استعراض الأقسام

الأدبصفحة

/

صدرت حديثاً عن “دار الرافدين للنشر” الترجمة العربية لكتاب “محاورات غوته مع إيكرمان وسوريت”.

الكتاب الذي حرره يوهان بيتر إكرمان نقله إلى العربية إبراهيم جار الله.

ويقول إيكرمان إن تلك المحاورات “جاءت نتيجة لدافع طبيعيّ طافٍ بعقلي لكي أسطر أي جزءٍ عن تجربتي أرى أنّه ذو قيمة ومميز. إضافة لذلك فقد كنت أشعر دائماً أنني بحاجة للتعلم، ليس فقط عندما التقيت بهذا الرجل العظيم، بل عندما عشت معه لسنوات”.

/

أصدرت دار ماركيز للنشر والتوزيع العراقية،كتابا جديدا للباحث سعيد بوخليط، تحت عنوان :ألبير كامو ورسائل إلى ماريا كازارس.تضمن بين دفتيه،ترجمة لأولى الرسائل الغرامية،التي تبادلها كامو والفنانة المسرحية والسينمائية ماريا كازارس،شملت فقط غراميات سنوات(1948- 1944).
علاقة حب مميزة جدا،عاطفيا وجسديا وفكريا،مثلما تكشف عن ذلك مضامين الرسائل وكذا الاعترافات الشخصية لماريا كازارس،سواء عبر سيرتها الذاتية أو من خلال بعض همساتها الإعلامية،امتدت لحقبة زمنية قاربت خمسة عشر سنة؛ابتداء من تاريخ 6 يونيو 1944،موعد أول لقاء جمع بين كامو وماريا كازارس في باريس،بدعوة من صديقهما المشترك ميشيل ليريس،بمناسبة نشاط ثقافي محوره قراءة في قطعة فنية لبيكاسو،غاية يوم30 دجنبر 1959،حينما بعث كامو إلى حبيبته ماريا،رسالة تحدد الموعد القادم. لقاء لن يتحقق قط، للأسف الشديد،نتيجة الرحيل التراجيدي المفاجئ لكامو؛بعد حادث السيارة المفجع،يوم 4 يناير1960 .
إذن،تبلورت إرهاصات اللحظة الأولى لهذا المسار العاشق،بعد اللقاء بين ألبير كامو وماريا كازارس عند ميشيل ليريس،يوم 19 مارس/آذار 1944،خلال عرض قرائي في المسرحية السيريالية لبابلو بيكاسو المعنونة ب”رغبة ممسوكة من الذيل”،حينئذ اقترح كامو على الممثلة الشابة والتلميذة السابقة في معهد الفن الدرامي،المتعاقدة مع مسرح ماثورينس،أداء دور شخصية مارتا في مسرحيته “سوء تفاهم”. بدأت التدريبات على العرض المسرحي،في غضون ذلك أغرم كامو بالفنانة ذات الأصول الاسبانية،ليلة 6 يوليو/تموز 1944،وبعد نهاية مراسيم أمسية أقيمت عند المخرج شارل دولان،أصبح كامو وكازارس عاشقين بامتياز.
حوار عاطفي استثنائي قارب متنه الأصلي ثمانمائة وخمسا وستين رسالة،عرضها عمل أثار صدى مدهشا على امتداد ألف وثلاثمائة صفحة.شكَّل في نهاية المطاف،هذا المجموع الهجين المتأرجح بين الرسالة التقليدية،والمذكرات الشخصية،وحكايات الأسفار ثم الحماس الممجد للرغبة،رواية مرتكزة على علاقة إيروسية قوية،لم نكن ننتظرها أصلا من كامو.شخص فاتن وجذاب،لكنه متحفظ في ذات الوقت،وقليلا ماينزع نحو البوح عن أسراره الشخصية،نفس الحقيقة تنطبق على كازارس بل وبامتياز،وقد لاحقتها شهرة كونها ممثلة صاحبة مزاج حاد ومتقلب.

