الحياة هي اللذة التي لا يتبعها ألم (ص213) , وإن العقل قُرن بالحلم ، فزكاة العقل احتمال الجُهال (ص227-228) , فنحن لسنا كائنات منفصلة عن هذا الوجود، وخطيئتنا القاتلة حين نتصور أننا كائنات مستقلة (ص219) , فعوالمنا غالبا ما تمثل قناعاتنا نحن ، وهل يُخلق العالم من دون الكلمات والخيال(ص24) ؟ تلك هي فلسفته التي تجمع بين الظواهرية اللغوية , وأيضا البراجماتية لأغراض استخدام الوسائل المختلفة التي تتوسط اللغة من خلالها الخبرة البشرية بالعالم كما نراه .

 يحتل الإنسان مركز الصدارة في (تلك أسفارُه) لذا فثمة فرق بين سرد وهو توالي للحدث ، وسرد نقدي لهذه الأحداث ، أن تفسر هذا التوتر بين الزمن السردي والانفعال ، أو بين الحدث والمشاعر، كما يظهر من اقحام حوار العاشقين : (ريتا ومحسن) وهم من المفروض في خلوة وجدانية فنفاجئ بسؤال ريتا عن الهوية : ” ولأننا في العراق نعاني من إلحاح سؤال الهوية ، لأنه يشي بضنك الواقع وتشظيه(ص204) “.

 ويسترسل ليطلعنا على فلسته ورؤيته للهوية بقوله : ” إن الكتابة أو الحديث عن الهوية تعني بشكل ـ من أشكالها ـ ورطة ، إنك تضع نفسك في عملية انكشاف أمام الآخر، بل ربما تضعها في مواجهة مع الآخر، ومن شدة وطأته على كواهلنا نحن أبناء هذ البلد، يمكن القول إن العراقي اليوم ما عاد يفكر بأمر مثل تفكيره بمسألة الهوية (ص204) “. 

 ينتهي المطاف بالبطل في نهاية الرواية وهو يسير مع عباس متجها إلى القرية ” يقف مذهولا أمام شيء أسود إنه يشبه الإنسان (ص335)”، إنه معروف لديه بشكله العام ، وغريب عنه بتفاصيله ، يتقدم نحوهما هذا المخلوق بهيئته المخيفة (ونعود لفلسفته) : الكلمات تصنع عوالمنا ، فكلما أقرب منهما ينكرونه ولا يعرفونه ، وهنا تكمن فلسفة الاغتراب ، كلما بعد عنهم عرفوه بشكل مبهم ، وكلما اقترب (أكثر معرفة) أصبح غريبا عنهم , ” فالغرباء كائنات مخيفة (ص103)”، هكذا رسخت الكلمات شعورا غريبا ، بأن البشر يصنعون الحواجز للتفرقة بينهم مما يضاعف الريبة بينهم ويؤجج الكره ، ويزيد من عدم الثقة بالآخرين (ص104). 

 لذا فالحروب قبل أن تقع على الأرض تضطرم بالعقول ، فواقع الحال يشير إلى أن الحروب تقع بين الأفكار قبل أن تتحقق على الأرض ، انطلاقا من فكرة : ” أنا المحق وأنت المخطيء ” (ص149-150). 

 إن الحقيقة تبدو كارثية حين يقتل الناس بعضهم باسمها … مشكلة الحقيقة لا تكمن في وجودها أو انعدامها ، بل تكمن في طريقة تصورنا لها(ص159) , لكن المهم أنه إذا وقعت الحرب وقد أحرقت الأخضر واليابس ، فهذه هي الحقيقة بل هي الحقيقة المرة(ص152) , لتنتهي الرواية باختفاء محسن وصمت عباس في الافصاح عن وجود هذا الغريب . 

د. سليم جوهر 

/

هل مِن جديدٍ يمكنُ أن يقولَه هذا المَقال القصير بشأن رواية ماركيز التي تُرجِمَت إلى ذلك الحشد الهائل من اللغات، وكُتِبَت عنها آلاف الصفحات في كُلّ تلك اللغات؟! لا أدري على وجه اليقين، لكن ما أُؤمن به أنّ لهذه الرواية عَطاءً خاصًّا في أزمنة الوباء. 
لا تلعبُ الكوليرا دور البطولة في الرواية، وهو شيءٌ قد يُوحي به العنوان، وإنما تمثّل خلفيّةً مستمرّةً للأحداث منذ ما قبلَ بداية السَّرد إلى آخِر سطرٍ فيه.

تدورُ الحكاية – باختزالٍ مُخِلٍّ بالطبع – حول الفتى الحالِم (فلورنتينو أريثا) الذي يقع في حُبّ الصبيّة (فِرمينا داثا)، وتتطور علاقتُهما من خلال المراسَلة إلى وعدٍ بأن يتقدّم لخطبتِها، ثم يُحبِط والدُها (لورنثو) زيجتَهما ويبتعد بابنتِه بعيدًا إلى حيث عائلةُ أُمِّها المتوفّاة، لكنّ الحبيبين المُراهِقَين يظلاّن يتراسلان عبرَ أسلاك البَرق، وحين تعودُ فِرمينا مع أبيها إلى منزلِهما بعد بضعِ سِنين، تقطع علاقتَها بفلورنتينو لأنها تكتشفُ أنّ ما كان بينهما ليس أكثرَ من وهمٍ من أوهام المراهقة.

يتقدّم لخطبتِها الطبيب الناجح الشهير (خوفينال أُربينو)، ويُعمَّر زواجُهما خمسين عامًا، يَخبُران خلالَه كُلّ ما يَخبُره المتزوجون من صُنوف السعادة والشقاء، ويُنجِبان ويصبحان جَدَّين، لينتهي زواجُهما بوفاةِ الدكتور خوفينال.

وفي ليلة العزاء يجدِّد فلورنتينو للأرملة المُسِنَّة فِرمينا تصريحَه بالحُبّ. تنهرُه فِرمينا بعُنفٍ أوّلاً، ثم تعود مراسلاتُهما تدريجيًّا، وتتطور إلى لقاءٍ أسبوعيٍّ في بيتِها بحُضور ابنِها الطبيب (أُربينو) وزوجتِه أحيانًا، وينتهي الأمر بقَبُولِ فِرمينا الخروج في رحلةٍ نهريّةٍ على مَتن سفينةٍ ضِمن أسطول شركة الملاحة النهرية التي يرأسُها فلورنتينو، حيث يُتوَّجُ حبُّهما أخيرًا بعلاقةٍ حميمةٍ كاملة.
ظهورات الكوليرا:
نعرفُ أنّ الدكتور أُربينو الكبيرَ والِدَ (خوفينال) ماتَ شهيدَ الكوليرا وهو يطبّق الطرُق القديمةَ في مكافحة الوباء بين أهل المدينة، بينما يقدّم خوفينال الشابّ العائدُ من دراسة الطبّ في باريس خدمةً جليلةً للمدينة بتطبيق أحدث وسائل الوقاية والحَجر الصحي وتوصيات عِلم الصحّة العامّة، فينجح في الحَدّ من انتشارِها نجاحًا كبيرًا لم يُتَح لأبيه المُخلِص.

