استعراض الأقسام

دراسات ومقالاتصفحة

في هدوء أعالي جبال «إلك» بولاية كولورادو، وجدت شيلي ريد نفسها شاهدة على تحوّل غير متوقّع: روايتها الأولى «امضِ كنهر» تشق طريقها بهدوء نحو نجاح عالمي واسع، بينما كانت هي تراقب المشهد من منزل بسيط شيدته مع زوجها في بلدة «كريستد بوت».

تقول ريد، التي تنحدر من عائلة كولورادية تعود جذورها إلى خمسة أجيال:
«قبل أن تصدر الرواية في الولايات المتحدة، كانت قد بيعت حقوق ترجمتها لأكثر من ثلاثين لغة. شعرت حينها بالدهشة والرهبة والحماسة في آن واحد».

قصة هذا العمل تؤكد أن بعض الروايات قادرة على تجاوز الحواجز التسويقية المعتادة، دون أسماء لامعة أو تاريخ أدبي سابق، لتصل مباشرة إلى القارئ.

صدرت الرواية عام 2023 عن دار «شبيغل آند غراو»، ولم تحظَ عند إطلاقها بزخم نقدي كبير، كما اقتصر حضورها على جوائز محلية ودوريات متخصصة. لكن ذلك لم يمنعها من تحقيق انتشار لافت، إذ تصدرت قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، متجاوزة حاجز المليون نسخة مباعة.

هذا النجاح جذب أنظار صناعة السينما، حيث تعمل شركة «مازور كابلان» على تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، مع توقّعات بأن تتولى المخرجة إليزا هيتمان إخراجه.

تمتد الرواية على نحو 300 صفحة، وتغطي فترة زمنية من أربعينيات القرن الماضي حتى سبعينياته. وتدور أحداثها حول علاقة حب مأساوية تجمع فتاة ريفية في السابعة عشرة من عمرها برجل من السكان الأصليين، علاقة تترك أثرها العميق على شخصيات الرواية ومصائرهم عبر السنين.

رحلة كتابة مؤجلة
تضع «امضِ كنهر» شيلي ريد، البالغة من العمر 61 عامًا، ضمن فئة من الكتّاب الذين لم ينشروا أعمالهم الروائية إلا في مرحلة متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة من التراكم والتأمل، لتكون هذه الرواية ثمرة حلم مؤجل.

درست ريد في جامعة دنفر، ثم حصلت على الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة تمبل، قبل أن تمضي ثلاثة عقود في تدريس الأدب والكتابة بجامعة كولورادو الغربية. وخلال تلك السنوات، ظلت شخصية «فيكتوريا ناش» ترافقها في خيالها، وتلحّ عليها بالحضور.

تقول ريد إن انشغالها بالتدريس وتربية طفليها جعلها تؤجل الكتابة مرارًا، مكتفية بتدوين أفكار متفرقة على قصاصات ورقية ومناديل. ومع إلحاح زوجها، اتخذت قرار التقاعد المبكر عام 2018، لتمنح نفسها أخيرًا فرصة إنهاء الرواية.

وتوضح: «درّست الرواية سنوات طويلة، لكنني لم أتصور أنني سأكتب واحدة يومًا».

من الرفض إلى القبول
انتهت ريد من المسودة الأولى عام 2019، مستوحية بعض أحداثها من وقائع تاريخية حقيقية، مثل فيضان «إيولا» في ستينيات كولورادو. ورغم إعجاب وكيلتها الأدبية بالعمل، واجهت الرواية طريقًا شاقًا في النشر، إذ رُفضت من 21 دار نشر قبل أن تتبناها دار «شبيغل».

خضعت الرواية لاحقًا لمراجعات جوهرية، أبرزها حصر السرد في وجهة نظر البطلة «فيكتوريا»، بعد أن كانت تعتمد على أصوات متعددة، وهو تعديل أسهم في تعزيز قوتها السردية.

اليوم، تعمل شيلي ريد على رواية ثانية تدور أحداثها في جنوب شرق كولورادو، بينما منحتها عوائد روايتها الأولى قدرًا من الاستقرار، سمح لها بتحسين منزلها، ودعم تعليم ابنها، وتأمين مستقبلها.

وتختم بقولها:
«لا تزال حياتنا بسيطة، ولا أزال أقود شاحنتي القديمة. لكن الأهم أن هذه الرواية منحتني ما حلمت به دائمًا: أن أعيش ككاتبة»

في روايته «جنون مصري قديم» يضع الروائي المصري طلال فيصل المرويّة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد، حيث تصبح النصوص التاريخية القديمة جزءا من النسيج الحكائي المعاصر، وشريكاً في تساؤلاته وحيرته إزاء كتابة التاريخ.

في الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، تنطلق الحكاية من عتبة أستاذ تاريخ أكاديمي مُتقاعد، تقوده حزمة أوراق لمؤرخ مملوكي مجهول يُدعى جلال الساعي إلى مغامرة تحويل تلك الأوراق وصوت صاحبها إلى رواية، مغامرة تجعله يجلس على مقعد الروائي لأول مرة في حياته، بعد سنوات طويلة من التعامل مع التاريخ بوصفه علماً صارماً، ليكتشف داخل نفسه دافعاً وجودياً للكتابة: «غرقتُ في الكتابة وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة لمَ أكتبها رواية. لعلي أسلّي نفسي وقد خرجتُ على المعاش، ولعلي أجربُ حظي في شيء جديد ربما ينفعني بما لم ينفعني به التاريخ».

تعلن الرواية انحيازها الصريح لفن الحكاية، في مواجهة إقصاء المشاعر من سرد الوقائع. فالتاريخ -كما يراه الراوي- عاجز عن احتواء الخوف والذعر والانكسار الإنساني: «لسوء الحظ، يهمل المؤرخون تماماً أمر المشاعر وهم يدونون لنا أحداث ما جرى». بهذا المعنى، لا تتحوّل الرواية إلى مجرّد استعادة لسيرة «الأشرف برسباي»، أحد أبرز سلاطين دولة المماليك، بل إلى مساءلة جذرية لطبيعة المعرفة التاريخية نفسها، وحدودها الموضوعية، وكيف يُعاد إنتاج الوقائع داخل خطاب سردي يعترف بتدخّله وتأويلاته وشططه.

لعبة الاسم

لا يكتفي طلال فيصل برسم شخصية راوٍ متقاعد يحوّل أوراقاً تاريخية إلى رواية، بل يبدأ لعبته السردية منذ اللحظة الأولى حين يُطلق اسمه الحقيقي على اسم بطله الروائي نفسه، ليحمل أستاذ التاريخ المُتقاعد اسم «طلال فيصل»، في تطابق مقصود بين المؤلف وشخصيته الروائية، بما يضع القارئ مباشرةً داخل منطقة ملتبسة بين الكاتب والراوي، وبين من يكتب ومن يُكتب عنه.

لا يعمل هذا التطابق بوصفه حيلة شكلية، بل بوصفه تقنية سردية تنتمي إلى تقاليد التخييل الذاتي والميتا سرد، حيث يتحوّل فعل الكتابة نفسه إلى موضوع للحكي، ويتقمّص المؤلف شخصية داخل عمله، لا بوصفه مؤرخاً يمتلك سلطة المعرفة، بل بوصفه راوياً مرهقاً، متقاعداً، يكتب ليقتل الوقت، وليسلّي نفسه في وحدته، وفنياً فإن حضور الكاتب باسمه داخل النص لا يهدف إلى ترسيخ سلطة المؤرخ، بل إلى تفكيكها، وتحويل السرد إلى مساحة نقدية يتجاور فيها البحث والتخييل، والوثيقة والشك، في صيغة رواية تعيد التفكير في الماضي أكثر مما تكتفي باستعادته.

لا تستدعي الرواية زمن المماليك بوصفه زمناً غابراً يُروى من مسافة، بل بوصفه نموذجاً أولياً لجنون السلطة حين يتحوّل الحكم إلى «لعبة» لا تخلو من مشاهد هزلية وسوداوية معاً، مثل مشهد تنصيب سلطان «رضيع» على رأس السلطة، في إشارة إلى عالم يحكمه العبث: «يشير ططر للأمير ببغا المظفري، أكبر المماليك سناً ومقاماً، أن يجاور السلطان أثناء تنصيبه، وتظهر مشكلة بسيطة حين يحاولون وضع عمامة السلطنة على رأسه فيفاجئهم صغر رأس الصغير وهي تغطس في العمامة».

طبقات الصوت

تنهض الرواية على معمار أسلوبي مركّب يقوم على تبادل الأصوات السردية؛ هناك أولاً صوت المؤرخ التاريخي المُعايش لزمن المماليك، الذي يكتب من قلب زمنه وبمنطق الشاهد لا المعلِّق اللاحق، فتتحرّك لغته في أفق يومي مألوف ما بين الأمراء، والمؤامرات والأسواق، والبيمارستان، وأبواب القاهرة، في تسجيل وقائعي ينشغل بمنطق التدوين بلغة المخطوطات القديمة، بما في ذلك الدعاء الذي يُذيّل أوراق المؤرخين القدامى: «ولعل الله يغفر له بحسن صنيعه مع بركة».

إلى جوار هذا الصوت، يبرز صوت البطل العليم المتدخّل، الذي يُعلّق ويفكك ويؤوِّل بسخرية هادئة وهو يكتب روايته، بما لا يخلو من تحليل نفسي وتفكيك منطقي للمروية التاريخية، يضاف إلى هذين الصوتين طبقة ثالثة تعمل كجسر بينهما، وهو صوت شيوخ التدوين ومؤرخي العصر المملوكي أنفسهم، عبر توظيف مقاطع مقتبسة من كتب التاريخ للمقريزي وابن إياس وبدر الدين العيني وابن تغري بردي، وكتبهم التي تُعدّ في علم التاريخ مصادر أولية لفهم ذلك الزمن.

لا تُدرج تلك النصوص بوصفها إحالات علمية، بل بوصفها أصواتاً سردية مستقلة تضع القارئ داخل المنظومة المعرفية الخاصة لزمن المماليك، حيث تختلط السياسة بالغيبي، والسلطة بالتأويل، والوقائع بالكرامات والنبوءات.

يخلق هذا التراكب الصوتي مساحة تبادلية بين كل من خطاب المؤرخ القديم، وخطاب الراوي التاريخي المعايش، وخطاب الراوي المعاصر الناقد، بما يقدم التاريخ كنص مفتوح يعيد مساءلته بدلاً من تكريسه.

ولا يكتفي الراوي بالمعايشة أو التعليق، بل يتحكم في السرد بوصفه صانع حبكة، فهو، على سبيل المثال، حين يتحدث عن صعود «بدر العيني» في بلاط «برسباي»، لا يقدّم الوقائع دفعة واحدة، بل يصنع توتراً سردياً مقصوداً: «لم يجتمع مجلسُ مشورة واحد في زمن برسباي، إلا وكان الرجل حاضراً فيه حتى حدث ما حدث مما سنأتي على ذكره لاحقاً». وهو أسلوب سردي يتحكم في الإيقاع، ويؤجّل الحدث عمداً، ويعيد توزيعه على الزمن الحكائي، ويتحوّل «بدر العيني» من شخصية تاريخية إلى بطل في حبكة روائية له صعود ونفوذ وذروة وانكسار مؤجّل.

العدالة التاريخية

يقود السرد إلى مساءلة الذاكرة الثقافية، فلماذا بقي المقريزي حياً في الوعي العام، بينما تراجع بدر العيني؟ ومن يصنع قانون المؤرخين؟ ومن يقرّر من يبقى ومن يُنسى؟ في ظل سؤال مفتوح حول ما إذا كان التاريخ علماً مُحايداً أم فناً سردياً محكوماً بالاختيار والرؤية. أما جلال الساعي، كاتب الأوراق المجهول، فيحمل رمزاً فنياً لمن سقطوا من الذاكرة الرسمية، فقد عاش الطاعون، ورصد الجنون، وشهد شطط السلطة، ثم اختفى اسمه من كتب التاريخ الكبرى، وكأن الرواية كلها محاولة إنقاذ أثر إنسان محذوف من السجلات.

غير أن «الجنون» يظل الثيمة المركزية التي تنتظم حول الرواية كلها، ليس بوصفه توصيفاً نفسياً فردياً، بل معياراً سياسياً وأخلاقياً، من «المؤيد شيخ» إلى «برسباي»، ومن رجال البلاط إلى المحتالين و«البهلوان»، فتدور السلطة في فلك فقدان الرشد، ويتحوّل الجنون إلى مبدأ بنيوي لفهم السياسة، بما توحي به عبارة على لسان الشخصية الروائية التي تتقمص «المقريزي»، وتلخّص رؤيتها السوداء للسلطة: «أظنهم جميعاً مجانين يا خالي، غير أن جنون هذا باهظ التكاليف».

الكاتب/ منى أبو النصر / الشرق الاوسط

هذه قصة التكوين الأول للملياردير سالم السالم، أما ما يأتي بعدها فقد يكون مفاجئا للقارئ، إذ سيظن كثيرا أن الرواية تتحدث عن شخص حقيقي عاش كل الأحداث المسرودة مع أن الكاتب حرص في مقدمة الرواية على تدوين التنويه المعتاد الذي يشير إلى أن “جميع الأسماء والأحداث والأماكن في هذه الرواية من نسج الخيال. وليس التشابه بينها وبين أي أسماء وأحداث وأماكن أخرى سوى مصادفات عابرة”.

بطل خارق

يمكن قارئ الرواية أن يتجنب البحث عن اسم مشابه لاسم الملياردير في الرواية، فهو اسم متخيل بالتأكيد، أما الأحداث التي يوردها السارد كاتب سيرته، فتأخذه إلى المقارنة والبحث عن أحداث وتصرفات لشخصيات، أو شخصية محددة، في عالم المال والسياسة.

فهذا الرجل استغل فرصة زخم الاندفاع نحو الجهاد في أفغانستان خلال ثمانينات القرن الماضي، فعمل على دمج طموحاته التجارية بالسياسة، وصار شخصية مقربة من أصحاب القرار وأقام رابط تواصل بين بلدان عدة، إلى أن يكون مسؤولا عن إعادة استيعاب الجهاديين في عدد من البلدان. فنجده يتحدث عن علاقته بالمؤسسات المصرية حيث نقل تجارته إلى هناك، ثم السودان بعد ذلك، التي التقى رئيسها إلى جانب الترابي لاستيعاب بن لادن هناك ومحاولة تغيير اهتماماته من الجهاد إلى الاقتصاد وهي المحاولة التي لم يفلح فيها.

يحكي الملياردير للراوي قصصه وسط جو من الخوف والمراقبة، فينقله من بلد إلى آخر، جامعا بين أحداث وقعت بالفعل وأدوار متخيلة اختلقها لنفسه، فهو يتحدث عن العراق وحروبه ويقول بكل فخر إنه هو من غيّر العراق وإن له الدور الأكبر في تنمية دبي. كما يدعي أنه هو من أوجد الصلح بين الغرب والقذافي قبل إطاحته، وأنه عمل مع علي عبدالله صالح في تحقيق الوحدة اليمنية ومن ثم حرب 1994، وحاول أن يستحوذ على ميناء عدن مع هيئة موانئ سنغافورة. ومن أجل ذلك يتحدث عن لقاءات له مع مبارك والبشير وصدام والقذافي وصالح، وتخطيطه لإسقاط السلطات الشمولية قبل أن تفاجئ تونس الجميع ببدء “الربيع العربي”.

هناك شطحات كثيرة لا يتراجع الراوي عن التعليق عليها ويعتبرها ادعاءات، إذ لم يجد ما يؤكدها في الوثائق ومصادر المعلومات، التي لا تذكر أي دور لهذا الرأسمالي الذي عادة ما يبث القول إنه من أغنى خمسة أشخاص في العالم وفق ما تناقلته مجلات مختصة يذكرها بالاسم، وهو يعرف أن لا أحد لديه الوقت للعودة إليها ليتأكد.