/

صدر للناقد العراقي حاتم الصكر دراسة جديدة بعنوان ثلاثي هو «تنصيص الآخر: في المثاقفة الشعرية، والمنهج، ونقد النقد». عن دار خطوط وظلال في عمان 2021 ولأن الكتاب كبير الحجم (264 صفحة) متعدد الموضوعات، فقد اقتصرنا في قراءتنا الأولى له على بعض ما احتواه من دراسات وأبحاث، استوقفتنا بما فيها من وجهات نظر جديدة.
فالمؤلف الصكر في مقدمته يلح بشدة على أن المثاقفة ـ أي تبادل الأثر والتأثير بين الآداب العربية وغيرها من أوروبية وأمريكية ـ لا تنفصل قطعا عما يعرف بالمقارنة الأدبية comparative فكل منهما تؤدي إلى الأخرى.
سواء اتبعنا في دراستنا الاستقصائية الأعراف الفرنسية للأدب المقارن، أو الأمريكية التي لا تشترط التأثر المباشر في مواقفها التحليلية من نظرية المقارنة. ولهذا فإن اقتراب الشاعر العربي ـ مثلا ـ من الآخر ـ وإن لم يقم اقترابه على الاقتباس أو التضمين ـ فإن هذا الاقتراب يكسبه رافدا مهما من الروافد التي تؤدي لتعميق مجرى الحداثة في هذا الشعر، وتبعا لذلك يجني الشعر العربي من ذلك ثماراً جديدة.
وفي ضوء ذلك يحاول الصكر أن يجيب عن السؤال الذي يعنيه أدبيا بتنصيص الآخر. وهنا لا بد في رأيه من النظر في ثلاثة أطراف، هي: المؤثِّر، على سبيل المثال إليوت، فهو مؤثر بالنسبة لصلاح عبد الصبور، والمتأثر، صلاح عبد الصبور في مسرحياته الشعرية فقد تأثر بإليوت، والأثر أو التأثير، وهو التنبيه على الوجوه التي يتجلى فيها ذلك الأثر داخل النص موضع الدراسة المقارنة. وتبعا لذلك تقوم الدراسة المقارنة عند الصكر على ثلاثة أركان، أو كما يسميها مستويات هي: المستوى المقارني أي الإجرائي، والمستوى الأيديولوجي، وأخيرا المستوى الفني.
فعلى المستوى الأيديولوجي، ينبغي لنا أن نسعى لتحجيم الاستشراق، أي لا ضرورة للنظرة المرتابة نحو الأدب الغربي. أما على المستوى الفني فينبغي ألا نغض النظر عما يتراءى لنا مما يعد سرقة أدبية من سرقات المحدثين. وأن نفرق بين ذلك وذلك الذي يعد من قبيل التناص اللاشعوري، أي غير المتعمد، وغير المقصود. وفي هذا السياق يشير الصكر لدراسة إحسان عباس بصفتها نموذجا لبعض شعر البياتي (1955) وما فيها من تنبيه لبعض التوافق بينه وبين إليوت على مستوى الصورة، والمعادل الموضوعي.
وبالقدر نفسه يشير لما نشر عن اقتباسات بدر شاكر السياب من الشاعرة إيديث سيتويل، ولا سيما من قصيدتها المشهورة «ما يزال المطر يسقط» التي ظهرت منها اقتباساتٌ في قصيدة السياب «أنشودة المطر» وذلك ما تنبه له كل من نذير العظمة ومحمد شاهين.

أدونيس وسرقاته

وفي هذا الفصل الجيد من كتابه «تنصيص الآخر» يتناول الصكر سرقات أدونيس، لا بصفتها ضروبا من التناص، بل بصفتها انتحالا مثلما جاء في عنوان كتاب كاظم جهاد «أدونيس منتحلا» (1993) وما كان أومأ إليه المنصف الوهايبي من استنساخ أدونيس الحرفي لبعض كتابات النفري (محمد بن عبد الجبار 354هـ) وما أكده عبد القادر الجنابي في كتابه الموسوم بعنوان «رسالة مفتوحة إلى أدونيس» التي لم يكتف فيها باتهام الشاعر المذكور بالسرقة والسطو وحسب، بل يتهمه علاوة على ذلك بعدم فهم الصوفية، والتصوف، في انتقاد غير مبطن لكتاب أدونيس عن»الصوفية والسيريالية» (1992). فعلى الرغم من أن هذا الكتاب حظي باهتمامات ذوي البصر بالتصوف، إلا أنه، في رأي الجنابي، وفي رأي الصكر، يضيف للشاعر السوري المزيد من الفضائح، بدلا من الإنجاز الشعري والفكري. ولهذا يدعو الصكر، في نهاية هذا البحث السجالي عن المثاقفة الشعرية، لعدم الخلط بين السرقات والتأثر، والحذر من أن تعد مثل هاتيك السرقات ضربا من التثاقف، إذ ينبغي التفريق بين الاقتباس الحرفي، والأخذ المباشر الذي يبلغ حد السطو على أفكار الآخرين، ورؤاهم الشعرية، وبين الأثر الذي يقع الشاعر تحت سحره وقوعاً غير شعوري.