أمّا لحظة تعرُّف خوفينال إلى فِرمينا فتأتي مع استدعائه للتثبُّت من تشخيصٍ قدّمَه أحدُ زملائه لحالتِها إثرَ وعكةٍ صحيّةٍ مرَّت بها، حيث شخّصَها الزميلُ خطأً باعتبارها مُصابةً بالكوليرا.

كذلك تظهر الكوليرا في الإشارات المتكررة التي تُشيرُها (ترانسيتو أريثا) والدة فلورنتينو إلى وَلَه ابنِها بمحبوبتِه، فهو ولَهٌ يصِلُ به إلى حالةٍ من الهُزال والضعف لا يُوصِلُ إليها بخلاف الحُبّ إلاّ الكوليرا! نصطدم بالكوليرا أيضًا في مشهدٍ مُفجِعٍ، هو مشهدُ رحلة المُنطاد الأولى في المدينة، تلك التي تشارك فيها فِرمينا إلى جواز زوجِها خوفينال باعتبارِها في منزلةٍ اجتماعيّةٍ تكادُ تكونُ فيها هي سيّدة المدينة الأولى.

فبينما يحلّق المُنطادُ عاليًا، يقع بصرُها على عشرات الجُثَث لمرضى الكوليرا قُربَ مدينةِ منشئِها الفقيرة. وأخيرًا، تصحبُنا الكوليرا إلى المشهد الأخير، فبعد أن يصعَد المسافرون إلى متن السفينة قاصِدِين المدينةَ التي يعيش فيها أبطالُ الرواية، تتعرّف فِرمينا خُلسةً على وجوهٍ كثيرةٍ لمَعارِفها، وتفزعُ لذلك أشدَّ الفزع لحساسية موقفِها كأرملةٍ مضى بالكادِ على وفاة زوجِها عامٌ واحدٌ فخرجَت في رحلةٍ نهريةٍ للتنزُّه مع حبيبِها القديم، لاسيّما أنها امرأةٌ في الثانية والسبعين، فيصل فلورنتينو مع القبطان إلى حَلٍّ بأن يُعلِنَ الأخيرُ للصاعِدين إلى السفينة وجودَ حالاتٍ مُصابةٍ بالكوليرا، ويغادرون السفينةَ بالفعل إلى سفينةٍ لشركةٍ مِلاحيّةٍ أخرى، ويرفعُ القبطان رايةَ الوباء الصفراء.

لكنّ التفتيش الصحّيّ يقابلُ السفينة ويَطلُب من قبطانِها إنزالَ الحالات إلى بَرٍّ قريبٍ لتوقيع الكشف الطبيّ عليهم، فيصل القبطان مع فلورنتينو إلى مَخرجٍ من هذه الورطة بأن تأخذ السفينةُ الوِجهة المضادّة لتعودَ مِن حيثُ أتَت، ويقترحُ فلورنتينو أن يظلّوا هكذا إلى الأبد، فرارًا من تطفُّل الآخَرين!

أبطال الرواية:
في اللغة الإسبانية مَعانٍ تُوحي بها أسماء الأبطال الثلاثة، تتجاوب وطبائعهم التي تكشف عنها الأحداث، وهي ملاحظةٌ يصعُب أن نغفلَها ونحن في حضرة ماركيز أحد كبار أساتذة السّرد.

ففِرمينا Fermina اسمٌ يُوحي بالقوّة، وهي بالفعل شخصيّةٌ قويّةٌ تفرضُ حضورَها في كلّ سياقٍ تجدُ نفسَها فيه، بدءًا من بيت أبيها ومرورًا بعلاقتها الأولى بفلورنتينو ثُمّ دخولها مجتمَع عِليَة القوم إثرَ زواجِها بالدكتور أُربينو، فضلاً عن علاقتِها بأمّ زوجِها وأُختَيه اللاتي يفرضن في معاملتهنّ لها صعوباتٍ خاصّةً تتخطّاها هي بالتأقلُم على عِيشتِهنّ، وانتهاءً بتتويج علاقتها بفلورنتينو. 

أمّا خوفينال أُربينو، فاسمُه الأوّل يعني (الشابّ)، وهو أمرٌ يتجاوبُ مع رُوحِه الشابّة التي تجدد للمدينة مظهرَها ومَخبرَها، واسمُ عائلتِه Urbino مُشتقٌّ من المفردة اللاتينية Urbinum التي تعني (مدينة صغيرة)، وهو معنىً ينطوي في تقديري على إشارةٍ إلى نذره حياتَه لمدينته، وإلى ابتلاع الحياة العامّة له بالكامل، فهو رجُل المدينة الأوّل لعقودٍ خمسةٍ تقريبًا، تمثّل عُمر زواجِه من (فِرمينا). ولعلّ المشهد الذي يذكرُ (فرمينا) وهي تتذمّر ذاتَ يومٍ وتصرخُ فيه: “إنك لا تعرفُ كم أنا تعيسة”، ثمّ ردَّه عليها باكيًا في هدوءٍ: “عليكِ أن تعرفي أنّ الزواجَ الناجحَ ليس المبنيَّ على السعادة، وإنما هو المبنيُّ على الاستقرار”، هو مشهدٌ دالٌّ على ذهنيّة (أُربينو) المهووسة بالنظام وإنزال الأشياء منازلَها. هذا رغمَ ما في زواجهما من لحظاتٍ سعيدةٍ كثيرةٍ تذكرُها فِرمينا بامتنان.

أخيرًا يأتي اسمُ فلورنتينو Florentino ومعناهُ (المُزهِر) متجاوبًا مع قوّة الخيال الاستثنائية التي يتمتع بها الرجُل، فهو الذي يُفني صِباه عاشقًا لفتاةٍ تغيبُ عن ناظِرَيه ثلاثَ سِنين ويظلُّ وفيًّا لها، يكتبُ لها عددًا خياليًّا من الرسائل التي تنضحُ بالشِّعر، وحِينَ يسلّم نفسَه لتصرُّف عمِّه (ليو الثاني عشر) ليوظِّفَه في شركة الملاحة النهرية، يجدُ نفسَه عاجزًا عن كتابة خطابِ عملٍ واحدٍ بلهجةٍ محايدةٍ مناسبةٍ لخطابات العمل، فهو يُودِعُ كُلَّ خطاباتِه قدرًا واضحًا من العاطفة المشبوبة! وهو الذي يقضي شطرًا من شبابِه بين العاهراتِ في (الفندق المؤقَّت/ البيت المشبوه) في عِفَّةٍ تامَّةٍ، لكنّه بعد زواجِ (فِرمينا) يتقلّب بين مئاتِ العشيقات، وإن كان يحرص على السّرّيّة التامّة لئلاّ يصل إلى فرمينا خبرُ فُجورِه حتى بعد زواجِها، وهو انتهاءً ذلك الذي ظلَّ حُبُّه لفتاته الأولى حيًّا في قلبه حتى مات عنها زوجُها بعد خمسين عاما!   

ولعلّ طبيعة عملَي أُربينو وفلورنتينو تُخبرُنا بشيءٍ عن موقفِهما من العالَم، فأُربينو طبيبٌ مخلصٌ لقضيّة تخليص الأجسادِ من الكوليرا.

