استعراض الأقسام

دراسات ومقالاتصفحة

/

في الذكرى الـ130 لميلاد الشاعر والروائي الروسي بوريس ليونيدوفيتش باسترناك (1890-1960) غيّر محرك البحث الشهير غوغل شعاره احتفالا بالأديب الذي انتقد الدكتاتورية الشيوعية في بلاده ورفض استلام جائزة نوبل للآداب لعام 1958 بعد أن غضب الحزب الشيوعي السوفياتي وطلب منه عدم استلامها، وبالفعل لم يسافر لحضور التكريم، ولم تنشر روايته “دكتور زيفاجو” في الاتحاد السوفياتي إلا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

ورغم رفض اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية نشر رواية باسترناك (1957) فإنه تم تهريب المخطوطة التي كتبها الروائي الروسي إلى إيطاليا، حيث نشرت هناك وأجبرت الحكومة السوفياتية باسترناك على التواصل مع الناشر لسحب المخطوطة، لكن الأخير رفض، معتبرا أنه لا يحق له حجب تحفة فنية عن العالم، وسرعان ما ترجمت الرواية إلى الإنجليزية لتصبح واسعة الانتشار.

لم يشتهر باسترناك في بلاده كشاعر رغم مجموعته الشعرية البديعة “حياتي الشقيقة”، لكن روايته المؤثرة عن الاتحاد السوفياتي استقبلها العالم بحفاوة.

ولد باسترناك لأب يهودي، وتحول إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي أثرت على شعره بوضوح، ودرس الفلسفة وكان رساما وأستاذا للفن، فيما كانت والدته عازفة بيانو شهيرة، وترجم أعمالا أدبية عالمية لشكسبير وغوته وشعراء جورجيين أحبهم الزعيم السوفياتي ستالين، وبدا أن توجهه الأخير أنقذه من الاعتقال أثناء حملات التطهير السوفياتية.

القصة المفجعة للثورة الروسية

صور الكاتب والشاعر الروسي الشهير بوريس باسترناك في روايته الرائعة “دكتور زيفاجو” فشل طريق التغيير الثوري الدموي، وخلد مآسي الثورة الشيوعية، وجسد فيها خطأ العمر والتاريخ والذي ترتكبه الثورات وهي تعمل بنفس الآليات القديمة ولو كانت ردة فعل عمياء على مظالم تاريخية وفظائع ارتكبها نظام ما.

تتبع باسترناك تاريخ المظالم الروسية قبل الثورة وخلالها وأثناء الحرب الأهلية من خلال حياة طبيب شاعر يدعى يوري جيفاكو، وخلال زمن الرواية رسم المؤلف صورا مأساوية للحالة التي كانت عليها روسيا في المراحل الثلاث، وكيف دفع الإنسان الروسي أثمانا فادحة -رغم أنفه في كثير من الأحيان- للانعتاق من النظام القديم.

صار البؤس والجوع والصقيع قواسم مشتركة في ظل النظام الثوري، وحتى الخبز أصبح عملة التداول للشراء والبيع بين البشر الباحثين عن طعام لأطفالهم مقابل أي شيء كي لا يموتوا جوعا، وصارت حفنة طحين مادة للرشوة تفتح كل الأبواب المغلقة، لدرجة أن الطبيب الشاعر سرق حفنة من الخشب ليوفر الدفء لعائلته في شتاء روسيا.

الطبقة الجديدة الثورية الحاكمة باسم العمال كانت خارج هذه المعاناة، وظهرت المفارقة من خلال قيام شقيق بطل الرواية البلشفي العتيد بإهداء شقيقه المصاب بالتيفوس بسبب رعايته للمرضى الكثير من الخبز الأبيض والزبدة والشاي المسكر والقهوة والأرز والعنب، وهي الأشياء غير الموجودة في السوق.