التوازي بدلا من التأثر

يحدث أن يتناول عدد من الشعراء المنتسبين لثقافات متعددة موضوعا واحداً، فتظهر في أعمالهم تلك بعض وجوه الشبه التي تستدعي الدراسة المقارنة، على الرغم من أن ذلك لا ينسحب عليه ما يقال عادة عن الأثر والتأثير. ولذلك لا تقوم المثاقفة الشعرية لدى حاتم الصكر على التأثر وحده، بدليل أننا نجد أفكاراً متشابهة تتكرَّر لدى شعراء زاروا أو أقاموا في نيويورك، وكتبوا عنها قصائد. وهذه الدراسة المقارنة لعلها تقوم على مبدأ التوازي، بدلا من الأثر والتأثير. فالشعراء الذين كتبوا شعرا عن المدينة المذكورة كثر، بدءاً من وايتمان صاحب «أوراق العشب» وأمين الريحاني، ولوركا وجبران خليل جبران، مرورا بالبياتي وأدونيس ومحمود درويش وراشد حسين وسعدي يوسف، وانتهاء بالعراقي سركون بولص، وحسام السراي. فعلى الرغم من التباين اللافت في اتجاهات هؤلاء الشعراء، إن كان الأمر على المستوى الأيديولوجي ـ البياتي الماركسي ـ أو الفني ـ أدونيس السيريالي ـ أو النفسي ـ حسام السراي، وسركون بولص، أو الثقافي ـ جبران، والريحاني ـ فإن هؤلاء الشعراء جميعا يلتقون على رأي واحد، ونظرة واحدة، وهي هجاءُ ـ إذا ساغ التعبير- هذه المدينة، جريا على مذهب الأمريكي وايتمان، الذي تعزى إليه المحاولة الأولى على هذا الصعيد. ونعني بها هجاء المدن. فالمؤلف لا يفتأ يعزو لرواد المدينة من الشعراء العرب أمثال جبران والريحاني والأجانب أمثال لوركا وسنغور، والمعاصرين أمثال البياتي وأدونيس وسعدي يوسف وراشد حسين ومحمود درويش، المواجهة الضدية لها بصفتها كيانا من الإسمنت المسلح، الذي يفتقر للحياة، ويخلو من الروح. فهي عند بعضهم حشد من الثياب بلا رؤوس، وعند آخر صدأ يملأ الجسور، وفراغ يعم القلب. وعند شاعر آخر أرض الزيف. وهي عند آخر هيكل عظمي مكتمل بروح هزيلة، لا تدب فيه الحياة. وهي عند محمود درويش في قصيدته «طباق» (2003) المهداة إلى إدوارد سعيد بعد عام من وفاته بابل القديمة، أو سدوم. وعند حسام السراي لا تعدو كونها حانة كلّ روادها من الكلاب. وعند أدونيس في «قبر من أجل نيويورك» (1971) تمثال امرأةٍ ترفع خرقة في إحدى يديها، فيما تخنق باليد الأخرى طفلة اسمها الأرض، في إشارة ساخرة منه لتمثال الحرية.

د.حاتم الصكر


يستخلص الصكر من هذا التتبع الاستقصائي لصورة نيويورك في قصائد من الشعر العالمي، والعربي، إن الشعراء قد يتفقون من غير تواطؤ على الدخول في موضوع ما، والخروج منه بالشيء ذاته، أو التصور نفسه عن ذلك الموضوع. وهو قريب مما سماه العرب قديما «التوارد» فجل الشعراء الذين ذكرهم، وذكر قصائدهم، دخلوا نيويورك حالمين، وخرجوا منها ثائرين ساخطين، لأن المدينة لم تكن كما توقعوا، بل كان العشبُ فيها دولارا، والكنيسة مصرفا، ودار الأوبرا بنكا. وهي أشبه ما تكون بوحش حجري، وحانة للكلاب، في شارع يطلق عليه شارع الملوك. وهي فيما يؤكده أمين الريحاني (1910) مجد كاذبٌ، وقلبٌ خاوٍ.
وفي الكتاب الذي يضم دراسات عدة يقف المؤلف بنا إزاء ركن آخر من أركان المثاقفة الشعرية، ألا وهو تنوع المؤثر، وتنوع ضروب التأثر الناجمة عن تنوع المؤثر، واختلافه من حين لآخر. وفي آخر يقف بنا عند الاستشراق، وارتباكات الهوية، وفيه يجد القارئ تحليلا شيقا لقصيدة درويش «طباق» وهي من ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» وكان المؤلف قد أشار إليها مراراً في الفصل السابق.
وصفوة القول هي أن هذا الكتاب يتضمن فصولا تجمع بين الشمول، للظواهر قيد الدراسة، مع الإحاطة بالكثير من التساؤلات التي يتطلبها موضوع المثاقفة، والمقارنة، والمنهج النقدي.