وأهمُّ أعراض الكوليرا المعروفة في الطبّ المذكورة في الرواية هو الإسهال العنيف المؤدّي إلى الجفاف والموت.

أمّا فلورنتينو فهو يبدأ ظهوره في الأحداثِ موزِّعًا للبريد، ثُمّ يعمل في مكتب البرق، وينتهي في شركة المِلاحة النهرية، وفي شبابِه يجلسُ في (دَرب الكَتَبَة) ليكتُبَ رسائلَ للعُشّاق العاجِزين عن صياغة مشاعرِهم.

أي أنّه يقومُ طيلةَ حياتِه بدَور مساعدة الآخَرين في متابعة شغفِهم، سواءٌ الشغفُ بالمحبوب أو بالسَّفَر. هذا بينما يُعاني هو نفسُه إمساكًا وراثيًّا مُزمِنًا لا يساعده في مواجهَته إلا الحُقَن الشرجيّة! 
في رأيي أنّ طبيعتَي هذين العملَين تضعُنا أمامَ صرامةِ عالَم أُربينو الذي لا يُريد للإنسان أن تتسرّبَ منه رُوحُه في نزف سوائلِ جسدِه/ الكوليرا/ العِشق، في مقابل استسلامِ عالَم فلورنتينو لنزيف العاطفة، فهو يكتبُ رسائل الحُبّ لنفسِه وللآخَرين، ويستسلم للحُقَن ليستبدِل بإمساكِه راحةَ النزف، فضلاً عن استسلامِه للعلاقات الجسديّة المُحرَّمة الكثيرة التي يبذُلُ فيها ماءَه في سخاء.

وبعدُ، فيبدو أنّ وقوع فِرمينا بين عالَمَي هذَين الرجُلَين يمثّل وضعَ الحياةِ بين قُطبَي النِّظام والعاطفة. إنّ الأرملةَ تذكُرُ حياتَها الطويلةَ مع زوجِها، تلك الحياةَ التي لا يمكنُ في التحليل الأخرِ وصفُها بالتعاسة، لكنّها حين تتأمَّلُها لا تعرفُ إن كانت الأعوامُ الخمسون هي الحُبَّ الحقيقيَّ مُجسَّدًا أم شيئًا آخَر.

وهكذا تتركُنا الروايةُ لسؤالٍ مفتوح: أيُّهما المَتنُ وأيُّهما الهامش؟ أُربينو أم فلورنتينو؟ المدينةُ أم الزهرة؟ موعِدُ العملِ أم رسالةُ الحُبّ؟ الزواجُ أم عواطِفُ المراهقة؟ وما يعمِّقُ السؤال هنا أنّ عواطفَ المراهقةِ تعيشُ في الرواية إلى أن تَرِثَ الزِّيجةَ التي استمرّت نصفَ قَرن.  

الشيخوخةُ والموت:
يراقبُ فلورنتينو علامات الشيخوخة وهي تغزو جسدَه رُويدًا رويدًا، وحين ينظر إلى القُروح المبثوثة في جسدِه بفعل عدوى السَّيَلان والأمراضِ المنقولةِ جِنسيًّا يعتبرُها أقربَ إلى غنائمِ الحَرب.

أمّا حين يظفرُ أخيرًا بقُبلةٍ من فِرمينا على سطح السفينة، فإنّه يُفاجأ برائحة الشيخوخة في أنفاسِها، ثم يفكّر أنّ أنفاسَه هي الأخرى تعبق بالتأكيد بذاتِ الرائحة، لاسيّما أنه يَكبُر فِرمينا بأربعة أعوام (وهي بالمناسبة رائحةٌ مُثبتةٌ علميًّا يرجِعها بعضُ الدراساتُ الحديثة إلى تصاعُد مادّة نونينال nonenal في أجساد المُسِنِّين). 
هكذا يكتمل الانشغالُ بالجسَد في رواية ماركيز، وهو انشغالٌ يضعُنا أمام سؤال ثنائيّة الرُّوح والجسد حين تجدُ فرمينا نفسَها في بؤرة اتّهام المجتمَع والأُسرة بعدم مناسبة الحُبّ للمُسِنِّين. هل تَهرَم الرُّوح كما يَهرَم الجسد؟ 

في مقابلِ العشق الباقي على إصراره في رُوحِ فلورنتينو، نجدُ أنّ الصَّبيَّة (أميريكا فيكونيا) ذات الأربعة عشر ربيعًا التي دخلَت في وِصايَتِه وأقام معها علاقةً جنسيةً ثم هجرَها ليستأنفَ علاقتَه القديمةَ بفرمينا، هذه الصبيّة بإقدامِها على الانتحار مثَّلَت جوابًا محتمَلاً على ذلك السؤال الأخير. لقد فقدَت روحُها المقاومةَ سريعًا وهي في مَيعة الصِّبا، أي أنَّها رُوحٌ شاخَت في جسَدٍ يبدأ شبابَه!

حكاياتٌ مستورةٌ في الرواية:

تبدأ الرواية بموت اللاجئ الأنتيليّ (جيرميا) الذي كان صديقًا للدكتور خوفينال، واكتشاف هذا الأخير أنّ الميِّت كان على علاقةٍ محرَّمةٍ بامرأةٍ لم يكن أحدٌ يعرفُ عنها شيئا.

أمّا قُرب نهاية الرواية، فتثور شائعةٌ تصلُ إلى فِرمينا بأنّ زوجَها الراحل كان على علاقةٍ بأعزّ صديقاتِها، وتهجُر صديقتَها لهذا السبب، لكننا نعرفُ أنّها محضُ إشاعةٍ رغم انتهاء الرواية وهي مقتنعةٌ بخيانة الزوج.

كذلك ففِرمينا تصدّقُ فلورنتينو في النهاية حين يخبرُها بأنه بَقِي على عُذريّته طيلة حياتِه من أجلِها، لكننا نعلمُ أنه قرر الكذب متعمّدًا، كأنّ جسدَه الذي دنّسَته الخَطايا هو محضُ شيءٍ ثانويٍّ، بينما رُوحُه المُخلِصة لفرمينا هي ما يُهِمّ.

والخلاصةُ أنّ القارئَ فقط هو مَن يعرفُ الصدقَ مِن الكذِب في هذه الأمثلة، وهو ما يشكّكنا في صِدق ما نعتقِدُ أننا نعرفُه عن علاقاتنا بالآخَرين في الحياة الواقعية! لكن بقَدر ما يغزو الشكُّ نفوسَنا، لا نَجِدُ مَخرجًا من خوفِنا من الحكايات المستورةِ في الحقيقة إلاّ أن نتسامَحَ معها، وإلاّ فلَن نستطيعَ أن ننقُلَ قدَمًا في هذه الحياةِ الملأى بالأسرار.

السؤالُ مرّةً أخيرة: المدينةُ أم الزهرة؟

في زمنِ الوباء يتراءى لنا للوهلة الأولى أنّ المدينةَ هي المَتن، فالمهمُّ أن ننجو من تهديد الكوليرا/ كورونا/ الوباء أيًّا ما كان اسمُه، وسبيلُ النجاةِ هي تلك التي يختطُّها أمثالُ الدكتور أوربينو من العلماء القادِرين.