ما يكتشفه الراوي في الأخير وبعد جلسات طويلة يتتبع فيها صاحب القصة في عواصم مختلفة حيث قصوره ومنازله ومكاتبه، أن هذا الملياردير لا يريد منه أن يكتب مذكراته، بحيث تنشر باسم صاحبها، بل يريده أن يكتب سيرته باعتباره شاهدا على الأحداث والوقائع، وهو ما لم يرض به الراوي، الذي لا نعرف عنه الكثير، ليخرج لنا بهذه الرواية.

رجل بثديين

في روايته الأولى، “الشيخ شمسان وشركاؤه”، الصادرة عن منشورات “أوكسجين” في كندا، يبدو أن طارق عباس زبارة يحكي لنا حكاية تتناسل منها حكايات عدة. فمنذ البدء ودون مقدمات، نجد الشيخ شمسان، أحد شيوخ القبائل، يستيقظ من النوم وقد صار لديه ثدي أنثى. يسارع إلى الطبيب الذي تكون هواجسه مشغولة مع أبي قتادة خطيب المسجد المجاور الذي يصر على أن يوقظهم في الرابعة صباحا بصوت الميكروفون الكبير لأداء صلاة الفجر. هناك نتعرف الى تاريخ أبي قتادة وعلاقته بالجهاديين العائدين من أفغانستان وكيف أن أجهزة الأمن تتبعه لكنها لا تفعل شيئا تجاهه.

ترصد الرواية الكثير من الجوانب الاجتماعية كعلاقة ضباط الأمن بالتجار المهربين وبالذات تجار الأسلحة وصانعي الخمور المحلية، ورفض الهاشميين تزويج بناتهم من خارج عائلاتهم مما يؤدي إلى تحجيم أجساد أبنائهم وتشويه أشكالهم، لكن الشيخ شمسان يستطيع الزواج من فتاة هاشمية، بسبب مكانته الاجتماعية ووضع أبيها المالي المتواضع، وهو زواج من ضمن ثلاث زيجات للشيخ، أولاها أنجبت له وهي في الثالثة عشرة من عمرها.

أحاديث الشيخ شمسان مع الطبيب تشير إلى خلل في الهرمونات ناتجة ربما من تناول حبوب مقوية جنسيا. مع هذا تتسع شكوكه ويصبح في حال اضطراب مع المحيطين به إذا ما لاحظوا كبر صدره الذي يغطيه بثياب فضفاضة، ومع هذا يظل دائم الارتباك، حتى إنه حين يدعى إلى جلسة قات مع “الرئيس” يلاحظ هذا الأخير تغيره، فيتساءل بسخرية إذا كان “المشايخ” قد صارت لهم أثداء.

يسافر الشيخ شمسان، الذي ازداد نفوذه واتسعت ثروته، إلى السويد للعلاج، لكنه لا يجد فائدة، بل إنه يفاجأ بعدها وقد صار له عضو أنثوي، ليصبح محل سخرية تتطور إلى حجر احد أبنائه على أمواله.

هكذا، إذا كان غريغور في قصة كافكا الشهيرة تحول إلى حشرة تجسيدا لحال الإنسان وهو يكابد مصائره اليومية، فإن اضطراب هرمونات الشيخ شمسان في قصة زبارة يبدو اضطراب مجتمع بأكمله، ارتبطت فيه التجارة بالسياسة والإدارة بالفساد والحياة بالتشوه.ل عيون الشخصيات المؤثرة والمتأثرة بهذا التحول.

علي المقري – عن المجلة

(بقلم: الدّكتور حاتم جوعيه – المغار – الجليل – فلسطين)

مقدِّمة: يقعُ هذا الدّيوان في 152 ص من الحجم المتوسط – صدرعن دار الوسط اليوم للإعلام والنّشر/ رام اللّه، وهو الدّيوان الرّابع الّذي تُصدرهُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان. استوحَتِ الشّاعرةُ هذا العنوان (أدَمْوِزُكِ تتعشترين) من الأسطورةِ السّومريَّةِ، مُمَثّلةً بإلهِ البحر (دموزي) حارسُ بوّابةِ السّماء، والمسؤولُ عن دورةِ الفصول ورمزُ الذّكورة. وأمّا (عشتار) فهي إلهةُ الجَمال والحُبّ والجنسِ عند البابليّين. في هذا الدّيوان الشّاعرة آمال متأثّرةٌ كثيرًا بنشيد الإنشاد لسليمان الحكيم (العهد القديم)، ففي سِفر الإنشاد المُحبُّ هو العريس، وهو المسيح حسب الشّرح والتّفسير اللّاهوتيّ المسيحيّ، والعروسُ هي الكنيسة، والسّيدُ المسيحُ هو زهرةً الشّعب اليهوديّ وسوسنةُ الشّعوب، جاءَ مِن البَرّيّةِ؛ أي مِن امرأةٍ بتولٍ لم يَمسُسْها رَجُلْ.

    في هذا الدّيوان يوجدُ مزجٌ روحيٌّ بينَ العوالمِ الصّوفيَّةِ والمفاهيمِ الرّوحيّةِ المسيحيّة، ومِن مُنطلق شرح وتفسير نشيد الإنشاد بمنظارٍ ومفهومٍ لاهوتيٍّ مسيحيّ، فقصائدُ الدّيوان متواصلةٌ ومُتداخلةٌ ومُتسلسِلةٌ وكأنّها قصيدةٌ واحدة، وهي مستوحاةٌ ومُستمدَّةٌ مِن الأسطورة السّومريَّة.

    في الدّيوان نجدُ التّحوّلاتِ في الخطاب الشّعريّ والرّؤيةِ الشّعريّة إلى خطى- ثلاثيّةِ الأبعاد؛ (صوفيٌّ، إسلاميّ،موروثٌ مسيحيّ يهوديّ وأسطوريّ)، والمناجاةُ بين الحبيب في نشيد الإنشاد شرَحَها علماءُ اللّاهوت المسيحيّ في حوارٍ بين المسيح وكنيستهِ – كما ذُكِرَ أعلاه، بيدَ أنّ هنالكَ مُفسرين آخرين يَشرحونَ نشيدَ الإنشاد ويُفسّرونهُ بشكلٍ مختلف، وينظرونَ إليه كأنّه مجرّد غزل محض، ليس فيه المعاني والأبعاد اللّاهوتيّة ونفحات التّصوّف.

   ونجدُ تعلُّقَ النّفسِ الكليَّة بالذّات المُقدّسة في حوارها الشّعريّ؛ شوق الحبيب للحبيبة، ويُقابلهُ ويُكملهُ شوقُ الصّوفي للقاء ربّهِ، وكما جاء في نشيد الإنشاد كشوق العشيقة (كالتّفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين)، وفي نشيد الإنشاد تكونُ المعرفةُ باحتساء خمور المعرفة، وفي هذا الدّيوان الشّعريّ يتجلّى الأمرُ بمفهوم الزّهد والعبادة، فتقول (ص82): “أنَّى لِغابِرٍ في الزّهد.. أنْ تَتعفَّفَ بُرُوقُهُ؟”

     النّصُّ الشّعريّ عند آمال عوّاد رضوان لهُ جماليَّاتُهُ، وصُورهُ، ولغتهُ الخاصّة، وإيقاعهُ الدّاخليّ والخارجيّ الأخّاذ، مع بُنيةٍ مُركّزةٍ تتّكئُ على افتراضيَّةٍ مُستفِزّةٍ للّحظة، وهي تعتمدُ على التّكثيفِ بالأسلوب الفنّيّ، مع إيحاءاتٍ في حقلِهِ الدّلاليّ فكريًّا ووجدانيًّا، ومع تعدُّدِ ظلالِ الرّؤية بوحدةٍ موضوعيّةٍ مُنسابة، وهذه هي المجموعة الرّابعة للشاعرةآمال عوّاد رضوان، وقبلها أصدرت ديوانها “بسمة لوزيّة تتوهَّج” عام (2005)، الدّيوان الثّاني “سلامي لك مطرًا” عام (2007)، و “رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ” عام (2015). وكان لي الشّرفُ في كتابةِ دراسةٍ مُطوّلةٍ لديوانها “بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهَّجُ”.

      كتاباتُ آمال عوّاد رضوان تُعبِّرُ عن حالةٍ شعوريَّة وجدانيَّة، يتداخلُ فيها السّياقُ الجماعيُّ والجمعيّ، ونصوصُ هذا الدّيوان تُحلّقُ وتصولُ ما بين عوالم الإله (ديموزي) كرمز أسطوريّ حارسٍ لبوابة السّماء ومسؤولٍ عن دورة الفصول وعنصر الذّكوريَّة في الطّبيعة، وبين زوجتِهِ (عشتار) إلهة الجنس والحُبِّ والجمال عند البابليّين، ويُقابلُها (إنانا) عند السّومريّين، وأفروديت عند اليونانيّين، وفينوس عند الرّومان. إنّ (دموزي) و (عشتار) في فضاءاتِ الوجود يُشكّلان أسطورةً مميّزةً، بأبعادِها وأسرارِها الجماليّةِ المثيرة، وبأحداثِها المُؤثّرةِ الّتي انعكستْ علاقةً عاطفيَّةً عظيمة.

     إنّ النّصَّ الشّعريّ عند آمال عوّاد رضوان يمتلكُ قدرةً تعبيريَّة رائعةً مُترعةً بالجماليَّة، مُتجرِّدةً ومُتحرِّرةً من المألوفِ والقوالب التّقليديّةِ الرّتيبة الجاهزة، مِن خلال ديناميكيَّةٍ مُكثّفةٍ وجديدة، وينمُّ عن هذا شاعرةٌ مُرهفةٌ تدركُ جيِّدًا بذاتها الشّفافةِ المبدعِة، والخلّاقةِ لتجربتها، والمدركة للواعجِها المُتوقِّدةِ عاطفيًّا ونفسيًّا، فنصوصُ آمال الشّعريّةُ هي ترجمةٌ صادقةٌ لمشاعرِها وأحاسيسِها ولواعجِها، ولانفعالاتِها وتفاعلاتِها الكيميائيَّةِ الدّاخليّة، مُشِعَّةً بالإبداع مِن خلال رؤيا عميقةٍ، ومِن خلال توطُّدِ أنماطٍ وتقنيّاتٍ فنّيّة، تعطي حياةً وحركةً نابضةً مُحرِّكةً للنّصّ، وفي طليعتها:  1* الرّمز.  2* أسلوب الاستفهام. 3* التّكراراللّفظي، وفيه يتحقّقُ التّوازن، ويخلق موسيقى شعريَّة.

      الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان تُوظّفُ المجاز المعبّر عن لحظاتِ وسويعاتِ التّوهّج، وهي تُحلّقُ في الرّؤيا الشّعريّة، وتعكس القيمةَ الجماليَّة للرّوح الإنسانيّة، وتمتاز كتاباتها بالتّكثيف اللّغويّ والمعنويّ، وفي الصّور الشّعريّة المبطّنة والمُثخنة بالتّورية وببنية السّرد الشّعريّ، وهي تستخدم الطّاقاتِ الحسّيَّةَ والصّوتيَّةَ والعقليَّة.

     وممّا يلفتُ النّظر في هذا الدّيوان ان الشّاعرة اختارت ضمير المخاطب المؤنّث بشكلٍ مُستمرّ، وكان عاملًا مُوحّدًا إضافيًّا، على اعتبار أنّ المجموعةَ كأنّها قصيدةٌ واحدةٌ متواصلةٌ ومتسلسلة، وكأن الّذي كتبَ نصَّ هذه المجموعة (الملحمة) هو شاعرٌ وليست شاعرة، وقد استطاعتْ وبكلّ لباقةٍ وفنّيّةٍ هذه الشّاعرةُ الأنثى في عصرٍ ومجتمعٍ ذكوريٍّ محض، أن تتجسَّدَ وتتقمّصَ صوتَ الرّجل وروحَهُ وضميرَهُ، وتنطقَ بلغتهِ وأسلوبهِ وطابعِهِ وميزتِهِ، مِن غير أن تُظهرَ الأنثى الشّاعرةَ ورقّتها، ولا يبدو ضعفُها وخضوعُها وتبَعيَّتَهَا.

      لقد أثبتت الشّاعرةُ القديرةُ آمال عوّاد رضوان قدرتَها ولباقتَها، على التّحدّثِ بلغةِ وأسلوبِ وروح الشّاعرِ العاشق، وعبّرتْ عن ميولِها ورغبتها أن يكونَ تعبيرُها هو لغة الشّعراء، وفي صدى وإيقاع الصّياغة الشّعريّة، وبشكلٍ عفويٍّ تلقائيٍّ هي تُقدّمُ رسالةً جماليَّةً للشّعراء، مفادها كيفيّة خطاب الأنثى، وذلك ليرتقيَ ويرتفعَ ويَسموَ الشّعراءُ بمحبوباتِهم وعشيقاتِهم إلى مصاف (عشتار) النّموذج، وللمثال الإلهيّ الرائع المترع والممتلئ بالحبّ والحياة والجمال. تقول الشّاعرة:

“وَمَا زِلْتُ فِي حَوْزَةِ مَاضِيكِ/ أَلُوذُ بِنَبْضِكِ/ ويُشِعُّكِ/ بَيْنَ اعْوِجَاجِ أَضْلُعِي”

      ولكي يكونَ نبضُ الاسطورةِ ناجحًا، يجب أن لا يوصفَ بمجرّد المفردات والتّعابير والمعاني الأسطوريّة، بل يجب أن يُوظّفَ كقيمةٍ فنّيّةٍ جماليَّة، وبشكلٍ متناسقٍ ومتناغم، وينطبقُ مع واقعِنا اليوم، فالأسطورةُ هي وسيلةٌ للوصول إلى المطلوب والمعنى والهدف المنشود.

       في هذا الدّيوان نجدُ الكثيرَ من الاستعارات والتّشبيهات البلاغيّة الجديدة المبتكرة، والصّور الشّعريّة الحديثة والخلّابة، ومثالٌ على ذلك في هذه الجمل واللّوحات الشّعريّة الفنّيّة (ص95):

* “منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ”/  *”لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!”/

* “وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ.. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا/ عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ.. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!”

* “رُؤى مَرَابِطِي”، * “لُعَابُ نُورِكِ”، * “مَضَائِقِ كِبْريَائِي”، * “إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!”،

* “لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ؟”، * “عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ”، * “عَلَى شِفَاهِي الْمَبْتُورَةِ”، * “كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟”.

      وتستعتملُ الشّاعرةُ أيضًا العديدَ من الكلماتِ الفصحى الجميلة الّتي لا يفهمُها كلُّ شخص، مثل:  * “أَسْمَالُ طُفُولَتِي تَرْتَجِفُ.. تَرْتَعِدُ” (ص122). و “ضَمِّخِينِي.. بِرِيحِ مَلَائِكَتِكِ” (ص124) حيث تقول: “أَنَا مَنْ ضَمَّخَنِي حَصَى فَرَاغِي”.

 إنه لتشبيه واستعارة جديدة لم تستعمل من قبل إطلاقا. وتقول (ص25):  

* “وَاغْسِلِي صَخْرَ قَلْبِي/ بِزَيْتِ حُبِّكِ.. بماءِ عَفْوِكِ”، وهذه الفكرةُ مستوحاةٌ ومُستمدّةٌ من الدّيانةِ المسيحيّةِ واليهوديّة- (المعموديّة والطّهارة).

 وتستعمل الشّاعرةُ أل التّعريف بدل الاسم الموصول في العديد من الجُمل الشّعريّة في هذا الدّيوان.. وأمثلة على ذلك،مثل:

* “صُورَتَكِ الْـــــ.. تُـــثِــــيـــرُ فِيَّ كُــــلَّ حِــــرْمَــــانِــي” (ص 11)، بدل (صورتُكِ الّتي تتثيرُ فيَّ كلَّ الحرمان).

