استعراض الأقسام

دراسات ومقالاتصفحة

أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية، وتساهم في نشر الوعي عربيًا وعالميًا بالقضية الفلسطينيّة، استشهد بعد تفجير سيارته من قبل الموساد الصهيوني عام 1972.

ولد غسان كنفاني في عكّا شمالي فلسطين المحتلة في 9 نيسان/إبريل عام 1936، وعاش في يافا حتى أيار/مايو 1948، حيث أجبر على اللجوء مع أسرته إلى لُبنان، ثم سوريا، تنقل في حياته بين بيروت و الكويت ودمشق والعراق، وهو عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والناطق الإعلامي باسمها، وقد عُرف صحفياً تقدمياً جريئاً، دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة.

أصدر حتى تاريخ وفاته المبكّر ثمانية عشر كتابًا، وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني.

 في أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات، وتُرجمت معظم أعماله الأدبية إلى سبع عشرة لغة ونُشرت في أكثر من 20 بلداً، وتمّ إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية في بلدان عربية وأجنبية عدة، اثنتان من رواياته تحولتا إلى فيلمين سينمائيين. وما زالت أعماله الأدبية التي كتبها بين عامي 1956 و1972 تحظى اليوم بأهمية متزايدة.

نشأته وحياته

والده

والد غسّان من أسرة عادية في عكّا، كان الأكبر بين أشقاءه، ولم يقتنع والده بتدريس ابنه، إلّا أنّ الابن التحق بمعهد الحقوق ب القدس في ظروف غير عادية، استعان بجهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته ليتخرّج محاميًا.

كافح والد غسّان مع زوجته، وكان يترافع في قضايا معظمها وطنية خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارًا، وكانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية، وقد كان للرجل أثرًا كبيرًا في حياة ثالث أبناءه، وهو الشهيد غسان كنفاني.

غسان في طفولته

هو الوحيد بين أشقائه الذي ولد في عكا، والتحق بمدرسة الفرير في يافا، درس اللغة الفرنسية، ودرس الابتدائية في يافا، إلّا أنه لم يكمل دراسته إثر أعمال اليهود ضد الفلسطينيين فيها، وبعد قرار تقسيم فلسطين، فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم إلي عكا وعاد هو إلى يافا. أقامت العائلة هناك من تشرين أوّل عام 1947 إلى أن أجبر على الهجرة أواخر نيسان 1948.

غادر غسان إلى صيدا إثر هجوم الصهاينة على عكّا، واستأجرت العائلة بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا، واستمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يومًا في ظروف قاسية، قبل الانتقال إلى حلب في سوريا، ثم إلى دمشق في نزلٍ قديم، لتبدأ رحلة قاسية في حياة الأسرة هناك، وقد عاش غسان طفولته هادئًا بين جميع إخوته.

ما بعد اللجوء

شارك غسان أسرته في دمشق حياتها الصعبة. عمل والده المحامي أعمالاً بدائية بسيطة، أخته عملت بالتدريس، هو وأخوه صنعوا أكياس الورق، ثم عمالاً، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية.

بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة، فأخذ غسان إلى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.

وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته، وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات في مدرسة “الاليانس” بدمشق، والتحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي، بالإضافة إلى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.

القوميون العرب

انخرط في حركة القوميين العرب، وكان يضطر أحيانًا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له إحراجًا مع والده الذي كان يحرص على  إنهائه لدروسه الجامعية، وكان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين إخلاصه ولرغبة والده.

قي أواخر عام 1955 التحق غسان للتدريس في المعارف الكويتية، وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهى التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق.

غسان والقراءة

كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن 600 صفحة، وكان يقرأ ويستوعب بطريقةٍ مدهشة.

وهناك بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقًا سياسيًا بتوقيع “أبو العز”، لفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 1958.

في الكويت كتب أولى قصصه القصيرة “القميص المسروق”، والتي نال عليها أوّل جائزة أدبية في مسابقة.

مرضه

ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت، وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها، وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955، فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، تفاخر بها أمام رفيقاتها.

عام 1960 حضر غسان كنفاني إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية، وقد قام بلقاءاتٍ أدبية وفكرية وسياسية فيها، كما كان يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة “المحرر” في العاصمة اللبنانية، والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل اثنين.

زواجه وحياته

لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحفي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين.

عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمرًا طلابيًا شارك فيه وفدًا فلسطينيًا، وضم أيضًا وفدًا دانماركيًا، كانت في هذا الوفد “آني هوفر”، وهي فتاةٌ دنماركية سمعت للمرة الأولى عن فلسطين وقضيتها، عقب لقاء الوفد الفلسطيني، ورغبت بالاطلاع بشكلٍ أكبر على هذه القضية، فسافرت إلى البلاد العربية، وصلت دمشق ثم بيروت.

في بيروت، اقترحوا على الفتاة مقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، زار غسان مع الفتاة الدنماركية مخيمات اللاجئين، وعرّفها على القضية الفلسطينية وشرح مواضيعها لها، وقد كانت شديدة التأثر بحماس غسان للقضية، مع الظلم الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني.

ولم تمض على ذلك أيام، حتى تقدّم غسان من الزواج بالفتاة، وقد عرّفها على عائلته، وعرّفت هي الأمر لعائلتها عبر رسائل أرسلتها.

تزوّج غسان من آني في 19 تشرين أول/أكتوبر 1961، وقد رُزقا بطفليْن، هما فايز في 24/8/1962، وليلى في 12/11/1966.

غسان والأطفال

كثيراً ما كان غسان يردد: “الأطفال هم مستقبلنا”. لقد كتب الكثير من القصص التي كان أبطالها من الأطفال. ونُشرت مجموعة من قصصه القصيرة في بيروت عام 1978 تحت عنوان “أطفال غسان كنفاني”. أما الترجمة الإنجليزية التي نشرت في عام 1984 فكانت بعنوان “أطفال فلسطين”.

أدب غسان والقضية الفلسطينية

إنّ إنتاج غسان كنفاني الأدبي، يتفاعل دائمًا مع حياته وحياة شعبه، فقد كتب ما عاشه وما عاشته قضيته، ومنها “عائد إلى حيفا”، التي وصف فيه رحلة أهل حيفا في انتقالهم إلى عكا؛ وقد وعي ذلك، وهو ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع. ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.

“في أرض البرتقال الحزين”، تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية، أمّا “موت سرير رقم 12″، استوحاها من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض، بينما كتب “رجال في الشمس” مستوحيًا من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت على أثر عودته إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي الصورة الظاهرية للأحداث، أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.

في قصته “ما تبقى لكم”، التي تعتبر مكملة “لرجال في الشمس”، يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.

أما قصص “أم سعد” وغيرها، فكانت كلها مستوحاة من حياة أشخاصٍ حقيقيين، وفي فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 1936 في فلسطين فأخذ يجتمع إلى ناس المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة، والتي سبقتها والتي تلتها.

غسان وشعراء المقاومة

لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضرته عنهم ومن ثم كتابه عن “شعراء الأرض المحتلة” مرجعًا مقررًا في عدد من الجامعات وكذلك مرجعًا للدارسين.

الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيوني كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان “في الأدب الصهيوني”

عمل في الصحف والمجلات العربية التالية:

عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأى” في دمشق.
عضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت
رئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت.
رئيس تحرير “فلسطين” في جريدة المحرر.
رئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت.
صاحب ورئيس تحرير “الهدف” في بيروت.
كما كان غسان كنفاني فنانًا مرهف الحس، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كما رسم العديد من اللوحات الفنية التي تتحدث عن فلسطين وبعض المواضيع الاجتماعيّة والسياسيّة.

من مؤلفات الشهيد

قصص ومسرحيات:

موت سرير رقم 12 (قصص قصيرة).
أرض البرتقال الحزين (قصص قصيرة).
رجال في الشمس (قصة فيلم المخدوعون).
الباب (مسرحية).
عالم ليس لنا (قصص قصيرة).
ما تبقى لكم (قصة فيلم السكين).
عن الرجال والبنادق (قصص قصيرة).
أم سعد (رواية).
عائد إلى حيفا (رواية قصيرة).
العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان (قصص لم تكتمل).
جسر إلى الأبد (مسرحية).
القبعة والنبي (مسرحية).
الشيء الآخر (رواية بوليسية/صدرت عقب استشهاده).
القنديل الصغير (قصص للأطفال).
بحوث ودراسات أدبية:

أدب المقاومة في فلسطين المستقلة.
فارس فارس (مقالات نقدية نشرت باسم مستعار).
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968.
في الأدب الصهيوني
مؤلفات سياسية:

المقاومة الفلسطينية ومعضلاتها.
ألف كبيرة من الدراسات والمقالات التي تعالج جوانب معينة من تاريخ النضال الفلسطيني وحركة التحرر الوطني العربية (سياسياً وفكرياً وتنظيميًا).
جوائز نالها:

نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته “ما تبقى لكم”.
نال اسمه جائزة منظمة الصحفيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975.
منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990.