لكننا حين نُنعِم النظر نكتشفُ أنّنا لا نُريدُ أن ننجُو إلا لنعبُرَ إلى لحظة التمتُّع بالزهرة، فالحُبُّ المتحرر من الشُّروط كما يقدّمه فلورنتينو هو خُلاصةُ خبرةِ الحياةِ وأصفى ما يُقَطَّرُ منها.

وإذَن، فالزهرةُ ليست مُجرَّدَ هامش. وبغَضّ النظَر عن الموضع الذي نتوقّع فيه أن نَجِد الزهرة – فهو لحظة العلاقة الحميمة بين عاشِقَين متحرّرَين من كل القُيود، أو هو لحظة سُجود عاشقٍ إلهيٍّ لا يخافُ النّارَ ولا يطمعُ في جَنَّة – فإنّ الزهرةَ في التحليلِ الأخيرِ هي قَلبُ المَتن، وهي السببُ العميقُ لوجودِ المدينة. هكذا، لا يمكننا أن نحتملَ تدابيرَ الوباء إلا لكي نَعبُرَ فوقَها إلى الزهرة، إلى الحُبّ.

محمد سالم عبادة

/

صدر للناقد العراقي حاتم الصكر دراسة جديدة بعنوان ثلاثي هو «تنصيص الآخر: في المثاقفة الشعرية، والمنهج، ونقد النقد». عن دار خطوط وظلال في عمان 2021 ولأن الكتاب كبير الحجم (264 صفحة) متعدد الموضوعات، فقد اقتصرنا في قراءتنا الأولى له على بعض ما احتواه من دراسات وأبحاث، استوقفتنا بما فيها من وجهات نظر جديدة.
فالمؤلف الصكر في مقدمته يلح بشدة على أن المثاقفة ـ أي تبادل الأثر والتأثير بين الآداب العربية وغيرها من أوروبية وأمريكية ـ لا تنفصل قطعا عما يعرف بالمقارنة الأدبية comparative فكل منهما تؤدي إلى الأخرى.
سواء اتبعنا في دراستنا الاستقصائية الأعراف الفرنسية للأدب المقارن، أو الأمريكية التي لا تشترط التأثر المباشر في مواقفها التحليلية من نظرية المقارنة. ولهذا فإن اقتراب الشاعر العربي ـ مثلا ـ من الآخر ـ وإن لم يقم اقترابه على الاقتباس أو التضمين ـ فإن هذا الاقتراب يكسبه رافدا مهما من الروافد التي تؤدي لتعميق مجرى الحداثة في هذا الشعر، وتبعا لذلك يجني الشعر العربي من ذلك ثماراً جديدة.
وفي ضوء ذلك يحاول الصكر أن يجيب عن السؤال الذي يعنيه أدبيا بتنصيص الآخر. وهنا لا بد في رأيه من النظر في ثلاثة أطراف، هي: المؤثِّر، على سبيل المثال إليوت، فهو مؤثر بالنسبة لصلاح عبد الصبور، والمتأثر، صلاح عبد الصبور في مسرحياته الشعرية فقد تأثر بإليوت، والأثر أو التأثير، وهو التنبيه على الوجوه التي يتجلى فيها ذلك الأثر داخل النص موضع الدراسة المقارنة. وتبعا لذلك تقوم الدراسة المقارنة عند الصكر على ثلاثة أركان، أو كما يسميها مستويات هي: المستوى المقارني أي الإجرائي، والمستوى الأيديولوجي، وأخيرا المستوى الفني.
فعلى المستوى الأيديولوجي، ينبغي لنا أن نسعى لتحجيم الاستشراق، أي لا ضرورة للنظرة المرتابة نحو الأدب الغربي. أما على المستوى الفني فينبغي ألا نغض النظر عما يتراءى لنا مما يعد سرقة أدبية من سرقات المحدثين. وأن نفرق بين ذلك وذلك الذي يعد من قبيل التناص اللاشعوري، أي غير المتعمد، وغير المقصود. وفي هذا السياق يشير الصكر لدراسة إحسان عباس بصفتها نموذجا لبعض شعر البياتي (1955) وما فيها من تنبيه لبعض التوافق بينه وبين إليوت على مستوى الصورة، والمعادل الموضوعي.
وبالقدر نفسه يشير لما نشر عن اقتباسات بدر شاكر السياب من الشاعرة إيديث سيتويل، ولا سيما من قصيدتها المشهورة «ما يزال المطر يسقط» التي ظهرت منها اقتباساتٌ في قصيدة السياب «أنشودة المطر» وذلك ما تنبه له كل من نذير العظمة ومحمد شاهين.

أدونيس وسرقاته

وفي هذا الفصل الجيد من كتابه «تنصيص الآخر» يتناول الصكر سرقات أدونيس، لا بصفتها ضروبا من التناص، بل بصفتها انتحالا مثلما جاء في عنوان كتاب كاظم جهاد «أدونيس منتحلا» (1993) وما كان أومأ إليه المنصف الوهايبي من استنساخ أدونيس الحرفي لبعض كتابات النفري (محمد بن عبد الجبار 354هـ) وما أكده عبد القادر الجنابي في كتابه الموسوم بعنوان «رسالة مفتوحة إلى أدونيس» التي لم يكتف فيها باتهام الشاعر المذكور بالسرقة والسطو وحسب، بل يتهمه علاوة على ذلك بعدم فهم الصوفية، والتصوف، في انتقاد غير مبطن لكتاب أدونيس عن»الصوفية والسيريالية» (1992). فعلى الرغم من أن هذا الكتاب حظي باهتمامات ذوي البصر بالتصوف، إلا أنه، في رأي الجنابي، وفي رأي الصكر، يضيف للشاعر السوري المزيد من الفضائح، بدلا من الإنجاز الشعري والفكري. ولهذا يدعو الصكر، في نهاية هذا البحث السجالي عن المثاقفة الشعرية، لعدم الخلط بين السرقات والتأثر، والحذر من أن تعد مثل هاتيك السرقات ضربا من التثاقف، إذ ينبغي التفريق بين الاقتباس الحرفي، والأخذ المباشر الذي يبلغ حد السطو على أفكار الآخرين، ورؤاهم الشعرية، وبين الأثر الذي يقع الشاعر تحت سحره وقوعاً غير شعوري.