* “وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ/ الْـ.. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!” (ص13)

* “فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا/ كَحَالِ قَلْبِي.. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!” (ص24).  

* “غِـــمَـــارُ أُنُـــوثَـــتِـــكِ الْــ أَشْـــتَـــهِـــي” (ص31)، وهذه الجملة قد تُفهَمُ وتفسَّرُ خطأً من قِبلِ بعض النّقّاد أو القرّاء، وكأنّ فيها إيحاً جنسيًّا، وهي بعيدةٌ كلّيًّا عن هذا الموضوع وهذا المجال، وتتحدّثُ عن الخصوبةِ والثمار ودورة الطبيعة والحياة.

* “أَيَّتُهَا النَّشْوَةُ الــ.. تَسْــ.. كُـــــنْ/ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ”.

و “لَا تَغْفِلِي.. عَنْ نَايَاتِي/ الْــــ لَهَا.. عَطَشُ الْحَاجَاتِ!” (ص66).

* “وَكُونِي غَزَالَتِي/ الــْ لَمْ يَزَلْ.. طَـــعْــــمُـــهَـــا/ عَلَى لِسَانِي!” (ص86)؛ أي الّتي لم يزل طعمها.

* “آهٍ مِنْ طُفُولَتِكِ الْــ  تَتَشَاقِينَهَا بِي” (ص132)، أي الّتي تتشاقينها.

* “أَضِيئِي.. أَوْتَارِيَ الْــ  يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!” (ص 104)، أي الّتي يوسوسها السّوس… وفي هذه الجملة جناس غير تام.

* “أَيَا مَنْفَايَ الْــ  يَتَوَارَى.. خَلْفَ حَنِينِي الْغَافِي!”، بدل (الّذي يتوارى ) (ص106).

* “أَيَا يَنْبُوعَ الْمُضِيئَاتِ/ اِغْفِرِي لِيَدِ عَبَثِي الْــ وَأَدَتْ/ خَفَقَاتِ عُمْرِي.. مِيزَانَ شِعْرِكِ/ ونَبَضَاتِ حُزْنِي.. شَقِيقِ فَرَحِكِ!” (ص113).  

* “يَنْهَشُ غَمَامَ عيْنِي الْـ تَحَجَّبَتْ” (ص118)

* “أَلَا أيْقِظِي جَدَاوِلَ نَوْمِي../ الْــ يَغْرَقُ فِي شَيْبُوبَتِهِ!” (ص121).

 قاموس آمال عوّاد رضوان الشّعريّ غزيرٌ،حافلٌ وزاخرٌ أيضًا بالكلمات الفصحى الجميلة، مثل: زمهرير؛ (أي البرد الشّديد القارص)، و(يتسربل؛ أي يرتدي ويلبس)- فتقول (ص107):

* “أَعْتِقِينِي مِنْكِ/ مِنْ إِغْرَاءَاتِ أَوْهَامِي/ مِنْ زَمَهْرِيرِ أَحْزَانِي!”..

وهذا تشبيهٌ جديدٌ ومبتكر، لم يستعملهُ شاعرٌ مِن قبل. ومثل كلمة (جحافل؛أي الجيوش الجرّارة)، وكلمة (يُضَمِّخ)، و (يشرئبُّ)، و (اضمحلال)، و (يتأجّجُ) وإلخ…

   وتستعملُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان التّكرارَ اللّفظيَّ، أو تكرارَ أحد الأحرف في نفس الكلمة، لتضيفَ للجملةِ والعبارة الشّعريّةِ تصويرًا للكلمة، وتُضفي جمالًا وسحرًا ورونقًا موسيقيّا، أو لتؤكّدَ على معنى معيّن، أو لتوضيح الصّورة والمشهد الشّعريّ الدّراميّ للقارئ، وبشكلٍ فنّيّ تقنيٍّ ذكيٍّ ومُحكم.. وأمثلة على ذلك، مثل:

* “فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ.. أَسُووووووحُ” (ص12). يتكرّر حرف الواو هنا خمس مرات.

* “آااااهٍ.. كَمْ تَشَهَّيْتُكِ” (ص28). يتكرّر حرفُ الألِف 4 مرّات في كلمة آه.

* “آااهٍ لَوْ تَعْلَمِينَ/ كَمْ يَشُوقُنِي يَنْبُوعُ قُبَلِكِ/ اِسْـقِــنِـيـهَـا.. اِرْوِنِـيـهَـا” (ص 10).

 حيث تكرّر الحرف الأول (آ) للتأكيد على المعنى والحالة النّفسية والحسرة..

* ” آآآآآآآآآآه/ نَشْوَةُ آهَتِي الْمَكْتُومَةُ/ مُتْخَمَةٌ.. بِلَدْغَاتِ تَجَاهُلِكِ!” (ص39).

   يتكرّرُ حرفُ الألف في كلمة (آه) عشر مرات، وتدلُّ وتشيرُ الكلمة هنا في هذا التّكرار الحرفيّ إلى ذروةِ وقمّةِ تفاقم النّشوة الحارقةِ والمتأجّجةِ والمكتومة..

* “وَيْحِي/ إِنْ كَفَّتْ رُوحِي عَنِ التَّشَظِّي/ فِي مَدَااااااااكِ الْبَعِيــــــــــــــــــــــــدِ” (ص 70).

    وتستعملُ في العديد من الجمل كلماتٍ مُفكّكةَ ومُبعثرةَ الأحرف أفقيًّا وعموديًّا، لتُشير إلى الوضع والحالة النّفسية، ولتؤكّدَ المشهدَ الدّراميَّ وغيرها أيضًا، مثل:

* “لَكَمْ يَسْتَهْوِينِي/ تَــ فْـــ كِـــ يـــ كُـــ كِ/ قَبْلَ أَنْ أُعِيدَ إِلَيَّ.. لُـــحْـــمَـــتَـــكِ” (ص29).

  وأيضًا مثل جملة: * “بَعْثِرِي  شِـــ فَـــ ا هِـــ ي/ عَلَى ضِفَافٍ.. تَلْتَهِبُ بِنبوغِ الْقُبَلِ!”.

     ويشعرُ القارئ ويحسُّ بالفعل عندما يقرأ هذه الجملة الشّعريّة، كأنّ الشّفاهَ مُفكّكةٌ بحسب طلبها وأمرها، لأنّ كلمةَ (شفاه) كُتبتْ مُفكّكة ومبعثرة وكلّ حرفٍ لوحده، ويُدخلُ إلى نفسيّة المتلقّي (القارئ) نوعيّةَ المشهد وجوَّهُ والحالةَ النّفسيّة، وأنّ الشّفاهَ مبعثرةٌ ومفكّكة..

    وأمثلة أخرى من هذا الدّيوان على كلماتٍ كُتبت أحرفُها مُفكّكة ومبعثرة مثل:  

* “أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ../  بَــ ~~ يــْـ ~~نَ../ وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ../ بَــ ~~ يــْـ ~~نَ../ جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!” (ص4)

* “قَلْبِي الْــــ  يَــــكْـــــــبُــــــــــــــــرُ  بِكِ/ حينَ../ يَـ~~جْـ~~ـمَـ~~ـحُ../ شَجْوًا” (ص5)

* “وَ.. أُحَلِّقُ حُرْقَةً/ أَ~ تَـــ~لَــــ~وَّ~ى/.. وَ../ أَ ~ تَـــ~ لَــ~ وَّ~ عُ/ فِي قَفَصِ النِّسْيَانِ!” (ص48).. أي أتلوَّى وأتلوَّع.

* “أَيَّتُهَا النَّشْوَةُ الــ.. تَسْــ.. كُـــــنْ/ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ” (ص56).

* “فَلَا تَقْلِبِي.. ظَهْرَ النَّهْرِ/ وَ بَـ~يْـ~نَ ظِلَّيْنَا/ دَعِيهِ يَــــجْــــرِي/ لِأُتَــوِّجَــكِ.. مَلِيكَةَ كُلِّ الْكَوْنِ” (ص62).

     وتستعملُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان الكثيرَ من علاماتِ السّؤال وعلامات التّعجب في نهاياتِ

الجُمل، فوُضِعَتْ وَوُظّفَتْ بشكلها الصّحيح الجميل والفنّيّ، تفيدُ الفحوى والمعنى المنشود، وتضيفُ رونقًا وجماليّةً خاصّةً ومميّزةً للجُمل الشّعريّة، ولا تخلو صفحةٌ واحدة في الدّيوان دون وضع بضعة علامات تعجّب واستفهام.. وأمثلة على ذلك مثل:

 * “كَأَنَّ حُبِّي وَهْمٌ.. كَإِلهٍ/.. إنْ لَمْ يَتَجَسَّدْ؟!”(ص6)

* “أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!” (ص7) 

* “وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي.. تَتَحَجَّبُ/ خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ!” (ص7)

* “فَلَا نَظَلُّ مُبَلَّلَيْنِ/ عَلَى نَاصِيَةِ رِيحٍ.. بِلَا مَصَابِيح!” (ص9) 

* “وَأَظَلُّ فَضَاءَكِ الْمُشَرَّعَ../ عَلَى قَيْدِ الاشْتِعَالِ!” (ص11)

* “فَلَا أَغْدُو فَرِيسَةً لِمَجْهُولٍ/ يَصْطَادُنِي فِي غَفْلَةٍ؟” (ص16).

* “لَا تُدْخِلِينِي.. فِي طُقُوسِ الاعْتِرَافِ/ حَيْثُ تَبُثِّينَ الرَّمِيمَ../ بِنَارِ الْحَيَاةِ!” (ص29) 

* “دَحْرِجِي النُّورَ/ عَنْ عَيْنِ دَهْرِي الْأَعْوَرِ!” (ص41) 

* “مِنْ خَلْفِ أَسْوَارِ الضَّاحِيَةِ/ تُطِلِّينَ.. بِحَيَاءِ ضَحِيَّة!/ إِلَامَ تُقَدِّسُنِي خَطِيئَتِي؟/ إِلَامَ تُؤَلِّهُنِي حَمَاقَتِي؟” (ص43).

   ونجد هنا التّشبيهَ النّقيضَ أو المعاكس، أي المشبَّه والمشّبه به متناقضان ومتعاكسان، ولا يوجد أيّ رابطٍ أو شبهٍ بينهما (سلبيّ وموجب).

* “رُحْمَاكِ/ لَا تُضَيِّقِي آهَاتي.. بِانْحِسَارِ دَهْرِي!” (ص57) 

 * “يَا مَنْ تَفُوحِينَ عِطْرَ رَبِيعِكِ صَبَابةً/ إِلَامَ تُقَلِّدِينَنِي مَحَارَاتِ سُهْدِي؟/ إِلَامَ تُؤَلِّقِينَنِي مَزْهُوًّا.. بِصَفْعِ عِنادِكِ؟” (ص61).

* “أَتَطَالُنِي آلِهَةُ حُزْنِي.. فِي مِصْيَدَةِ الْعَبَثِ!/ أَأَعْتَصِمُ بِلِقَاءِ الصُّدَفِ.. أَمْ بِسَطْوَةِ لَهْفَتِي؟/ كَيْفَ

أَقْمَعُ خَرِيفِي.. بِأُغْنِيَةِ الْمَطَرِ؟/ أَتَخْلُو قَوَادِمُ الْأَيَّامِ.. مِنْ لَهْفَةِ اشْتِهَاءٍ؟” (ص63). 

* “رُحْمَاكِ/ أَلْبِسِينِي زُرْقَةَ الْحَيَاةِ.. فِي أَوْطَانِ مَائِكِ النَّمِيرِ!” (ص68).

* “أَيَا أَيَّتُهَا الْفَاتِكَةُ بِي/ أَنَّى أَتَحَمَّلُ ذُنُوبَ فَوَاحِشِ حَرْفِكِ؟/ مُذْ غَادَرَتْنِي.. غُدْرَانُ مُحَيَّاكِ/ انْطَفَأَتْ.. ذُبَالَاتُ عَيْنَيَّ!” (ص75). 

* “أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا../ فِي حَقَائِبِ الْهَجِيرِ؟” (ص85) 

* “فهَلْ أَتَعَثَّرُ بِيَنَابِيعِكِ.. لِتَرْثِيَ خَوَاطِرِي الْمُتَكَسِّرَة؟” (ص89).

* “فَـقَــطَــفْــتِــنِـي اشْتِعَالًا/ وَأَطْــفَــأْتِــنِــي أَقْمَارًا مُتَكَسِّرَةً/ لكِنْ.. كَيْفَ أَتْــقَــنْــتِــنِـي جُنُونَ أَبْجَدِيَّةٍ؟” (ص91).

* “منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ/ لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!” (ص95).

* “يَا مَنْ لِحُضُورِكِ الْبَذْخُ/ كَحُضُورِ مَلِيكَةٍ كِنْعَانِيَّةٍ/ كَأُسْطُورَةٍ.. فِي خَيَالِي تَتَبَخْتَرُ/ مِنْ حَوْلِكِ مَلَائِكَةٌ تَتَمَخْتَرُ/ فِي سُبْحَةِ تَرَاتِيلِكِ/ وَرُوحُكِ تَتَجَلَّى.. فَوْقَ يَاقَةِ حُلُمِي!/ أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟/ أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي.. أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟” (ص102).

* “كَمْ أَتُوقُ إِلَى مَنَابِعِكِ/ لِأَرْوِيَ تَارِيخًا..مِنَ الْعِشْقِ الْمَكْنُونِ!” (ص111).

* “أَلَعَلَّ قِيثَارَةَ الْبَنَفْسَجِ/ تَتَسَايَلُ شَذًى مَسْحُورًا؟” (ص112).

* “وَقْتِي يَصْحُو مُعْتِمًا/ يَشِيبُ بِعِنَادِكِ/ وَلَيْلِي يَتَقَصَّفُ/ مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأَزَلِيِّ!” (ص115).

* “كَمْ حَنَّ خَيَالِي الْمَهْجُورُ!/ مَا انْحَنَى هَيْكُلُهُ/ وَبَوْحُ نَايِي الرَّشِيقِ/ مَا شَاخَ أَنِينُهُ!” (ص119) إلخ…

     وتُكثرُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان من استعمال الفواصل على شكل نقطتين بجانب بعض (..)، وتُوظّف في هذا الدّيوان الكثيرَ من الصّور الشّعريّة الخلّابة، والاستعاراتِ البلاغيّة الحديثة والمبتكرة وبشكل مكثّف، فديوانها حافلٌ وزاخرٌ بالصّور الشّعريّة، وبالاستعارات البلاغيّة الجديدة والمبتكرة الّتي لم يستعملها أحدٌ من قبل، وبالمصطلحاتِ اللّغويّة الجديدة، وأمثلة على ذلك مثل:

* “ففِي أَثِيرِكِ الْحَرِيرِيِّ/ أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ/ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!” (ص7).

* “أَنَا.. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ/ لَمَّا أزَلْ/ أُسَبِّحُ.. سِحْرَ سُكُونِكِ/ مَا نَسِيتُ.. ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ/ حِينَ يَسْتَحِيلُ.. لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!” (ص13).

* “سَلَامًا مُدَلَّهًا.. أَعْصِرُنِي/ لِنُورِكِ الْبَهِيِّ/ يَتَأتَّانِي.. مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ/ لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ/ أَلْفُ مَعْنًى.. وَ.. أَلْفُ مَغْنًى!” (ص18).

* “أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ دَعِينِي.. أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ/ أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ/ لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ” (ص24).

* “رُحْمَاكِ/ فِي طَوَاحِينِ خَفْقِكِ الْمَخْنُوقِ/ أَبْجِدِينِي.. بِجُنُونِكِ!” (ص36).