عن موقع البوابة

صادفت يوم 20 مارس/ آذار المنصرم الذكرى 21 لرحيل الأديب والروائي اليمني، زيد مطيع دماج (1943 ـ 2000)، أحد الذين كتبوا بواكير القصة القصيرة في اليمن، وصاحب الرواية الشهيرة “الرهينة”، التي صدرت طبعتها الأولى عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت عام 1984، وتم اختيارها كواحدة من أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين.
بعد قرابة أربعة عقود على صدور الطبعة الأولى من رواية “الرهينة”، التي ترجمت إلى سبع لغات عالمية: الفرنسية؛ الإنكليزية؛ الألمانية؛ الروسية؛ الهندية؛ الصربية؛ السويسرية، ما تزال “الرهينة” علامة فارقة في منجز الرواية اليمنية المعاصرة. وإضافة إلى الترجمات التي حظيت بها، فقد صدرت في طبعات عربية عدة، ما جعل منها روايةً محظوظةً، ومن أكثر الروايات العربية، وليس اليمنية فحسب، ترجمةً إلى لغات العالم.
اختيرت “الرهينة” من قبل اليونسكو لتصدر ضمن مشروع “كتاب في جريدة”، العدد الرابع، سنة 1998، وهو المشروع الذي بدأ قويًا، وحظي بانتشار ومقروئية كبيرين، لكنه لم يدم طويلًا. ومعروف أن “الرهينة” هي العمل الروائي الوحيد والمكتمل والمنشور لزيد مطيع دماج، حتى الآن، لكنها ليست العمل الوحيد في قائمة إرثه السردي، فهنالك روايات مثل: “المدرسة الأحمدية (ابن الدستوري)”؛ “الهروب الكبير”؛ “سلطان الخبت”؛ “جسر إلى السيل”؛ “مقتل الفقيه مقبل”.
“رواية “الرهينة”، التي ترجمت إلى سبع لغات عالمية: الفرنسية؛ الإنكليزية؛ الألمانية؛ الروسية؛ الهندية؛ الصربية؛ السويسرية، ما تزال علامة فارقة في منجز الرواية اليمنية المعاصرة”
وفي مناسبة استذكار زيد مطيع دماج، بعد أكثر من 20 عامًا من رحيله، يبدو الأمر مؤسفًا للمهتمين بأدب الرجل، فلا تزال ثمة رواية مفقودة كليةً، من بين رواياته، هي رواية “سلطان الخبت”، وبحسب الموقع الرسمي للأديب الراحل: (“سلطان الخبت” هي أول مشروع روائي أنجزه دماج في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، لكن مسودتها النهائية والوحيدة فقدت، أو بالأصح تمت مصادرتها). ونشير هنا إلى أن جهاز الأمن السياسي، أو ما كان يسمى بجهاز الأمن الوطني، هو من قام بمصادرة مسودة الرواية وهي في طريقها إلى المطبعة في واقعة تعسفية قذرة، بينما هي المسودة الوحيدة التي كانت لدى الكاتب. والحال نفسها مع مخطوط رواية “المدرسة الأحمدية (ابن الدستوريّ)”، مع اختلاف في طبيعة الفقدان: (كتبت “المدرسة الأحمدية” كثاني رواية ضمن مشروع ثلاثية روائية تبدأ بـ”الرهينة”، ثم “المدرسة الأحمدية”، وثالثتهما “الهروب الكبير”. وتدور أحداث الرواية خلال فترة الخمسينيات من القرن المنصرم، وتحديدًا فترة ما بعد ثورة 1948، وما قبل ثورة 1963. الرواية تحتوي على خمسة فصول، ولا يزال الفصل الأخير منها مفقودًا)، وفقًا للموقع الإلكتروني نفسه.

انتشار وترجمات
بعد أربعة أعوام، على صدور “الرهينة”، في نسختها الأولى، صدرت الطبعة الثانية لها في عام 1988، عن دار الشؤون الثقافية ـ بغداد، لتتوالى الطبعات: الثالثة، 1997، دار رياض الريس ـ بيروت؛ الرابعة، 1999، مهرجان القراءة للجميع ـ القاهرة؛ الخامسة، 2010، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ـ صنعاء. أما الترجمات، فأول ترجمة للرواية كانت إلى الفرنسية عام 1991 عن دار EDIFRA، وفي 2013، ترجمت مرة أخرى إلى الفرنسية عن دار ZOE/ سويسرا؛ كما ترجمت إلى الإنكليزية في 1994 عن دار INTERLINK BOOK، وإلى الألمانية في 1999، ثم إلى الروسية واليابانية والإسبانية (1988 ـ 2003)، وإلى الهندية في 2006، وإلى الصربية في 2007.

أصداء
خروج رواية “الرهينة” إلى النور في عام 1984، قوبل منذ الوهلة الأولى بتفاعل كبير من القراء، وباتت الرواية تشق طريقها إلى الأضواء يمنيًا وعربيًا. وهنا يقول الشاعر والروائي، همدان دماج، ابن الروائي زيد دماج: “ما زلت أتذكر صدى ذلك النجاح رغم صغر سني في ذلك الوقت، وعدم معرفتي بالمشهد الثقافي في اليمن. كان الجميع يتحدث عن الرواية، بدءًا من مدرس اللغة العربية، وانتهاءً بالأقارب وأصدقاء الوالد. لا أتذكر أنني قرأتها في ذلك الحين، لكنني كنت أعيش في بيئة تأثرت كثيرًا بنجاح الرواية”.

ويضيف همدان في حديثه لـ”ضفة ثالثة”: لم أكن أعرف في ذلك الوقت (ربما مثل كثيرين) أن نجاح “الرهينة” ما هو إلا بداية لانتشار عربي، ثم عالمي، ستحرزه الرواية خلال السنوات التالية. غير أنه كشف أن نجاح الرواية الكبير واللافت “لم يكن مدهشًا لوالده، لكنه بالتأكيد كان سعيدًا به”. 

ويلفت همدان الانتباه إلى أنه: معروف عن زيد مطيع دماج قلة حديثه عن أعماله الأدبية، وعدم انشغاله بما يُكتب عنها، مرجعًا ذلك إلى “شخصيته المتواضعة التي عُرف بها”. وهنا يتذكر همدان أنه في فترة لاحقة، سأل والده عن عدم اهتمامه بأصداء الرواية، فكان رده أنه يؤمن بأن مهمته الأساسية هي الكتابة، تنتهي بإنجاز العمل، وتبدأ بكتابة عمل آخر: “كان يرفض الدخول في الجدالات الأدبية والفكرية التي أحدثتها أعماله، مكتفيًا بمتابعتها بشكل عابر، وتوثيقها قدر الإمكان”.
ويستطرد همدان دماج: “ليس هنالك ما يجعلني أندهش من نجاح وشهرة رواية كـ(الرهينة)، فثقافتي السردية كافية لاستنتاج مبررات شهرة الرواية التي كلما أعدت قراءتها اكتشفت في خبايا نصها الممتع شيئًا جديدًا يضاعف من إعجابي الشديد بها”.
إلى ذلك، يتفق همدان مع ما ذهب إليه بعض النقاد من أن شهرة “الرهينة” قد أثر سلبًا على شهرة زيد مطيع دماج، كقاص كتب أعمالًا قصصية قد لا تقل إبداعًا عن “الرهينة”. وهنا يقول: “عادة ما يحدث مثل هذا لدى الأدباء الذين يكتبون أكثر من جنس أدبي، ويبدعون فيها كلها. فعلى سبيل المثال، طغت شهرة عبدالعزيز المقالح الشعرية على شهرته كناقد أدبي، رغم ما لأعماله النقدية من مكانة مرموقة في عالم النقد”.
عندما كُتبت “الرهينة”، كان همدان ما يزال في العاشرة من عمره، لهذا، فهو لا يتذكر تفاصيل كتابتها، لكنه ينوه في حديثه لـ”ضفة ثالثة” أنه يتذكر طقوس والده الكتابية في ذلك الوقت، والمتمثلة في إغلاق باب مكتبته في المنزل منذ السابعة والنصف مساءً، منعزلًا للكتابة: “أتذكر أننا لم نكن ندخل عليه إلا للضرورة. غير أنه حكى لي في فترة لاحقة أنه تفرغ لكتابة (الرهينة) خلال شهر رمضان من ذلك العام، فلم يكتب أي شيء آخر (مقالات، أو قصص قصيرة) سوى الرواية”.

ويستدرك همدان في هذا الصدد: “أستطيع القول إن ذلك العام كان خلال الفترة التي قرر فيها والدي التفرغ للأدب بعد مشوار غير قصير من النشاط السياسي والمناصب الحكومية التي تقلدها مقتنعًا بمنصب صغير في وزارة الخارجية (مدير عام)، رافضًا تعيينات دبلوماسية في الخارج”.

حياة مأساوية
غير بعيد، ظل الاعتقاد السائد لدى كثير من قراء رواية “الرهينة” أنها كانت انعكاسًا لتجربة ذاتية عاش تفاصيلها الكاتب. ويعزو همدان ذلك “إلى قوة الإقناع التي امتلكتها الرواية على لسان بطلها الراوي”. غير أن الحقيقة، يتابع همدان، أن والدي لم يكن في يوم من الأيام رهينةً، وقد اضطر في أكثر من مقابلة صحافية أن يوضح ذلك: “كان صغيرًا جدًا، عندما تم أخذ العديد من أبناء عمومته (منهم ابن عمه الشاعر أحمد قاسم دماج) كرهائن، بناء على أمر من الإمام (حينذاك) لجنوده وسواريه باحتلال منازل أسرة (آل دماج)، في محاولة للضغط على جدي، المناضل الشيخ مطيع دماج، الذي كان قد أعلن تمرده الرسمي على الإمام، وهرب إلى عدن، وكتب من هناك مقالاته اللاذعة ضد الظلم والتخلف”. غير أن “حياة الرهائن المأساوية لم تكن خافية على من عاشوا تلك الحقبة المخيفة من تاريخ اليمن”، وفقًا لهمدان، الذي ينوه في هذا السياق، بـ”وعي المؤلف/ الراوي، ومعاشرته لتفاصيل تلك الحقبة”، خاصة وأن كثيرًا ممن أُخذوا رهائن ماتوا في السجون، لهذا كان هناك اختلاط (أعتقد أنه منطقي) بين الخيال والواقع، “وأستطيع القول إنه كان خيالًا واقعيًا، إن جاز لي التعبير”.
ونشير هنا إلى أنه صدرت لدماج في القصة القصيرة خمس مجموعات، هي: “طاهش الحوبان”، 1973، ثم صدرت في طبعة ثانية، 1979، وطبعة ثالثة، 1980؛ “العقرب”، 1982؛ “الجسر”، 1986؛ “أحزان البنت مياسة”، 1990؛ “المدفع الأصفر”، 2001. وبمناسبة الاحتفاء بـ”تريم عاصمة الثقافة الإسلامية” سنة 2010، صدرت الأعمال القصصية الكاملة لدماج في مجلد احتوى مجموعاته الخمس المذكورة آنفًا. كما صدر له كتاب سردي من الذاكرة بعنوان “الانبهار والدهشة”، عام 2000. وكتب دماج عدة مقالات سياسية واجتماعية في الصحافة اليمنية والعربية.
انتمى دماج إلى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كواحد من أعضائه، كما أنه كان عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، واتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، وسكرتير عام مجلس السلم والتضامن اليمني، وعضو مجلس السلم العالمي. أسس مجلة “أصوات”، كصاحب امتياز، المجلة التي تخصصت في إبراز الأحدث في الأدب اليمني والعربي، وترأس تحريرها الشاعر اليمني، محمد حسين هيثم (نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 ـ مارس/ آذار 2007). أما وظيفيًا، فقد تولى دماج عدة مناصب حكومية، بعيد انتخابه عضوًا في مجلس الشورى (أول برلمان منتخب في اليمن سنة 1970) وشغل منصب رئيس لجنة الاقتراحات والعرائض وتقصي المظالم في المجلس. في يناير/ كانون الثاني 1976، عين محافظًا للواء المحويت، ثم عضوًا في مجلس الشعب لفترتين متتاليتين منذ عام 1979. وعين بعدها وزيرًا مفوضًا وقائمًا بالأعمال في دولة الكويت عام 1980. وفي سنواته الأخيرة، عين مستشارًا لوزير الخارجية، ثم وزيرًا مفوضًا في المملكة المتحدة عام 1997، ليداهمه الموت في 20 مارس/ آذار 2000، في المستشفى الجامعي في لندن عن عمر يناهز السابعة والخمسين.