التوازي بدلا من التأثر

يحدث أن يتناول عدد من الشعراء المنتسبين لثقافات متعددة موضوعا واحداً، فتظهر في أعمالهم تلك بعض وجوه الشبه التي تستدعي الدراسة المقارنة، على الرغم من أن ذلك لا ينسحب عليه ما يقال عادة عن الأثر والتأثير. ولذلك لا تقوم المثاقفة الشعرية لدى حاتم الصكر على التأثر وحده، بدليل أننا نجد أفكاراً متشابهة تتكرَّر لدى شعراء زاروا أو أقاموا في نيويورك، وكتبوا عنها قصائد. وهذه الدراسة المقارنة لعلها تقوم على مبدأ التوازي، بدلا من الأثر والتأثير. فالشعراء الذين كتبوا شعرا عن المدينة المذكورة كثر، بدءاً من وايتمان صاحب «أوراق العشب» وأمين الريحاني، ولوركا وجبران خليل جبران، مرورا بالبياتي وأدونيس ومحمود درويش وراشد حسين وسعدي يوسف، وانتهاء بالعراقي سركون بولص، وحسام السراي. فعلى الرغم من التباين اللافت في اتجاهات هؤلاء الشعراء، إن كان الأمر على المستوى الأيديولوجي ـ البياتي الماركسي ـ أو الفني ـ أدونيس السيريالي ـ أو النفسي ـ حسام السراي، وسركون بولص، أو الثقافي ـ جبران، والريحاني ـ فإن هؤلاء الشعراء جميعا يلتقون على رأي واحد، ونظرة واحدة، وهي هجاءُ ـ إذا ساغ التعبير- هذه المدينة، جريا على مذهب الأمريكي وايتمان، الذي تعزى إليه المحاولة الأولى على هذا الصعيد. ونعني بها هجاء المدن. فالمؤلف لا يفتأ يعزو لرواد المدينة من الشعراء العرب أمثال جبران والريحاني والأجانب أمثال لوركا وسنغور، والمعاصرين أمثال البياتي وأدونيس وسعدي يوسف وراشد حسين ومحمود درويش، المواجهة الضدية لها بصفتها كيانا من الإسمنت المسلح، الذي يفتقر للحياة، ويخلو من الروح. فهي عند بعضهم حشد من الثياب بلا رؤوس، وعند آخر صدأ يملأ الجسور، وفراغ يعم القلب. وعند شاعر آخر أرض الزيف. وهي عند آخر هيكل عظمي مكتمل بروح هزيلة، لا تدب فيه الحياة. وهي عند محمود درويش في قصيدته «طباق» (2003) المهداة إلى إدوارد سعيد بعد عام من وفاته بابل القديمة، أو سدوم. وعند حسام السراي لا تعدو كونها حانة كلّ روادها من الكلاب. وعند أدونيس في «قبر من أجل نيويورك» (1971) تمثال امرأةٍ ترفع خرقة في إحدى يديها، فيما تخنق باليد الأخرى طفلة اسمها الأرض، في إشارة ساخرة منه لتمثال الحرية.

د.حاتم الصكر


يستخلص الصكر من هذا التتبع الاستقصائي لصورة نيويورك في قصائد من الشعر العالمي، والعربي، إن الشعراء قد يتفقون من غير تواطؤ على الدخول في موضوع ما، والخروج منه بالشيء ذاته، أو التصور نفسه عن ذلك الموضوع. وهو قريب مما سماه العرب قديما «التوارد» فجل الشعراء الذين ذكرهم، وذكر قصائدهم، دخلوا نيويورك حالمين، وخرجوا منها ثائرين ساخطين، لأن المدينة لم تكن كما توقعوا، بل كان العشبُ فيها دولارا، والكنيسة مصرفا، ودار الأوبرا بنكا. وهي أشبه ما تكون بوحش حجري، وحانة للكلاب، في شارع يطلق عليه شارع الملوك. وهي فيما يؤكده أمين الريحاني (1910) مجد كاذبٌ، وقلبٌ خاوٍ.
وفي الكتاب الذي يضم دراسات عدة يقف المؤلف بنا إزاء ركن آخر من أركان المثاقفة الشعرية، ألا وهو تنوع المؤثر، وتنوع ضروب التأثر الناجمة عن تنوع المؤثر، واختلافه من حين لآخر. وفي آخر يقف بنا عند الاستشراق، وارتباكات الهوية، وفيه يجد القارئ تحليلا شيقا لقصيدة درويش «طباق» وهي من ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» وكان المؤلف قد أشار إليها مراراً في الفصل السابق.
وصفوة القول هي أن هذا الكتاب يتضمن فصولا تجمع بين الشمول، للظواهر قيد الدراسة، مع الإحاطة بالكثير من التساؤلات التي يتطلبها موضوع المثاقفة، والمقارنة، والمنهج النقدي.

ابراهيم خليل

/

في الذكرى الـ130 لميلاد الشاعر والروائي الروسي بوريس ليونيدوفيتش باسترناك (1890-1960) غيّر محرك البحث الشهير غوغل شعاره احتفالا بالأديب الذي انتقد الدكتاتورية الشيوعية في بلاده ورفض استلام جائزة نوبل للآداب لعام 1958 بعد أن غضب الحزب الشيوعي السوفياتي وطلب منه عدم استلامها، وبالفعل لم يسافر لحضور التكريم، ولم تنشر روايته “دكتور زيفاجو” في الاتحاد السوفياتي إلا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

ورغم رفض اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية نشر رواية باسترناك (1957) فإنه تم تهريب المخطوطة التي كتبها الروائي الروسي إلى إيطاليا، حيث نشرت هناك وأجبرت الحكومة السوفياتية باسترناك على التواصل مع الناشر لسحب المخطوطة، لكن الأخير رفض، معتبرا أنه لا يحق له حجب تحفة فنية عن العالم، وسرعان ما ترجمت الرواية إلى الإنجليزية لتصبح واسعة الانتشار.

لم يشتهر باسترناك في بلاده كشاعر رغم مجموعته الشعرية البديعة “حياتي الشقيقة”، لكن روايته المؤثرة عن الاتحاد السوفياتي استقبلها العالم بحفاوة.

ولد باسترناك لأب يهودي، وتحول إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي أثرت على شعره بوضوح، ودرس الفلسفة وكان رساما وأستاذا للفن، فيما كانت والدته عازفة بيانو شهيرة، وترجم أعمالا أدبية عالمية لشكسبير وغوته وشعراء جورجيين أحبهم الزعيم السوفياتي ستالين، وبدا أن توجهه الأخير أنقذه من الاعتقال أثناء حملات التطهير السوفياتية.

القصة المفجعة للثورة الروسية

صور الكاتب والشاعر الروسي الشهير بوريس باسترناك في روايته الرائعة “دكتور زيفاجو” فشل طريق التغيير الثوري الدموي، وخلد مآسي الثورة الشيوعية، وجسد فيها خطأ العمر والتاريخ والذي ترتكبه الثورات وهي تعمل بنفس الآليات القديمة ولو كانت ردة فعل عمياء على مظالم تاريخية وفظائع ارتكبها نظام ما.

تتبع باسترناك تاريخ المظالم الروسية قبل الثورة وخلالها وأثناء الحرب الأهلية من خلال حياة طبيب شاعر يدعى يوري جيفاكو، وخلال زمن الرواية رسم المؤلف صورا مأساوية للحالة التي كانت عليها روسيا في المراحل الثلاث، وكيف دفع الإنسان الروسي أثمانا فادحة -رغم أنفه في كثير من الأحيان- للانعتاق من النظام القديم.

صار البؤس والجوع والصقيع قواسم مشتركة في ظل النظام الثوري، وحتى الخبز أصبح عملة التداول للشراء والبيع بين البشر الباحثين عن طعام لأطفالهم مقابل أي شيء كي لا يموتوا جوعا، وصارت حفنة طحين مادة للرشوة تفتح كل الأبواب المغلقة، لدرجة أن الطبيب الشاعر سرق حفنة من الخشب ليوفر الدفء لعائلته في شتاء روسيا.