* “يَا الْمُتَسَلِّلَةُ.. كَشُعَاعٍ وَحْشِيٍّ/ إِلَى أَقْفَاصِ سَعْدِي/ ضَمِّخِينِي.. بِرِيحِ مَلَائِكَتِكِ/ دَحْرِجِي النُّورَ/ عَنْ عَيْنِ دَهْرِي الْأَعْوَرِ!” (ص41)

       ويبدو هنا بوضوح تأثُّر الشّاعرة بسِفر نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم.

* “بَوْحِي.. وَرْدٌ جَرِيحٌ/ عَلَى سِيَاجِ رَبِيعِكِ/ لَا يَحُدُّهُ نَزْفٌ/ وَلَا يَلُفُّهُ وَدْعٌ.. وَلَا حَتْفٌ!/

وَأَنْتِ وَدْعِي وقَدَري!/ أَنْتِ وَدَعِي وَسَكَنِي!/

وَكَنُبُوءَةٍ وَادِعَةٍ../ فِي تَمَامِ الْأَزْمِنَةِ/ تَبْعَثِينَني شَهْوَةً/ فِي لُغَتِكِ الْيَانِعَةِ!” (ص45).

* “أَيَا مُهْرَةَ بَوْحِي/ حَلِّقِينِي إِشْرَاقَةً.. تَجْثُو فِي السَّحَر/ لِأَتَشَدَّقَ بِفِيكِ.. برَغْوَةِ مُرَاوَغَتِكِ/ ولِتَشْرَئِبَّ شِفَاهِي اللَّهْبَى ظَمَأً/ لِعَطَشِ أَلْسِنَةِ لَهَبِكِ/ فَمَا أَرْوَعَكِ.. أَيَا مَاهِرَةَ الْبَوْحِ/ أَنْهَلُكِ.. نَهْلَةً نَهْلَةً.. وَلَا أَرْتَوِي” (ص52).

* “غمَامًا روحيًّا.. تَتَشكّلينَ/  فِي وَاحَةِ أشْجَانِي/ وأَبَدًا/ مَا كَانَ جَمَالُكِ.. إِلَى اضْمِحْلالِي” (ص53).

* “أَرْغِفَةُ عُمْرِي../ قَدَّدَهَا غُبَارُ أَحْلَامِي!/ كُؤُوسُ جَوَارِحِي.. تَنَاهَبَتْنِي/ فِي دَهَالِيزِ اللَّحْظَةِ!/ وَقَوَافِلُ نبضي.. تَمْضِي مُثْقَلَةً بِشُحِّهَا” (ص58).

* “يُسَاهِرُنِي اللَّيْلُ../ يُرَاقِصُ زَنَابِقَ أَحْلَامِي/ يُدَغْدِغُ مَكْنُونَاتِ رُوحِي/ وَأَتَثَاءَبُنِي.. انْسِكَابَ خُمُورٍ/ لَا يُدْرِكُ كُنْهَهَا/ إِلَّا مَنْ نَادَمَ كُؤوسَ أَبْجَدِيَّتِكِ!” (ص74).

* “وَلَمَّا تَزَلْ تَنْسَلُّ.. خُيُوطُ قَلْبِي شَاحِبَةً/ فيَكِرُّ وَجْهِي.. جَمَالَكِ/ ويَتَسَلَّلُ إِلَيَّ.. ضَبَابُ اللِّقَاءِ/ وَأَخْـــشَــعُ سَــاجِــدًا/ حِينَ تَتَدَلَّى ضَفَائِرُ آمَالِي!” (ص76).

* “يَا مَنْ تُفَتِّقِينَ أَكْمَامَ الْبَرْدِ/ بِلَفْتَاتِكِ الْـ.. تَـــثْـــقُـــبُـــنِــي/ كَعُصْفُورٍ كِرْكِسِيٍّ.. مُغَرِّدًا أَنْبَثِقُنِي/ أَتَسَرْبَلُ نِدَاءَكِ/ حِينَ تُسْدِلِينَ.. زَقزَقاتِ حُرُوفِكِ الْمَائِيَّةِ/ عَلَى جِذْعِ لَيْلِي الْمُجَوَّفِ/ وَأُورِقُ.. بِمِيلَادِ طِفْلَةِ الرُّوحِ!” (ص76).

* “أَجْهَشَتْ رَقْصَةُ زُورْبَا.. تُحَاكِي أَطْلَالِي/ تُجَبِّرُ مَا بَطُنَ مِنْ كُسُوري/ فِي هَوَامِشِ خَطوي!” (ص83)… وتوظف الشّاعرة هنا شخصيّة زوربا.

* “زِئْبَقُ الْمَسَافَاتِ يَزُفُّ هَمْسِي/ يَثُورُ وَلَهًا.. يَفُورُ شَغَفًا/ يَتَوَغَّلُ فِي رُكُودِ حِكَايَةٍ جَامِحَةٍ/ وَلَا يَخْنَعُ.. لِمَا بَطُنَ  مِنْ جِرَاحِي!” (ص92)، وقد تعني هنا المسافات الطّويلة الّتي لا تحسُّ وتشعر بها، وتختفي وتتلاشى كأنّها عنصر الزّئبق.

* “أَترَاكِ تُمْعِنِينَ فِي فَتْكِي/ وَفَكِّ عَقَارِبِ وِصَالِنا الْقُرْمُزِيِّ؟” (ص93).

* “أَكَأَنَّمَا../ عَجَّتْ أَنْفَاسُ الْمَاضِي الْمَثقُوبِ/ بصَرَخاتِي الْمُنِيفَة؟/ أَيَا غَزَالةَ النَّدَى/ ها ظَمَئِي.. لَمَّا يَزَلْ يَسْتَعِرُ بفُيُوضِكِ النَّوْرَانِيَّة!/ أَنَا مَنِ احْدَوْدَبَ لَهِيبُ أَدْغَالِي.. مُذْ فَطَمَتْهَا نِيرَانُكَ/ مَا تُبْتُ عَنْ ظَمَئِكِ

الْمُدَّخَرِ!” (ص93).

   ويبدو هنا بوضوح الصّور الشّعريّة الجميلة والحديثة، والتّعابير والاستعارات البلاغيّة المبتكرة

الّتي لم يستعملها أحدٌ من قبل.

* “منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ/ لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!/ وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ.. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا/ عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ.. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!/ فِي رُؤى مَرَابِطِي/ تَفَشَّى سَيِّدُ الرَّحِيلِ الصَّاهِلِ!”

(ص95).  

* “لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ/ حِينَ هَشَّـتْهَا أَنْفَاسُ (أُحُبُّكِ)؟”(ص96).

* “بِلَيَالِي عَطْفِكِ الشَّمْعِيِّ/ تَضَافَرْتُ.. جَدَائِلَ أَحْلَامٍ مُتَكَسِّرَةٍ” (ص98).

* “دَعِينِي أَلْتَحِفُ.. بِرَوَافِدِ أَسْرَارِكِ/ لأَزْدَانَ بِحَمَائِمِ نَقَاوَتِكِ!” (ص106).

* “بِتَجَاعِيدِ نَدَاكِ/ أَمْتَطِي خُيُولَ خَيَالِي( (ص110).

* “عُذْرِيَّةُ سُيُولِي/ أَضْنَتْهَا مَلَاحِمُ شَفَقِكِ الْنّاعِسِ” (ص112).

* “من مواقدِكِ/  أستمدُّ دَيْمُومَة التّوَقّدِ.” (ص114).

* “وَقتي يصحُو مُعتمًا.. يشيبُ بعنادِكِ/ وليلي يتقصَّفُ.. مُتبرعمًا بيأسي الأزليّ!” (ص115) تعطينا الشّاعرة هنا صورة شعريّة جديدة لليأس.

* ” أأهابُ دَيْنونة التّمَرُّدِ؟؟” (ص114).

* “هَدْهِدي أهدابَ سُحبي.. بدمعةِ شمسِكِ !” (ص120).

* “أنا المُكبَّلُ بتبرِ روحِكِ” (ص124).

* ” وَكَمِثْلِ خَلَاخِيلِ وقْتِي الْجَرِيحِ/ غَدَتْ تَعْزِفُنِي أنْفَاسِي!” (ص127).

* “لِمَ أَعْشَاشُ ذِكْرَاكِ .. فَاضَتْ عَارِيَةً/ زَاهِدَةً .. عَنْ فِرَاخِي الْجَائِعَةِ؟” ( ص 140).

* “هَا انْسَابَ لُعَابُ نُورِكِ/ في مَضَائِقِ كِبْريَائِي”. و *”يُجَرْجِرُنِي.. إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!”،  و *”لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ؟”، و *”أَنَّى يَشِينِي مَوْجُكِ الْغَافِي/ عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ؟”، و *”أَنْدَهِشُ وَأَنْذَهِلُ/ كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟”

      وتستعملُ الشّاعرةُ آمال وتُوظّفُ في ديوانها أيضًا الكثيرَ من المُحسّنات اللّفظيَّة والبديعيَّة، وخاصّةً الجناس، مثل:

* “برَغوةِ مُرَاوَغتِكِ”، و *”لتشرئبَّ شفاهيَ اللّهبى” (ص 52).

* “حِينَ تُوَشْوِشُنِي أَهْوَاءُ أَمْوَاهِكِ/ يَلْهَجُ نَبْضُ مَدَاكِ حَيَاةً” (ص99).

* ” أَضِيئِي.. أَوْتَارِيَ الْــ يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!” (ص104)

* “أَبِمَائِكِ أَتَحَمَّمُ وَأَحْتَمِي!” (ص127)،  وهنا جناس غير تامّ، ولكن كلمة (أتحمَّمُ) غير صحيحة من ناحية لغويّة، وقد وقع في هذا الخطأ الشّاعر والأديب المهجريّ الكبير والعالميّ جبران خليل جبران في قصيدته المواكب حيث يقول: “هل تحمَّمتَ بعطرٍ وتنفستَ بنور”، والصّحيح هو: هل

(استحممت وليس تحمَّمتَ. (نقول: استحمَّ ويستحمُّ وليس تحمَّم و يتحمّمُ).

* “بِتَجَاعِيدِ نَدَاكِ/ أَمْتَطِي خُيُولَ خَيَالِي”(ص110).

* “تتلهَّى بغيِّهَا.. تتغاوى برغوةِ عشقي” (ص113)، جناس غير تامّ.

* “هَا الْمَجْهُولُ الدَّاهِمُ.. يُزَقْزِقُ/ ومَا عَادَتْ أَنْغَامُ الْغَمَامِ.. تَلْكُؤُهُ!” (ص122).

  ويبدو هنا بوضوح قدرةُ الشّاعرةِ وعبقريَّتُها الشّعريّة وذكاؤُها، في اختيار الكلمات المعبّرة والهادفة بشكلٍ يعطي المعنى الحسّيّ والذّهنيّ الدّقيق، ويوصِل الرّسالةَ والفحوى للقارئ بشكل صحيح وكامل تقنيِّ وفنّيّ مميّز.

   وتستعملُ في هذا الدّيوان وفي غيره من دواوينها الأخرى الفعل بصيغة الأنا، أي أنَّ الشّخص نفسه يقوم بالأمر وبإلقاء العمل على نفسه، وهذا الاستعمالُ اللّغويّ والنّحويّ جديدٌ ودخيلٌ على اللّغة والأدب العربيّ ومنذ فترة قصيرة، والقلائلُ من الشّعراء العرب الحديثين والمجدّدين الّذين يستعملونه، ويتوكّؤون على هذا النّمط كلونٍ وشكلٍ من التّجديد في اللّغة – محلّيًّا وفي العالم العربيّ، وقد يكون غير مستحبٍّ وَمُحبَّذ لبعض الشّعراء والأدباء، ولكن إذا استُعمِلَ بشكل صحيح وفنّيّ، وليس بشكلٍ مكثّفٍ ومُملٍّ، يكون جميلًا شكلًا وأسلوبًا، وعلى سبيل المثال في هذا الدّيوان، مثل:

* “هَاءَنَذَا أَتْرُكُنِي لَكِ قَلْبًا سَاخِنًا/ عَلَى عَتَبَةِ لِقَائِنَا” (ص 99)، أي أَتركُ نفسي لك قلبًا.

* “عَلَى حَافَّةِ الْمَسَاءِ.. غَادَرْتُنِي” (ص127)، أي غادرت أنا نفسي بنفسي

     وتستعملُ أيضًا التّشبيهَ العكسيَّ والنّقيض، فلا يكون هنالك أيُّ وجهٍ للشبه أو أي تقارب بين المُشبَّه والمُشبَّه به، أي عكس التّشبيه المباشر والواضح الّذي يكون كالتّصوير الفوتوغرافيّ المحض، والّذي ينتَهجُهُ ويتقيّدُ به معظمُ الشّعراءِ العرب منذ الجاهليّة إلى الآن.

     وفي العصر الحديث أصبح العديدُ من الشّعراء العرب المجدّدين، والّذين يسيرون في ركْب الحداثة، يبتعدون عن القوالب الشّعريّة التّقليديّة الجاهزة، وعن التّشبيهاتِ والاستعارات البلاغيّة المتسعملة والمستهلكة الّتي أكل الدّهرُ عليهَا وشرب، وبدؤوا يتعَمَّقُون في الفحوى والجوهر، ويبتكرون الكثيرَ من الصّور الشّعريّة، والاستعاراتِ البلاغيّة، والمُحسّناتِ اللّفظية الجديدة، وخاصّة في مجال التّشبيه، حيث لا يكون هنالكَ تصويرٌ واضحٌ ومباشر، ممّا يصعبُ على القارئ البسيط تحليلَ الصّورة الشّعريّة وفهمها بشكل عميق وشامل.

      ويوجدُ العديدُ من شعراءِ الحداثة في العصر الحديث على هذا النّمط، وأمّا في العصور السّابقة فربّما يكون امرؤُ القيس الكنديّ أولَ من جدّد في هذا المجال وابتكرَ، فابتعد عن السّطحيّة والتّشبيهات البسيطة المباشرة والواضحة، وتفنّنَ بكلِّ معنى الكلمة في استعمال تشبيهات وصور واستعارات بلاغيّة لم يستعملها شاعر من قبل، وفي الكثير من الأحيان لم يستعمل أدوات التّشبيه، واستعملَ التّشبيهَ والصّورةَ المعاكسة والمناقضة، وأبدع في هذا المجال أيُّما إبداع، وهنالك من النّقاد والأدباء الأجانب الكبار مَن شبَّهَ امرؤ القيس بالشّاعر العالميّ وليم شكسبير.

يقول امرؤُ القيس مثلا: “وليلٍ كموج البحر ِأرخى سُدوله عليَّ/ بأنواع  الهُمومِ  ليبتلي/ فقلتُ لهُ لمَّا تمطّى بصلبهِ/  وَأردفَ إعجازًا وناءَ بكلكلِ”

امرؤُ القيس يشبّهُ اللّيلَ بموج البحر، وقد أرخى سدوله، وهو أول شاعر عربيّ استعمل هذا المصطلح (أرخى اللّيلُ سدوله)، ويُشبِّهُ اللّيلَ أيضًا بالجَمل، مع أنه لا يوجد أيُّ قاسم مشتركٍ، أو أيُّ وجه شبه بين اللّيل وموج البحر والجمل، وهو أيضًا أول من استعملَ هذا التّشبيه (مِكرٍّ مِفرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ)… وفي كلمات متناقضة.

 ومثال على ذلك من ديوان الشّاعرة القديرة آمال عوّاد رضوان حيث تقول:

* “ما أحيلاهُ مُرَّكِ”  (ص100) – النّقيض – المر والحلاوة.

