استعراض الأقسام

الأدبصفحة

/

في الذكرى الـ130 لميلاد الشاعر والروائي الروسي بوريس ليونيدوفيتش باسترناك (1890-1960) غيّر محرك البحث الشهير غوغل شعاره احتفالا بالأديب الذي انتقد الدكتاتورية الشيوعية في بلاده ورفض استلام جائزة نوبل للآداب لعام 1958 بعد أن غضب الحزب الشيوعي السوفياتي وطلب منه عدم استلامها، وبالفعل لم يسافر لحضور التكريم، ولم تنشر روايته “دكتور زيفاجو” في الاتحاد السوفياتي إلا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

ورغم رفض اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية نشر رواية باسترناك (1957) فإنه تم تهريب المخطوطة التي كتبها الروائي الروسي إلى إيطاليا، حيث نشرت هناك وأجبرت الحكومة السوفياتية باسترناك على التواصل مع الناشر لسحب المخطوطة، لكن الأخير رفض، معتبرا أنه لا يحق له حجب تحفة فنية عن العالم، وسرعان ما ترجمت الرواية إلى الإنجليزية لتصبح واسعة الانتشار.

لم يشتهر باسترناك في بلاده كشاعر رغم مجموعته الشعرية البديعة “حياتي الشقيقة”، لكن روايته المؤثرة عن الاتحاد السوفياتي استقبلها العالم بحفاوة.

ولد باسترناك لأب يهودي، وتحول إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي أثرت على شعره بوضوح، ودرس الفلسفة وكان رساما وأستاذا للفن، فيما كانت والدته عازفة بيانو شهيرة، وترجم أعمالا أدبية عالمية لشكسبير وغوته وشعراء جورجيين أحبهم الزعيم السوفياتي ستالين، وبدا أن توجهه الأخير أنقذه من الاعتقال أثناء حملات التطهير السوفياتية.

القصة المفجعة للثورة الروسية

صور الكاتب والشاعر الروسي الشهير بوريس باسترناك في روايته الرائعة “دكتور زيفاجو” فشل طريق التغيير الثوري الدموي، وخلد مآسي الثورة الشيوعية، وجسد فيها خطأ العمر والتاريخ والذي ترتكبه الثورات وهي تعمل بنفس الآليات القديمة ولو كانت ردة فعل عمياء على مظالم تاريخية وفظائع ارتكبها نظام ما.

تتبع باسترناك تاريخ المظالم الروسية قبل الثورة وخلالها وأثناء الحرب الأهلية من خلال حياة طبيب شاعر يدعى يوري جيفاكو، وخلال زمن الرواية رسم المؤلف صورا مأساوية للحالة التي كانت عليها روسيا في المراحل الثلاث، وكيف دفع الإنسان الروسي أثمانا فادحة -رغم أنفه في كثير من الأحيان- للانعتاق من النظام القديم.

صار البؤس والجوع والصقيع قواسم مشتركة في ظل النظام الثوري، وحتى الخبز أصبح عملة التداول للشراء والبيع بين البشر الباحثين عن طعام لأطفالهم مقابل أي شيء كي لا يموتوا جوعا، وصارت حفنة طحين مادة للرشوة تفتح كل الأبواب المغلقة، لدرجة أن الطبيب الشاعر سرق حفنة من الخشب ليوفر الدفء لعائلته في شتاء روسيا.

الطبقة الجديدة الثورية الحاكمة باسم العمال كانت خارج هذه المعاناة، وظهرت المفارقة من خلال قيام شقيق بطل الرواية البلشفي العتيد بإهداء شقيقه المصاب بالتيفوس بسبب رعايته للمرضى الكثير من الخبز الأبيض والزبدة والشاي المسكر والقهوة والأرز والعنب، وهي الأشياء غير الموجودة في السوق.

وعلى طول رحلة بطل الرواية الهارب من موسكو للعيش في الريف -بناء على نصيحة شقيقه البلشفي- يرسم المؤلف صورة مفزعة للأوضاع نتيجة الخيار الثوري الدموي: المصانع مغلقة، والعمال عاطلون، والقتل في كل مكان، والإعدامات للخصوم والخونة، سواء من قبل الحمر البلاشفة أو البيض المعارضين.

خلاصة التجربة

في رحلة الهروب قابل دكتور جيفاكو في القطار سامديفياتوف، وهو أحد الناشطين الاشتراكيين السابقين، وشاهدا الدمار والخراب الذي حل في كل مكان والحرائق التي نشبت في المدن والقرى والمزارع والقطارات المدفونة في الثلوج.