تعليميًا، كان زيد مطيع دماج محظوظًا، قياسًا بكثير من أبناء جيله في تلك الحقبة البائسة والمظلمة من تاريخ اليمن تحت حكم الأئمة، في ما قبل ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، إذ حظي بتعليم جيد، فبعد أن تلقى تعليمه الأولى في (المعلامة: الكتّاب) في قريته بلواء إب (وسط اليمن)، استفاد من مكتبة زاخرة عاد بها والده من عدن (في 14 مايو/ أيار 1944 فر والده مطيع بن عبدالله دمّاج من سجن “الشبكة” في تعز إلى عدن، وبدأ يكتب مقالاته الشهيرة في صحيفة “فتاة الجزيرة” ضد نظام الأئمة في صنعاء، وأسس مع رفاقه في ما بعد “حزب الأحرار”)، وتولى والده تعليمه وتثقيفه، فقرأ كتب الأدب والتاريخ والسياسة، وكان من أهمها “روايات الإسلام” لجرجي زيدان. وفي عام 1957، التحق بالمدرسة الأحمدية في تعز، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية، ثم في 1958 أرسله والده لينال قسطًا من تعليم جيد في مصر، حيث أتمّ الإعدادية في “بني سويف” في صعيد مصر عام 1960، والثانوية في طنطا عام 1963. وهنا التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة عام 1964، لكنه تركها بعد سنتين ليلتحق بكلية الآداب/ قسم صحافة، بعد أن برز توجهه الأدبي. وفي أثناء ذلك، بدأت تباشير مقالاته السياسية وبواكير أعماله القصصية، التي وجدت لها منبرًا وحيزًا في مجلة “اليمن الجديدة”، آنذاك.

ستبقى الكويت صاحبة أعظم مشروع ثقافي عربي عُني بتقديم المسرح العالمي إلى القارئ العربي، سلسلة “من المسرح العالمي” الشهرية واحدة من بين الإصدارات الثقافية المتعددة، والتي تخرج من الكويت لتصل إلى كل مدن العالم العربي، بأسعار زهيدة جدًا، ربما تغطي ثمن شحنها فحسب.

على صعيد المسرح، ونحن اليوم في مناسبة يوم المسرح العالمي، الذي يصادف السابع والعشرين من مارس من كل عام، تجدر الإشارة إلى هذا المشروع الثقافي الكبير الذي انطلق في مارس 1971، عن وزارة الإعلام الكويتية، ثم استمر بعد ذلك بالصدور عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وقدم للقارئ العربي ما يزيد عن 420 مسرحية عالمية من مختلف الثقافات والحضارات والعصور والحقب، لأعظم كتاب المسرح منذ سوفوكليس ويوربيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم أشهر الكلاسيكيين من أمثال بيير كورني وجان راسين ووليم شكسبير، إلى كتاب المسرح الحديث، هنريك أبسن، أوجست سترندبرج، جورج برنارد شو، أنطوان تشيخوف، لويجي بيرندلو، وبرتولت بريشت ومئات من الكتاب الذين يمثلون مذاهب واتجاهات في الكتابات المسرحية، ومن مختلف القارات واللغات.

وإلى جانب قيمة النصوص المسرحية المنشورة، كانت السلسلة تصدر بأسلوب علمي محكم واشتراطات دقيقة، كالترجمة عن اللغة الأصلية للنص المسرحي، من قبل مترجم مختص معروف، ومراجع مختص في لغة النص وثقافته، بالإضافة إلى مقدمات نقدية تحليلية في إضاءة النص وكاتبه، وقد شكلت مادة مهمة للقارئ العربي الباحث في تاريخ المسرح العالمي واتجاهاته.

على المستوى المحلي كانت تصل بانتظام إلى كل منافذ بيع المطبوعات والأكشاك في عدن، بأسعار رمزية من قبل دولة الكويت ـ الشقيقة بحق ـ وثمن المسرحية في حدود ثمن كوب أو كوبين من الشاي فحسب!، وقد انقطعت هذه السلسلة قليلًا بعد احتلال الكويت، لكنها سرعان ما عادت إلى مكتباتنا من جديد مع بقية المطبوعات الكويتية.

هذه السلسلة للأسف قد انقطعت مرة أخرى منذ مارس 2015 عن مكتباتنا الخاوية، بسبب الحرب وانقطاعنا عن العالم والعصر، ونكوصنا العظيم! وفي ظل هذه التراجيديا القاسية التي تدخل فصلها الخامس، فيما خيوطها الدرامية أخذة في المزيد من التعقيد!!.

ألّف محمد علي لقمان في حياته – ونشر – روايتين؛ الأولى رواية “سعيد” 1939ـ 1940، الثانية “كملا ديفي” أو “آلام شعب وآماله” مايو/آيار 1947. الروايتان أعادت دار عناوين بوكس نشرهما بمقدمة للناقد د.أحمد علي الهمداني الذي لفت إلى أن لقمان كتب في مذكراته تحت عنوان “الإسهام في تقدم عدن/ طبع أولى رواياتي/ كتابة تاريخ اليمن” في الحلقة “63” الآتي: “كتبت في عام 1940 ونشرت رواية أصف من خلالها حياة العدني، طموحه وتراجعه. وبيعت منها المئات من النسخ وسميتها “سعيد”. وكتب أيضا في مذكراته تحت عنوان “كملا ديفي/ مغامرة إلى الرواية” ما يأتي: “كملا ديفي هو الاسم الذي منحته روايتي التي نشرتها في مايو 1947″، “جاءني ذات مساء صديقي الأمير فضل عبدالقوي من لحج، روى لي بعض المظالم التي ينخلع القلب لها، فألهمني أن أكتب هذه الرواية القصيرة في 67 صفحة في تلك الأمسية. وفي اليوم التالي حملتها إلى المطبعة، فقرأها الأمير وتعهد بتكاليف الطباعة، ثم أخذ 1200 نسخة منها ومضى لتوزيعها، بينما بعت 1800 نسخة أخرى. وقد بيعت بشكل سريع”.
وأضاف الهمداني “على هذا النحو يحدد لقمان تاريخ كتابة روايتيه أو تاريخ الانتهاء من كتابتهما، أو تاريخ إصداره هذين العملين اللذين أدخلا لقمان في مضمار الريادة الزمنية والريادة الإبداعية. لكن معاصر لقمان وصديقه، ورفيقه في حمل مشاعل التنوير في مدينة عدن خاصة، وفي اليمن عامة، عبدالله يعقوب خان يؤكد أن رواية “سعيد” طبعت ونشرت عام 1939. وكتب خان “وقد فتحت مطبعة أخرى هي (مطبعة الكوكب) مع (مطبعة الهلال) إلا أنها لم تكن فيها أحرف عربية، فلم تدم إلا أمدا قصيرا، وذهبت غير مأسوف عليها. واشتراها عربي، وسميت بالمطبعة العربية، وهنا أيضا كان إبراهيم راسم أداة رقي الطباعة العربية، ولقد عمل بجهد ونشاط حتى لكأنه يحاول أن يقدح النار في مياه النيل، وقد خطا اليوم خطوة جديدة، وتعهد بطباعة جريدة محمد علي لقمان الأسبوعية “فتاة الجزيرة”، كما قام بطبع أول قصة “سعيد” في هذه المطبعة عام 1939″.
ورأى أن إشارة خان إلى عام 1939 أربكت الذين كتبوا عن الرواية، فمنهم من يرى أن عام 1940 هو زمن كتابة الرواية وإصدارها، تبعا لما ورد في مذاكرات لقمان، ومنهم من يرى أن عام 1939 هو زمن كتابة الرواية ونشرها، تبعا لما أورده عبدالله يعقوب خان. ومن هنا جمع بعض الباحثين بين العامين 1939ـ 1940على أنهما تاريخ كتابة الرواية ونشرها. 


وقال الهمداني إن لقمان يحدد روايته “سعيد” بأنها “رواية أدبية أخلاقية تاريخية، وقعت حوادثها في عدن، ويهديها إلى رئيس نادي الإصلاح العربي الإسلامي بعدن “صديقي الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج اعترافا بما قام به من الخدمات الجليلة في سبيل الإصلاح”. ومن الواضح تماما الإشارة إلى أن الرواية طبعت في المطبعة العربية بعدن. وهو الأمر الذي يدل على صحة ما ذكره الراحل عبدالله يعقوب خان بشأن اسم المطبعة.
وأوضح أن لقمان كتـب في مقـدمة روايـة “كملا ديـفي أو آلام شعـب وآماله”: “وقعت حوادث هذه القصة في إحدى الولايات الهندية، وإن كانت الأسماء خيالية. وجنوب الجزيرة العربية بحاجة إلى من يضحي في سبيل النهوض بها إلى مستوى عال يرفع من قدرها. وفي هذا الجنوب الشيء الكثير من الإسراف والعبث بمصالح الناس. فلعل لنا في هذه القصة عظة، ولعل لنا في حوادثها عبرة!..”. 
ويؤكد لقمان واقعية الروايتين، ويشير مباشرة إلى أن الهم الوطني- السياسي ـ الاجتماعي هو الذي يشغله في هذين العملين. وتتغلب فكرة الإصلاح الشامل في بنية المجتمع اليمني على ما عداها في الروايتين. هنا يبدو الاتجاه الإصلاحي والنهضوي في صورة واضحة لا غبار عليها. ولعل إهداء الرواية إلى “أمي… منك تعلمت الصبر على المكاره في سبيل كل غاية سامية”، يفسر الشيء الكثير مما تحمله هذه الرواية القصيرة. فهو يرى في المرأة رمز الصمود والتحدي، وعنوان التجاوز والتغيير. كما أن لقمان يرى أن “كملا ديفي” تعني “زهرة الآلهة” كما كتب ذلك في مذكراته، وهو تعبير هندي. والقصة هي مقاربة بين نظام الحكم الفردي للإدارة في ولاية هندية مستقلة، وحكم الأقلية في أرضنا”.