وعلى طول رحلة بطل الرواية الهارب من موسكو للعيش في الريف -بناء على نصيحة شقيقه البلشفي- يرسم المؤلف صورة مفزعة للأوضاع نتيجة الخيار الثوري الدموي: المصانع مغلقة، والعمال عاطلون، والقتل في كل مكان، والإعدامات للخصوم والخونة، سواء من قبل الحمر البلاشفة أو البيض المعارضين.

خلاصة التجربة

في رحلة الهروب قابل دكتور جيفاكو في القطار سامديفياتوف، وهو أحد الناشطين الاشتراكيين السابقين، وشاهدا الدمار والخراب الذي حل في كل مكان والحرائق التي نشبت في المدن والقرى والمزارع والقطارات المدفونة في الثلوج.

وأقر الثوري السابق بالأخطاء والسياسات الفاشلة التي وقعت وإن كان بررها بأنها حتمية، لكن الطبيب الشاعر ألقى له بخلاصة التجربة والمعاناة، وهي أن الحل هو في التغيير السلمي الذي يظل رغم بطئه أقل تكلفة إنسانيا، أو كما قال “كنت ثوريا متحمسا، ولكني أفكر الآن في أنه ليس هناك ما يمكن الحصول عليه بالقوة الغاشمة، الشعب يجب أن يساق إلى الخير، بالخير”.

وفي رسالة كتبها إلى أخته جوزفين تذكر باسترناك كلمات صديقته إيكاترينا كراشينيكوفا التي قالت له “لا تنس نفسك لدرجة الاعتقاد بأنك أنت من كتبت هذا العمل، لقد كان الشعب الروسي ومعاناته هما من صنعاه، الحمد لله على نعمة التعبير عنه بقلمك”.

المصدر/الجزيرة

/

ينتظر الشاب السوري بلال البرغوث صدور روايته الثانية التي تحمل اسم “ثلاثة لاجئين ونصف”، من إحدى دور النشر في مدينة اسطنبول التركية.

وتجسد الرواية منحى أدبيًا مختلفًا في أسلوب الكتابة الذي اتبعه بلال، وتتناول قصة أربعة لاجئين من جنسيات مختلفة، ينشدون اللجوء في أوروبا، والوصول إليها، عبر طريق صعب وعر لا يحمل أي معنى مريح من معاني السفر.

اللاجئ الرابع، الذي تحول إلى نصف لاجئ في عنوان الرواية، لم يتمكن من مغادرة المياه الإقليمية للبلد الذي يسعى إلى مغادرته، إذ أُعيد إليها لتنتهي بذلك قصة لجوئه قبل بدئها.

وفي “ثلاثة لاجئين ونصف” بلال ليس كاتبًا لمعاناة الآخرين عن بُعد، فالشاب استمد قصته وأحداثها من الطريق الذي سار عليه حين لجأ إلى أوروبا في خريف 2015، واستفاد مما احتفظت به الذاكرة، ليحوله بعد تلك السنوات إلى حكاية واقعية تروى.

وقال بلال، في حديث إلى عنب بلدي، “لم أكتب هذه الرواية لكسب التعاطف أبدًا، بل من أجل تأريخ جزء من القضية السورية عايشه سوريون كثر، وعلى أمل أن تقرأ أجيالنا القادمة عن الخيارات التي تدفعنا إليها أوطاننا”.

ومع انطلاق الثورية السورية عام 2011، بدأ بلال بدراسة طب الأسنان في جامعة “دمشق” التي سرعان ما انقطع عنها جراء الأوضاع الأمنية التي سادت تلك الفترة، فبقي في مدينته (دوما شرق دمشق) التي وقعت فيما بعد تحت وطأة حصار قوات النظام السوري إلى جانب مدن وبلدات الغوطة الشرقية في دمشق.

وفي منتصف عام 2015، خرج بلال من دمشق باتجاه الشمال السوري، ثم أكمل طريقه إلى تركيا، ومنها انتقل في خريف العام نفسه إلى ألمانيا، حيث يستقر اليوم.

وشهدت سوريا خلال سنوات الثورة موجات لجوء جماعي إلى دول الجوار والدول الأوروبية، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين على قوائم الأمم المتحدة نحو 5.6 مليون لاجئ، بحسب تقارير أممية.