الطبقة الجديدة الثورية الحاكمة باسم العمال كانت خارج هذه المعاناة، وظهرت المفارقة من خلال قيام شقيق بطل الرواية البلشفي العتيد بإهداء شقيقه المصاب بالتيفوس بسبب رعايته للمرضى الكثير من الخبز الأبيض والزبدة والشاي المسكر والقهوة والأرز والعنب، وهي الأشياء غير الموجودة في السوق.

وعلى طول رحلة بطل الرواية الهارب من موسكو للعيش في الريف -بناء على نصيحة شقيقه البلشفي- يرسم المؤلف صورة مفزعة للأوضاع نتيجة الخيار الثوري الدموي: المصانع مغلقة، والعمال عاطلون، والقتل في كل مكان، والإعدامات للخصوم والخونة، سواء من قبل الحمر البلاشفة أو البيض المعارضين.

خلاصة التجربة

في رحلة الهروب قابل دكتور جيفاكو في القطار سامديفياتوف، وهو أحد الناشطين الاشتراكيين السابقين، وشاهدا الدمار والخراب الذي حل في كل مكان والحرائق التي نشبت في المدن والقرى والمزارع والقطارات المدفونة في الثلوج.

وأقر الثوري السابق بالأخطاء والسياسات الفاشلة التي وقعت وإن كان بررها بأنها حتمية، لكن الطبيب الشاعر ألقى له بخلاصة التجربة والمعاناة، وهي أن الحل هو في التغيير السلمي الذي يظل رغم بطئه أقل تكلفة إنسانيا، أو كما قال “كنت ثوريا متحمسا، ولكني أفكر الآن في أنه ليس هناك ما يمكن الحصول عليه بالقوة الغاشمة، الشعب يجب أن يساق إلى الخير، بالخير”.

وفي رسالة كتبها إلى أخته جوزفين تذكر باسترناك كلمات صديقته إيكاترينا كراشينيكوفا التي قالت له “لا تنس نفسك لدرجة الاعتقاد بأنك أنت من كتبت هذا العمل، لقد كان الشعب الروسي ومعاناته هما من صنعاه، الحمد لله على نعمة التعبير عنه بقلمك”.

المصدر/الجزيرة

/

ينتظر الشاب السوري بلال البرغوث صدور روايته الثانية التي تحمل اسم “ثلاثة لاجئين ونصف”، من إحدى دور النشر في مدينة اسطنبول التركية.

وتجسد الرواية منحى أدبيًا مختلفًا في أسلوب الكتابة الذي اتبعه بلال، وتتناول قصة أربعة لاجئين من جنسيات مختلفة، ينشدون اللجوء في أوروبا، والوصول إليها، عبر طريق صعب وعر لا يحمل أي معنى مريح من معاني السفر.

اللاجئ الرابع، الذي تحول إلى نصف لاجئ في عنوان الرواية، لم يتمكن من مغادرة المياه الإقليمية للبلد الذي يسعى إلى مغادرته، إذ أُعيد إليها لتنتهي بذلك قصة لجوئه قبل بدئها.

وفي “ثلاثة لاجئين ونصف” بلال ليس كاتبًا لمعاناة الآخرين عن بُعد، فالشاب استمد قصته وأحداثها من الطريق الذي سار عليه حين لجأ إلى أوروبا في خريف 2015، واستفاد مما احتفظت به الذاكرة، ليحوله بعد تلك السنوات إلى حكاية واقعية تروى.

وقال بلال، في حديث إلى عنب بلدي، “لم أكتب هذه الرواية لكسب التعاطف أبدًا، بل من أجل تأريخ جزء من القضية السورية عايشه سوريون كثر، وعلى أمل أن تقرأ أجيالنا القادمة عن الخيارات التي تدفعنا إليها أوطاننا”.

ومع انطلاق الثورية السورية عام 2011، بدأ بلال بدراسة طب الأسنان في جامعة “دمشق” التي سرعان ما انقطع عنها جراء الأوضاع الأمنية التي سادت تلك الفترة، فبقي في مدينته (دوما شرق دمشق) التي وقعت فيما بعد تحت وطأة حصار قوات النظام السوري إلى جانب مدن وبلدات الغوطة الشرقية في دمشق.

وفي منتصف عام 2015، خرج بلال من دمشق باتجاه الشمال السوري، ثم أكمل طريقه إلى تركيا، ومنها انتقل في خريف العام نفسه إلى ألمانيا، حيث يستقر اليوم.

وشهدت سوريا خلال سنوات الثورة موجات لجوء جماعي إلى دول الجوار والدول الأوروبية، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين على قوائم الأمم المتحدة نحو 5.6 مليون لاجئ، بحسب تقارير أممية.

واجه بلال في مشوار البحث عن مستقبل واضح، وحياة لا يعلو فيها صوت البندقية، حاجز الحنين إلى بيته ومدينته التي أمضى فيها طفولته وشبابه، فالبلاد لا تقطع حبل مواطنيها السرّي بمجرد رحيلهم عنها.

واستطاع بعد التعامل مع بيروقراطية إنجاز الأوراق الثبوتية، على حد تعبيره، دراسة لغة البلد المضيف، التي تشكل أولى خطوات فهم المجتمع، ومعايشة الواقع، لاستئناف التعليم والحياة العملية من حيث توقفت، وهذا يفضي بطبيعة الحال إلى الاندماج بالمجتمع.

ونشر بلال في عام 2019 رواية “ممالك البحر الأحمر” لتكون روايته الأولى، وهي جزء من عمل روائي ثلاثي يندرج في إطار “الفانتازيا التاريخية” التي تحاول تسليط الضوء على الواقع المعاش اليوم، عبر الجغرافيا والمواقف.

وتطلّب هذا العمل الروائي بحثًا معمقًا في تاريخ منطقة حوض البحر الأحمر، والممالك التي قامت حوله، ما يمنح الرواية صبغة واقعية بلغة فصيحة تعكس الحقبة الزمنية التي جرت فيها الأحداث.

ولبلال ديوان شعر، وهو عبارة عن مجموعة من قصائد الشعر الحر موزعة على ثلاثة فصول، وهي “شغف” و”غضب” و”منفى”، ويجري العمل على نشره، بانتظار انحسار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، وعودة مظاهر الحياة الأدبية ومعارض الكتب، التي تشكل المنصة لإطلاق الأعمال الأدبية.

وقال بلال لعنب بلدي، “كل ما أكتبه أكتبه من روحي وتجربتي، ومن الوجوه التي أراها وتؤثر بي، ومن آلام وطننا، وضياعنا الجماعي في ذلك الوطن”.

وفي أيلول 2020، جرى تصوير عمل “يوميات منفردة” في برلين، من إخراج رحماني موسى، وبطولة الأخوين ملص، وهما معتقلان سابقان، وكتب بلال السيناريو الخاص بالعمل المكوّن من ثماني حلقات، لتسليط الضوء على الجوانب النفسية لحالة المعتقل، هذه الحالة التي يرى الكاتب أنها تخص جميع السوريين، وهي حالة مستمرة منذ سنوات طويلة في عهدي الأسد “الأب والابن”، بالإضافة إلى حالة المعتقل في كل البلدان الديكتاتورية التي تعتبر آراء المعتقلين أشد قسوة من ضرب المدافع.