وقال الهمداني إنه على هذا النحو تصور الرواية الصراع بين الخير والشر في الحياة البشرية، وتفسر معاني انتصار الخير على الشر على امتداد الحدث أو الأحداث التي تلم بالشخصيات أو يلم بها الأبطال. الأفق التعليمي – الوعظي واضح ومفتوح على كل الاحتمالات في العملين، ولا يتحفظ المؤلف في الإشارة إلى ذلك في السياق الروائي، سواء كان ذلك في السرد أو الحوار، وتطغى أفكار لقمان وآراؤه على ما عداها، حتى تصبح الشخصيات لا هم لها سوى تنفيذ ما يخطط له الكاتب. يجتمع في هذين العملين الواقعي والمتخيل، الرومانسي والميلودرامي، والتأثري الانطباعي، وكل ذلك من أجل الاستيلاء على عقل القارئ وعواطفه، وتحريك مشاعره ليقوده المؤلف خلف مبتغاه، ومن أجل الإفصاح المباشر عن المضمون الذي يتجسد في انتصار الخير، والعدالة الاجتماعية، والسعادة الإنسانية على مستوى الأسرة والمجتمع، وعلى مستوى الخاص والعام.
وأشار إلى أن لقمان ترك أعمالا سردية أخرى، وكتب الأقصوصة وقد نشرت له مجموعة من الأقاصيص في الكتب الثلاثة الصادرة تحت عنوان “افتتاحيات ومقالات وأشياء أخرى من “فتاة الجزيرة”. ومن المهم الإشارة إلى أن المحامي لقمان كتب كذلك للمسرح، فقد ذكر عمر عوض بامطرف أن محمد علي لقمان “شكّل لجنة من أجل أن تشرف على إعداد قصة “صلاح الدين الأيوبي” للمسرح في عام 1929، وكان لقمان أول من كتب الفصول الهزلية التي قدمها كوميدي عدن المشهور عبدالقادر صالح وعبده عكبار، وأن لقمان قدم من تأليفه مسرحية “القائد المغرم” إلى “نادي الإصلاح العربي” في التواهي عام 1933″. وقد نشر الباحث عبدالله بن أحمد باوزير في كتاب “ندوة المناضل محمد علي لقمان/ رائد حركة التنوير في اليمن، المنعقدة في جامعة عدن من13 إلى 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2006” مسرحية للقمان تحت عنوان “الشاب السكير أو الخمر أم الكبائر”، وكان المحامي لقمان قد نشرها في صحيفة “العرب” الأسبوعية الصادرة في سنغافورة، عندما كان مراسلا لهذه الصحيفة، في العددين “62 و63″ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1932”.
وأكد الهمداني أن لقمان هو الرائد الأول في صناعة رواية يمنية تحـمل مزاج اليمن وملامحه المتـعددة، على وفق المألوف والمتعارف عليه في الرواية العربية منذ التأسيس حتى الأربعينيات. فلم ينشر أحد رواية في كتاب قبل لقمان داخل اليمن. ومن هنا أصبحت مدينة عدن هي الحاضنة الأولى للرواية اليمنية “لقمان -سعيد 1939 ـ 1940، كملا ديفي أو آلام شعب وآماله “مايو/آيار 1947″، “عبدالله الطيب أرسلان – يوميات مبرشت 1948، وربما غيرها لم تصل إلينا”. وما كتب ونشر خارج اليمن لا يعتد به، فهو يمثل البيئة والمجتمع والزمن الذي كتب هذا العمل أو ذاك في داخله.
ولفت إلى أن البنية الفنية في الروايتين بسيطة، غير معقدة، وتتحرك الشخصيات على وفق إرادة المؤلف، ولا تستطيع هذه الشخصيات التمرد على خطة الكاتب في ترتيب أفعالها وتصرفاتها، فهي طوع بنانه يوجهها حيثما يشاء، وفي أي وقت يشاء، ولا يحمل الحدث تعقيدا ما في تطوره وتصاعده وفي خفوته وانحساره، وفي تعرجه والتواءاته. تلك كانت بعض خصائص البدايات في صناعة الرواية العربية، وتلك ميزاتها التي عرفت بها، ولم يستطع لقمان أن يتجاوزها، وهو الذي كتب روايتيه على غير مثل أو شبيه في اليمن في تلك الفترة التاريخية والإبداعية. 
وكنت قد كتبت في كتابي “دراسات في القصة اليمنية المعاصرة، الصادر في بيروت عن المطبعة العصرية، وهو من إصدارات وزارة الثقافة والسياحة في صنعاء، في عام 2004، وهو عام صنعاء عاصمة للثقافة العربية، ما يأتي: تعتمد الأقصوصة في المرحلة الأولى “من التأسيس حتى أواخر الستينيات” على البنية الحبكية القديمة “البداية، الوسط، النهاية”، وعلى الحدث الخارجي المباشر، كما تتكئ على التقريرية والمباشرة، وتلجأ إلى الخطابة في بعض الأحيان. تقف الأقصوصة في هذه المرحلة على الحادثة المباشرة، وعلى الفعل المباشر، وتقوم على السرد المتواصل، ولا يدخل الحوار في البناء الفني للأقصوصة إلا في النادر، ولا يؤثر في قليل أو كثير على مسارها المعماري إذا وجد. ولا تخرج مواضيع الأقصوصة في هذه المرحلة عن مجرى الحياة اليومية العادي والرتيب؛ وهي لا تتعمق في قضايا الوجود الكبرى، ولا تبحر في أعماق القضايا التاريخية الاجتماعية إلا في النادر، وإذا حدث شيء من هذا فإنها لا تحقق نجاحات هائلة في تقديم تعميمات واسعة، وخلق نماذج فنية مدهشة. 
ويبدو أن كل هذا ينطبق على كل البنى السردية، ومنها الرواية في مرحلتها الأولى؛ مرحلة التأسيس. 
وختم الهمداني أنه من المهم أن يقرأ القارئ هذين العملين الرائدين في الرواية اليمنية في القرن العشرين، ليعرف أن ريادة لقمان كانت زمنية وإبداعية على السواء، وأن لقمان هو الذي سنًّ للكتاب طريق الرواية في اليمن.

محمد الحمامصي

شارك آرثر الصغير وهو اليافع الذي لم يكن قد راهق 15، في مسابقة شعرية باللاتينية. كان ذلك في 2 يوليو/تموز 1869، في شارلفيل ميزيير مسقط رأسه. كان موضوع المسابقة هو الملك النوميدي «يوغرطة الذي أقض مضجع روما».
ويذكر بعض الذين نقلوا هذه القصيدة من اللاتينية إلى الفرنسية، أن الطفل الصغير آرتور كان ساهما ذاهلا؛ لا يكتب شيئا، عندما شرع التلاميذ المتسابقون في تدوين ما يعرفونه عن الموضوع. كان جائعا صبيحة ذلك اليوم، فطلب قليلا من الخبز المحمص. وما أن أن امتلأ بطنه وشبع، حتى أمسك بقلمه وبدأ في نظم قصيدته التي تحوي 75 بيتا.
والقصيدة أشبه بـ«قصيدة القناع» أو «المعادل الموضوعي، فهي مديح لهذه الشخصية الاستثنائية في تاريخ الشمال الافريقي؛ لكن يوغرطة ليس إلا قناع الأمير المجاهد العظيم عبد القادر الجزائري، الذي قاوم فرنسا سنوات طوالا؛ ثم أسره نابليون. على أنه لا يفوتني أن أنبه إلى أن رامبو كتب في النص اللاتيني الأصلي»في جبال بلاد العرب» وليس»في جبال الجزائر» كما «حرف» المترجم الفرنسي؛ وأنه قد يكون كتب هذه القصيدة، وقد ألمت به مؤثرات من والده، الذي ترجم القرآن، وشارك في الحرب ضد الأمير عبد القادر، وعاد إلى فرنسا معجبا بهذه الشخصية الفذة.
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
يوغرطة هذه الشعوب الأبية
كانت أولى الأيام تهم أن تتسرب إلى الغرب
عندما انتصب أمام أبويه، شبح مرعب، شبح يوغرطة منحنيا على ولدهما
وقد أخذ يقص حياته وشقاءه:
«آه أيتها البلاد.

٭ ٭ ٭

آه أيتها الأرض حيث تتوهج بسالتي»
ثم تلاشى الصوت في تنهدات الريح.
روما هذه المغارة مغارة الأشرار، عصابة اللصوص
المتسللة رأسا من أسوارها تلك التي تدفعها دفعا
روما الأثيمة، كانت بين مجساتها تكتم أنفاس جيرانها
وكانت في آخر المطاف، تبسط سلطانها على كل شيء.
غالبا ما كنا نخضع تحت النير
لكن الشعوب الثائرة لا تني تتبارى، في حمية
ومن أجل الحرية، تريق دمها
روما التي لا غالب لها

٭ ٭ ٭

بلا جدوى
كانت تعرف كيف تبيد الذين يقاومونها.
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
في روما هذه، كنت قد صدقت طفلا طهارة الروح
وإذ استطعت أن أبصر وجهها، بصورة أفضل
كابدت في ظل سلطتها المطلقة، الجرح الغائر
كان الظمأ المقدس إلى الذهب،
يسيل، هذا السم المقزز
منتشرا في دمها، وفي جسمها المدجج بالسلاح.

وكانت العاهر تبسط سلطانها على العالم
«أنا على هذه الملكة أعلنت الحربَ
تحديت الرومان الذين كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم» .