واجه بلال في مشوار البحث عن مستقبل واضح، وحياة لا يعلو فيها صوت البندقية، حاجز الحنين إلى بيته ومدينته التي أمضى فيها طفولته وشبابه، فالبلاد لا تقطع حبل مواطنيها السرّي بمجرد رحيلهم عنها.

واستطاع بعد التعامل مع بيروقراطية إنجاز الأوراق الثبوتية، على حد تعبيره، دراسة لغة البلد المضيف، التي تشكل أولى خطوات فهم المجتمع، ومعايشة الواقع، لاستئناف التعليم والحياة العملية من حيث توقفت، وهذا يفضي بطبيعة الحال إلى الاندماج بالمجتمع.

ونشر بلال في عام 2019 رواية “ممالك البحر الأحمر” لتكون روايته الأولى، وهي جزء من عمل روائي ثلاثي يندرج في إطار “الفانتازيا التاريخية” التي تحاول تسليط الضوء على الواقع المعاش اليوم، عبر الجغرافيا والمواقف.

وتطلّب هذا العمل الروائي بحثًا معمقًا في تاريخ منطقة حوض البحر الأحمر، والممالك التي قامت حوله، ما يمنح الرواية صبغة واقعية بلغة فصيحة تعكس الحقبة الزمنية التي جرت فيها الأحداث.

ولبلال ديوان شعر، وهو عبارة عن مجموعة من قصائد الشعر الحر موزعة على ثلاثة فصول، وهي “شغف” و”غضب” و”منفى”، ويجري العمل على نشره، بانتظار انحسار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، وعودة مظاهر الحياة الأدبية ومعارض الكتب، التي تشكل المنصة لإطلاق الأعمال الأدبية.

وقال بلال لعنب بلدي، “كل ما أكتبه أكتبه من روحي وتجربتي، ومن الوجوه التي أراها وتؤثر بي، ومن آلام وطننا، وضياعنا الجماعي في ذلك الوطن”.

وفي أيلول 2020، جرى تصوير عمل “يوميات منفردة” في برلين، من إخراج رحماني موسى، وبطولة الأخوين ملص، وهما معتقلان سابقان، وكتب بلال السيناريو الخاص بالعمل المكوّن من ثماني حلقات، لتسليط الضوء على الجوانب النفسية لحالة المعتقل، هذه الحالة التي يرى الكاتب أنها تخص جميع السوريين، وهي حالة مستمرة منذ سنوات طويلة في عهدي الأسد “الأب والابن”، بالإضافة إلى حالة المعتقل في كل البلدان الديكتاتورية التي تعتبر آراء المعتقلين أشد قسوة من ضرب المدافع.

ويرى بلال أن العقبات التي تقف في وجه العمل الأدبي للكتّاب الشباب تتجلى بعدم تبني دور النشر لأعمالهم، التي ترفضها بعض هذه الدور لجرأة المحتوى الفكري، أو لوجود تفاصيل لا تنسجم مع دار النشر.

وضرب مثالًا على ذلك، بأن إحدى دور النشر طلبت منه تخفيف حدة الجرأة في المحتوى السياسي، رغم أن الدار كانت ضمن بلد يعايش ثورة وانتفاضة ضد تكميم الأفواه وقمع الحريات، الأمر الذي اعتبره بلال رفضًا للخروج من عباءة الكتابة التقليدية التي تتسالم وتتصالح مع واقع المنطقة المأساوي.

يدرس بلال اليوم سنته الثانية في كلية الصيدلة التابعة لجامعة “برلين الحرة” (Freie Uni Berlin)، ويعمل على مشروعين روائيين هما، “كوكائين تحت ظل الأرزة”، و”حرّاس برلين”، وينتظر ردود دور النشر لطباعتهما قريبًا.

وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، سيُعرض “يوميات منفردة” الذي كتب له السيناريو، وحضّر لعمل درامي جديد، يحمل طابعًا ثوريًا عربيًا شاملًا، يتناول البلدان التي عايشت الربيع العربي، ويندرج في إطار الكوميديا السوداء، على أن يجري تصويره في الصيف، إذا تقلصت إجراءات الحظر الصحي المفروضة بسبب انتشار جائحة “كورونا”.

/

ياسر سلطان

خط واحد متصل يتقاطع ويدور ويلتف، وما هي إلا لحظات حتى تظهر الملامح واضحة على الرغم ممّا فيها من تحريف ومبالغة. هكذا يرسم الفنان المصري جورج البهجوري كل تفاصيل حياته، تعوّد أن يرسم وجوه الناس، وإذا لم يجد يقف أمام المرآة ليرسم وجهه، المُهّم أن يظل يرسم بلا توقف.

إلى جوار الرسم، لا مانع من الكتابة والتعليق بكلمات قليلة وعبارات لا تخلو من الطرافة. المئات من هذه الرسومات السريعة التي شكلها البهجوري بالرسم والكتابة تحكي سيرته منذ كان طفلاً في قريته “بهجورة” في صعيد مصر إلى تفاصيل رحلاته عبر عواصم العالم.

أكثر من مئة من هذه الرسومات السريعة للفنان جورج البهجوري تُعرض حالياً في غاليري مشربية في القاهرة حتى 17 من هذا الشهر. يضم المعرض جانباً من تجربة الفنان مع الاسكتش، وهي تجربة لازمته طوال حياته، فهو فنان نادراً ما تفارقه أدوات الرسم، يرسم في تنقلاته وجلساته، وغالباً ما يوزع هذه الرسومات على الأصدقاء وغير الأصدقاء، أو ربما يحتفظ بها لنفسه أحياناً.

جورج البهجوري يرسم كما يفكر ويفكر كما يرسم، يمتلك شخصية مرحة تتصيد النكتة من قلب الحوار بسهولة، وربما لهذا خاض تجربة الكاريكاتير في فترة من حياته. في رسوم بهجوري السريعة لابد أن تلمح هذه الطرافة، في خفة الخطوط، أو ملامح الوجه وميله للمبالغة في بناء تفاصيله. يضم معرضه القاهري عشرات النماذج من هذه الرسوم التي ظل يرسمها منذ أن استهوته هذه الغواية، إنها غواية الرسم التي يرى من خلالها العالم. يضم معرضه نماذج عدة من هذه الرسوم السريعة التي ربما تُشكل في مجملها مراحل عمره وسيرته الشخصية مع الرسم. رسوم عارية ووجوه وأشخاص منغمسون في الحديث، وعازفون مع آلاتهم الموسيقية، وآخرون غارقون في صمت. أعمال رسمها في مقهاه المفضل في القاهرة حيث تعود الجلوس، وأخرى تحمل روائح أماكن ومدن بعيدة في الشرق والغرب. بعض هذه الرسوم تُرك على حاله بالأبيض والأسود، وبعضها يحمل مسحة شفافة من اللون، ومن دون انتهاك طبيعة الاسكتش السريعة والمختزلة.

تعليقات مكتوبة

كثير من هذه الرسوم يحمل تعليقات مكتوبة أو مدونة أحياناً على خلفية أوراق الرسم، فالكتابة جزء من تجربة الفنان جورج البهجوري، وقد خاض غمارها متأخراً، كما يقول. صدرت للبهجوري على مدار العقدين الماضيين كتب مصحوبة برسوم ولوحات تحكي سيرته الذاتية، بدأها بكتاب “أيقونة فلتس” عام 1997؛ وفلتس هو اسم شعبي في العائلة القبطية. أما أبطال الرواية فهم أبوه وزوجة أبيه وعمه وأقاربه. فتحت له هذه الرواية باب الكتابه عن سيرته، إذ اتّبعها بإصدارات أخرى، منها “أيقونة باريس”، و”بهجر في المهجر” و”أيقونة شعب”. كتابات البهجوري ارتبطت بما يسميه هو المشهدية في الأدب، فهو رسام في المقام الأول، وحين يصف شخصاً ما، أو مشهداً بعينه يتخذ هذا الوصف طبيعة خاصة ومميزة، وبأسلوب لا يخلو من السخرية والفكاهة.