* “ألبسيني أدغالَ سماواتِكِ” (ص 104). المعنى الشّكليّ للكلمتين متناقض، فالأدغال ترمزُ وتشيرُ إلى العتمة، وللمتاهات، وللشّرّ، والصّراع وللأماكن الخطرة. والسّماءُ ترمزُ للنّقاءِ، والصّفاء، والسّلام والعدالة المطلقة.

* “خطيئتي المُقدّسة”  (ص 106).. ويبدو النّقيض – القداسة والخطيئة.

* “تُخلّدُهُ نارُكِ.. ولا يؤُولُ إلى رماد” (ص 114).

* “فاضتْ كفِّي المَثقوبةُ”  (ص120). * “نهاركِ الكفيف” (ص 127).

   وتستعملُ في هذا الدّيوان بعض المصطلحات والجمل التي لا يفهمها القارئُ البسيط  والسّطحيّ  ويدرك فحواها، ويظنُّ أنّها إيحاءاتٌ  جنسيّة، وقد تعني بها الشّاعرةُ أمورًا ومواضيع وقضايا أخرى، وأبعادًا إنسانيّة وتاريخيّة ولاهوتيّة وفلسفيّة، وترمزُ إلى العطاء والثمار والخصوبة والأمومة ودورة الطبيعة والحياة والبقاء، وتلتقي في هذا المنطلق والمنحى مع الشّعراء الصّوفيين، وهي تذكرنا بالشّعراء الصّوفيّين الكبار الغزليّين، وبكتاباتهم وقصائدهم الغزليّة المُوَشَّحَة بالتّعابير الحسّيّة والجنسيّة، ويقصدون مواضيع وقضايا أخرى: فلسفيّة، وإنسانيّة، وروحيّة، وتفاني المخلوق وذوبانه حُبًّا في محبَّةِ الخالق (الحب الإلهيّ):

     يقول الشّاعرُ الصّوفيُّ الكبير ابن الفارض: “ومن أجلها طاب افتضاحي/ ولذّ لي اطراحِي وذلي بعد عِزِّ مقامي/  وفيهَا حلا بعدَ نُسكي تهَتّكي/  وَخلعُ عِذاري وارتكابُ أثامي/ فرشتُ لها خدّي وطاءً على الثّرى/  فقالتْ لك البشرى بلثمِ لثامي”.

       ومن الشّعراءِ الكبار في العصر الحديث الّذين نجد في شعرهم النّفحات الصّوفيَّة المترعة بالتّعابير والمصطلحات الجنسيَّة، الشّاعر العراقي الكبير (مضفر النّوَّاب)، ويقولُ في قصيدة له من ديوانه (وتريَّات ليليَّة): “في تلكَ السّاعةِ من شهَوَاتِ اللّيل/  وعصافيرُ الشّوكِ الذّهبيَّةِ تستجلي أمجادَ ملوكِ العربِ القدماءْ/  وَشُجَيْرَاتُ البرِّ تفوحُ بدفءِ مراهقةٍ بدويَّهْ/  يكتظُّ حليبُ اللّوزِ ويقطرُ من نهديهَا في اللّيلِ/ وأنا تحتَ النّهدينِ غناءْ”.

ويقولُ أيضًا في قصيدةٍ أخرى: (شبقًا في لحمِ المرأةِ كالسّيفِ العذب الفحلْ).

 وتقول الشّاعرة آمال عوّاد رضوان:

* “.. وَعَتِيقُ رَجَائِي.. مَا انْفَكَّ يَتَأَنَّقُ/ بِرَائِحَةِ بَيَاضِ أُنُوثَتِكِ!” (ص26).

* ” دَعِينِي أُمَرِّرُ شَفَتَيْكِ../ عَلَى شَفَتَيَّ/ لِأَنْذَهِلَ اتِّقَادًا” (ص29).

* “ها تِينُكِ المُعَسَّلُ/ يقطرُ شهدُهُ مُتَّقِدًا/ كَجَمْرَةٍ/ تَفُوحُ مِنْهُ رِائِحَتُكِ/ وَغِمَارُ أُنُوثَتِكِ الــ أَشْتَهِي” (ص31)/ * “غِماري.. في تمامِ نضجِهَا/ مُثقلةٌ.. بلذائذِ فاكهتِكِ المُشْتَهَاةِ/ تشَقَّقتْ.. مُولعَةً بنُضْجِكِ”. وإلخ.. (ص32).

   ويبدُو هنا بوضوح تأثّرُ الشّاعرة بسفر نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم.

* “أَتَــــمَـــرَّغُ.. بِبَحْرِ جُنُونِكِ/ حِينَ أَنْفَاسُكِ/ تُنْبِئُنِي.. بِجُلِّ خَلَجَاتِكِ/ وَحينَ تَندُّ عَنْكِ.. شَهْقَةُ اشْتِهَاءٍ/ فَلَا أَنْطَفِئُ!” (ص34).

* ” وَأَنَا الْمَسْكُونُ بِرَغْبَةٍ/ تَطْغَى عَلَى رَبِيعِ حِرْمَانِي/ دَفْقَاتِي/ مَا عَادَتْ تَحْتَمِلُ/ أَيًّا مِنَ تَأْجِيلَاتِكِ!” (ص28).

* “ولمَّا يزل طعمُ نهديكِ على لساني../ مذ كنتُ رضيعِكِ/ ولمَّا أزلْ..أفتقدُ بياضَ حليبٍ/ يدرُّ شبقًا على شفاهي! / ما أفُلَتِ اللّذّةُ..في رعشتِهَا”(ص39).

* “رفّئيني.. بوِئامِكِ والهَناءِ!/ ولا تتنصَّلي من دفءِ جَسَدي/ أريدُكِ.. أنثى مُشْبَعَةً بي/ تَهْذي في مجاهلِ الدّفءِ/ بحرارةِ ذراعيّ” (ص134).

     وفي الدّيوان نجدُ الكثيرمن الإشعاعات والنّفحات الصّوفيَّة والفلسفيّة عميقة المعاني، جليلة الفحوى والأهداف بأبعادها الإنسانيّة، والعاطفيّة، والفكريَّة واللّاهوتيَّة، ويصعبُ جدًّا فهمها وتفسيرها على القارئ العاديّ، إلا مَن كان مُطّلعًا، ومُلِمًّا، ومُتعَمِّقًا ومُتبحِّرًا في الأدب الصّوفيّ. ويبدُو هنا بوضوح تأثُّر الشّاعرة بالفكر والأدب الصّوفيّ، وبروائع شعرائهِ الكبار المُترعة والمُشِعَّة بالحبِّ الإلهيّ مثل: جلال الدّين الرّوميّ، ومحيي ابن عربيّ، وابن الفارض، والسّهرودي، وشمس التّبريزي، ورابعة العدويَّة وغيرهم… تقول الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان:  

* “بِأَوْتَارِ جَنَاحَيْكِ../ أُحَلِّقُ قَوْسَ قُزَحٍ.. خَلْفَ غَمَامِكِ/ حَيْثُ تَسْكُنُنِي السَّمَاءُ/ وَفَوْقَ حُدُودِ الْأَجْسَادِ.. تَطُوفُ بِي خُيُوطُ أَشْجَانِكِ!/ أَنَّى لِغَابِرٍ فِي الزُّهْدِ..  أَنْ تتَعَفَّفَ بُرُوقُهُ/ وَنِيرانُكِ الْمُرَاوِغَةُ عَرّافَةٌ.. فِي مَواقِدِي تَتَأَنَّقُ وَتَتَجَمَّلُ؟” (ص82).

 وتقول أيضًا: *”هَا زِئبَقِي راكِدٌ.. فِي قوارير عُزْلَتِي/ يُومِضُكِ حَكَايَا جَامِحَةً.. في فَجْوَاتِ زَمَانِي!”. وتقول: *”لِلْمَقَامَاتِ.. سُبُلٌ مُقَدَّسَةٌ/ تَتَرَجْرَجُ.. وَتُلَامِسُ أَشِعَّتي/ وَتَتَوَغّلُ فِي فُيُوضِ تَقَرُّبِكِ!/ لكنَّ تهَرُّبَكِ/ يَفْتِكُ بِحَمَائِمِ أَعْشَاشِي/ يَقْضِمُ صَوْتِي الْمُتَعَسِّرَ فِي خَرَائِبِهِ/ مُذْ فَطَمَتْنِي عَنَاقِيدُ نَارِكِ!/ هَا نِصْفِي السَّمَاوِيُّ/ غَطَّ.. فِي تَفَحُّمِ ذَاكِرَتِي النَّيِّئَةِ/ يَحْرِقُ هَوَائِيَ الْمُمَغْنَطَ../ بِقَبْضَةِ صَمْتِكِ الصَّاهِرِ” (ص84 – 85).

 ونقول أيضًا: *”هَا الْحُزْنُ الْمُخْمَلِيُّ/ يَتَوَسَّدُنِي.. كَوْمَةً شَوْكِيَّةً/ يُوغِلُ فِي مَشِيبِي/ فِي إغْفَاءَةٍ مُقَدَّسَةٍ/ وأَنَا الْمُكَبَّلُ بِتِبْرِ رُوحِكِ/ مَفَاتِيحُ الضَّبَابِ بَاتَتْ بِيَدِكِ!

أَيَا طَاعِنَةً/ فِي رَفِيفِ عِطْرِكِ السَّمَاوِيِّ/ أَنَا مَنْ ضَمَّخَنِي حَصَى فَرَاغِي/ بِنَبْضِ بَحْرِكِ/ بَاتتْ تَعُبُّني جِرَارُ الْحُرْقَةِ عُطُورًا/ وَتُغَنِّي لِلرَّاحِلِينَ/ أَلَا فَابْرِقِينِي.. بِوَمْضِ عَيْنَيْكِ/ غِيمِي حَنَانًا.. هِيمِي مَطَرًا/ وَاغْسِلِي صَخْرَ قَلْبِي/ بِزَيْتِ حُبِّكِ.. بماءِ عَفْوِكِ

لَا تُؤَثِّثِينِي/ لِشِعْرِكِ الْأُقْحُوَانِيِّ/ بَلِ اُنْقُشِينِي.. قَصَائِدَ صَلَاةٍ/ لِيَخْشَعَ.. ضَجِيجُ ضَيَاعِي

رُحْمَاكِ/ لَا تُقَمِّطِي رِيحِيَ.. بِأَسْمَالِ النَّارِ/ لَا تَلْتَهِمِي شُعَاعَ سُوَيْعَاتِي/ بِدَامِسِ ظُلمِكِ/ وَلَا تَغْسِلِي دَمِي.. بِالطِّينِ.. بالْغُبَارِ/ بَلِ اِرْوِي طَرِيقِيَ.. بِخُضْرَةِ أَنَامِلِكِ/ وَانْبُشِي أَعْشَاشَ ضَوْئِكِ/ عَلَّكِ تَبْعَثِينَنِي.. أَنَا الْمَنْسِيُّ/ فِي مِشْكَاةِ عَتْمَتِكِ الْبَهِيَّةِ/ وَعَلَّنِي أَنْبَثِقُ ذَاكِرَةً حَيَّةً/ مِنْ شُقُوقِ النِّسْيَانِ!” (ص124 – 126).

     ونجدُ في هذا الدّيوان توظيفَ عناصر الطّبيعةِ: كالعصافير، والضّباب، والسّحاب الماطر،

والشّتاء والعواصف، كرموزٍ دلاليَّةٍ لأبعادٍ وأهدافٍ عديدة، ومثال على ذلك تقولُ الشّاعرةُ:

*”غَيِّبِينِي فِي عَيْنَيْكِ.. دَمْعَةً/ وَدَعِينِي.. أَحِنُّ.. أُجَنُّ/ وَلا أَكِنُّ.. فِي عُرْيِ عَصَافِيرِكِ!/ يَا مَنْ أَسْـتَـغْـفِـرُكِ وَتَـسْـتَـغْـرِبِـيـن!؟/ كُونِي ضَبَابِيَ الْمُسَافِرَ/ إلَى سَحَابِكِ الْمَاطِرِ/ كُونِي.. قُوتَ حُلُمِي الْعَاصِفِ/ كُونِي.. قُطُوفَ شِتَائِي/ لِيَطُوفَ.. بِنَا الدُّوَارُ” (ص42).

 ونجدُ أيضًا البعدَ الوطنيَّ واتّحادَ العاشق بالحبيبة الّتي هي الأرض والوطن والهويّة وكلُّ شيء، تقولُ الشّاعرةُ:

*”رُحْمَاكِ/ أَطْفِئِي يَأْسِي.. بِنُورِكِ الْمُقَدَّسِ/ لِأَظَلَّ أَجْمَعُ ظِلَالَكِ/ أُلَمْلِمُ رَعَشَاتِ ضَوْئِكِ/ وَلِأَسْتَظِلَّ بِقَدَرِي!/ أَعِدِّي مَائِدَةَ الْحُبِّ.. لِثِمَارِ حَنَانِي/ اِخْلَعِي عَنِّي مَنْفَايَ/ وَأَلْبِسِينِي وَجْهَكِ/ لِأَنْضُجَ.. بِحَنَانِكِ”. (ص46).

     ويتجلَّى بوضوح البعدَ الوطنيّ وذكرَ أسماء بعض المعالم الهامّة في بلادنا مثل: مدينة حيفا ومنطقة الجليل، والنّاصرة والبشارة في هذه الجمل الشّعريّة:

* “مَا أُحَيْلَاهُ مُرَّكِ.. يَا ابْنَةَ النَّسَمَاتِ/ كَأَنَّ رَحِيقَكِ.. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا/ أَيَسُوقُ النَّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ/ لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي/ لِتَجْبِلَكِ عُيُونِ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ!؟/ يَا أَرَقَّ مِنْ نَرْجَسَةٍ اشْتَمَّهَا شَاعِرٌ/ فَغَدَا مَلَاكًا” (ص100).

      وبالإضافةِ للبعدِ الوطنيّ يحوي ويشملُ هذا الدّيوانُ مواضيعَ وأبعادًا عديدةً مثل: البعد اللّاهوتيّ، والبعد التّاريخيّ والميثولوجيّ (الأسطورة)، والبعد الفلسفيّ، والعاطفيّ، والبعد الإنسانيّ والفنّيّ. والشّىاعرة آمال عوّاد رضوان في هذا الدّيوان تتقيَّدُ بالقافيةِ والقفلة أحيانًا في نهاية بعض الجُمل الشّعريّة، وتتقيَّدُ بوزنٍ واحد أيضًا في بعض الجمل وبشكل عفويّ، فتضيف جمالًا وإيقاعًا حلوًا للقصيدة، وأمثلة على ذلك: 

* “وَحْدَكِ/ مَنْ تُؤَجِّجُنِي بِالْجِنَانِ.. مَنْ تُتَوِّجُنِي بِالْحَنَانِ!/ مَنْ تَضْفِرُنِي مَوَاجِعا../ فَتَصْفِرُنِي رِيَاحُ أَحْزَانِي!/ أَتُرَاكِ تُعَاقِبِينَنِي.. بِكَمَالِكِ؟/ أَتُرَاقِصِينَنِي.. عَلَى أجْنِحَةِ هَذَيَانِي؟” (ص61).

 وتقولُ: * “مَضَيْتِ.. وَخَلْفَكِ ظِلِّي الْمَوْجُوعُ/ وَمَا انْفَكَّتْ آفَاقِي.. يَتَنَاءَاهَا الجوعُ!/ فِي أَحْشَاءِ مَدَاكِ الْمُضِيئَةِ أَرْكَعُ/ وفِي دَهَالِيزِ عَيْنَيْكِ الْمُشِعَّتَيْنِ/ كَهَرَمٍ هَرِمٍ.. أَكْبُرُ وأَخْشَعُ!” (ص103).