٭ ٭ ٭

لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
عندما توصلت روما، في مجالس ملك نوميديا، إلى اكتساب الرضى ببراعة
وكانت بمكائدها تسعى إلى أن توثق وَثاقنا
أنا استشعرت الخطر
وصممت على أن أفسد خططها
وكنت أعرف جيدا أي جرح تفريه أحشاؤها
آه يا شعب الصناديد، آه يا مجد المعارك
روما ملكة العالم، التي كانت تزرع الموت
تجثو متذللة لي، التي كانت تتمرغ ثملة بالذهب
حقا لقد سخرنا من روما النهمة التي لا تشبع
عن واحد اسمه يوغرطة، كان الحديث هذا وأكثر، يدور
ذاك الذي لا أحد كان بميسوره، أن يصمد له
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
«بعلم من الرومان، حتى في حاضرتهم، لأدخلن أنا النوميدي غير عابئ بصلفها الملكي
لإمرغن جنودها المرتزقة في التراب
أخيرا استرجع هذا الشعب أسلحته المتروكة
لأشهرن سيفي، بلا أمل أخرق في الانتصار
لكن روما كانت تحت المحك تُمتحن
لأواجهن الجحافل، بجلاميد الصخر العالية، بأنهاري أنا
في ليبيا كان الرومان، يقاتلون في الرمال
كان عليهم أن يدركوا بروجا مشيدة منيعة تكاد:
من دمائهم، كانوا وهم البله، يرون حقولنا تُصبغ بالحمرة،
عشرين مرة، من غير أن يدركوا سر ذلك الاستبسال»
لتولدن ثانية، في جبال بلاد العرب، سلالته: فقد نطقت الريح باسم يوغرطة جديد
«ربما، ليس هذا مستحيلا لو أني لم أربح المعركة؟
غير أن هذا الماكر بوخوس.. وها أنا أقص عليكم قصتي:
لقد خلفت ورائي، دونما ندم، بلاطي ومملكتي
كانت ريح المتمرد تلفح وجه روما
بيْد أن فرنسا اليوم تبسط سلطانها على الجزائر
منتزعة الوطن إلى قدرها المشؤوم
ألا خذ بثأرنا يا ابني، وأنتم إلى مرمدة الموتى، يا حشد العبيد
ولينبعثن في قلوبكم المضطرمة رجال بواسل
بسيوف آبائكم، اطردوا المحتل
باسمي، بدمه أرووا أرضنا
وليثبْ من الجزائر مئة أسد
تنشب أنيابها المنتقمة في الكتائب
ولتنصرك السماء أيها الطفل، ألا اكبرْ سريعا
لطالما لوث الفرنسي شواطئنا
وكان الطفل ضاحكا يلاعب حسامه
واهًا نابوليون، لقد حطمنا حلم يوغرطة الثاني
هذا الذي يذوي في السلاسل
وإذن، نرى في العتمة ما يشبه خيال إنسان،
حيث من فمه وقد هدأ روعه، تتداعى هذه الكلمات:
لا تبك بعد الآن يا طفلي، سلم أمرك للإله الجديد
هي ذي أيام أجمل، وقد عفت عنك فرنسا
متقبلا في آخر المطاف سخي تحالفها
لترَين الجزائر تزدهر في ظل شريعته
هو سيد أرض شاسعة، كاهن قانوننا
فاحفظن بصدق، الذكرى الأثيرة
ذكرى اسم يوغرطة،
إياك أن تنسى مصيره، فأنا جني ضفاف الجزائر»

منصف الوهايبي-تونس

” يالك من أحمق يا نيتشه ، فأي سوبرمان هذا الذي تنادي به ؟ ” (ص219). 

 عبارة وردت في جواب محسن عن سؤال وجهته له ” محبوبته ، معشوقته ، زميلته ريتا ” عن معنى ـ بل عن جدوى ـ الحكمة .

  ثمة سؤال طرحته على نفسي ؛ لماذا يكتب الدكتور والناقد والأكاديمي على حسين يوسف رواية (تلك أسفارُه) ؟ وما الجدوى منها وهو الذي لديه كتب تدرَّس في الجامعات العراقية ؟ وقد خطر على بالي قول مايكل كارول في معرض وصفه لتجربة كتابة رواية ولم تحظ بالقبول والنشر، قائلا (ولست أشك في أن هنالك المئات من الأكاديميين لديهم مخطوطات يتجمع فوقها الغبار مركونة على رفوفهم، والحقيقة أن هنالك واحداً من كل عشرة آلاف أكاديمي يمتلك امكانية تحويل خبرته المدرسية إلى عمل روائي جيد). فهل كان علي حسين يوسف هو هذا الواحد ؟

 لا أعلم ، ولكنني وجدت بعضا من ضالتي في روايته (تلك اسفارُه) فاقتنصتها . 

 نحن نعلم أن غاية الروي أن تدخل المتعة على القارئ من خلال التسلية أو اللهو , لكنني لا أعتقد أن رواية ” تلك اسفاره ” تحمل أيا من تقنيات التسلية أو اللهو بالشكل المتقدم ، فهي خالية من التخمين ، والتوقع والانتظار والدهشة , ولكن قارئا مثلي قد يجد المتعةً في فك أسرارها المخبوءة خلف الكلمات المثقلة بالثقافة الموسوعية ، فيلتقط ما يشي بفلسفة فيها ومن بين سطورها . 

 فالسؤال السردي التخميني : ما التالي ؟ وقد تمت الإجابة عليه من الصفحات الأولى للرواية ، بموت محسن ، وجنون زوجته لكن السؤال الفلسفي بقي شاخصاً ، ماذا يريد أن يقول لنا (علي حسين يوسف) ؟ يمكنني القول إنها سرد فلسفي , فهل في ذلك مجازفة ؟ 

 وهل هو يبحث عن قارئ تقليدي للرواية (باحث عن المتعة) ، أو يتوجه إلى قارئ مغاير ؟ أزعم بأنه لو كان راغبا في التوجه “لطالب المتعة” لما أثقلها بكل تلك الآراء والأسماء : الفلسفية والنفسية ، والتحليلات الاجتماعية والأنثروبولوجية , فما اعتقده أنه يبحث عن قارئ مشاكس لا متواطئ ؛ قارئ لا يفترسه النص وبعيداً عن التلقين ، قارئ يصبر عليه ويفكر بما بعد النص ، ليصبح منتجاً لنص مواز … إنها تدريب لتفكير فلسفي . 

 إنها أسفار في الحكمة وأهلها والفلسفة وفلاسفتها وعلم النفس وعلمائه ، والتاريخ وشراحه ، والشعر والشعراء والفن ومبدعيه ، إنها أسفار ذاكرة مختزنة بثقافة موسوعية يتم تظهيرها سردياً , تستخدم هنا السردية (إن لكل شيء قصة) لتفسير الخبرة البشرية ، فكل شيء يأتي من مكان، وله قصة وعلاقات بالأشياء الأخرى، وما دام بالإمكان إعادة سرد تكوين وتطور شيء ما سيكون بالإمكان وضعه بلغة سردية. 

 إنها سيرة شخصية وتاريخ … أرشيف للحوادث والأفكار(ص290) , هي ملاحظات لشاهد عيان ينظر للآخرين من عليائه العقلي بعيدا عن مشاعره ، ليسجل بأسلوبه الخاص الحوادث وهو غير معني بهم ، فهو سارد حيادي ، فهو لا يخوض في بيان مكابداتهم وكيف يشعرون ، بل يصف من الخارج ما يشغلهم ويعانون ، إنه يترفع على تقمص شخصياته ، ليبقى عقلاً شارحا ومفسرا لما يحدث ولا يعيش الحدث ، لذا فهو لا يجعلنا نعيش الدهشة ، بل يوقظنا في كل حين ، وتلك مهمة الفلسفة . 

هنالك انفصال بين الحدث والمشاعر … بين الزمن وتوالي الأحداث ، حتى لتشعر وكأنك في هياج من تلاطم الأفكار , فثمة فرق بين سرد يمثل تواليا للأحداث ، وسرد نقدي لهذه الأحداث نفسها ، لا تجد تفسيرا لهذا التوتر بين الزمن السردي والانفعال ، أو بين الحدث والمشاعر. 

 نجد هنا سردا يقوم على تأسيس قوي عن الصدق والحق الأخلاقي ، أي لا يقنع بمجرد السرد ، بل هو مدعوم بأفكار وحجج يمكن أن تنتج تفكيرا نقديا , فعلينا أن نقرأ (أسفاره) في علاقاتها بمفاهيم كلية  مثل : الحق والأخلاق ، والعدالة ، والحيادية في النظر إلى الاشياء ، وصولا إلى إمكان تحقيق مآلات البشرية . 

 لذا فهو يسأل عن حدود العقل(ص14) ليقول لنا إن ” من أصفها لكم لا تتوهمونها بفقدانها للعقل ” وهو لا يدع لنا مجالا أو فسحة لكي نترقب التالي ، فيقضي على متعة الانتظار والاكتشاف لدى القارئ ، ليجيب : لماذا ينسبون العقل للبعض فيما تسلبونه مني(ص16). 

 فهل هو سرد احتجاجي أو تحليل للواقع عندما يستفهم عن “عقل الانسان الذي نادرا ما يستحضر حكمة الموت (ص39)” , فغاية الحياة هي اللذة التي لا يتبعها ألم (ص213) , وإن العقل قُرن بالحلم ، فزكاة العقل احتمال الجُهال (ص227-228) , فنحن لسنا كائنات منفصلة عن هذا الوجود، وخطيئتنا القاتلة حين نتصور أننا كائنات مستقلة (ص219) , فعوالمنا غالبا ما تمثل قناعاتنا نحن ، وهل يُخلق العالم من دون الكلمات والخيال(ص24) ؟ تلك هي فلسفته التي تجمع بين الظواهرية اللغوية , وأيضا البراجماتية لأغراض استخدام الوسائل المختلفة التي تتوسط اللغة من خلالها الخبرة البشرية بالعالم كما نراه .

 يحتل الإنسان مركز الصدارة في (تلك أسفارُه) لذا فثمة فرق بين سرد وهو توالي للحدث ، وسرد نقدي لهذه الأحداث ، أن تفسر هذا التوتر بين الزمن السردي والانفعال ، أو بين الحدث والمشاعر، كما يظهر من اقحام حوار العاشقين : (ريتا ومحسن) وهم من المفروض في خلوة وجدانية فنفاجئ بسؤال ريتا عن الهوية : ” ولأننا في العراق نعاني من إلحاح سؤال الهوية ، لأنه يشي بضنك الواقع وتشظيه(ص204) “.