وأقر الثوري السابق بالأخطاء والسياسات الفاشلة التي وقعت وإن كان بررها بأنها حتمية، لكن الطبيب الشاعر ألقى له بخلاصة التجربة والمعاناة، وهي أن الحل هو في التغيير السلمي الذي يظل رغم بطئه أقل تكلفة إنسانيا، أو كما قال “كنت ثوريا متحمسا، ولكني أفكر الآن في أنه ليس هناك ما يمكن الحصول عليه بالقوة الغاشمة، الشعب يجب أن يساق إلى الخير، بالخير”.

وفي رسالة كتبها إلى أخته جوزفين تذكر باسترناك كلمات صديقته إيكاترينا كراشينيكوفا التي قالت له “لا تنس نفسك لدرجة الاعتقاد بأنك أنت من كتبت هذا العمل، لقد كان الشعب الروسي ومعاناته هما من صنعاه، الحمد لله على نعمة التعبير عنه بقلمك”.

المصدر/الجزيرة

/

صدر أخيرا بالاشتراك بشكل متزامن بين ثلاث دور نشر عربية وهي منشورات ضفاف ببيروت، بيت الحكمة في القاهرة، ومنشورات الاختلاف في الجزائر رواية “نشيد الرجل الطيّب” للكاتب الأردني قاسم توفيق.

تحكي الرواية بجرأة وذكاء دون مباشرتية عن أزمة اليسار العربي والصراع الدونكيشوتي الذي يعاني منه هذا اليسار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

تتابع الرواية سيرة شخصيتين رئيسيتين، من خلالهما تقدم مسحا لمجتمع وواقع كامل، الأول هو المصوِّر الفوتوغرافي مسعود الصانع وهو شيوعي سابق، أما الثاني غازي العبد وهو على الطرف النقيض، رأسمالي جشع. والمثير في الحكاية أن هاتين الشخصيَّتين لم تلتقيا على امتداد أحداث الرواية، لكنّ السرد يتابع نموهما وهما تسيران في خطَّين متوازيين ولكنهما تتقاطعان في نقطة واحدة تكون هي المحور الذي تتشكَّل منه هاتان الشخصيَّتان.

يفتِّش مسعود في بدايته عن مبرِّر لوجوده، وينخرط في مقتبل شبابِه في الحزب الشيوعي المحظور آنذاك، ويعود من هذه التجربة فاقدا للأمل في فهم كنه وحقيقة وجوده كفرد وسط مجتمعه. وبعد أن يعجز عن العمل بشهادته الجامعيّة بسبب خلفيَّته الحزبيّة، يقرّر أن يتحوَّل إلى مهنة التصوير عبر الكاميرا التي يمتلكها.

يحاول الشاب عبر الكاميرا ومهنته الجديدة أن يبحث في كنه نفوس من يلتقي بهم ويلتقط لهم صورا. وتتطور مسيرته ليحقِّق نجاحا هاما في مهنته، ويتحوَّل إلى خبير في فنون الرَّسم وصاحب رؤية خاصة، نتيجة لقراءاته الفكرية والفلسفية التي أسقطها على عمله كفوتوغرافي.

كل شيء كان يسير إلى الأفضل في حياة مسعود إلى أن يتعرَّض لحادثة دهس من سيارة يقودها شاب أهوج، ليبدأ رحلة جديدة في العلاج في المستشفى، وفي هذه الرحلة يعود إلى ذاته وتنفتح في وجهه أسئلة وجودية كثيرة.

يحاول قاسم توفيق في روايته هذه أن يُظهر ابتسامة الموناليزا كأوَّل خدعة مورست في الفنون البشريّة، كما يحاول تهشيم نظرية فرويد في ما يخص “عقدة أوديب”، مؤكدا أنَّ الأب هو المُدان في اختلال العلاقات بين الآباء والأبناء، فهو البادئ في محاولة قتل الابن متأثرا بنبوءة العراف.

مقابل شخصية مسعود، تقف شخصية ابن مهرِّب البترول والأسلحة، غازي العبد، الذي لا تتعدّى ثقافته ووعيه ما يشاهده في السينما التجارية من أفلام الحركة البوليسيّة التي يبقى مولعا بها بعد أن تجاوز الخمسين من عمره. ويكرِّس هذه الثقافة ويبحث عن أسباب تجعله يطبِّق ما يشاهده على حياة العاملين معه.

التقاطع الوحيد بين شخصيَّتي مسعود وغازي يكون في عمل والد مسعود سائقا لدى المؤسسة التي يملكها والد غازي، محمد العبد، حيث يقوم بتهريب البترول والأسلحة والمخدرات لصالح شركة العبد، إلى أن يفكِّر في التَّهريب لمصلحته الخاصة، فيقرِّر غازي العبد التخلُّص منه. ونتيجة لظروف تحدث أثناء محاولة قتلِه يتعرَّض إلى إصابة تسبِّب له شللا، فيقضي ما تبقى من عمره طريح الفراش عاجزا عن النُّطق أو الحركة.