أما علاقته بالكاريكاتير فتعود إلى بدايات عمله في الصحافة وكان لا يزال طالباً في الفنون الجميلة، فقد كلفه الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس برسم صفحتين يومياً تحت عنوان “أخبارهم على وجوههم” في إحدى المجلات المصرية التي كان يرأس تحريرها عبد القدوس حينها. وفي منتصف السبعينيات واتته فرصة السفر إلى باريس، وهناك اتخذ قراراً بالبقاء ليضع فصلاً جديداً من تجربته، فقد مثلت باريس أحد أهم المحطات في حياته، وكان لها تأثيرها الواضح على فنه وإبداعه في ما بعد. في باريس كان لديه الوقت الكافي للقراءة والمشاهدة من جديد، وتضاءلت مساحة الصحافة من أولوية اهتماماته.

يعدّ البهجورى من أكثر الفنانين المصريين ارتباطاً بالشارع، هو يتجول ملتهماً بعينيه كل تفاصيل المدينة كي يُعيد صوغها من جديد. يحمل كل وجه من الوجوه التي يرسمها في أعماله ذاكرة رحبة للمكان تختلف وتتغير تفاصيلها من وجه إلى آخر، فالوجوه في مخيلته ترتبط بالأماكن ولا تنفصل عنها. هو يمارس فنه أينما حل، فبخطوط بسيطة متقاطعة لا يتوقف مسارها على سطح الرسم تتشكل هذه الوجوه والملامح، والتي تُهيّء نفسها للاستقرار والظهور بين الحين والآخر على سطح لوحاته الكبيرة. في أعماله المعروضة يرصد البهجوري مظاهر الحياة في المدينة، مستحضراً ذكريات وشخصيات كثيرة من الماضي، وجوهاً لساسة وكتاب وموسيقيين، أو حتى أشخاصاً مجهولين التقى بهم على نحو عابر.

تمتلىء أعمال البهجوري بالصخب والبهجة، وهو يُشكل معالمها بخطوطه المنفلتة والمتقاطعة في كل اتجاه، هذه الخطوط التي تُحاصر عن عمد هذه المساحات اللونية الموزعة على مساحة الرسم. هو يُحَوّل الجسد الذي طالما رسمه قبل ذلك عارياً أو مستتراً إلى كتل ومساحات متراصة وراسخة، منفصلة ومتداخلة مع ما يحيط بها من عناصر أخرى وخلفيات قاتمة ومضيئة. أما اللون فيتمايل تارة بين الأصفر والأحمر الملتهب، وأخرى بين الأبيض والأخضر والرماديات الهادئة.

ولد الفنان جورج البهجوري في مدينة الأقصر في جنوب مصر عام 1932، وهو واحد من الفنانين المصريين البارزين. اشتهر في بداياته برسوم الكاريكاتير السياسي، وتحمل أعماله مزيجاً من الحس التعبيري والتكعيبية، وتتميز بألوانها الزاهية. حصل البهجوري خلال مسيرته الفنية على العديد من الأوسمة الوطنية والدولية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في الكثير من عواصم العالم.

/

عادت إلى الواجهة أزمة “السرقات الأدبية” في الوسط الأدبي المصري، مع واقعة اتهام شاعر وعضو باتحاد الكتاب بسرقة قصائد من عدة شعراء، من بينهم قصيدة شهيرة للشاعر السوري الراحل، نزار قباني.

والحديث هنا عن قصيدة “اختاري”، التي فجرت لغطاً واسعاً خلال اليومين الماضيين.