    في هذه الأبياتِ الشّعريّة يوجدُ التزامٌ وتقيُّدٌ بالوزن أيضًا، مع خروج بسيط عن الوزن.. والأبيات على وزن المتدارك أو الخبب. ومثال آخر على التّقيُّد بالقافيةِ وقفلة البيت:

* “سُلْطانٌ حَالِمٌ.. تنَزّلَ بغيْمِ غَابَاتِي/ وَأَغْوَانِي!/ أَسْرَجَ عَيْنَ فرَسِي هَوًى/ وَهَوَى!/ وَلَمَّا يَزَلْ.. يُلَاغِفُ

أجْنِحَةَ شيْطانِي/ يُغْمِضُ خَطِيئَةَ مَلَاكِي/ عَلَى سَلَامِ إلْهَامِي.. وَمَا أَلْهَانِي!/ وَمَضَى/ مضى بعُمْرِي يَتَلَهَّى/ يَتَلَبَّسُ حُمَّى عِطْرِي/ يَتَلَمَّسُ ظِلَّ هَذَيَانِي!” (ص117).

      والشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان في هذا الدّيوان كما ذكرت سابقًا، تُوظّفُ الأساطيرَ (الميثولوجيا) وأسماءَ بعض الآلهة، والشّخصيّات الأسطوريّة القديمة، وبعض الشّخصيّات وأسماء الأماكن وإلخ…، بشكل صحيح وجميل وفنّيّ، فلا يُحسُّ القارئ الذّكيُّ بتكلُّفٍ، أو حشوٍ  وابتذالٍ، أو تكرارٍ مُملٍّ، فلها اطّلاعٌ واسعٌ على التّاريخ والأدب، وخاصّة تاريخ وآداب الشّعوب القديمة، وهي تمتلكُ ثقافةً واسعة، بالإضافةِ إلى موهبتها الشّعريّةِ الفنّيّةِ الرّاقية والمميّزة، ولهذا فقد نجحت نجاحًا كبيرًا في توظيف شخصيّات الآلهة الأسطوريّة، والشّخصيّات التّاريخيَّة وغيرها في الدّيوان، لأهدافٍ وأبعادٍ عديدة ومعانٍ تريدها، والقارئ المتذوّقُ، وليس فقط النّاقد الذّكيّ الفذّ والمتعمّقُ والمتبحِّر، يستطيعُ أن يدركَ ويفهمَ الكثيرَ من معاني وأبعاد هذا الدّيوان والفحوى المطلوب.

     وبهذا شاعرتُنا تتميَّزُ عن العديدِ من الشّعراء المحلّيّين الّذين يتَّجهُون إلى الأساطير، ويتوكّؤون على التّراث القديم والقصص القديمة الأسطوريّة، ويقومونَ بتوظيفِ أسماء بعض الآلهة، وهم لا يعرفون تفسير معنى وَكُنهَ كلِّ إلهٍ، وما هي وظيفتُه، ولأيّ إقليم وبلد وحضارة وشعب يتبع، وما يكتبونهُ ويُخربشونهُ هو مجرّد حشو ولغوٍ، ووضع كلماتٍ مِن دون فهم وإدراك.. وهنالك أمثلة عديدة على شويعرين وشويعرات محلّيّين، يذكرون أسماء آلهةٍ قديمة فيما يكتبونه ويخربشونه من تفاهات وسخافاتٍ، ويُسمّونه شِعرًا، ولا يعرفون ما معنى اسم هذا الإله أو ذلك الإله، ومن أين جاءت التّسمية، وما هي وظيفتهُ ومُهمّتُهُ وميزاته، ولأيّ بلدٍ وإقليم ينتمي .

     وإذا نظرنا إلى هذا الدّيوان من ناحيةٍ شكليّةٍ وللبناءِ الخارجيّ، فهو على نمطِ الشّعر الحديث، غيرُ مقيّدٍ بالوزن والقافية، أو بالأحرى هو مزيجٌ بين الشّعرِ الحديث الحُرّ والشّعر التّفعيلة، لأنَّ هنالك العديدُ مِنَ الجميل، ومن العباراتِ الشّعريّة في هذا الدّيوان مُتقيّدةٌ بتفعيلةٍ ووزنٍ واحد، وحتّى الجُمَل الّتي تُدرجُ في إطار الشّعر الحُرّ يوجد فيها موسيقى داخليّة، بيدَ أنّها مُكوَّنةٌ مِن أكثر مِن تفعيلة، أي هي موزونة، ولكنّها غيرُ مقيّدةٍ وملتزمةٍ ببحور الخليل بن أحمد الفراهيدي بحذافيرها، فقد يكونُ في الجملةِ الشّعريّة أكثرُ مِن وزن، وزنان، أو ثلاثة أوزان، والقارئُ المُتذوّقُ يُحسُّ ويشعرُ بجماليّة الموسيقى الشّعريّة، وإيقاعِها وجرسِها العذب، مع أنّها ليست كلاسيكيّةً تقليديّة، وعلى عكس البعض مِن الّذين يكتبونَ الشّعرَ التّقليديَّ مَحلّيًّا، ولا توجدُ عندهم الموهبةُ الشّعريّةُ الحقيقيّةُ الرّبانيَّة، ولا المستوى الثّقافيُّ المطلوب، فتأتي قصائدُهم المُقيَّدةُ ببحور الخليل كأنّها دونَ موسيقى ووزن، وكأنّنا نسمعُ شخصًا يُكسّرُ أحجارًا، لأنّها تفتقرُ للموسيقى الدّاخليّةِ، وللألفاظِ الجميلةِ العذبة وللصُّوَر الشّعريّة، فالشّعرُ الحقيقيُّ هو صُورٌ، وأحاسيسُ، ومشاعرُ، وعواطفُ، ولواعجُ جيّاشة، ووجدانٌ مُتدفّقٌ، ومعانٍ رائعةٌ وعميقة، ومواضيعُ راقيةٌ، واستعاراتٌ ومصطلحاتٌ بلاغيّة جديدةٌ ومبتَكَرة، وتلاؤُمٌ وانسجامٌ وتناغمٌ بين اللّفظ والمعنى، بالإضافةِ إلى جزالةِ اللّغة وعذوبةِ الألفاظ، وسلاسةِ العباراتِ والجُملِ الشّعريّة بإشعاعاتِها السّاحرة، وحتّى إذا لم تكن مُقيّدةً ببحور الخليل، فتكفي هذه الأسسُ والعناصرُ أن تجعلَ من كلِّ قصيدةٍ على هذا النّحو، أن تكونَ ناجحةً وإبداعيّةً ورائعة.

     وهذا هو الشّعرُ الّذي تكتبُهُ آمال عوّاد رضوان، والشّعراءُ القديرونَ المبدعونَ المجدّدون، والّذين يواكبونَ تيَّارَ الحداثة وركْبَ التّجديد في هذا العصر، مع المحافظةِ على المستوى الفنّيّ والإبداع بمعناه الصّحيح الشّامل، والجرس والإيقاع الموسيقيّ الدّاخليّ الّذي قد يكون أهمَّ أحيانًا من الوزن الخارجيّ (بحور الخليل)، ولكن إذا كان هنالك تقّيدٌ كامل بالوزن، تكون القصيدةُ أحلى وأعذبَ وأروع، ولها رونقها وسحرها المُمَيَّز، وتكون مُشعةً أكثر بالجمال الشّكليّ.

  وأخيرًا وليس آخرا: إنَّ هذا الدّيوان يُعدُّ من أحسن وأفضل الدّواوين الشّعريّة الّتي صدرت في السّنوات الأخيرة من جميع الأسس والمفاهيم النّقديّة والفنّيّة والذّوقيَّة، وخاصّة في صدد التّجديدِ والابتكار، والتّكثيف من الصّور الشّعريّة الجميلة والحديثة، والاستعارات البلاغيّة المبتكرة، والمعاني العميقة، والأبعاد الفلسفيّة والإنسانيّة، والنّفحات الصّوفية وومضات الإيمان الّتي تسربلُ حَيِّزًا لا بأسَ به من الدّيوان، وأيضًا المستوى الفنّيّ، والثّروة اللّغويّة الكبيرة الّتي يحتويهَا، وفي توظيف الرّموز، والتّراث، والتّاريخ، والأسطورة، والمخزون الثّقافي الواسع بالشّكل الصّحيح، وبالشّكل التّقنيّ والإبداعيّ الجميل والسّلس والمميَّز.

      لقد تطرَّقتُ إلى جميع الجوانب والأمور والمجالات الهامّة في هذا الدّيوان، وخاصّة الأمور والمواضيع الّتي لم يتطرّق إليها بشكل واسع الأدباء والنّقادُ الّذين كتبوا عن هذا الدّيوان، وجميع الّذين كتبوا عنه أبدعوا، وكان نقدُهُم موضوعيًّا ونزيهًا وأكاديميًّا وعميقا. وأنا، بدوري، حاولتُ الاختصارَ قدرَ الإمكان في هذه المقالة، لأنّها ليست أطروحة جامعيّة، ولو أردت التّوسّعَ وتحليلَ كلِّ جملة شعريّة كما يجب، لكتبت مئات الصّفحات التّحليليَّة لهذا الدّيوان الشّعريّ، فاكتفيتُ بالاستعراضِ مع شرح وتحليلٍ مُقتضب، وآمل أن أكون في هذه المقالةِ قد أعطيتُ الدّيوان حَقّهُ، وألفُ مبارك للشاعرةِ المبدعة آمال عوّاد رضوان على هذا الإصدار القيّم والمُمَيَز، وعقبال إصدارات أخرى أدبيّة وشعريّة إبداعيَّة.

أسماء المصادر:

1 – سفر نشيد الإنشاد – الكتاب المُقدّس – العهد القديم.

2 – قصيدة المواكب – (جبران خليل جبران – المجموعة الكاملة – دار الجيل – بيروت – لبنان

3 – ديوان وتريَّات ليليَّة – مضفر النّوَّاب – منشورات صلاح الدّين… و(مضفر النّوَّاب المجموعة الكاملة – منشورات قنبر – لندن).

4 – ديوان امرىء القيس الكندي – دار إحياء العلوم – بيروت – لبنان.

5- ديوان ابن الفارض.

أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية، وتساهم في نشر الوعي عربيًا وعالميًا بالقضية الفلسطينيّة، استشهد بعد تفجير سيارته من قبل الموساد الصهيوني عام 1972.

ولد غسان كنفاني في عكّا شمالي فلسطين المحتلة في 9 نيسان/إبريل عام 1936، وعاش في يافا حتى أيار/مايو 1948، حيث أجبر على اللجوء مع أسرته إلى لُبنان، ثم سوريا، تنقل في حياته بين بيروت و الكويت ودمشق والعراق، وهو عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والناطق الإعلامي باسمها، وقد عُرف صحفياً تقدمياً جريئاً، دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة.

أصدر حتى تاريخ وفاته المبكّر ثمانية عشر كتابًا، وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني.

 في أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات، وتُرجمت معظم أعماله الأدبية إلى سبع عشرة لغة ونُشرت في أكثر من 20 بلداً، وتمّ إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية في بلدان عربية وأجنبية عدة، اثنتان من رواياته تحولتا إلى فيلمين سينمائيين. وما زالت أعماله الأدبية التي كتبها بين عامي 1956 و1972 تحظى اليوم بأهمية متزايدة.

نشأته وحياته

والده

والد غسّان من أسرة عادية في عكّا، كان الأكبر بين أشقاءه، ولم يقتنع والده بتدريس ابنه، إلّا أنّ الابن التحق بمعهد الحقوق ب القدس في ظروف غير عادية، استعان بجهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته ليتخرّج محاميًا.

كافح والد غسّان مع زوجته، وكان يترافع في قضايا معظمها وطنية خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارًا، وكانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية، وقد كان للرجل أثرًا كبيرًا في حياة ثالث أبناءه، وهو الشهيد غسان كنفاني.

غسان في طفولته

هو الوحيد بين أشقائه الذي ولد في عكا، والتحق بمدرسة الفرير في يافا، درس اللغة الفرنسية، ودرس الابتدائية في يافا، إلّا أنه لم يكمل دراسته إثر أعمال اليهود ضد الفلسطينيين فيها، وبعد قرار تقسيم فلسطين، فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم إلي عكا وعاد هو إلى يافا. أقامت العائلة هناك من تشرين أوّل عام 1947 إلى أن أجبر على الهجرة أواخر نيسان 1948.

غادر غسان إلى صيدا إثر هجوم الصهاينة على عكّا، واستأجرت العائلة بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا، واستمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يومًا في ظروف قاسية، قبل الانتقال إلى حلب في سوريا، ثم إلى دمشق في نزلٍ قديم، لتبدأ رحلة قاسية في حياة الأسرة هناك، وقد عاش غسان طفولته هادئًا بين جميع إخوته.

ما بعد اللجوء

شارك غسان أسرته في دمشق حياتها الصعبة. عمل والده المحامي أعمالاً بدائية بسيطة، أخته عملت بالتدريس، هو وأخوه صنعوا أكياس الورق، ثم عمالاً، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية.

بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة، فأخذ غسان إلى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.

وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته، وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات في مدرسة “الاليانس” بدمشق، والتحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي، بالإضافة إلى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.

القوميون العرب

انخرط في حركة القوميين العرب، وكان يضطر أحيانًا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له إحراجًا مع والده الذي كان يحرص على  إنهائه لدروسه الجامعية، وكان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين إخلاصه ولرغبة والده.

قي أواخر عام 1955 التحق غسان للتدريس في المعارف الكويتية، وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهى التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق.

غسان والقراءة

كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن 600 صفحة، وكان يقرأ ويستوعب بطريقةٍ مدهشة.

وهناك بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقًا سياسيًا بتوقيع “أبو العز”، لفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 1958.

في الكويت كتب أولى قصصه القصيرة “القميص المسروق”، والتي نال عليها أوّل جائزة أدبية في مسابقة.

مرضه

ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت، وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها، وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955، فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، تفاخر بها أمام رفيقاتها.

عام 1960 حضر غسان كنفاني إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية، وقد قام بلقاءاتٍ أدبية وفكرية وسياسية فيها، كما كان يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة “المحرر” في العاصمة اللبنانية، والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل اثنين.

زواجه وحياته

لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحفي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين.

عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمرًا طلابيًا شارك فيه وفدًا فلسطينيًا، وضم أيضًا وفدًا دانماركيًا، كانت في هذا الوفد “آني هوفر”، وهي فتاةٌ دنماركية سمعت للمرة الأولى عن فلسطين وقضيتها، عقب لقاء الوفد الفلسطيني، ورغبت بالاطلاع بشكلٍ أكبر على هذه القضية، فسافرت إلى البلاد العربية، وصلت دمشق ثم بيروت.

في بيروت، اقترحوا على الفتاة مقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، زار غسان مع الفتاة الدنماركية مخيمات اللاجئين، وعرّفها على القضية الفلسطينية وشرح مواضيعها لها، وقد كانت شديدة التأثر بحماس غسان للقضية، مع الظلم الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني.

ولم تمض على ذلك أيام، حتى تقدّم غسان من الزواج بالفتاة، وقد عرّفها على عائلته، وعرّفت هي الأمر لعائلتها عبر رسائل أرسلتها.

تزوّج غسان من آني في 19 تشرين أول/أكتوبر 1961، وقد رُزقا بطفليْن، هما فايز في 24/8/1962، وليلى في 12/11/1966.

غسان والأطفال

كثيراً ما كان غسان يردد: “الأطفال هم مستقبلنا”. لقد كتب الكثير من القصص التي كان أبطالها من الأطفال. ونُشرت مجموعة من قصصه القصيرة في بيروت عام 1978 تحت عنوان “أطفال غسان كنفاني”. أما الترجمة الإنجليزية التي نشرت في عام 1984 فكانت بعنوان “أطفال فلسطين”.