ويرى بلال أن العقبات التي تقف في وجه العمل الأدبي للكتّاب الشباب تتجلى بعدم تبني دور النشر لأعمالهم، التي ترفضها بعض هذه الدور لجرأة المحتوى الفكري، أو لوجود تفاصيل لا تنسجم مع دار النشر.

وضرب مثالًا على ذلك، بأن إحدى دور النشر طلبت منه تخفيف حدة الجرأة في المحتوى السياسي، رغم أن الدار كانت ضمن بلد يعايش ثورة وانتفاضة ضد تكميم الأفواه وقمع الحريات، الأمر الذي اعتبره بلال رفضًا للخروج من عباءة الكتابة التقليدية التي تتسالم وتتصالح مع واقع المنطقة المأساوي.

يدرس بلال اليوم سنته الثانية في كلية الصيدلة التابعة لجامعة “برلين الحرة” (Freie Uni Berlin)، ويعمل على مشروعين روائيين هما، “كوكائين تحت ظل الأرزة”، و”حرّاس برلين”، وينتظر ردود دور النشر لطباعتهما قريبًا.

وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، سيُعرض “يوميات منفردة” الذي كتب له السيناريو، وحضّر لعمل درامي جديد، يحمل طابعًا ثوريًا عربيًا شاملًا، يتناول البلدان التي عايشت الربيع العربي، ويندرج في إطار الكوميديا السوداء، على أن يجري تصويره في الصيف، إذا تقلصت إجراءات الحظر الصحي المفروضة بسبب انتشار جائحة “كورونا”.

/

ياسر سلطان

خط واحد متصل يتقاطع ويدور ويلتف، وما هي إلا لحظات حتى تظهر الملامح واضحة على الرغم ممّا فيها من تحريف ومبالغة. هكذا يرسم الفنان المصري جورج البهجوري كل تفاصيل حياته، تعوّد أن يرسم وجوه الناس، وإذا لم يجد يقف أمام المرآة ليرسم وجهه، المُهّم أن يظل يرسم بلا توقف.

إلى جوار الرسم، لا مانع من الكتابة والتعليق بكلمات قليلة وعبارات لا تخلو من الطرافة. المئات من هذه الرسومات السريعة التي شكلها البهجوري بالرسم والكتابة تحكي سيرته منذ كان طفلاً في قريته “بهجورة” في صعيد مصر إلى تفاصيل رحلاته عبر عواصم العالم.

أكثر من مئة من هذه الرسومات السريعة للفنان جورج البهجوري تُعرض حالياً في غاليري مشربية في القاهرة حتى 17 من هذا الشهر. يضم المعرض جانباً من تجربة الفنان مع الاسكتش، وهي تجربة لازمته طوال حياته، فهو فنان نادراً ما تفارقه أدوات الرسم، يرسم في تنقلاته وجلساته، وغالباً ما يوزع هذه الرسومات على الأصدقاء وغير الأصدقاء، أو ربما يحتفظ بها لنفسه أحياناً.

جورج البهجوري يرسم كما يفكر ويفكر كما يرسم، يمتلك شخصية مرحة تتصيد النكتة من قلب الحوار بسهولة، وربما لهذا خاض تجربة الكاريكاتير في فترة من حياته. في رسوم بهجوري السريعة لابد أن تلمح هذه الطرافة، في خفة الخطوط، أو ملامح الوجه وميله للمبالغة في بناء تفاصيله. يضم معرضه القاهري عشرات النماذج من هذه الرسوم التي ظل يرسمها منذ أن استهوته هذه الغواية، إنها غواية الرسم التي يرى من خلالها العالم. يضم معرضه نماذج عدة من هذه الرسوم السريعة التي ربما تُشكل في مجملها مراحل عمره وسيرته الشخصية مع الرسم. رسوم عارية ووجوه وأشخاص منغمسون في الحديث، وعازفون مع آلاتهم الموسيقية، وآخرون غارقون في صمت. أعمال رسمها في مقهاه المفضل في القاهرة حيث تعود الجلوس، وأخرى تحمل روائح أماكن ومدن بعيدة في الشرق والغرب. بعض هذه الرسوم تُرك على حاله بالأبيض والأسود، وبعضها يحمل مسحة شفافة من اللون، ومن دون انتهاك طبيعة الاسكتش السريعة والمختزلة.

تعليقات مكتوبة

كثير من هذه الرسوم يحمل تعليقات مكتوبة أو مدونة أحياناً على خلفية أوراق الرسم، فالكتابة جزء من تجربة الفنان جورج البهجوري، وقد خاض غمارها متأخراً، كما يقول. صدرت للبهجوري على مدار العقدين الماضيين كتب مصحوبة برسوم ولوحات تحكي سيرته الذاتية، بدأها بكتاب “أيقونة فلتس” عام 1997؛ وفلتس هو اسم شعبي في العائلة القبطية. أما أبطال الرواية فهم أبوه وزوجة أبيه وعمه وأقاربه. فتحت له هذه الرواية باب الكتابه عن سيرته، إذ اتّبعها بإصدارات أخرى، منها “أيقونة باريس”، و”بهجر في المهجر” و”أيقونة شعب”. كتابات البهجوري ارتبطت بما يسميه هو المشهدية في الأدب، فهو رسام في المقام الأول، وحين يصف شخصاً ما، أو مشهداً بعينه يتخذ هذا الوصف طبيعة خاصة ومميزة، وبأسلوب لا يخلو من السخرية والفكاهة.

أما علاقته بالكاريكاتير فتعود إلى بدايات عمله في الصحافة وكان لا يزال طالباً في الفنون الجميلة، فقد كلفه الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس برسم صفحتين يومياً تحت عنوان “أخبارهم على وجوههم” في إحدى المجلات المصرية التي كان يرأس تحريرها عبد القدوس حينها. وفي منتصف السبعينيات واتته فرصة السفر إلى باريس، وهناك اتخذ قراراً بالبقاء ليضع فصلاً جديداً من تجربته، فقد مثلت باريس أحد أهم المحطات في حياته، وكان لها تأثيرها الواضح على فنه وإبداعه في ما بعد. في باريس كان لديه الوقت الكافي للقراءة والمشاهدة من جديد، وتضاءلت مساحة الصحافة من أولوية اهتماماته.

يعدّ البهجورى من أكثر الفنانين المصريين ارتباطاً بالشارع، هو يتجول ملتهماً بعينيه كل تفاصيل المدينة كي يُعيد صوغها من جديد. يحمل كل وجه من الوجوه التي يرسمها في أعماله ذاكرة رحبة للمكان تختلف وتتغير تفاصيلها من وجه إلى آخر، فالوجوه في مخيلته ترتبط بالأماكن ولا تنفصل عنها. هو يمارس فنه أينما حل، فبخطوط بسيطة متقاطعة لا يتوقف مسارها على سطح الرسم تتشكل هذه الوجوه والملامح، والتي تُهيّء نفسها للاستقرار والظهور بين الحين والآخر على سطح لوحاته الكبيرة. في أعماله المعروضة يرصد البهجوري مظاهر الحياة في المدينة، مستحضراً ذكريات وشخصيات كثيرة من الماضي، وجوهاً لساسة وكتاب وموسيقيين، أو حتى أشخاصاً مجهولين التقى بهم على نحو عابر.