/

.

صدر حديثا عن دار غراب للنشر والتوزيع، مجموعة قصصية جديدة للقاص والروائى سمير الفيل تحت عنوان “ليمون مر” وهى المجموعة رقم 19 فى مسيرة الكاتب السردية…

حيث سبق وصدرت له المجموعات القصصية: “خوذة ونورس وحيد، أرجوحة، كيف يحارب الجندى بلا خوذة ؟، انتصاف ليل مدينة، دفتر أحوال، شمال.. يمين، مكابدات الطفولة والصبا، صندل أحمر، قبلات مميتة، هوا بحري، الأبواب، جبل النرجس، حمام يطير، اللمسات، الأستاذ مراد، حذاء بنفسجى بشرائط ذهبية،أتوبيس خط 77” وغيرها.
 
المجموعة القصصية ليمون مر


وعلى الغلاف الخلفى للمجموعة نقرأ: يستكمل الكاتب سمير الفيل معالجاته السردية لوقائع حياتية لبشر عاش معهم، تأمل أوجاعهم، رصد هزائمهم، شاركهم أحلامهم، غير أن عبوس الواقع جلعه يرصد بحياد بالغ تلك الأسرار التى أخفوها عن الآخرين، وعن ذواتهم المعذبة، فبدت ظلال الأشياء وحدها، أما الجوهر فهو واقع فى مناطق خفية.
 
المجموعة تعالج العلاقات التى تنشأ من تقاطع إرادات مختلفة، كل يريد أن ينتصر لنفسه، ويوقع الآخرين فى شباك التخبط، وانعدام الحيلة، ولأن الوجود ذاته مأزق، فثمة إحباطات تسير فى خطوط متقاطعة، مع الآمال العميقة التى تشتبك بما فى الحياة من حزن وبؤس وتعاسة.
 
ومن أجواء إحدى قصص المجموعة “العربة الزل” نقرأ:
“ارتمى السنباطي على الأرض، ارتطم ارتطاما شديدا لحظة سقوطه، كنت فرد الخدمة المكلف بحراسة حجرة قائد السرية، النقيب محمد عادل.. المسألة وما فيها أن إجازة العسكري السنباطي الشهرية سوف يحين ميعادها بعد يومين، ومعنى الحبس، تجريده من سلاحه والكاب والبيادة الميري، ولبس “الكاوتش” في القدم، والدخول في غرقة مساحتها متر في متر، بلا نوافذ وبباب حديد، يقبع هناك حتى تمر فترة الحبس المقررة بأسبوع، هو واثنان من نفس السرية.

كانت التهمة الموجهة إليهم، هي الإهمال في النظافة الشخصية بعد طابور تمام الصباح، وعدم حلاقة الذقن بحيث بانت الشعيرات ناتئة، مشوشة.. تقبل العسكري مغاوري، الجزار في حياته المدنية الموضوع باستخفاف شديد، وقال حيرم الذي يعمل نقَّاشا أن لا كبير في الجيش. أما السنباطي فقد حسبها في عقله، أحس بالظلم والإهانة لأن الأمر التالي للحبس هو حلاقة الشعر لدرجة (0).

خرج النقيب على الجلبة، فلما رأى الجسد الممدد، أقعى يتفحص العسكرى، راح يضرب بيمينه على وجهه ضربات خفيفة، فلم يفق، طلب مني إحضار جركن ماء من الخيمة، جئت به، فسكبه دفعات على الوجه والعنق ومقدمة الصدر، لكن الجسم تخشب”.

وسمير الفيل، ولد فى 16 يناير عام 1951، وهو روائى وقاص ومسرحى، وكاتب أغانى مسرحية، كتب سمير الفيل الرواية والقصة القصيرة، رغم بدايته كشاعر، حيث أمضى فى دائرة الشعر 30 عامًا، إلا أنه اتجه للسرد وأحدث فيه حضورا لافتا، يكاد يكون من أغزر أبناء جيله إنتاجاً، فبعد خمسة دواوين، أنجز ثلاث روايات و19 مجموعة قصصية.
 
نال جائزة الدولة التشجيعية عن القصة القصيرة عام 2016، ثم جائزة يوسف أبو رية عن اتحاد كتّاب مصر فى 2017، وحاليا يفاجئ الفيل الوسط الأدبى بثلاث مجموعات قصصية فى أقل من 6 أشهر، وهو مرشح بالقائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافة لأفضل مجموعة قصصية لعام 2020، فرع كبار الأدباء.