 ويسترسل ليطلعنا على فلسته ورؤيته للهوية بقوله : ” إن الكتابة أو الحديث عن الهوية تعني بشكل ـ من أشكالها ـ ورطة ، إنك تضع نفسك في عملية انكشاف أمام الآخر، بل ربما تضعها في مواجهة مع الآخر، ومن شدة وطأته على كواهلنا نحن أبناء هذ البلد، يمكن القول إن العراقي اليوم ما عاد يفكر بأمر مثل تفكيره بمسألة الهوية (ص204) “. 

 ينتهي المطاف بالبطل في نهاية الرواية وهو يسير مع عباس متجها إلى القرية ” يقف مذهولا أمام شيء أسود إنه يشبه الإنسان (ص335)”، إنه معروف لديه بشكله العام ، وغريب عنه بتفاصيله ، يتقدم نحوهما هذا المخلوق بهيئته المخيفة (ونعود لفلسفته) : الكلمات تصنع عوالمنا ، فكلما أقرب منهما ينكرونه ولا يعرفونه ، وهنا تكمن فلسفة الاغتراب ، كلما بعد عنهم عرفوه بشكل مبهم ، وكلما اقترب (أكثر معرفة) أصبح غريبا عنهم , ” فالغرباء كائنات مخيفة (ص103)”، هكذا رسخت الكلمات شعورا غريبا ، بأن البشر يصنعون الحواجز للتفرقة بينهم مما يضاعف الريبة بينهم ويؤجج الكره ، ويزيد من عدم الثقة بالآخرين (ص104). 

 لذا فالحروب قبل أن تقع على الأرض تضطرم بالعقول ، فواقع الحال يشير إلى أن الحروب تقع بين الأفكار قبل أن تتحقق على الأرض ، انطلاقا من فكرة : ” أنا المحق وأنت المخطيء ” (ص149-150). 

 إن الحقيقة تبدو كارثية حين يقتل الناس بعضهم باسمها … مشكلة الحقيقة لا تكمن في وجودها أو انعدامها ، بل تكمن في طريقة تصورنا لها(ص159) , لكن المهم أنه إذا وقعت الحرب وقد أحرقت الأخضر واليابس ، فهذه هي الحقيقة بل هي الحقيقة المرة(ص152) , لتنتهي الرواية باختفاء محسن وصمت عباس في الافصاح عن وجود هذا الغريب . 

د. سليم جوهر 

/

هل مِن جديدٍ يمكنُ أن يقولَه هذا المَقال القصير بشأن رواية ماركيز التي تُرجِمَت إلى ذلك الحشد الهائل من اللغات، وكُتِبَت عنها آلاف الصفحات في كُلّ تلك اللغات؟! لا أدري على وجه اليقين، لكن ما أُؤمن به أنّ لهذه الرواية عَطاءً خاصًّا في أزمنة الوباء. 
لا تلعبُ الكوليرا دور البطولة في الرواية، وهو شيءٌ قد يُوحي به العنوان، وإنما تمثّل خلفيّةً مستمرّةً للأحداث منذ ما قبلَ بداية السَّرد إلى آخِر سطرٍ فيه.

تدورُ الحكاية – باختزالٍ مُخِلٍّ بالطبع – حول الفتى الحالِم (فلورنتينو أريثا) الذي يقع في حُبّ الصبيّة (فِرمينا داثا)، وتتطور علاقتُهما من خلال المراسَلة إلى وعدٍ بأن يتقدّم لخطبتِها، ثم يُحبِط والدُها (لورنثو) زيجتَهما ويبتعد بابنتِه بعيدًا إلى حيث عائلةُ أُمِّها المتوفّاة، لكنّ الحبيبين المُراهِقَين يظلاّن يتراسلان عبرَ أسلاك البَرق، وحين تعودُ فِرمينا مع أبيها إلى منزلِهما بعد بضعِ سِنين، تقطع علاقتَها بفلورنتينو لأنها تكتشفُ أنّ ما كان بينهما ليس أكثرَ من وهمٍ من أوهام المراهقة.

يتقدّم لخطبتِها الطبيب الناجح الشهير (خوفينال أُربينو)، ويُعمَّر زواجُهما خمسين عامًا، يَخبُران خلالَه كُلّ ما يَخبُره المتزوجون من صُنوف السعادة والشقاء، ويُنجِبان ويصبحان جَدَّين، لينتهي زواجُهما بوفاةِ الدكتور خوفينال.

وفي ليلة العزاء يجدِّد فلورنتينو للأرملة المُسِنَّة فِرمينا تصريحَه بالحُبّ. تنهرُه فِرمينا بعُنفٍ أوّلاً، ثم تعود مراسلاتُهما تدريجيًّا، وتتطور إلى لقاءٍ أسبوعيٍّ في بيتِها بحُضور ابنِها الطبيب (أُربينو) وزوجتِه أحيانًا، وينتهي الأمر بقَبُولِ فِرمينا الخروج في رحلةٍ نهريّةٍ على مَتن سفينةٍ ضِمن أسطول شركة الملاحة النهرية التي يرأسُها فلورنتينو، حيث يُتوَّجُ حبُّهما أخيرًا بعلاقةٍ حميمةٍ كاملة.
ظهورات الكوليرا:
نعرفُ أنّ الدكتور أُربينو الكبيرَ والِدَ (خوفينال) ماتَ شهيدَ الكوليرا وهو يطبّق الطرُق القديمةَ في مكافحة الوباء بين أهل المدينة، بينما يقدّم خوفينال الشابّ العائدُ من دراسة الطبّ في باريس خدمةً جليلةً للمدينة بتطبيق أحدث وسائل الوقاية والحَجر الصحي وتوصيات عِلم الصحّة العامّة، فينجح في الحَدّ من انتشارِها نجاحًا كبيرًا لم يُتَح لأبيه المُخلِص.

أمّا لحظة تعرُّف خوفينال إلى فِرمينا فتأتي مع استدعائه للتثبُّت من تشخيصٍ قدّمَه أحدُ زملائه لحالتِها إثرَ وعكةٍ صحيّةٍ مرَّت بها، حيث شخّصَها الزميلُ خطأً باعتبارها مُصابةً بالكوليرا.

كذلك تظهر الكوليرا في الإشارات المتكررة التي تُشيرُها (ترانسيتو أريثا) والدة فلورنتينو إلى وَلَه ابنِها بمحبوبتِه، فهو ولَهٌ يصِلُ به إلى حالةٍ من الهُزال والضعف لا يُوصِلُ إليها بخلاف الحُبّ إلاّ الكوليرا! نصطدم بالكوليرا أيضًا في مشهدٍ مُفجِعٍ، هو مشهدُ رحلة المُنطاد الأولى في المدينة، تلك التي تشارك فيها فِرمينا إلى جواز زوجِها خوفينال باعتبارِها في منزلةٍ اجتماعيّةٍ تكادُ تكونُ فيها هي سيّدة المدينة الأولى.

فبينما يحلّق المُنطادُ عاليًا، يقع بصرُها على عشرات الجُثَث لمرضى الكوليرا قُربَ مدينةِ منشئِها الفقيرة. وأخيرًا، تصحبُنا الكوليرا إلى المشهد الأخير، فبعد أن يصعَد المسافرون إلى متن السفينة قاصِدِين المدينةَ التي يعيش فيها أبطالُ الرواية، تتعرّف فِرمينا خُلسةً على وجوهٍ كثيرةٍ لمَعارِفها، وتفزعُ لذلك أشدَّ الفزع لحساسية موقفِها كأرملةٍ مضى بالكادِ على وفاة زوجِها عامٌ واحدٌ فخرجَت في رحلةٍ نهريةٍ للتنزُّه مع حبيبِها القديم، لاسيّما أنها امرأةٌ في الثانية والسبعين، فيصل فلورنتينو مع القبطان إلى حَلٍّ بأن يُعلِنَ الأخيرُ للصاعِدين إلى السفينة وجودَ حالاتٍ مُصابةٍ بالكوليرا، ويغادرون السفينةَ بالفعل إلى سفينةٍ لشركةٍ مِلاحيّةٍ أخرى، ويرفعُ القبطان رايةَ الوباء الصفراء.

لكنّ التفتيش الصحّيّ يقابلُ السفينة ويَطلُب من قبطانِها إنزالَ الحالات إلى بَرٍّ قريبٍ لتوقيع الكشف الطبيّ عليهم، فيصل القبطان مع فلورنتينو إلى مَخرجٍ من هذه الورطة بأن تأخذ السفينةُ الوِجهة المضادّة لتعودَ مِن حيثُ أتَت، ويقترحُ فلورنتينو أن يظلّوا هكذا إلى الأبد، فرارًا من تطفُّل الآخَرين!

أبطال الرواية:
في اللغة الإسبانية مَعانٍ تُوحي بها أسماء الأبطال الثلاثة، تتجاوب وطبائعهم التي تكشف عنها الأحداث، وهي ملاحظةٌ يصعُب أن نغفلَها ونحن في حضرة ماركيز أحد كبار أساتذة السّرد.

ففِرمينا Fermina اسمٌ يُوحي بالقوّة، وهي بالفعل شخصيّةٌ قويّةٌ تفرضُ حضورَها في كلّ سياقٍ تجدُ نفسَها فيه، بدءًا من بيت أبيها ومرورًا بعلاقتها الأولى بفلورنتينو ثُمّ دخولها مجتمَع عِليَة القوم إثرَ زواجِها بالدكتور أُربينو، فضلاً عن علاقتِها بأمّ زوجِها وأُختَيه اللاتي يفرضن في معاملتهنّ لها صعوباتٍ خاصّةً تتخطّاها هي بالتأقلُم على عِيشتِهنّ، وانتهاءً بتتويج علاقتها بفلورنتينو. 