وقبلها، حدثت سلسلة وقائع أخرى مماثلة تحدث عنها كتّاب وشعراء لدى إشارتهم لقضية السرقات المُتكررة، مُحملين في الوقت نفسه اتحاد الكتّاب جزءا من المسؤولية، قبل أن يقدم الاتحاد على إحالة متهمين اثنين بالسرقة إلى التحقيق تمهيداً لشطبهما.

الواقعة الجديدة التي أعادت للواجهة أزمة السرقات الأدبية من جديد في مصر، بدأت مع انتشار منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف أصحابها، وهم شعراء مصريون، عن سرقة شاعر يدعى مصطفى أبوزيد، حصل مؤخرا على عضوية اتحاد الكتاب، لقصيدة قباني وإدراجها ضمن ديوانه الشعري.

وفي الأثناء، كشف عن شاعرة أخرى مُتهمة بالسرقة في الوقت نفسه.

وشارك شعراء ومثقفون نصوصا من دواوين أخرى للشاعر منقولة عن شعراء آخرين، في الوقت الذي نشر فيه الشاعر الأردني، سعيد يعقوب، عبر صفحته في فيسبوك، السبت، منشورا يؤكد فيه سرقة أشهر قصائده من قبل الشاعر المذكور، الذي ضمها لديوان يحمل عنوان “أنا العاشق”، الأمر الذي شكّل دافعا ما لاتحاد الكتاب للتحرك وإتخاذ إجراءات ضد الشاعر.

موقف اتحاد الكتّاب

وعقب الاجتماع الطارئ الذي عقده الاتحاد، السبت، كتبت عضو مجلس إدارة الاتحاد، منى ماهر، عبر صفحتها في فيسبوك، أوضحت فيه الواقعة بشكل كامل، بداية من الإقرار بعدم وجود قصيدة نزار قباني المسروقة ضمن الدواوين التي حصل بناء عليها الشاعر المذكور على عضوية الاتحاد.

وأكدت وجود قصائد أخرى “مسروقة” من شعراء آخرين، من بينهم شاعر أردني.

وأفادت بأن “حالة السرقة تلك ليست الوحيدة في الوسط الأدبي”، مشيرة إلى واقعة سرقة شاعرة أخرى لقصيدة “الوصية” من ديوان مطبوع بعنوان “فلمنكو” وقصائد أخرى كثيرة.

وكشفت عن أنه “تمت إحالة الشاعر والشاعرة المتهمين بالسرقة للجنة التحقيق ومن ثم إلى اللجنة التأديبية (..) لابد أن يتم اتباع الأساليب الصحيحة والقانونية معهما، تمهيداً لشطب عضويتهما من اتحاد الكتاب”.

تبرير الشاعر

لكن الشاعر المُتهم بالسرقة، خرج مبرراً وجود قصيدة “اختاري” ضمن أحد دواوينه، وقال في تصريحات إعلامية، إنها وردت عن طريق الخطأ من قبل ابنته لدى جمع القصائد عبر الكمبيوتر.

وقال إنه يجهل التكنولوجيا الحديثة، بينما لم تصدر عنه تعليقات بشأن اتهامه بسرقة قصائد أخرى من دواوين مختلفة لشعراء آخرين.

انتقادات للاتحاد

وفتحت الواقعة نيران انتقادات مثقفين على الاتحاد، بخاصة لجنة القيد.

وبموازاة ذلك، ينتقد الشاعر محمد جاد المولى، في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، آلية الحكم على الأعمال الأدبية في الاتحاد، مشيراً إلى أن “هناك مستويات رديئة من الكتب منح أصحابها العضوية، وأحياناً بدون كتب بالأساس”.

ولفت إلى أن “آلية الحكم على الأعمال الأدبية فتحت المجال لكل من هب ودب من أجل أن يكون عضوا بالاتحاد، وهي آلية تعتمد على الابتعاد عن التابوهات الثلاثة، بغض النظر عن الذائقة الأدبية والمستوى الفني والإبداعي (..) بينما هناك أدباء وشعراء أفضل بكثير ومع الأسف الشديد ليسوا أعضاءً بالاتحاد”.