أدب غسان والقضية الفلسطينية

إنّ إنتاج غسان كنفاني الأدبي، يتفاعل دائمًا مع حياته وحياة شعبه، فقد كتب ما عاشه وما عاشته قضيته، ومنها “عائد إلى حيفا”، التي وصف فيه رحلة أهل حيفا في انتقالهم إلى عكا؛ وقد وعي ذلك، وهو ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع. ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.

“في أرض البرتقال الحزين”، تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية، أمّا “موت سرير رقم 12″، استوحاها من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض، بينما كتب “رجال في الشمس” مستوحيًا من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت على أثر عودته إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي الصورة الظاهرية للأحداث، أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.

في قصته “ما تبقى لكم”، التي تعتبر مكملة “لرجال في الشمس”، يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.

أما قصص “أم سعد” وغيرها، فكانت كلها مستوحاة من حياة أشخاصٍ حقيقيين، وفي فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 1936 في فلسطين فأخذ يجتمع إلى ناس المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة، والتي سبقتها والتي تلتها.

غسان وشعراء المقاومة

لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضرته عنهم ومن ثم كتابه عن “شعراء الأرض المحتلة” مرجعًا مقررًا في عدد من الجامعات وكذلك مرجعًا للدارسين.

الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيوني كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان “في الأدب الصهيوني”

عمل في الصحف والمجلات العربية التالية:

عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأى” في دمشق.
عضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت
رئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت.
رئيس تحرير “فلسطين” في جريدة المحرر.
رئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت.
صاحب ورئيس تحرير “الهدف” في بيروت.
كما كان غسان كنفاني فنانًا مرهف الحس، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كما رسم العديد من اللوحات الفنية التي تتحدث عن فلسطين وبعض المواضيع الاجتماعيّة والسياسيّة.

من مؤلفات الشهيد

قصص ومسرحيات:

موت سرير رقم 12 (قصص قصيرة).
أرض البرتقال الحزين (قصص قصيرة).
رجال في الشمس (قصة فيلم المخدوعون).
الباب (مسرحية).
عالم ليس لنا (قصص قصيرة).
ما تبقى لكم (قصة فيلم السكين).
عن الرجال والبنادق (قصص قصيرة).
أم سعد (رواية).
عائد إلى حيفا (رواية قصيرة).
العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان (قصص لم تكتمل).
جسر إلى الأبد (مسرحية).
القبعة والنبي (مسرحية).
الشيء الآخر (رواية بوليسية/صدرت عقب استشهاده).
القنديل الصغير (قصص للأطفال).
بحوث ودراسات أدبية:

أدب المقاومة في فلسطين المستقلة.
فارس فارس (مقالات نقدية نشرت باسم مستعار).
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968.
في الأدب الصهيوني
مؤلفات سياسية:

المقاومة الفلسطينية ومعضلاتها.
ألف كبيرة من الدراسات والمقالات التي تعالج جوانب معينة من تاريخ النضال الفلسطيني وحركة التحرر الوطني العربية (سياسياً وفكرياً وتنظيميًا).
جوائز نالها:

نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته “ما تبقى لكم”.
نال اسمه جائزة منظمة الصحفيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975.
منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990.

عن موقع البوابة

صادفت يوم 20 مارس/ آذار المنصرم الذكرى 21 لرحيل الأديب والروائي اليمني، زيد مطيع دماج (1943 ـ 2000)، أحد الذين كتبوا بواكير القصة القصيرة في اليمن، وصاحب الرواية الشهيرة “الرهينة”، التي صدرت طبعتها الأولى عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت عام 1984، وتم اختيارها كواحدة من أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين.
بعد قرابة أربعة عقود على صدور الطبعة الأولى من رواية “الرهينة”، التي ترجمت إلى سبع لغات عالمية: الفرنسية؛ الإنكليزية؛ الألمانية؛ الروسية؛ الهندية؛ الصربية؛ السويسرية، ما تزال “الرهينة” علامة فارقة في منجز الرواية اليمنية المعاصرة. وإضافة إلى الترجمات التي حظيت بها، فقد صدرت في طبعات عربية عدة، ما جعل منها روايةً محظوظةً، ومن أكثر الروايات العربية، وليس اليمنية فحسب، ترجمةً إلى لغات العالم.
اختيرت “الرهينة” من قبل اليونسكو لتصدر ضمن مشروع “كتاب في جريدة”، العدد الرابع، سنة 1998، وهو المشروع الذي بدأ قويًا، وحظي بانتشار ومقروئية كبيرين، لكنه لم يدم طويلًا. ومعروف أن “الرهينة” هي العمل الروائي الوحيد والمكتمل والمنشور لزيد مطيع دماج، حتى الآن، لكنها ليست العمل الوحيد في قائمة إرثه السردي، فهنالك روايات مثل: “المدرسة الأحمدية (ابن الدستوري)”؛ “الهروب الكبير”؛ “سلطان الخبت”؛ “جسر إلى السيل”؛ “مقتل الفقيه مقبل”.
“رواية “الرهينة”، التي ترجمت إلى سبع لغات عالمية: الفرنسية؛ الإنكليزية؛ الألمانية؛ الروسية؛ الهندية؛ الصربية؛ السويسرية، ما تزال علامة فارقة في منجز الرواية اليمنية المعاصرة”
وفي مناسبة استذكار زيد مطيع دماج، بعد أكثر من 20 عامًا من رحيله، يبدو الأمر مؤسفًا للمهتمين بأدب الرجل، فلا تزال ثمة رواية مفقودة كليةً، من بين رواياته، هي رواية “سلطان الخبت”، وبحسب الموقع الرسمي للأديب الراحل: (“سلطان الخبت” هي أول مشروع روائي أنجزه دماج في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، لكن مسودتها النهائية والوحيدة فقدت، أو بالأصح تمت مصادرتها). ونشير هنا إلى أن جهاز الأمن السياسي، أو ما كان يسمى بجهاز الأمن الوطني، هو من قام بمصادرة مسودة الرواية وهي في طريقها إلى المطبعة في واقعة تعسفية قذرة، بينما هي المسودة الوحيدة التي كانت لدى الكاتب. والحال نفسها مع مخطوط رواية “المدرسة الأحمدية (ابن الدستوريّ)”، مع اختلاف في طبيعة الفقدان: (كتبت “المدرسة الأحمدية” كثاني رواية ضمن مشروع ثلاثية روائية تبدأ بـ”الرهينة”، ثم “المدرسة الأحمدية”، وثالثتهما “الهروب الكبير”. وتدور أحداث الرواية خلال فترة الخمسينيات من القرن المنصرم، وتحديدًا فترة ما بعد ثورة 1948، وما قبل ثورة 1963. الرواية تحتوي على خمسة فصول، ولا يزال الفصل الأخير منها مفقودًا)، وفقًا للموقع الإلكتروني نفسه.

انتشار وترجمات
بعد أربعة أعوام، على صدور “الرهينة”، في نسختها الأولى، صدرت الطبعة الثانية لها في عام 1988، عن دار الشؤون الثقافية ـ بغداد، لتتوالى الطبعات: الثالثة، 1997، دار رياض الريس ـ بيروت؛ الرابعة، 1999، مهرجان القراءة للجميع ـ القاهرة؛ الخامسة، 2010، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ـ صنعاء. أما الترجمات، فأول ترجمة للرواية كانت إلى الفرنسية عام 1991 عن دار EDIFRA، وفي 2013، ترجمت مرة أخرى إلى الفرنسية عن دار ZOE/ سويسرا؛ كما ترجمت إلى الإنكليزية في 1994 عن دار INTERLINK BOOK، وإلى الألمانية في 1999، ثم إلى الروسية واليابانية والإسبانية (1988 ـ 2003)، وإلى الهندية في 2006، وإلى الصربية في 2007.

أصداء
خروج رواية “الرهينة” إلى النور في عام 1984، قوبل منذ الوهلة الأولى بتفاعل كبير من القراء، وباتت الرواية تشق طريقها إلى الأضواء يمنيًا وعربيًا. وهنا يقول الشاعر والروائي، همدان دماج، ابن الروائي زيد دماج: “ما زلت أتذكر صدى ذلك النجاح رغم صغر سني في ذلك الوقت، وعدم معرفتي بالمشهد الثقافي في اليمن. كان الجميع يتحدث عن الرواية، بدءًا من مدرس اللغة العربية، وانتهاءً بالأقارب وأصدقاء الوالد. لا أتذكر أنني قرأتها في ذلك الحين، لكنني كنت أعيش في بيئة تأثرت كثيرًا بنجاح الرواية”.

ويضيف همدان في حديثه لـ”ضفة ثالثة”: لم أكن أعرف في ذلك الوقت (ربما مثل كثيرين) أن نجاح “الرهينة” ما هو إلا بداية لانتشار عربي، ثم عالمي، ستحرزه الرواية خلال السنوات التالية. غير أنه كشف أن نجاح الرواية الكبير واللافت “لم يكن مدهشًا لوالده، لكنه بالتأكيد كان سعيدًا به”. 

ويلفت همدان الانتباه إلى أنه: معروف عن زيد مطيع دماج قلة حديثه عن أعماله الأدبية، وعدم انشغاله بما يُكتب عنها، مرجعًا ذلك إلى “شخصيته المتواضعة التي عُرف بها”. وهنا يتذكر همدان أنه في فترة لاحقة، سأل والده عن عدم اهتمامه بأصداء الرواية، فكان رده أنه يؤمن بأن مهمته الأساسية هي الكتابة، تنتهي بإنجاز العمل، وتبدأ بكتابة عمل آخر: “كان يرفض الدخول في الجدالات الأدبية والفكرية التي أحدثتها أعماله، مكتفيًا بمتابعتها بشكل عابر، وتوثيقها قدر الإمكان”.
ويستطرد همدان دماج: “ليس هنالك ما يجعلني أندهش من نجاح وشهرة رواية كـ(الرهينة)، فثقافتي السردية كافية لاستنتاج مبررات شهرة الرواية التي كلما أعدت قراءتها اكتشفت في خبايا نصها الممتع شيئًا جديدًا يضاعف من إعجابي الشديد بها”.
إلى ذلك، يتفق همدان مع ما ذهب إليه بعض النقاد من أن شهرة “الرهينة” قد أثر سلبًا على شهرة زيد مطيع دماج، كقاص كتب أعمالًا قصصية قد لا تقل إبداعًا عن “الرهينة”. وهنا يقول: “عادة ما يحدث مثل هذا لدى الأدباء الذين يكتبون أكثر من جنس أدبي، ويبدعون فيها كلها. فعلى سبيل المثال، طغت شهرة عبدالعزيز المقالح الشعرية على شهرته كناقد أدبي، رغم ما لأعماله النقدية من مكانة مرموقة في عالم النقد”.
عندما كُتبت “الرهينة”، كان همدان ما يزال في العاشرة من عمره، لهذا، فهو لا يتذكر تفاصيل كتابتها، لكنه ينوه في حديثه لـ”ضفة ثالثة” أنه يتذكر طقوس والده الكتابية في ذلك الوقت، والمتمثلة في إغلاق باب مكتبته في المنزل منذ السابعة والنصف مساءً، منعزلًا للكتابة: “أتذكر أننا لم نكن ندخل عليه إلا للضرورة. غير أنه حكى لي في فترة لاحقة أنه تفرغ لكتابة (الرهينة) خلال شهر رمضان من ذلك العام، فلم يكتب أي شيء آخر (مقالات، أو قصص قصيرة) سوى الرواية”.

ويستدرك همدان في هذا الصدد: “أستطيع القول إن ذلك العام كان خلال الفترة التي قرر فيها والدي التفرغ للأدب بعد مشوار غير قصير من النشاط السياسي والمناصب الحكومية التي تقلدها مقتنعًا بمنصب صغير في وزارة الخارجية (مدير عام)، رافضًا تعيينات دبلوماسية في الخارج”.

حياة مأساوية
غير بعيد، ظل الاعتقاد السائد لدى كثير من قراء رواية “الرهينة” أنها كانت انعكاسًا لتجربة ذاتية عاش تفاصيلها الكاتب. ويعزو همدان ذلك “إلى قوة الإقناع التي امتلكتها الرواية على لسان بطلها الراوي”. غير أن الحقيقة، يتابع همدان، أن والدي لم يكن في يوم من الأيام رهينةً، وقد اضطر في أكثر من مقابلة صحافية أن يوضح ذلك: “كان صغيرًا جدًا، عندما تم أخذ العديد من أبناء عمومته (منهم ابن عمه الشاعر أحمد قاسم دماج) كرهائن، بناء على أمر من الإمام (حينذاك) لجنوده وسواريه باحتلال منازل أسرة (آل دماج)، في محاولة للضغط على جدي، المناضل الشيخ مطيع دماج، الذي كان قد أعلن تمرده الرسمي على الإمام، وهرب إلى عدن، وكتب من هناك مقالاته اللاذعة ضد الظلم والتخلف”. غير أن “حياة الرهائن المأساوية لم تكن خافية على من عاشوا تلك الحقبة المخيفة من تاريخ اليمن”، وفقًا لهمدان، الذي ينوه في هذا السياق، بـ”وعي المؤلف/ الراوي، ومعاشرته لتفاصيل تلك الحقبة”، خاصة وأن كثيرًا ممن أُخذوا رهائن ماتوا في السجون، لهذا كان هناك اختلاط (أعتقد أنه منطقي) بين الخيال والواقع، “وأستطيع القول إنه كان خيالًا واقعيًا، إن جاز لي التعبير”.
ونشير هنا إلى أنه صدرت لدماج في القصة القصيرة خمس مجموعات، هي: “طاهش الحوبان”، 1973، ثم صدرت في طبعة ثانية، 1979، وطبعة ثالثة، 1980؛ “العقرب”، 1982؛ “الجسر”، 1986؛ “أحزان البنت مياسة”، 1990؛ “المدفع الأصفر”، 2001. وبمناسبة الاحتفاء بـ”تريم عاصمة الثقافة الإسلامية” سنة 2010، صدرت الأعمال القصصية الكاملة لدماج في مجلد احتوى مجموعاته الخمس المذكورة آنفًا. كما صدر له كتاب سردي من الذاكرة بعنوان “الانبهار والدهشة”، عام 2000. وكتب دماج عدة مقالات سياسية واجتماعية في الصحافة اليمنية والعربية.
انتمى دماج إلى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كواحد من أعضائه، كما أنه كان عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، واتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، وسكرتير عام مجلس السلم والتضامن اليمني، وعضو مجلس السلم العالمي. أسس مجلة “أصوات”، كصاحب امتياز، المجلة التي تخصصت في إبراز الأحدث في الأدب اليمني والعربي، وترأس تحريرها الشاعر اليمني، محمد حسين هيثم (نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 ـ مارس/ آذار 2007). أما وظيفيًا، فقد تولى دماج عدة مناصب حكومية، بعيد انتخابه عضوًا في مجلس الشورى (أول برلمان منتخب في اليمن سنة 1970) وشغل منصب رئيس لجنة الاقتراحات والعرائض وتقصي المظالم في المجلس. في يناير/ كانون الثاني 1976، عين محافظًا للواء المحويت، ثم عضوًا في مجلس الشعب لفترتين متتاليتين منذ عام 1979. وعين بعدها وزيرًا مفوضًا وقائمًا بالأعمال في دولة الكويت عام 1980. وفي سنواته الأخيرة، عين مستشارًا لوزير الخارجية، ثم وزيرًا مفوضًا في المملكة المتحدة عام 1997، ليداهمه الموت في 20 مارس/ آذار 2000، في المستشفى الجامعي في لندن عن عمر يناهز السابعة والخمسين.