تمتلىء أعمال البهجوري بالصخب والبهجة، وهو يُشكل معالمها بخطوطه المنفلتة والمتقاطعة في كل اتجاه، هذه الخطوط التي تُحاصر عن عمد هذه المساحات اللونية الموزعة على مساحة الرسم. هو يُحَوّل الجسد الذي طالما رسمه قبل ذلك عارياً أو مستتراً إلى كتل ومساحات متراصة وراسخة، منفصلة ومتداخلة مع ما يحيط بها من عناصر أخرى وخلفيات قاتمة ومضيئة. أما اللون فيتمايل تارة بين الأصفر والأحمر الملتهب، وأخرى بين الأبيض والأخضر والرماديات الهادئة.

ولد الفنان جورج البهجوري في مدينة الأقصر في جنوب مصر عام 1932، وهو واحد من الفنانين المصريين البارزين. اشتهر في بداياته برسوم الكاريكاتير السياسي، وتحمل أعماله مزيجاً من الحس التعبيري والتكعيبية، وتتميز بألوانها الزاهية. حصل البهجوري خلال مسيرته الفنية على العديد من الأوسمة الوطنية والدولية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في الكثير من عواصم العالم.

/

عادت إلى الواجهة أزمة “السرقات الأدبية” في الوسط الأدبي المصري، مع واقعة اتهام شاعر وعضو باتحاد الكتاب بسرقة قصائد من عدة شعراء، من بينهم قصيدة شهيرة للشاعر السوري الراحل، نزار قباني.

والحديث هنا عن قصيدة “اختاري”، التي فجرت لغطاً واسعاً خلال اليومين الماضيين.

وقبلها، حدثت سلسلة وقائع أخرى مماثلة تحدث عنها كتّاب وشعراء لدى إشارتهم لقضية السرقات المُتكررة، مُحملين في الوقت نفسه اتحاد الكتّاب جزءا من المسؤولية، قبل أن يقدم الاتحاد على إحالة متهمين اثنين بالسرقة إلى التحقيق تمهيداً لشطبهما.

الواقعة الجديدة التي أعادت للواجهة أزمة السرقات الأدبية من جديد في مصر، بدأت مع انتشار منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف أصحابها، وهم شعراء مصريون، عن سرقة شاعر يدعى مصطفى أبوزيد، حصل مؤخرا على عضوية اتحاد الكتاب، لقصيدة قباني وإدراجها ضمن ديوانه الشعري.

وفي الأثناء، كشف عن شاعرة أخرى مُتهمة بالسرقة في الوقت نفسه.

وشارك شعراء ومثقفون نصوصا من دواوين أخرى للشاعر منقولة عن شعراء آخرين، في الوقت الذي نشر فيه الشاعر الأردني، سعيد يعقوب، عبر صفحته في فيسبوك، السبت، منشورا يؤكد فيه سرقة أشهر قصائده من قبل الشاعر المذكور، الذي ضمها لديوان يحمل عنوان “أنا العاشق”، الأمر الذي شكّل دافعا ما لاتحاد الكتاب للتحرك وإتخاذ إجراءات ضد الشاعر.

موقف اتحاد الكتّاب

وعقب الاجتماع الطارئ الذي عقده الاتحاد، السبت، كتبت عضو مجلس إدارة الاتحاد، منى ماهر، عبر صفحتها في فيسبوك، أوضحت فيه الواقعة بشكل كامل، بداية من الإقرار بعدم وجود قصيدة نزار قباني المسروقة ضمن الدواوين التي حصل بناء عليها الشاعر المذكور على عضوية الاتحاد.

وأكدت وجود قصائد أخرى “مسروقة” من شعراء آخرين، من بينهم شاعر أردني.

وأفادت بأن “حالة السرقة تلك ليست الوحيدة في الوسط الأدبي”، مشيرة إلى واقعة سرقة شاعرة أخرى لقصيدة “الوصية” من ديوان مطبوع بعنوان “فلمنكو” وقصائد أخرى كثيرة.

وكشفت عن أنه “تمت إحالة الشاعر والشاعرة المتهمين بالسرقة للجنة التحقيق ومن ثم إلى اللجنة التأديبية (..) لابد أن يتم اتباع الأساليب الصحيحة والقانونية معهما، تمهيداً لشطب عضويتهما من اتحاد الكتاب”.

تبرير الشاعر

لكن الشاعر المُتهم بالسرقة، خرج مبرراً وجود قصيدة “اختاري” ضمن أحد دواوينه، وقال في تصريحات إعلامية، إنها وردت عن طريق الخطأ من قبل ابنته لدى جمع القصائد عبر الكمبيوتر.

وقال إنه يجهل التكنولوجيا الحديثة، بينما لم تصدر عنه تعليقات بشأن اتهامه بسرقة قصائد أخرى من دواوين مختلفة لشعراء آخرين.

انتقادات للاتحاد

وفتحت الواقعة نيران انتقادات مثقفين على الاتحاد، بخاصة لجنة القيد.

وبموازاة ذلك، ينتقد الشاعر محمد جاد المولى، في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، آلية الحكم على الأعمال الأدبية في الاتحاد، مشيراً إلى أن “هناك مستويات رديئة من الكتب منح أصحابها العضوية، وأحياناً بدون كتب بالأساس”.

ولفت إلى أن “آلية الحكم على الأعمال الأدبية فتحت المجال لكل من هب ودب من أجل أن يكون عضوا بالاتحاد، وهي آلية تعتمد على الابتعاد عن التابوهات الثلاثة، بغض النظر عن الذائقة الأدبية والمستوى الفني والإبداعي (..) بينما هناك أدباء وشعراء أفضل بكثير ومع الأسف الشديد ليسوا أعضاءً بالاتحاد”.

وتحدث في الوقت نفسه عن مجاملات ومعايير مختلفة تحكم القيد بالاتحاد بعيدا عن الموهبة والذائقة الأدبية.

وبخصوص واقعة الاتهام بالسرقة الأخيرة، أفاد المولى بأن “الاتحاد لديه لجان فحص من كبار الأدباء والمثقفين من الأعضاء، وبالنسبة للأعمال الأدبية الخاصة بشعراء وأدباء معروفين، فبطبيعة الحال يكون الفاحص مُطلع عليها، بحيث إن كان هناك أي اختلاس من قبل أي نص لنص آخر لشاعر معروف يمكن كشفه بسهولة، بينما الأمر يكون صعبا حال كانت السرقة من عمل غير منشور (مثل الأعمال المنشورة فقط مواقع التواصل) أو لشاعر مغمور، لكن عندما تكون السرقة من نص مشهور لنزار قباني، فهنا تكمن المشكلة التي تتطلب التحقيق مع الفاحص”.

محمد فرج/سكاي نيوز