ابراهيم خليل

/

في الذكرى الـ130 لميلاد الشاعر والروائي الروسي بوريس ليونيدوفيتش باسترناك (1890-1960) غيّر محرك البحث الشهير غوغل شعاره احتفالا بالأديب الذي انتقد الدكتاتورية الشيوعية في بلاده ورفض استلام جائزة نوبل للآداب لعام 1958 بعد أن غضب الحزب الشيوعي السوفياتي وطلب منه عدم استلامها، وبالفعل لم يسافر لحضور التكريم، ولم تنشر روايته “دكتور زيفاجو” في الاتحاد السوفياتي إلا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

ورغم رفض اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية نشر رواية باسترناك (1957) فإنه تم تهريب المخطوطة التي كتبها الروائي الروسي إلى إيطاليا، حيث نشرت هناك وأجبرت الحكومة السوفياتية باسترناك على التواصل مع الناشر لسحب المخطوطة، لكن الأخير رفض، معتبرا أنه لا يحق له حجب تحفة فنية عن العالم، وسرعان ما ترجمت الرواية إلى الإنجليزية لتصبح واسعة الانتشار.

لم يشتهر باسترناك في بلاده كشاعر رغم مجموعته الشعرية البديعة “حياتي الشقيقة”، لكن روايته المؤثرة عن الاتحاد السوفياتي استقبلها العالم بحفاوة.

ولد باسترناك لأب يهودي، وتحول إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي أثرت على شعره بوضوح، ودرس الفلسفة وكان رساما وأستاذا للفن، فيما كانت والدته عازفة بيانو شهيرة، وترجم أعمالا أدبية عالمية لشكسبير وغوته وشعراء جورجيين أحبهم الزعيم السوفياتي ستالين، وبدا أن توجهه الأخير أنقذه من الاعتقال أثناء حملات التطهير السوفياتية.

القصة المفجعة للثورة الروسية

صور الكاتب والشاعر الروسي الشهير بوريس باسترناك في روايته الرائعة “دكتور زيفاجو” فشل طريق التغيير الثوري الدموي، وخلد مآسي الثورة الشيوعية، وجسد فيها خطأ العمر والتاريخ والذي ترتكبه الثورات وهي تعمل بنفس الآليات القديمة ولو كانت ردة فعل عمياء على مظالم تاريخية وفظائع ارتكبها نظام ما.

تتبع باسترناك تاريخ المظالم الروسية قبل الثورة وخلالها وأثناء الحرب الأهلية من خلال حياة طبيب شاعر يدعى يوري جيفاكو، وخلال زمن الرواية رسم المؤلف صورا مأساوية للحالة التي كانت عليها روسيا في المراحل الثلاث، وكيف دفع الإنسان الروسي أثمانا فادحة -رغم أنفه في كثير من الأحيان- للانعتاق من النظام القديم.

صار البؤس والجوع والصقيع قواسم مشتركة في ظل النظام الثوري، وحتى الخبز أصبح عملة التداول للشراء والبيع بين البشر الباحثين عن طعام لأطفالهم مقابل أي شيء كي لا يموتوا جوعا، وصارت حفنة طحين مادة للرشوة تفتح كل الأبواب المغلقة، لدرجة أن الطبيب الشاعر سرق حفنة من الخشب ليوفر الدفء لعائلته في شتاء روسيا.

الطبقة الجديدة الثورية الحاكمة باسم العمال كانت خارج هذه المعاناة، وظهرت المفارقة من خلال قيام شقيق بطل الرواية البلشفي العتيد بإهداء شقيقه المصاب بالتيفوس بسبب رعايته للمرضى الكثير من الخبز الأبيض والزبدة والشاي المسكر والقهوة والأرز والعنب، وهي الأشياء غير الموجودة في السوق.

وعلى طول رحلة بطل الرواية الهارب من موسكو للعيش في الريف -بناء على نصيحة شقيقه البلشفي- يرسم المؤلف صورة مفزعة للأوضاع نتيجة الخيار الثوري الدموي: المصانع مغلقة، والعمال عاطلون، والقتل في كل مكان، والإعدامات للخصوم والخونة، سواء من قبل الحمر البلاشفة أو البيض المعارضين.

خلاصة التجربة

في رحلة الهروب قابل دكتور جيفاكو في القطار سامديفياتوف، وهو أحد الناشطين الاشتراكيين السابقين، وشاهدا الدمار والخراب الذي حل في كل مكان والحرائق التي نشبت في المدن والقرى والمزارع والقطارات المدفونة في الثلوج.

وأقر الثوري السابق بالأخطاء والسياسات الفاشلة التي وقعت وإن كان بررها بأنها حتمية، لكن الطبيب الشاعر ألقى له بخلاصة التجربة والمعاناة، وهي أن الحل هو في التغيير السلمي الذي يظل رغم بطئه أقل تكلفة إنسانيا، أو كما قال “كنت ثوريا متحمسا، ولكني أفكر الآن في أنه ليس هناك ما يمكن الحصول عليه بالقوة الغاشمة، الشعب يجب أن يساق إلى الخير، بالخير”.