وتحدث في الوقت نفسه عن مجاملات ومعايير مختلفة تحكم القيد بالاتحاد بعيدا عن الموهبة والذائقة الأدبية.

وبخصوص واقعة الاتهام بالسرقة الأخيرة، أفاد المولى بأن “الاتحاد لديه لجان فحص من كبار الأدباء والمثقفين من الأعضاء، وبالنسبة للأعمال الأدبية الخاصة بشعراء وأدباء معروفين، فبطبيعة الحال يكون الفاحص مُطلع عليها، بحيث إن كان هناك أي اختلاس من قبل أي نص لنص آخر لشاعر معروف يمكن كشفه بسهولة، بينما الأمر يكون صعبا حال كانت السرقة من عمل غير منشور (مثل الأعمال المنشورة فقط مواقع التواصل) أو لشاعر مغمور، لكن عندما تكون السرقة من نص مشهور لنزار قباني، فهنا تكمن المشكلة التي تتطلب التحقيق مع الفاحص”.

محمد فرج/سكاي نيوز

/

التاريخ غنيمة المنتصرين لكن الأدب يقدم أصوات الضحايا ويمنحها الذاكرة واللسان والسرد كما تفعل رواية “هوشيلاجا” التي تستحضر معاناة الفلسطيني والهندي الأحمر

حسين نشوان – عمان

لا تزال محاولات المقارنة والبحث بين الشخصية الفلسطينية المعاصرة وقضية السكان الأصليين عامة، وبشكل خاص في أميركا اللاتينية والمكسيك، موضوعا شيقا للأدب والشعر والرواية.

وإذ لا يتوقف التاريخ عند تدوين بطولات المنتصر، هنالك من ينصف المهزوم أيضا باستعادة روايته التي عبث بها الغزاة، ويستعيدها في الشعر والرواية والأدب بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية التي لا تدون الوقائع وإنما تنفذ إلى أرواح البشر وأحلامهم وهواجسهم بظلال الأحداث، لتسجلها شهادة للتاريخ.

وفي رواية “هوشيلاجا” التي تعد الأولى باللغة العربية عن الهنود الحمر بحسب الكاتب الدكتور سميح مسعود، الذي يستعيد فيها أرواح السكان الأصليين الذين محا وجودهم الرجل الأبيض قبل نحو 300 عام، وفي الوقت نفسه يستعيد حكايته كفلسطيني عاش المعاناة نفسها، باستحضار قضيته على لسان الهنود الحمر الذين طالهم ظلم المستوطن الأوروبي الذي جاء من وراء البحار.

كانت بداية معرفته بالهنود الحمر عند هجرته لكندا مطلع التسعينيات من خلال مارفن جونز، وهو شخصية حقيقية وشاعر، سأله: من قال لك أن تجيء إلى هنا؟ هذه بلادنا، وأنت تحتاج لموافقتي، ليس أنا وحدي، وإنما العصافير والأشجار. وهي المناسبة التي دفعته لتعريفه بنفسه كفلسطيني اغتصبت أرضه، وحينما عرف مارفن ذلك عرّفه على أصدقائه الذين رحّبوا به لتبدأ الرواية من هنا.

مدونات تاريخ الظلم والألم

وتستمر الصداقة التي تتخللها لقاءات يتعرف فيها الكاتب على عادات الهنود الحمر وطعامهم وتقاليدهم وأفكارهم وديانتهم ومعاناتهم خلال سني الإبادة، ويقول مسعود: “أمام مأساتهم هانت علي جراحي، لأنهم يتألمون أكثر منها، نحن غرباء عن بلادنا، لكنهم غرباء في بلادهم”.

يسرد الكاتب بحس الباحث ومتخيل الروائي وضمير المناضل، حكايات المكان وروحه وظلال أصحابه وأساطيرهم، مسجلا على لسان بطل الرواية حكايات الهنود، وهي التي تنقض سرديات السينما الأميركية وروايتها التي صوّرت الهندي الأحمر قاتلا، همجيا متوحشا، لتلتقي سرديتا المعاناة في حكايتي الهندي الأحمر والفلسطيني، بقول: “مأساتنا واحدة”.