أمّا خوفينال أُربينو، فاسمُه الأوّل يعني (الشابّ)، وهو أمرٌ يتجاوبُ مع رُوحِه الشابّة التي تجدد للمدينة مظهرَها ومَخبرَها، واسمُ عائلتِه Urbino مُشتقٌّ من المفردة اللاتينية Urbinum التي تعني (مدينة صغيرة)، وهو معنىً ينطوي في تقديري على إشارةٍ إلى نذره حياتَه لمدينته، وإلى ابتلاع الحياة العامّة له بالكامل، فهو رجُل المدينة الأوّل لعقودٍ خمسةٍ تقريبًا، تمثّل عُمر زواجِه من (فِرمينا). ولعلّ المشهد الذي يذكرُ (فرمينا) وهي تتذمّر ذاتَ يومٍ وتصرخُ فيه: “إنك لا تعرفُ كم أنا تعيسة”، ثمّ ردَّه عليها باكيًا في هدوءٍ: “عليكِ أن تعرفي أنّ الزواجَ الناجحَ ليس المبنيَّ على السعادة، وإنما هو المبنيُّ على الاستقرار”، هو مشهدٌ دالٌّ على ذهنيّة (أُربينو) المهووسة بالنظام وإنزال الأشياء منازلَها. هذا رغمَ ما في زواجهما من لحظاتٍ سعيدةٍ كثيرةٍ تذكرُها فِرمينا بامتنان.

أخيرًا يأتي اسمُ فلورنتينو Florentino ومعناهُ (المُزهِر) متجاوبًا مع قوّة الخيال الاستثنائية التي يتمتع بها الرجُل، فهو الذي يُفني صِباه عاشقًا لفتاةٍ تغيبُ عن ناظِرَيه ثلاثَ سِنين ويظلُّ وفيًّا لها، يكتبُ لها عددًا خياليًّا من الرسائل التي تنضحُ بالشِّعر، وحِينَ يسلّم نفسَه لتصرُّف عمِّه (ليو الثاني عشر) ليوظِّفَه في شركة الملاحة النهرية، يجدُ نفسَه عاجزًا عن كتابة خطابِ عملٍ واحدٍ بلهجةٍ محايدةٍ مناسبةٍ لخطابات العمل، فهو يُودِعُ كُلَّ خطاباتِه قدرًا واضحًا من العاطفة المشبوبة! وهو الذي يقضي شطرًا من شبابِه بين العاهراتِ في (الفندق المؤقَّت/ البيت المشبوه) في عِفَّةٍ تامَّةٍ، لكنّه بعد زواجِ (فِرمينا) يتقلّب بين مئاتِ العشيقات، وإن كان يحرص على السّرّيّة التامّة لئلاّ يصل إلى فرمينا خبرُ فُجورِه حتى بعد زواجِها، وهو انتهاءً ذلك الذي ظلَّ حُبُّه لفتاته الأولى حيًّا في قلبه حتى مات عنها زوجُها بعد خمسين عاما!   

ولعلّ طبيعة عملَي أُربينو وفلورنتينو تُخبرُنا بشيءٍ عن موقفِهما من العالَم، فأُربينو طبيبٌ مخلصٌ لقضيّة تخليص الأجسادِ من الكوليرا.

وأهمُّ أعراض الكوليرا المعروفة في الطبّ المذكورة في الرواية هو الإسهال العنيف المؤدّي إلى الجفاف والموت.

أمّا فلورنتينو فهو يبدأ ظهوره في الأحداثِ موزِّعًا للبريد، ثُمّ يعمل في مكتب البرق، وينتهي في شركة المِلاحة النهرية، وفي شبابِه يجلسُ في (دَرب الكَتَبَة) ليكتُبَ رسائلَ للعُشّاق العاجِزين عن صياغة مشاعرِهم.

أي أنّه يقومُ طيلةَ حياتِه بدَور مساعدة الآخَرين في متابعة شغفِهم، سواءٌ الشغفُ بالمحبوب أو بالسَّفَر. هذا بينما يُعاني هو نفسُه إمساكًا وراثيًّا مُزمِنًا لا يساعده في مواجهَته إلا الحُقَن الشرجيّة! 
في رأيي أنّ طبيعتَي هذين العملَين تضعُنا أمامَ صرامةِ عالَم أُربينو الذي لا يُريد للإنسان أن تتسرّبَ منه رُوحُه في نزف سوائلِ جسدِه/ الكوليرا/ العِشق، في مقابل استسلامِ عالَم فلورنتينو لنزيف العاطفة، فهو يكتبُ رسائل الحُبّ لنفسِه وللآخَرين، ويستسلم للحُقَن ليستبدِل بإمساكِه راحةَ النزف، فضلاً عن استسلامِه للعلاقات الجسديّة المُحرَّمة الكثيرة التي يبذُلُ فيها ماءَه في سخاء.

وبعدُ، فيبدو أنّ وقوع فِرمينا بين عالَمَي هذَين الرجُلَين يمثّل وضعَ الحياةِ بين قُطبَي النِّظام والعاطفة. إنّ الأرملةَ تذكُرُ حياتَها الطويلةَ مع زوجِها، تلك الحياةَ التي لا يمكنُ في التحليل الأخرِ وصفُها بالتعاسة، لكنّها حين تتأمَّلُها لا تعرفُ إن كانت الأعوامُ الخمسون هي الحُبَّ الحقيقيَّ مُجسَّدًا أم شيئًا آخَر.

وهكذا تتركُنا الروايةُ لسؤالٍ مفتوح: أيُّهما المَتنُ وأيُّهما الهامش؟ أُربينو أم فلورنتينو؟ المدينةُ أم الزهرة؟ موعِدُ العملِ أم رسالةُ الحُبّ؟ الزواجُ أم عواطِفُ المراهقة؟ وما يعمِّقُ السؤال هنا أنّ عواطفَ المراهقةِ تعيشُ في الرواية إلى أن تَرِثَ الزِّيجةَ التي استمرّت نصفَ قَرن.  

الشيخوخةُ والموت:
يراقبُ فلورنتينو علامات الشيخوخة وهي تغزو جسدَه رُويدًا رويدًا، وحين ينظر إلى القُروح المبثوثة في جسدِه بفعل عدوى السَّيَلان والأمراضِ المنقولةِ جِنسيًّا يعتبرُها أقربَ إلى غنائمِ الحَرب.

أمّا حين يظفرُ أخيرًا بقُبلةٍ من فِرمينا على سطح السفينة، فإنّه يُفاجأ برائحة الشيخوخة في أنفاسِها، ثم يفكّر أنّ أنفاسَه هي الأخرى تعبق بالتأكيد بذاتِ الرائحة، لاسيّما أنه يَكبُر فِرمينا بأربعة أعوام (وهي بالمناسبة رائحةٌ مُثبتةٌ علميًّا يرجِعها بعضُ الدراساتُ الحديثة إلى تصاعُد مادّة نونينال nonenal في أجساد المُسِنِّين). 
هكذا يكتمل الانشغالُ بالجسَد في رواية ماركيز، وهو انشغالٌ يضعُنا أمام سؤال ثنائيّة الرُّوح والجسد حين تجدُ فرمينا نفسَها في بؤرة اتّهام المجتمَع والأُسرة بعدم مناسبة الحُبّ للمُسِنِّين. هل تَهرَم الرُّوح كما يَهرَم الجسد؟ 

في مقابلِ العشق الباقي على إصراره في رُوحِ فلورنتينو، نجدُ أنّ الصَّبيَّة (أميريكا فيكونيا) ذات الأربعة عشر ربيعًا التي دخلَت في وِصايَتِه وأقام معها علاقةً جنسيةً ثم هجرَها ليستأنفَ علاقتَه القديمةَ بفرمينا، هذه الصبيّة بإقدامِها على الانتحار مثَّلَت جوابًا محتمَلاً على ذلك السؤال الأخير. لقد فقدَت روحُها المقاومةَ سريعًا وهي في مَيعة الصِّبا، أي أنَّها رُوحٌ شاخَت في جسَدٍ يبدأ شبابَه!

حكاياتٌ مستورةٌ في الرواية:

تبدأ الرواية بموت اللاجئ الأنتيليّ (جيرميا) الذي كان صديقًا للدكتور خوفينال، واكتشاف هذا الأخير أنّ الميِّت كان على علاقةٍ محرَّمةٍ بامرأةٍ لم يكن أحدٌ يعرفُ عنها شيئا.

أمّا قُرب نهاية الرواية، فتثور شائعةٌ تصلُ إلى فِرمينا بأنّ زوجَها الراحل كان على علاقةٍ بأعزّ صديقاتِها، وتهجُر صديقتَها لهذا السبب، لكننا نعرفُ أنّها محضُ إشاعةٍ رغم انتهاء الرواية وهي مقتنعةٌ بخيانة الزوج.

كذلك ففِرمينا تصدّقُ فلورنتينو في النهاية حين يخبرُها بأنه بَقِي على عُذريّته طيلة حياتِه من أجلِها، لكننا نعلمُ أنه قرر الكذب متعمّدًا، كأنّ جسدَه الذي دنّسَته الخَطايا هو محضُ شيءٍ ثانويٍّ، بينما رُوحُه المُخلِصة لفرمينا هي ما يُهِمّ.

والخلاصةُ أنّ القارئَ فقط هو مَن يعرفُ الصدقَ مِن الكذِب في هذه الأمثلة، وهو ما يشكّكنا في صِدق ما نعتقِدُ أننا نعرفُه عن علاقاتنا بالآخَرين في الحياة الواقعية! لكن بقَدر ما يغزو الشكُّ نفوسَنا، لا نَجِدُ مَخرجًا من خوفِنا من الحكايات المستورةِ في الحقيقة إلاّ أن نتسامَحَ معها، وإلاّ فلَن نستطيعَ أن ننقُلَ قدَمًا في هذه الحياةِ الملأى بالأسرار.

السؤالُ مرّةً أخيرة: المدينةُ أم الزهرة؟

في زمنِ الوباء يتراءى لنا للوهلة الأولى أنّ المدينةَ هي المَتن، فالمهمُّ أن ننجو من تهديد الكوليرا/ كورونا/ الوباء أيًّا ما كان اسمُه، وسبيلُ النجاةِ هي تلك التي يختطُّها أمثالُ الدكتور أوربينو من العلماء القادِرين.

لكننا حين نُنعِم النظر نكتشفُ أنّنا لا نُريدُ أن ننجُو إلا لنعبُرَ إلى لحظة التمتُّع بالزهرة، فالحُبُّ المتحرر من الشُّروط كما يقدّمه فلورنتينو هو خُلاصةُ خبرةِ الحياةِ وأصفى ما يُقَطَّرُ منها.