وفي رسالة كتبها إلى أخته جوزفين تذكر باسترناك كلمات صديقته إيكاترينا كراشينيكوفا التي قالت له “لا تنس نفسك لدرجة الاعتقاد بأنك أنت من كتبت هذا العمل، لقد كان الشعب الروسي ومعاناته هما من صنعاه، الحمد لله على نعمة التعبير عنه بقلمك”.

المصدر/الجزيرة

/

صدر أخيرا بالاشتراك بشكل متزامن بين ثلاث دور نشر عربية وهي منشورات ضفاف ببيروت، بيت الحكمة في القاهرة، ومنشورات الاختلاف في الجزائر رواية “نشيد الرجل الطيّب” للكاتب الأردني قاسم توفيق.

تحكي الرواية بجرأة وذكاء دون مباشرتية عن أزمة اليسار العربي والصراع الدونكيشوتي الذي يعاني منه هذا اليسار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

تتابع الرواية سيرة شخصيتين رئيسيتين، من خلالهما تقدم مسحا لمجتمع وواقع كامل، الأول هو المصوِّر الفوتوغرافي مسعود الصانع وهو شيوعي سابق، أما الثاني غازي العبد وهو على الطرف النقيض، رأسمالي جشع. والمثير في الحكاية أن هاتين الشخصيَّتين لم تلتقيا على امتداد أحداث الرواية، لكنّ السرد يتابع نموهما وهما تسيران في خطَّين متوازيين ولكنهما تتقاطعان في نقطة واحدة تكون هي المحور الذي تتشكَّل منه هاتان الشخصيَّتان.

يفتِّش مسعود في بدايته عن مبرِّر لوجوده، وينخرط في مقتبل شبابِه في الحزب الشيوعي المحظور آنذاك، ويعود من هذه التجربة فاقدا للأمل في فهم كنه وحقيقة وجوده كفرد وسط مجتمعه. وبعد أن يعجز عن العمل بشهادته الجامعيّة بسبب خلفيَّته الحزبيّة، يقرّر أن يتحوَّل إلى مهنة التصوير عبر الكاميرا التي يمتلكها.

يحاول الشاب عبر الكاميرا ومهنته الجديدة أن يبحث في كنه نفوس من يلتقي بهم ويلتقط لهم صورا. وتتطور مسيرته ليحقِّق نجاحا هاما في مهنته، ويتحوَّل إلى خبير في فنون الرَّسم وصاحب رؤية خاصة، نتيجة لقراءاته الفكرية والفلسفية التي أسقطها على عمله كفوتوغرافي.

كل شيء كان يسير إلى الأفضل في حياة مسعود إلى أن يتعرَّض لحادثة دهس من سيارة يقودها شاب أهوج، ليبدأ رحلة جديدة في العلاج في المستشفى، وفي هذه الرحلة يعود إلى ذاته وتنفتح في وجهه أسئلة وجودية كثيرة.

يحاول قاسم توفيق في روايته هذه أن يُظهر ابتسامة الموناليزا كأوَّل خدعة مورست في الفنون البشريّة، كما يحاول تهشيم نظرية فرويد في ما يخص “عقدة أوديب”، مؤكدا أنَّ الأب هو المُدان في اختلال العلاقات بين الآباء والأبناء، فهو البادئ في محاولة قتل الابن متأثرا بنبوءة العراف.

مقابل شخصية مسعود، تقف شخصية ابن مهرِّب البترول والأسلحة، غازي العبد، الذي لا تتعدّى ثقافته ووعيه ما يشاهده في السينما التجارية من أفلام الحركة البوليسيّة التي يبقى مولعا بها بعد أن تجاوز الخمسين من عمره. ويكرِّس هذه الثقافة ويبحث عن أسباب تجعله يطبِّق ما يشاهده على حياة العاملين معه.

التقاطع الوحيد بين شخصيَّتي مسعود وغازي يكون في عمل والد مسعود سائقا لدى المؤسسة التي يملكها والد غازي، محمد العبد، حيث يقوم بتهريب البترول والأسلحة والمخدرات لصالح شركة العبد، إلى أن يفكِّر في التَّهريب لمصلحته الخاصة، فيقرِّر غازي العبد التخلُّص منه. ونتيجة لظروف تحدث أثناء محاولة قتلِه يتعرَّض إلى إصابة تسبِّب له شللا، فيقضي ما تبقى من عمره طريح الفراش عاجزا عن النُّطق أو الحركة.