/

ينتظر الشاب السوري بلال البرغوث صدور روايته الثانية التي تحمل اسم “ثلاثة لاجئين ونصف”، من إحدى دور النشر في مدينة اسطنبول التركية.

وتجسد الرواية منحى أدبيًا مختلفًا في أسلوب الكتابة الذي اتبعه بلال، وتتناول قصة أربعة لاجئين من جنسيات مختلفة، ينشدون اللجوء في أوروبا، والوصول إليها، عبر طريق صعب وعر لا يحمل أي معنى مريح من معاني السفر.

اللاجئ الرابع، الذي تحول إلى نصف لاجئ في عنوان الرواية، لم يتمكن من مغادرة المياه الإقليمية للبلد الذي يسعى إلى مغادرته، إذ أُعيد إليها لتنتهي بذلك قصة لجوئه قبل بدئها.

وفي “ثلاثة لاجئين ونصف” بلال ليس كاتبًا لمعاناة الآخرين عن بُعد، فالشاب استمد قصته وأحداثها من الطريق الذي سار عليه حين لجأ إلى أوروبا في خريف 2015، واستفاد مما احتفظت به الذاكرة، ليحوله بعد تلك السنوات إلى حكاية واقعية تروى.

وقال بلال، في حديث إلى عنب بلدي، “لم أكتب هذه الرواية لكسب التعاطف أبدًا، بل من أجل تأريخ جزء من القضية السورية عايشه سوريون كثر، وعلى أمل أن تقرأ أجيالنا القادمة عن الخيارات التي تدفعنا إليها أوطاننا”.

ومع انطلاق الثورية السورية عام 2011، بدأ بلال بدراسة طب الأسنان في جامعة “دمشق” التي سرعان ما انقطع عنها جراء الأوضاع الأمنية التي سادت تلك الفترة، فبقي في مدينته (دوما شرق دمشق) التي وقعت فيما بعد تحت وطأة حصار قوات النظام السوري إلى جانب مدن وبلدات الغوطة الشرقية في دمشق.

وفي منتصف عام 2015، خرج بلال من دمشق باتجاه الشمال السوري، ثم أكمل طريقه إلى تركيا، ومنها انتقل في خريف العام نفسه إلى ألمانيا، حيث يستقر اليوم.

وشهدت سوريا خلال سنوات الثورة موجات لجوء جماعي إلى دول الجوار والدول الأوروبية، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين على قوائم الأمم المتحدة نحو 5.6 مليون لاجئ، بحسب تقارير أممية.

واجه بلال في مشوار البحث عن مستقبل واضح، وحياة لا يعلو فيها صوت البندقية، حاجز الحنين إلى بيته ومدينته التي أمضى فيها طفولته وشبابه، فالبلاد لا تقطع حبل مواطنيها السرّي بمجرد رحيلهم عنها.

واستطاع بعد التعامل مع بيروقراطية إنجاز الأوراق الثبوتية، على حد تعبيره، دراسة لغة البلد المضيف، التي تشكل أولى خطوات فهم المجتمع، ومعايشة الواقع، لاستئناف التعليم والحياة العملية من حيث توقفت، وهذا يفضي بطبيعة الحال إلى الاندماج بالمجتمع.

ونشر بلال في عام 2019 رواية “ممالك البحر الأحمر” لتكون روايته الأولى، وهي جزء من عمل روائي ثلاثي يندرج في إطار “الفانتازيا التاريخية” التي تحاول تسليط الضوء على الواقع المعاش اليوم، عبر الجغرافيا والمواقف.

وتطلّب هذا العمل الروائي بحثًا معمقًا في تاريخ منطقة حوض البحر الأحمر، والممالك التي قامت حوله، ما يمنح الرواية صبغة واقعية بلغة فصيحة تعكس الحقبة الزمنية التي جرت فيها الأحداث.

ولبلال ديوان شعر، وهو عبارة عن مجموعة من قصائد الشعر الحر موزعة على ثلاثة فصول، وهي “شغف” و”غضب” و”منفى”، ويجري العمل على نشره، بانتظار انحسار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، وعودة مظاهر الحياة الأدبية ومعارض الكتب، التي تشكل المنصة لإطلاق الأعمال الأدبية.

وقال بلال لعنب بلدي، “كل ما أكتبه أكتبه من روحي وتجربتي، ومن الوجوه التي أراها وتؤثر بي، ومن آلام وطننا، وضياعنا الجماعي في ذلك الوطن”.