من المؤكد أن مسعود -وهو يكتب روايته- لم يغب عن ذاكرته مسقط رأسه مدينة حيفا التي هجّر منها عام 1948 وعمره 10 سنوات، ولم تغب يافا ولا اللد أو الرملة والقدس وغزة، بل كانت تحضر في الرحلات التي يزور فيها مع بطل الرواية بعض الأماكن، وهنا يتداخل الروي بين صور المستوطنين وملامحهم الغربية في أميركا الشمالية، ومحتلي بلده فلسطين، فيقول: ” قضيت وقتا طويلا من أيامي الأولى في مونتريال، أزور النهر، أسير على جانبه، وأستعيد ذكرى أهله القدماء مرات إثر مرات. يحكي  مارفن عن أجداده الذين تعرضوا إلى ما تعرض له الفلسطينيون من ظلم فادح، بينما كان الشخص الجالس بجانبي يغني بكلمات لم أفهمها، بلغة أجداده من شعب الموهاك، وأصغي إليه وأحسّ بمأساته وأشعر بشعوره تجاه بلدي المحتل”.

الأدب إذ يستعيد صوت الضحايا

يقول مسعود إنهم “يعرفون كل شيء عن قضية فلسطين”، ويشاركون في كل النشاطات التي تنظم دعما لفلسطين، وذات مرة حينما أضرَب الأسرى الفلسطينيون تضامنت معهم بالامتناع عن الطعام، وحينما عرف مارفن بذلك امتنع عن الطعام.

الرواية على ما يمكن وصفها بأنها مدونة سيرية يتوحد فيها الضحايا بتاريخ الظلم والألم التاريخي الذي يجمعهم في ثقافتها الإحلال والمحو باختلاق أساطير تخفي صوت الضحايا، وتقلل من تراثهم الحضاري ووجودهم الإنساني بتنميط صورتهم البدائية/ المتوحشة.

وفي الرواية برز نوع جديد من الأدب الاستعادي لصوت الضحية التي تحكي روايتها بلسانها، وهو تيار يتجاوز أدب ما بعد الاستعمار (الكولونيالي) بالانقطاع عنه بوصفه صناعة استعمارية، والعودة للجذور إلى حقبة الطهرانية الفردوسية التي تجلت في شعر الهنود الحمر والفلسطينيين، وعبّر عنه الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعرة الهندية جوي هارجو التي ذهبت في قصيدتها بعنوان “الهندي الأحمر” إلى القطيعة مع زمن المستوطن وسرديته لأسطورتها وروايتها، بقولها:

“كل شبر من تراب هذه البلاد مقدس عند شعبي، كل خيط من ورق الصنوبر، كل شاطئ رملي، كل مدى من الضباب في غياهب الغابات، كل فراشة تمتص ما تمتص أو تطن، كله مقدس في ذاكرة شعبي وحياته، النسغ الذي يسيل في الأشجار يجري بذكريات الهندي الأحمر”، وهو المعنى نفسه الذي يسوقه الشاعر درويش في قصيدة “خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض” التي يتضامن فيها مع نظيره/ الضحية بإسقاط اللحظة على الذات، باستعارة ميثولوجيا الهندي الأحمر في علاقة الروحية مع المكان المقدس:

“سنسمعُ أصوات أسلافنا في الرياح، ونصْغي

إلى نبضهم في براعم أشجارنا. هذه الأرْض جدتنا

مقدسة كلها، حجراً حجراً،

…   …   …

مشينا حفاة لنلمس روح الحصى

وسرنا عراة لتلبسنا الروح، روح الهواء، نساءا

يعدن إلينا هبات الطّبيعة تاريخنا كان تاريخها.

…   …   …

نعيدُ إلى الأرض أرواحهَا

رويداً رويداً. ونحفظ ذكرى أحبّتنا في الجرار

مع الملح والزيت”.

إضافة عنوان

ر