/

.

صدر حديثا عن دار غراب للنشر والتوزيع، مجموعة قصصية جديدة للقاص والروائى سمير الفيل تحت عنوان “ليمون مر” وهى المجموعة رقم 19 فى مسيرة الكاتب السردية…

حيث سبق وصدرت له المجموعات القصصية: “خوذة ونورس وحيد، أرجوحة، كيف يحارب الجندى بلا خوذة ؟، انتصاف ليل مدينة، دفتر أحوال، شمال.. يمين، مكابدات الطفولة والصبا، صندل أحمر، قبلات مميتة، هوا بحري، الأبواب، جبل النرجس، حمام يطير، اللمسات، الأستاذ مراد، حذاء بنفسجى بشرائط ذهبية،أتوبيس خط 77” وغيرها.
 
المجموعة القصصية ليمون مر


وعلى الغلاف الخلفى للمجموعة نقرأ: يستكمل الكاتب سمير الفيل معالجاته السردية لوقائع حياتية لبشر عاش معهم، تأمل أوجاعهم، رصد هزائمهم، شاركهم أحلامهم، غير أن عبوس الواقع جلعه يرصد بحياد بالغ تلك الأسرار التى أخفوها عن الآخرين، وعن ذواتهم المعذبة، فبدت ظلال الأشياء وحدها، أما الجوهر فهو واقع فى مناطق خفية.
 
المجموعة تعالج العلاقات التى تنشأ من تقاطع إرادات مختلفة، كل يريد أن ينتصر لنفسه، ويوقع الآخرين فى شباك التخبط، وانعدام الحيلة، ولأن الوجود ذاته مأزق، فثمة إحباطات تسير فى خطوط متقاطعة، مع الآمال العميقة التى تشتبك بما فى الحياة من حزن وبؤس وتعاسة.
 
ومن أجواء إحدى قصص المجموعة “العربة الزل” نقرأ:
“ارتمى السنباطي على الأرض، ارتطم ارتطاما شديدا لحظة سقوطه، كنت فرد الخدمة المكلف بحراسة حجرة قائد السرية، النقيب محمد عادل.. المسألة وما فيها أن إجازة العسكري السنباطي الشهرية سوف يحين ميعادها بعد يومين، ومعنى الحبس، تجريده من سلاحه والكاب والبيادة الميري، ولبس “الكاوتش” في القدم، والدخول في غرقة مساحتها متر في متر، بلا نوافذ وبباب حديد، يقبع هناك حتى تمر فترة الحبس المقررة بأسبوع، هو واثنان من نفس السرية.

كانت التهمة الموجهة إليهم، هي الإهمال في النظافة الشخصية بعد طابور تمام الصباح، وعدم حلاقة الذقن بحيث بانت الشعيرات ناتئة، مشوشة.. تقبل العسكري مغاوري، الجزار في حياته المدنية الموضوع باستخفاف شديد، وقال حيرم الذي يعمل نقَّاشا أن لا كبير في الجيش. أما السنباطي فقد حسبها في عقله، أحس بالظلم والإهانة لأن الأمر التالي للحبس هو حلاقة الشعر لدرجة (0).

خرج النقيب على الجلبة، فلما رأى الجسد الممدد، أقعى يتفحص العسكرى، راح يضرب بيمينه على وجهه ضربات خفيفة، فلم يفق، طلب مني إحضار جركن ماء من الخيمة، جئت به، فسكبه دفعات على الوجه والعنق ومقدمة الصدر، لكن الجسم تخشب”.

وسمير الفيل، ولد فى 16 يناير عام 1951، وهو روائى وقاص ومسرحى، وكاتب أغانى مسرحية، كتب سمير الفيل الرواية والقصة القصيرة، رغم بدايته كشاعر، حيث أمضى فى دائرة الشعر 30 عامًا، إلا أنه اتجه للسرد وأحدث فيه حضورا لافتا، يكاد يكون من أغزر أبناء جيله إنتاجاً، فبعد خمسة دواوين، أنجز ثلاث روايات و19 مجموعة قصصية.
 
نال جائزة الدولة التشجيعية عن القصة القصيرة عام 2016، ثم جائزة يوسف أبو رية عن اتحاد كتّاب مصر فى 2017، وحاليا يفاجئ الفيل الوسط الأدبى بثلاث مجموعات قصصية فى أقل من 6 أشهر، وهو مرشح بالقائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافة لأفضل مجموعة قصصية لعام 2020، فرع كبار الأدباء.

/

ينتظر الشاب السوري بلال البرغوث صدور روايته الثانية التي تحمل اسم “ثلاثة لاجئين ونصف”، من إحدى دور النشر في مدينة اسطنبول التركية.