وفي أيلول 2020، جرى تصوير عمل “يوميات منفردة” في برلين، من إخراج رحماني موسى، وبطولة الأخوين ملص، وهما معتقلان سابقان، وكتب بلال السيناريو الخاص بالعمل المكوّن من ثماني حلقات، لتسليط الضوء على الجوانب النفسية لحالة المعتقل، هذه الحالة التي يرى الكاتب أنها تخص جميع السوريين، وهي حالة مستمرة منذ سنوات طويلة في عهدي الأسد “الأب والابن”، بالإضافة إلى حالة المعتقل في كل البلدان الديكتاتورية التي تعتبر آراء المعتقلين أشد قسوة من ضرب المدافع.

ويرى بلال أن العقبات التي تقف في وجه العمل الأدبي للكتّاب الشباب تتجلى بعدم تبني دور النشر لأعمالهم، التي ترفضها بعض هذه الدور لجرأة المحتوى الفكري، أو لوجود تفاصيل لا تنسجم مع دار النشر.

وضرب مثالًا على ذلك، بأن إحدى دور النشر طلبت منه تخفيف حدة الجرأة في المحتوى السياسي، رغم أن الدار كانت ضمن بلد يعايش ثورة وانتفاضة ضد تكميم الأفواه وقمع الحريات، الأمر الذي اعتبره بلال رفضًا للخروج من عباءة الكتابة التقليدية التي تتسالم وتتصالح مع واقع المنطقة المأساوي.

يدرس بلال اليوم سنته الثانية في كلية الصيدلة التابعة لجامعة “برلين الحرة” (Freie Uni Berlin)، ويعمل على مشروعين روائيين هما، “كوكائين تحت ظل الأرزة”، و”حرّاس برلين”، وينتظر ردود دور النشر لطباعتهما قريبًا.

وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، سيُعرض “يوميات منفردة” الذي كتب له السيناريو، وحضّر لعمل درامي جديد، يحمل طابعًا ثوريًا عربيًا شاملًا، يتناول البلدان التي عايشت الربيع العربي، ويندرج في إطار الكوميديا السوداء، على أن يجري تصويره في الصيف، إذا تقلصت إجراءات الحظر الصحي المفروضة بسبب انتشار جائحة “كورونا”.

/

فرانسيسكو برينِس شاعر إسباني وُلِد ب (أوليفا، بلنسية، 22 يناير 1932)، يعتبر عنصرا مهما لما يُسمى ˮبجيل “50. منذ عام 2001 أصبح أكاديميًا في الأكاديمية الملكية الإسبانية. أصدر أول ديوان ˮجمرات“ سنة 1959، ثم أصدر “كلمات في الظلام” (1966)، حصل على الجائزة الوطنية للآداب عن “خريف الورود” (1986)، وهو أحد أشهر دواوينه الشعرية وأكثرها شعبية، ويتألف من ستين قصيدة كتبها على مدى عشر سنوات. فاز بها بجائزة النقاد الوطنيين في عام 1987 كما فاز أيضا بالجائزة الوطنية للآداب الإسبانية (1999) و جائزة رينا صوفيا للشعر الإيبيري الأمريكي (2010).

ماذا يحدُث في أشجار الصَّنوبر والنَّخيل؟
قرأت قصيدة صديق
وبدأت كل الطيور تغرِّد.
قرأتُها بصوت عالٍ
وعزفَت الطُّيور بأناشيد من قرون أخرى.
توجد أيضا زهور تملأ الشُّرفة تحت اللون الأزرق:
انظر إليها حيَّة، حمراء و حامضة.
قصيدة تشبه طائر
وهي أيضًا زهرة.
لم أرَ صباح قط
(يغنّي ويشم)
و بكثير من النور.

*** *** ***

الكوب المكسور

هناك أوقات تتكسَّرُ فيها الروح
كما يتكسَّرُ الكوب،
وقبل أن ينكسِر
ويموت (لأن الأشياء تموت
أيضا)، أملؤُها بالماء
وأشرب،
أُريد ان اقول دَعِ
الكلمات التي تلاشَت، مغسولة جيدا،
في أعماقك المكسورة
لروحك،
ربما، استطعن، الغناء

*** *** ***

ملاك القصيدة

داخل كفن هذا المنزل
في هذه اللّيلة القاحلة مع الكثير من الوحدة،
أبحث دون حنين عن ما ذهب من حياتي،
ما لا يمكن أن أكون،
هذا الخراب المترامي الأطراف للماضي،
أيضا بدون أمل
فيما لم يأت بعد لجَلْدي،
خير واحد فقط ممكن: ظهور الملاك،
عينَيه بهما حياة، لا أعرف ما لونهما، لكن النار
شلَّتهُما في ذاك الوجه الجميل.
بعد الاستماع، خارجا من الصمت والوحدة الشديدة،
صوته بدون نقل، مجرَّد فهم أمين بدون كلمات.
والملاك ينغلق في جفني ويحتمي بهما،
آخر ظهور له:
بسيفه الناري يطرد العالم المُعادي، الذي يدور في الخارج،
في الظلام.
ولا إله له ولا لي.