تعليميًا، كان زيد مطيع دماج محظوظًا، قياسًا بكثير من أبناء جيله في تلك الحقبة البائسة والمظلمة من تاريخ اليمن تحت حكم الأئمة، في ما قبل ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، إذ حظي بتعليم جيد، فبعد أن تلقى تعليمه الأولى في (المعلامة: الكتّاب) في قريته بلواء إب (وسط اليمن)، استفاد من مكتبة زاخرة عاد بها والده من عدن (في 14 مايو/ أيار 1944 فر والده مطيع بن عبدالله دمّاج من سجن “الشبكة” في تعز إلى عدن، وبدأ يكتب مقالاته الشهيرة في صحيفة “فتاة الجزيرة” ضد نظام الأئمة في صنعاء، وأسس مع رفاقه في ما بعد “حزب الأحرار”)، وتولى والده تعليمه وتثقيفه، فقرأ كتب الأدب والتاريخ والسياسة، وكان من أهمها “روايات الإسلام” لجرجي زيدان. وفي عام 1957، التحق بالمدرسة الأحمدية في تعز، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية، ثم في 1958 أرسله والده لينال قسطًا من تعليم جيد في مصر، حيث أتمّ الإعدادية في “بني سويف” في صعيد مصر عام 1960، والثانوية في طنطا عام 1963. وهنا التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة عام 1964، لكنه تركها بعد سنتين ليلتحق بكلية الآداب/ قسم صحافة، بعد أن برز توجهه الأدبي. وفي أثناء ذلك، بدأت تباشير مقالاته السياسية وبواكير أعماله القصصية، التي وجدت لها منبرًا وحيزًا في مجلة “اليمن الجديدة”، آنذاك.

ستبقى الكويت صاحبة أعظم مشروع ثقافي عربي عُني بتقديم المسرح العالمي إلى القارئ العربي، سلسلة “من المسرح العالمي” الشهرية واحدة من بين الإصدارات الثقافية المتعددة، والتي تخرج من الكويت لتصل إلى كل مدن العالم العربي، بأسعار زهيدة جدًا، ربما تغطي ثمن شحنها فحسب.

على صعيد المسرح، ونحن اليوم في مناسبة يوم المسرح العالمي، الذي يصادف السابع والعشرين من مارس من كل عام، تجدر الإشارة إلى هذا المشروع الثقافي الكبير الذي انطلق في مارس 1971، عن وزارة الإعلام الكويتية، ثم استمر بعد ذلك بالصدور عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وقدم للقارئ العربي ما يزيد عن 420 مسرحية عالمية من مختلف الثقافات والحضارات والعصور والحقب، لأعظم كتاب المسرح منذ سوفوكليس ويوربيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم أشهر الكلاسيكيين من أمثال بيير كورني وجان راسين ووليم شكسبير، إلى كتاب المسرح الحديث، هنريك أبسن، أوجست سترندبرج، جورج برنارد شو، أنطوان تشيخوف، لويجي بيرندلو، وبرتولت بريشت ومئات من الكتاب الذين يمثلون مذاهب واتجاهات في الكتابات المسرحية، ومن مختلف القارات واللغات.

وإلى جانب قيمة النصوص المسرحية المنشورة، كانت السلسلة تصدر بأسلوب علمي محكم واشتراطات دقيقة، كالترجمة عن اللغة الأصلية للنص المسرحي، من قبل مترجم مختص معروف، ومراجع مختص في لغة النص وثقافته، بالإضافة إلى مقدمات نقدية تحليلية في إضاءة النص وكاتبه، وقد شكلت مادة مهمة للقارئ العربي الباحث في تاريخ المسرح العالمي واتجاهاته.

على المستوى المحلي كانت تصل بانتظام إلى كل منافذ بيع المطبوعات والأكشاك في عدن، بأسعار رمزية من قبل دولة الكويت ـ الشقيقة بحق ـ وثمن المسرحية في حدود ثمن كوب أو كوبين من الشاي فحسب!، وقد انقطعت هذه السلسلة قليلًا بعد احتلال الكويت، لكنها سرعان ما عادت إلى مكتباتنا من جديد مع بقية المطبوعات الكويتية.

هذه السلسلة للأسف قد انقطعت مرة أخرى منذ مارس 2015 عن مكتباتنا الخاوية، بسبب الحرب وانقطاعنا عن العالم والعصر، ونكوصنا العظيم! وفي ظل هذه التراجيديا القاسية التي تدخل فصلها الخامس، فيما خيوطها الدرامية أخذة في المزيد من التعقيد!!.

ألّف محمد علي لقمان في حياته – ونشر – روايتين؛ الأولى رواية “سعيد” 1939ـ 1940، الثانية “كملا ديفي” أو “آلام شعب وآماله” مايو/آيار 1947. الروايتان أعادت دار عناوين بوكس نشرهما بمقدمة للناقد د.أحمد علي الهمداني الذي لفت إلى أن لقمان كتب في مذكراته تحت عنوان “الإسهام في تقدم عدن/ طبع أولى رواياتي/ كتابة تاريخ اليمن” في الحلقة “63” الآتي: “كتبت في عام 1940 ونشرت رواية أصف من خلالها حياة العدني، طموحه وتراجعه. وبيعت منها المئات من النسخ وسميتها “سعيد”. وكتب أيضا في مذكراته تحت عنوان “كملا ديفي/ مغامرة إلى الرواية” ما يأتي: “كملا ديفي هو الاسم الذي منحته روايتي التي نشرتها في مايو 1947″، “جاءني ذات مساء صديقي الأمير فضل عبدالقوي من لحج، روى لي بعض المظالم التي ينخلع القلب لها، فألهمني أن أكتب هذه الرواية القصيرة في 67 صفحة في تلك الأمسية. وفي اليوم التالي حملتها إلى المطبعة، فقرأها الأمير وتعهد بتكاليف الطباعة، ثم أخذ 1200 نسخة منها ومضى لتوزيعها، بينما بعت 1800 نسخة أخرى. وقد بيعت بشكل سريع”.
وأضاف الهمداني “على هذا النحو يحدد لقمان تاريخ كتابة روايتيه أو تاريخ الانتهاء من كتابتهما، أو تاريخ إصداره هذين العملين اللذين أدخلا لقمان في مضمار الريادة الزمنية والريادة الإبداعية. لكن معاصر لقمان وصديقه، ورفيقه في حمل مشاعل التنوير في مدينة عدن خاصة، وفي اليمن عامة، عبدالله يعقوب خان يؤكد أن رواية “سعيد” طبعت ونشرت عام 1939. وكتب خان “وقد فتحت مطبعة أخرى هي (مطبعة الكوكب) مع (مطبعة الهلال) إلا أنها لم تكن فيها أحرف عربية، فلم تدم إلا أمدا قصيرا، وذهبت غير مأسوف عليها. واشتراها عربي، وسميت بالمطبعة العربية، وهنا أيضا كان إبراهيم راسم أداة رقي الطباعة العربية، ولقد عمل بجهد ونشاط حتى لكأنه يحاول أن يقدح النار في مياه النيل، وقد خطا اليوم خطوة جديدة، وتعهد بطباعة جريدة محمد علي لقمان الأسبوعية “فتاة الجزيرة”، كما قام بطبع أول قصة “سعيد” في هذه المطبعة عام 1939″.
ورأى أن إشارة خان إلى عام 1939 أربكت الذين كتبوا عن الرواية، فمنهم من يرى أن عام 1940 هو زمن كتابة الرواية وإصدارها، تبعا لما ورد في مذاكرات لقمان، ومنهم من يرى أن عام 1939 هو زمن كتابة الرواية ونشرها، تبعا لما أورده عبدالله يعقوب خان. ومن هنا جمع بعض الباحثين بين العامين 1939ـ 1940على أنهما تاريخ كتابة الرواية ونشرها. 


وقال الهمداني إن لقمان يحدد روايته “سعيد” بأنها “رواية أدبية أخلاقية تاريخية، وقعت حوادثها في عدن، ويهديها إلى رئيس نادي الإصلاح العربي الإسلامي بعدن “صديقي الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج اعترافا بما قام به من الخدمات الجليلة في سبيل الإصلاح”. ومن الواضح تماما الإشارة إلى أن الرواية طبعت في المطبعة العربية بعدن. وهو الأمر الذي يدل على صحة ما ذكره الراحل عبدالله يعقوب خان بشأن اسم المطبعة.
وأوضح أن لقمان كتـب في مقـدمة روايـة “كملا ديـفي أو آلام شعـب وآماله”: “وقعت حوادث هذه القصة في إحدى الولايات الهندية، وإن كانت الأسماء خيالية. وجنوب الجزيرة العربية بحاجة إلى من يضحي في سبيل النهوض بها إلى مستوى عال يرفع من قدرها. وفي هذا الجنوب الشيء الكثير من الإسراف والعبث بمصالح الناس. فلعل لنا في هذه القصة عظة، ولعل لنا في حوادثها عبرة!..”. 
ويؤكد لقمان واقعية الروايتين، ويشير مباشرة إلى أن الهم الوطني- السياسي ـ الاجتماعي هو الذي يشغله في هذين العملين. وتتغلب فكرة الإصلاح الشامل في بنية المجتمع اليمني على ما عداها في الروايتين. هنا يبدو الاتجاه الإصلاحي والنهضوي في صورة واضحة لا غبار عليها. ولعل إهداء الرواية إلى “أمي… منك تعلمت الصبر على المكاره في سبيل كل غاية سامية”، يفسر الشيء الكثير مما تحمله هذه الرواية القصيرة. فهو يرى في المرأة رمز الصمود والتحدي، وعنوان التجاوز والتغيير. كما أن لقمان يرى أن “كملا ديفي” تعني “زهرة الآلهة” كما كتب ذلك في مذكراته، وهو تعبير هندي. والقصة هي مقاربة بين نظام الحكم الفردي للإدارة في ولاية هندية مستقلة، وحكم الأقلية في أرضنا”.

وقال الهمداني إنه على هذا النحو تصور الرواية الصراع بين الخير والشر في الحياة البشرية، وتفسر معاني انتصار الخير على الشر على امتداد الحدث أو الأحداث التي تلم بالشخصيات أو يلم بها الأبطال. الأفق التعليمي – الوعظي واضح ومفتوح على كل الاحتمالات في العملين، ولا يتحفظ المؤلف في الإشارة إلى ذلك في السياق الروائي، سواء كان ذلك في السرد أو الحوار، وتطغى أفكار لقمان وآراؤه على ما عداها، حتى تصبح الشخصيات لا هم لها سوى تنفيذ ما يخطط له الكاتب. يجتمع في هذين العملين الواقعي والمتخيل، الرومانسي والميلودرامي، والتأثري الانطباعي، وكل ذلك من أجل الاستيلاء على عقل القارئ وعواطفه، وتحريك مشاعره ليقوده المؤلف خلف مبتغاه، ومن أجل الإفصاح المباشر عن المضمون الذي يتجسد في انتصار الخير، والعدالة الاجتماعية، والسعادة الإنسانية على مستوى الأسرة والمجتمع، وعلى مستوى الخاص والعام.
وأشار إلى أن لقمان ترك أعمالا سردية أخرى، وكتب الأقصوصة وقد نشرت له مجموعة من الأقاصيص في الكتب الثلاثة الصادرة تحت عنوان “افتتاحيات ومقالات وأشياء أخرى من “فتاة الجزيرة”. ومن المهم الإشارة إلى أن المحامي لقمان كتب كذلك للمسرح، فقد ذكر عمر عوض بامطرف أن محمد علي لقمان “شكّل لجنة من أجل أن تشرف على إعداد قصة “صلاح الدين الأيوبي” للمسرح في عام 1929، وكان لقمان أول من كتب الفصول الهزلية التي قدمها كوميدي عدن المشهور عبدالقادر صالح وعبده عكبار، وأن لقمان قدم من تأليفه مسرحية “القائد المغرم” إلى “نادي الإصلاح العربي” في التواهي عام 1933″. وقد نشر الباحث عبدالله بن أحمد باوزير في كتاب “ندوة المناضل محمد علي لقمان/ رائد حركة التنوير في اليمن، المنعقدة في جامعة عدن من13 إلى 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2006” مسرحية للقمان تحت عنوان “الشاب السكير أو الخمر أم الكبائر”، وكان المحامي لقمان قد نشرها في صحيفة “العرب” الأسبوعية الصادرة في سنغافورة، عندما كان مراسلا لهذه الصحيفة، في العددين “62 و63″ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1932”.
وأكد الهمداني أن لقمان هو الرائد الأول في صناعة رواية يمنية تحـمل مزاج اليمن وملامحه المتـعددة، على وفق المألوف والمتعارف عليه في الرواية العربية منذ التأسيس حتى الأربعينيات. فلم ينشر أحد رواية في كتاب قبل لقمان داخل اليمن. ومن هنا أصبحت مدينة عدن هي الحاضنة الأولى للرواية اليمنية “لقمان -سعيد 1939 ـ 1940، كملا ديفي أو آلام شعب وآماله “مايو/آيار 1947″، “عبدالله الطيب أرسلان – يوميات مبرشت 1948، وربما غيرها لم تصل إلينا”. وما كتب ونشر خارج اليمن لا يعتد به، فهو يمثل البيئة والمجتمع والزمن الذي كتب هذا العمل أو ذاك في داخله.
ولفت إلى أن البنية الفنية في الروايتين بسيطة، غير معقدة، وتتحرك الشخصيات على وفق إرادة المؤلف، ولا تستطيع هذه الشخصيات التمرد على خطة الكاتب في ترتيب أفعالها وتصرفاتها، فهي طوع بنانه يوجهها حيثما يشاء، وفي أي وقت يشاء، ولا يحمل الحدث تعقيدا ما في تطوره وتصاعده وفي خفوته وانحساره، وفي تعرجه والتواءاته. تلك كانت بعض خصائص البدايات في صناعة الرواية العربية، وتلك ميزاتها التي عرفت بها، ولم يستطع لقمان أن يتجاوزها، وهو الذي كتب روايتيه على غير مثل أو شبيه في اليمن في تلك الفترة التاريخية والإبداعية. 
وكنت قد كتبت في كتابي “دراسات في القصة اليمنية المعاصرة، الصادر في بيروت عن المطبعة العصرية، وهو من إصدارات وزارة الثقافة والسياحة في صنعاء، في عام 2004، وهو عام صنعاء عاصمة للثقافة العربية، ما يأتي: تعتمد الأقصوصة في المرحلة الأولى “من التأسيس حتى أواخر الستينيات” على البنية الحبكية القديمة “البداية، الوسط، النهاية”، وعلى الحدث الخارجي المباشر، كما تتكئ على التقريرية والمباشرة، وتلجأ إلى الخطابة في بعض الأحيان. تقف الأقصوصة في هذه المرحلة على الحادثة المباشرة، وعلى الفعل المباشر، وتقوم على السرد المتواصل، ولا يدخل الحوار في البناء الفني للأقصوصة إلا في النادر، ولا يؤثر في قليل أو كثير على مسارها المعماري إذا وجد. ولا تخرج مواضيع الأقصوصة في هذه المرحلة عن مجرى الحياة اليومية العادي والرتيب؛ وهي لا تتعمق في قضايا الوجود الكبرى، ولا تبحر في أعماق القضايا التاريخية الاجتماعية إلا في النادر، وإذا حدث شيء من هذا فإنها لا تحقق نجاحات هائلة في تقديم تعميمات واسعة، وخلق نماذج فنية مدهشة. 
ويبدو أن كل هذا ينطبق على كل البنى السردية، ومنها الرواية في مرحلتها الأولى؛ مرحلة التأسيس. 
وختم الهمداني أنه من المهم أن يقرأ القارئ هذين العملين الرائدين في الرواية اليمنية في القرن العشرين، ليعرف أن ريادة لقمان كانت زمنية وإبداعية على السواء، وأن لقمان هو الذي سنًّ للكتاب طريق الرواية في اليمن.

محمد الحمامصي