وتجسد الرواية منحى أدبيًا مختلفًا في أسلوب الكتابة الذي اتبعه بلال، وتتناول قصة أربعة لاجئين من جنسيات مختلفة، ينشدون اللجوء في أوروبا، والوصول إليها، عبر طريق صعب وعر لا يحمل أي معنى مريح من معاني السفر.

اللاجئ الرابع، الذي تحول إلى نصف لاجئ في عنوان الرواية، لم يتمكن من مغادرة المياه الإقليمية للبلد الذي يسعى إلى مغادرته، إذ أُعيد إليها لتنتهي بذلك قصة لجوئه قبل بدئها.

وفي “ثلاثة لاجئين ونصف” بلال ليس كاتبًا لمعاناة الآخرين عن بُعد، فالشاب استمد قصته وأحداثها من الطريق الذي سار عليه حين لجأ إلى أوروبا في خريف 2015، واستفاد مما احتفظت به الذاكرة، ليحوله بعد تلك السنوات إلى حكاية واقعية تروى.

وقال بلال، في حديث إلى عنب بلدي، “لم أكتب هذه الرواية لكسب التعاطف أبدًا، بل من أجل تأريخ جزء من القضية السورية عايشه سوريون كثر، وعلى أمل أن تقرأ أجيالنا القادمة عن الخيارات التي تدفعنا إليها أوطاننا”.

ومع انطلاق الثورية السورية عام 2011، بدأ بلال بدراسة طب الأسنان في جامعة “دمشق” التي سرعان ما انقطع عنها جراء الأوضاع الأمنية التي سادت تلك الفترة، فبقي في مدينته (دوما شرق دمشق) التي وقعت فيما بعد تحت وطأة حصار قوات النظام السوري إلى جانب مدن وبلدات الغوطة الشرقية في دمشق.

وفي منتصف عام 2015، خرج بلال من دمشق باتجاه الشمال السوري، ثم أكمل طريقه إلى تركيا، ومنها انتقل في خريف العام نفسه إلى ألمانيا، حيث يستقر اليوم.

وشهدت سوريا خلال سنوات الثورة موجات لجوء جماعي إلى دول الجوار والدول الأوروبية، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين على قوائم الأمم المتحدة نحو 5.6 مليون لاجئ، بحسب تقارير أممية.

واجه بلال في مشوار البحث عن مستقبل واضح، وحياة لا يعلو فيها صوت البندقية، حاجز الحنين إلى بيته ومدينته التي أمضى فيها طفولته وشبابه، فالبلاد لا تقطع حبل مواطنيها السرّي بمجرد رحيلهم عنها.

واستطاع بعد التعامل مع بيروقراطية إنجاز الأوراق الثبوتية، على حد تعبيره، دراسة لغة البلد المضيف، التي تشكل أولى خطوات فهم المجتمع، ومعايشة الواقع، لاستئناف التعليم والحياة العملية من حيث توقفت، وهذا يفضي بطبيعة الحال إلى الاندماج بالمجتمع.

ونشر بلال في عام 2019 رواية “ممالك البحر الأحمر” لتكون روايته الأولى، وهي جزء من عمل روائي ثلاثي يندرج في إطار “الفانتازيا التاريخية” التي تحاول تسليط الضوء على الواقع المعاش اليوم، عبر الجغرافيا والمواقف.

وتطلّب هذا العمل الروائي بحثًا معمقًا في تاريخ منطقة حوض البحر الأحمر، والممالك التي قامت حوله، ما يمنح الرواية صبغة واقعية بلغة فصيحة تعكس الحقبة الزمنية التي جرت فيها الأحداث.

ولبلال ديوان شعر، وهو عبارة عن مجموعة من قصائد الشعر الحر موزعة على ثلاثة فصول، وهي “شغف” و”غضب” و”منفى”، ويجري العمل على نشره، بانتظار انحسار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، وعودة مظاهر الحياة الأدبية ومعارض الكتب، التي تشكل المنصة لإطلاق الأعمال الأدبية.

وقال بلال لعنب بلدي، “كل ما أكتبه أكتبه من روحي وتجربتي، ومن الوجوه التي أراها وتؤثر بي، ومن آلام وطننا، وضياعنا الجماعي في ذلك الوطن”.

وفي أيلول 2020، جرى تصوير عمل “يوميات منفردة” في برلين، من إخراج رحماني موسى، وبطولة الأخوين ملص، وهما معتقلان سابقان، وكتب بلال السيناريو الخاص بالعمل المكوّن من ثماني حلقات، لتسليط الضوء على الجوانب النفسية لحالة المعتقل، هذه الحالة التي يرى الكاتب أنها تخص جميع السوريين، وهي حالة مستمرة منذ سنوات طويلة في عهدي الأسد “الأب والابن”، بالإضافة إلى حالة المعتقل في كل البلدان الديكتاتورية التي تعتبر آراء المعتقلين أشد قسوة من ضرب المدافع.