ترجمة:عبداللطيف شهيد

/

ياسر سلطان

خط واحد متصل يتقاطع ويدور ويلتف، وما هي إلا لحظات حتى تظهر الملامح واضحة على الرغم ممّا فيها من تحريف ومبالغة. هكذا يرسم الفنان المصري جورج البهجوري كل تفاصيل حياته، تعوّد أن يرسم وجوه الناس، وإذا لم يجد يقف أمام المرآة ليرسم وجهه، المُهّم أن يظل يرسم بلا توقف.

إلى جوار الرسم، لا مانع من الكتابة والتعليق بكلمات قليلة وعبارات لا تخلو من الطرافة. المئات من هذه الرسومات السريعة التي شكلها البهجوري بالرسم والكتابة تحكي سيرته منذ كان طفلاً في قريته “بهجورة” في صعيد مصر إلى تفاصيل رحلاته عبر عواصم العالم.

أكثر من مئة من هذه الرسومات السريعة للفنان جورج البهجوري تُعرض حالياً في غاليري مشربية في القاهرة حتى 17 من هذا الشهر. يضم المعرض جانباً من تجربة الفنان مع الاسكتش، وهي تجربة لازمته طوال حياته، فهو فنان نادراً ما تفارقه أدوات الرسم، يرسم في تنقلاته وجلساته، وغالباً ما يوزع هذه الرسومات على الأصدقاء وغير الأصدقاء، أو ربما يحتفظ بها لنفسه أحياناً.

جورج البهجوري يرسم كما يفكر ويفكر كما يرسم، يمتلك شخصية مرحة تتصيد النكتة من قلب الحوار بسهولة، وربما لهذا خاض تجربة الكاريكاتير في فترة من حياته. في رسوم بهجوري السريعة لابد أن تلمح هذه الطرافة، في خفة الخطوط، أو ملامح الوجه وميله للمبالغة في بناء تفاصيله. يضم معرضه القاهري عشرات النماذج من هذه الرسوم التي ظل يرسمها منذ أن استهوته هذه الغواية، إنها غواية الرسم التي يرى من خلالها العالم. يضم معرضه نماذج عدة من هذه الرسوم السريعة التي ربما تُشكل في مجملها مراحل عمره وسيرته الشخصية مع الرسم. رسوم عارية ووجوه وأشخاص منغمسون في الحديث، وعازفون مع آلاتهم الموسيقية، وآخرون غارقون في صمت. أعمال رسمها في مقهاه المفضل في القاهرة حيث تعود الجلوس، وأخرى تحمل روائح أماكن ومدن بعيدة في الشرق والغرب. بعض هذه الرسوم تُرك على حاله بالأبيض والأسود، وبعضها يحمل مسحة شفافة من اللون، ومن دون انتهاك طبيعة الاسكتش السريعة والمختزلة.

تعليقات مكتوبة

كثير من هذه الرسوم يحمل تعليقات مكتوبة أو مدونة أحياناً على خلفية أوراق الرسم، فالكتابة جزء من تجربة الفنان جورج البهجوري، وقد خاض غمارها متأخراً، كما يقول. صدرت للبهجوري على مدار العقدين الماضيين كتب مصحوبة برسوم ولوحات تحكي سيرته الذاتية، بدأها بكتاب “أيقونة فلتس” عام 1997؛ وفلتس هو اسم شعبي في العائلة القبطية. أما أبطال الرواية فهم أبوه وزوجة أبيه وعمه وأقاربه. فتحت له هذه الرواية باب الكتابه عن سيرته، إذ اتّبعها بإصدارات أخرى، منها “أيقونة باريس”، و”بهجر في المهجر” و”أيقونة شعب”. كتابات البهجوري ارتبطت بما يسميه هو المشهدية في الأدب، فهو رسام في المقام الأول، وحين يصف شخصاً ما، أو مشهداً بعينه يتخذ هذا الوصف طبيعة خاصة ومميزة، وبأسلوب لا يخلو من السخرية والفكاهة.

أما علاقته بالكاريكاتير فتعود إلى بدايات عمله في الصحافة وكان لا يزال طالباً في الفنون الجميلة، فقد كلفه الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس برسم صفحتين يومياً تحت عنوان “أخبارهم على وجوههم” في إحدى المجلات المصرية التي كان يرأس تحريرها عبد القدوس حينها. وفي منتصف السبعينيات واتته فرصة السفر إلى باريس، وهناك اتخذ قراراً بالبقاء ليضع فصلاً جديداً من تجربته، فقد مثلت باريس أحد أهم المحطات في حياته، وكان لها تأثيرها الواضح على فنه وإبداعه في ما بعد. في باريس كان لديه الوقت الكافي للقراءة والمشاهدة من جديد، وتضاءلت مساحة الصحافة من أولوية اهتماماته.