وإذَن، فالزهرةُ ليست مُجرَّدَ هامش. وبغَضّ النظَر عن الموضع الذي نتوقّع فيه أن نَجِد الزهرة – فهو لحظة العلاقة الحميمة بين عاشِقَين متحرّرَين من كل القُيود، أو هو لحظة سُجود عاشقٍ إلهيٍّ لا يخافُ النّارَ ولا يطمعُ في جَنَّة – فإنّ الزهرةَ في التحليلِ الأخيرِ هي قَلبُ المَتن، وهي السببُ العميقُ لوجودِ المدينة. هكذا، لا يمكننا أن نحتملَ تدابيرَ الوباء إلا لكي نَعبُرَ فوقَها إلى الزهرة، إلى الحُبّ.

محمد سالم عبادة

/

صدر للناقد العراقي حاتم الصكر دراسة جديدة بعنوان ثلاثي هو «تنصيص الآخر: في المثاقفة الشعرية، والمنهج، ونقد النقد». عن دار خطوط وظلال في عمان 2021 ولأن الكتاب كبير الحجم (264 صفحة) متعدد الموضوعات، فقد اقتصرنا في قراءتنا الأولى له على بعض ما احتواه من دراسات وأبحاث، استوقفتنا بما فيها من وجهات نظر جديدة.
فالمؤلف الصكر في مقدمته يلح بشدة على أن المثاقفة ـ أي تبادل الأثر والتأثير بين الآداب العربية وغيرها من أوروبية وأمريكية ـ لا تنفصل قطعا عما يعرف بالمقارنة الأدبية comparative فكل منهما تؤدي إلى الأخرى.
سواء اتبعنا في دراستنا الاستقصائية الأعراف الفرنسية للأدب المقارن، أو الأمريكية التي لا تشترط التأثر المباشر في مواقفها التحليلية من نظرية المقارنة. ولهذا فإن اقتراب الشاعر العربي ـ مثلا ـ من الآخر ـ وإن لم يقم اقترابه على الاقتباس أو التضمين ـ فإن هذا الاقتراب يكسبه رافدا مهما من الروافد التي تؤدي لتعميق مجرى الحداثة في هذا الشعر، وتبعا لذلك يجني الشعر العربي من ذلك ثماراً جديدة.
وفي ضوء ذلك يحاول الصكر أن يجيب عن السؤال الذي يعنيه أدبيا بتنصيص الآخر. وهنا لا بد في رأيه من النظر في ثلاثة أطراف، هي: المؤثِّر، على سبيل المثال إليوت، فهو مؤثر بالنسبة لصلاح عبد الصبور، والمتأثر، صلاح عبد الصبور في مسرحياته الشعرية فقد تأثر بإليوت، والأثر أو التأثير، وهو التنبيه على الوجوه التي يتجلى فيها ذلك الأثر داخل النص موضع الدراسة المقارنة. وتبعا لذلك تقوم الدراسة المقارنة عند الصكر على ثلاثة أركان، أو كما يسميها مستويات هي: المستوى المقارني أي الإجرائي، والمستوى الأيديولوجي، وأخيرا المستوى الفني.
فعلى المستوى الأيديولوجي، ينبغي لنا أن نسعى لتحجيم الاستشراق، أي لا ضرورة للنظرة المرتابة نحو الأدب الغربي. أما على المستوى الفني فينبغي ألا نغض النظر عما يتراءى لنا مما يعد سرقة أدبية من سرقات المحدثين. وأن نفرق بين ذلك وذلك الذي يعد من قبيل التناص اللاشعوري، أي غير المتعمد، وغير المقصود. وفي هذا السياق يشير الصكر لدراسة إحسان عباس بصفتها نموذجا لبعض شعر البياتي (1955) وما فيها من تنبيه لبعض التوافق بينه وبين إليوت على مستوى الصورة، والمعادل الموضوعي.
وبالقدر نفسه يشير لما نشر عن اقتباسات بدر شاكر السياب من الشاعرة إيديث سيتويل، ولا سيما من قصيدتها المشهورة «ما يزال المطر يسقط» التي ظهرت منها اقتباساتٌ في قصيدة السياب «أنشودة المطر» وذلك ما تنبه له كل من نذير العظمة ومحمد شاهين.

أدونيس وسرقاته

وفي هذا الفصل الجيد من كتابه «تنصيص الآخر» يتناول الصكر سرقات أدونيس، لا بصفتها ضروبا من التناص، بل بصفتها انتحالا مثلما جاء في عنوان كتاب كاظم جهاد «أدونيس منتحلا» (1993) وما كان أومأ إليه المنصف الوهايبي من استنساخ أدونيس الحرفي لبعض كتابات النفري (محمد بن عبد الجبار 354هـ) وما أكده عبد القادر الجنابي في كتابه الموسوم بعنوان «رسالة مفتوحة إلى أدونيس» التي لم يكتف فيها باتهام الشاعر المذكور بالسرقة والسطو وحسب، بل يتهمه علاوة على ذلك بعدم فهم الصوفية، والتصوف، في انتقاد غير مبطن لكتاب أدونيس عن»الصوفية والسيريالية» (1992). فعلى الرغم من أن هذا الكتاب حظي باهتمامات ذوي البصر بالتصوف، إلا أنه، في رأي الجنابي، وفي رأي الصكر، يضيف للشاعر السوري المزيد من الفضائح، بدلا من الإنجاز الشعري والفكري. ولهذا يدعو الصكر، في نهاية هذا البحث السجالي عن المثاقفة الشعرية، لعدم الخلط بين السرقات والتأثر، والحذر من أن تعد مثل هاتيك السرقات ضربا من التثاقف، إذ ينبغي التفريق بين الاقتباس الحرفي، والأخذ المباشر الذي يبلغ حد السطو على أفكار الآخرين، ورؤاهم الشعرية، وبين الأثر الذي يقع الشاعر تحت سحره وقوعاً غير شعوري.

التوازي بدلا من التأثر

يحدث أن يتناول عدد من الشعراء المنتسبين لثقافات متعددة موضوعا واحداً، فتظهر في أعمالهم تلك بعض وجوه الشبه التي تستدعي الدراسة المقارنة، على الرغم من أن ذلك لا ينسحب عليه ما يقال عادة عن الأثر والتأثير. ولذلك لا تقوم المثاقفة الشعرية لدى حاتم الصكر على التأثر وحده، بدليل أننا نجد أفكاراً متشابهة تتكرَّر لدى شعراء زاروا أو أقاموا في نيويورك، وكتبوا عنها قصائد. وهذه الدراسة المقارنة لعلها تقوم على مبدأ التوازي، بدلا من الأثر والتأثير. فالشعراء الذين كتبوا شعرا عن المدينة المذكورة كثر، بدءاً من وايتمان صاحب «أوراق العشب» وأمين الريحاني، ولوركا وجبران خليل جبران، مرورا بالبياتي وأدونيس ومحمود درويش وراشد حسين وسعدي يوسف، وانتهاء بالعراقي سركون بولص، وحسام السراي. فعلى الرغم من التباين اللافت في اتجاهات هؤلاء الشعراء، إن كان الأمر على المستوى الأيديولوجي ـ البياتي الماركسي ـ أو الفني ـ أدونيس السيريالي ـ أو النفسي ـ حسام السراي، وسركون بولص، أو الثقافي ـ جبران، والريحاني ـ فإن هؤلاء الشعراء جميعا يلتقون على رأي واحد، ونظرة واحدة، وهي هجاءُ ـ إذا ساغ التعبير- هذه المدينة، جريا على مذهب الأمريكي وايتمان، الذي تعزى إليه المحاولة الأولى على هذا الصعيد. ونعني بها هجاء المدن. فالمؤلف لا يفتأ يعزو لرواد المدينة من الشعراء العرب أمثال جبران والريحاني والأجانب أمثال لوركا وسنغور، والمعاصرين أمثال البياتي وأدونيس وسعدي يوسف وراشد حسين ومحمود درويش، المواجهة الضدية لها بصفتها كيانا من الإسمنت المسلح، الذي يفتقر للحياة، ويخلو من الروح. فهي عند بعضهم حشد من الثياب بلا رؤوس، وعند آخر صدأ يملأ الجسور، وفراغ يعم القلب. وعند شاعر آخر أرض الزيف. وهي عند آخر هيكل عظمي مكتمل بروح هزيلة، لا تدب فيه الحياة. وهي عند محمود درويش في قصيدته «طباق» (2003) المهداة إلى إدوارد سعيد بعد عام من وفاته بابل القديمة، أو سدوم. وعند حسام السراي لا تعدو كونها حانة كلّ روادها من الكلاب. وعند أدونيس في «قبر من أجل نيويورك» (1971) تمثال امرأةٍ ترفع خرقة في إحدى يديها، فيما تخنق باليد الأخرى طفلة اسمها الأرض، في إشارة ساخرة منه لتمثال الحرية.

د.حاتم الصكر


يستخلص الصكر من هذا التتبع الاستقصائي لصورة نيويورك في قصائد من الشعر العالمي، والعربي، إن الشعراء قد يتفقون من غير تواطؤ على الدخول في موضوع ما، والخروج منه بالشيء ذاته، أو التصور نفسه عن ذلك الموضوع. وهو قريب مما سماه العرب قديما «التوارد» فجل الشعراء الذين ذكرهم، وذكر قصائدهم، دخلوا نيويورك حالمين، وخرجوا منها ثائرين ساخطين، لأن المدينة لم تكن كما توقعوا، بل كان العشبُ فيها دولارا، والكنيسة مصرفا، ودار الأوبرا بنكا. وهي أشبه ما تكون بوحش حجري، وحانة للكلاب، في شارع يطلق عليه شارع الملوك. وهي فيما يؤكده أمين الريحاني (1910) مجد كاذبٌ، وقلبٌ خاوٍ.
وفي الكتاب الذي يضم دراسات عدة يقف المؤلف بنا إزاء ركن آخر من أركان المثاقفة الشعرية، ألا وهو تنوع المؤثر، وتنوع ضروب التأثر الناجمة عن تنوع المؤثر، واختلافه من حين لآخر. وفي آخر يقف بنا عند الاستشراق، وارتباكات الهوية، وفيه يجد القارئ تحليلا شيقا لقصيدة درويش «طباق» وهي من ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» وكان المؤلف قد أشار إليها مراراً في الفصل السابق.
وصفوة القول هي أن هذا الكتاب يتضمن فصولا تجمع بين الشمول، للظواهر قيد الدراسة، مع الإحاطة بالكثير من التساؤلات التي يتطلبها موضوع المثاقفة، والمقارنة، والمنهج النقدي.

ابراهيم خليل