ويرى بلال أن العقبات التي تقف في وجه العمل الأدبي للكتّاب الشباب تتجلى بعدم تبني دور النشر لأعمالهم، التي ترفضها بعض هذه الدور لجرأة المحتوى الفكري، أو لوجود تفاصيل لا تنسجم مع دار النشر.

وضرب مثالًا على ذلك، بأن إحدى دور النشر طلبت منه تخفيف حدة الجرأة في المحتوى السياسي، رغم أن الدار كانت ضمن بلد يعايش ثورة وانتفاضة ضد تكميم الأفواه وقمع الحريات، الأمر الذي اعتبره بلال رفضًا للخروج من عباءة الكتابة التقليدية التي تتسالم وتتصالح مع واقع المنطقة المأساوي.

يدرس بلال اليوم سنته الثانية في كلية الصيدلة التابعة لجامعة “برلين الحرة” (Freie Uni Berlin)، ويعمل على مشروعين روائيين هما، “كوكائين تحت ظل الأرزة”، و”حرّاس برلين”، وينتظر ردود دور النشر لطباعتهما قريبًا.

وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، سيُعرض “يوميات منفردة” الذي كتب له السيناريو، وحضّر لعمل درامي جديد، يحمل طابعًا ثوريًا عربيًا شاملًا، يتناول البلدان التي عايشت الربيع العربي، ويندرج في إطار الكوميديا السوداء، على أن يجري تصويره في الصيف، إذا تقلصت إجراءات الحظر الصحي المفروضة بسبب انتشار جائحة “كورونا”.

/

فرانسيسكو برينِس شاعر إسباني وُلِد ب (أوليفا، بلنسية، 22 يناير 1932)، يعتبر عنصرا مهما لما يُسمى ˮبجيل “50. منذ عام 2001 أصبح أكاديميًا في الأكاديمية الملكية الإسبانية. أصدر أول ديوان ˮجمرات“ سنة 1959، ثم أصدر “كلمات في الظلام” (1966)، حصل على الجائزة الوطنية للآداب عن “خريف الورود” (1986)، وهو أحد أشهر دواوينه الشعرية وأكثرها شعبية، ويتألف من ستين قصيدة كتبها على مدى عشر سنوات. فاز بها بجائزة النقاد الوطنيين في عام 1987 كما فاز أيضا بالجائزة الوطنية للآداب الإسبانية (1999) و جائزة رينا صوفيا للشعر الإيبيري الأمريكي (2010).

ماذا يحدُث في أشجار الصَّنوبر والنَّخيل؟
قرأت قصيدة صديق
وبدأت كل الطيور تغرِّد.
قرأتُها بصوت عالٍ
وعزفَت الطُّيور بأناشيد من قرون أخرى.
توجد أيضا زهور تملأ الشُّرفة تحت اللون الأزرق:
انظر إليها حيَّة، حمراء و حامضة.
قصيدة تشبه طائر
وهي أيضًا زهرة.
لم أرَ صباح قط
(يغنّي ويشم)
و بكثير من النور.

*** *** ***

الكوب المكسور

هناك أوقات تتكسَّرُ فيها الروح
كما يتكسَّرُ الكوب،
وقبل أن ينكسِر
ويموت (لأن الأشياء تموت
أيضا)، أملؤُها بالماء
وأشرب،
أُريد ان اقول دَعِ
الكلمات التي تلاشَت، مغسولة جيدا،
في أعماقك المكسورة
لروحك،
ربما، استطعن، الغناء

*** *** ***

ملاك القصيدة

داخل كفن هذا المنزل
في هذه اللّيلة القاحلة مع الكثير من الوحدة،
أبحث دون حنين عن ما ذهب من حياتي،
ما لا يمكن أن أكون،
هذا الخراب المترامي الأطراف للماضي،
أيضا بدون أمل
فيما لم يأت بعد لجَلْدي،
خير واحد فقط ممكن: ظهور الملاك،
عينَيه بهما حياة، لا أعرف ما لونهما، لكن النار
شلَّتهُما في ذاك الوجه الجميل.
بعد الاستماع، خارجا من الصمت والوحدة الشديدة،
صوته بدون نقل، مجرَّد فهم أمين بدون كلمات.
والملاك ينغلق في جفني ويحتمي بهما،
آخر ظهور له:
بسيفه الناري يطرد العالم المُعادي، الذي يدور في الخارج،
في الظلام.
ولا إله له ولا لي.

ترجمة:عبداللطيف شهيد