يعدّ البهجورى من أكثر الفنانين المصريين ارتباطاً بالشارع، هو يتجول ملتهماً بعينيه كل تفاصيل المدينة كي يُعيد صوغها من جديد. يحمل كل وجه من الوجوه التي يرسمها في أعماله ذاكرة رحبة للمكان تختلف وتتغير تفاصيلها من وجه إلى آخر، فالوجوه في مخيلته ترتبط بالأماكن ولا تنفصل عنها. هو يمارس فنه أينما حل، فبخطوط بسيطة متقاطعة لا يتوقف مسارها على سطح الرسم تتشكل هذه الوجوه والملامح، والتي تُهيّء نفسها للاستقرار والظهور بين الحين والآخر على سطح لوحاته الكبيرة. في أعماله المعروضة يرصد البهجوري مظاهر الحياة في المدينة، مستحضراً ذكريات وشخصيات كثيرة من الماضي، وجوهاً لساسة وكتاب وموسيقيين، أو حتى أشخاصاً مجهولين التقى بهم على نحو عابر.

تمتلىء أعمال البهجوري بالصخب والبهجة، وهو يُشكل معالمها بخطوطه المنفلتة والمتقاطعة في كل اتجاه، هذه الخطوط التي تُحاصر عن عمد هذه المساحات اللونية الموزعة على مساحة الرسم. هو يُحَوّل الجسد الذي طالما رسمه قبل ذلك عارياً أو مستتراً إلى كتل ومساحات متراصة وراسخة، منفصلة ومتداخلة مع ما يحيط بها من عناصر أخرى وخلفيات قاتمة ومضيئة. أما اللون فيتمايل تارة بين الأصفر والأحمر الملتهب، وأخرى بين الأبيض والأخضر والرماديات الهادئة.

ولد الفنان جورج البهجوري في مدينة الأقصر في جنوب مصر عام 1932، وهو واحد من الفنانين المصريين البارزين. اشتهر في بداياته برسوم الكاريكاتير السياسي، وتحمل أعماله مزيجاً من الحس التعبيري والتكعيبية، وتتميز بألوانها الزاهية. حصل البهجوري خلال مسيرته الفنية على العديد من الأوسمة الوطنية والدولية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في الكثير من عواصم العالم.

/

وَأَنْ أفْتَحَ النَّافِذَهْ عَلَى ضِفَّة الدَّرْبِ

هَل تَسْتَطيعين أنْ تَخْرُجي مِنْ نداءِ الحَبَقْ

وَأَنْ تقسمِيني إلى اثْنَيْن:

أَنْتِ ، وَمَا يَتَبِقَّى مِنَ الأُغْنِيَهْ؟

وَحُبٌ هو الحب

فِي كُلِّ حُبِّ أرى الحب مَوْتاً لِمَوْتٍ سَبَقْ

وَريحا تُعَاوِدُ دَفْعَ الخُيُول إلَى أمِّهَا

الرِّيح بَيْنَ السَّحَابَة والأوْدِيَهْ

أًلا تَسْتَطِيعينَ أَنْ تَخْرُجِي مِنْ طَنينِ دَمي

كَيْ أْهَدْهِدَ هَذَا الشَّبقْ؟

وكَيْ أُسْحَبَ النَّحْلَ مِنْ وَرَق الوَرْدَةِ المُعْدِيهْ؟

وَحُبٌ هو الحب ، يَسْأًلُنِي:

كَيْفَ عَادَ النَّبِيذُ إلَى أْمِّه واحْتَرقْ

وَمَا أًعْذَبَ الحب حِينَ يُعذب

حِينَ يُخرِّب نَرْجسَةَ الأْغْنيهْ

يُعَلِّمُني الحب أن لاَ أحب

وَيَتْرُكُني في مَهَبِّ الوَرَقْ

/

رواية الأميركية هارييت بيتشرستو ما زالت معاصرة بعد 170 سنة على صدورها

تعاود رواية “كوخ العم توم” للروائية الأميركية هارييت بيتشرستو، الظهور باللغة العربية مرة عاشرة بترجمة المصري عبد الفتاح عبد الله (مؤسسة هنداوي) الأمر الذي يطرح سؤالاً حول الأسباب التي تدفع لترجمة عمل أدبي أكثر من مرة، فهناك كثير من الأعمال الإبداعية العالمية التي حظيت بعدة ترجمات، فالإلياذة لهوميروس تُرجمت خمس مرات للعربية أقدمها لسليمان البستاني عن الفرنسية 1904، والقدر نفسه من الترجمات حظيت به “الكوميديا الإلهية” لدانتي.

ترجمات عشر

وهناك كثير من الأعمال الروائية المعاصرة التي حظيت بعدة ترجمات ربما أشهرها “مئة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز، بست ترجمات لكل من سليمان العطار، وصالح علماني، وسامي الجندي، ومحمود مسعود، ومحمد الحاج خليل، وكريم محمود.

لكن ما من عمل أدبي ربما يتخطى الترجمات التي حظيت بها رواية “كوخ العم توم” العشر، وذلك خلاف التلخيصات لها والنصوص المسرحية المتحولة عنها، وأقدم ترجمة لها تعود لمنير البعلبكي عام 1953، ثم توالت الترجمات: حلمي مراد، وفؤاد أندراوس، وسليم خليل قهوجي، وأكرم الرافعي، وحسين محمد القباني، وميخائيل حداد، وذكري حاج حسين ومحمد نديم خشقة، وهيلينا عبد النور، وصولاً إلى عبدالفتاح عبدالله.

ونشرت تلك الرواية للمرة الأولى قبل نحو 170 سنة، وتتناول مأساة الزنوج في الولايات الجنوبية الأميركية، وكان لها بالغ الأثر في اندلاع حرب تحرير العبيد 1861، ومن فرط تأثرهم بهذه الراوية أعتق بعض الروس عبيدهم وقت نشرها، ويشير منير البعلبكي في مقدمة ترجمته إلى أن “ستاو” حين التقت الرئيس أبراهام لنكولن عام 1862 في أوج الحرب الأهلية، هرع ليستقبلها قائلاً: “إني سعيد أن أرحب بك بوصفك مؤلفة تلك القصة التي أحدثت هذه الحرب العظيمة”. إلا أن هناك من يشكك في أن يكون لنكولن قال ذلك. وتصنف هذه الرواية من الروايات الواقعية ويؤثر عن مؤلفتها قولها إنها لم تؤلف هذه القصة، إنما فقط دونت بعض ما شاهدته في الولايات الجنوبية. وتعد هذه الرواية أولى الروايات التي كانت بين الكتب الأكثر مبيعاً، حتى أنها فاقت الكتاب المقدس في هذا الصدد وقت صدورها.

تدور الرواية حول قسوة حياة الزنوج في ظل العبودية، إذ يقوم السيد شيبلي مالك المزرعة في كنتاكي ببيع عبده المخلص “توم” وكذلك ابن جاريته “إليزا” ذي الأربعة أعوام، وحين تعرف الأخيرة ببيع طفلها تقرر الهرب وتذهب إلى توم كي تخبره بأن سيده قد باعه إلا أنه يرفض الفكرة مفضلاً ألا يخون ثقة السيد الأبيض. وتنطلق إليزا في رحلة هرب مثيرة صحبة طفلها إلى كندا حيث ستجد من يساعدها على إلحاق زوجها بها، فيما يلتقي توم الطفلة الملائكية “إيفا” على السفينة وتنجذب إليه وتدفع والدها إلى شرائه، وقبل وفاتها بمرض عضال تحرض والدها على تحرير توم، إلا أن موته يمنع حدوث ذلك، ويباع “توم” إلى تاجر عبيد قاس يلقى حتفه على يديه من شدة التعذيب.

ميلودراما روائية

وتتمتع الرواية بأسلوب ميلودرامي ذي حبكة بوليسية، تعمل على تحريك المشاعر الإنسانية، فيها شخصيات واضحة المعالم والميول إما طيبة طوال الوقت أو أخرى على النقيض من ذلك. فـ”توم” في الرواية يتمتع بكل صفات النبالة وإيمان حقيقي بالمسيحية، يرفض أن يخون سيده، يعرض نفسه للعذاب من أجل إنقاذ الآخرين. وتعج الراوية بكثير من هذه المشاهد الميلودرامية من بينها الحوار الذي يودع فيه توم أسرته الصغيرة، قبل أن يأخذه سيده الجديد إلى الولايات الجنوبية المعروفة بقسوتها مع العبيد “أبلغي السيد أرثر أنني سأحبه ما حييت كما أفعل دوماً، أخبريه ألا يشعر بالسوء لأنه باعني، كنت على استعداد أن أضحى دوماً بحياتي من أجله”. ولا تغيب الميلودرامية حتى عن حبكة الرواية ككل إذ تهيمن عليها المصادفة بشكل كبير.

فالكل يتوقع أن يلاقي توم حياة صعبة في الجنوب إلا أن القدر يسخر له في سفينة العبيد الطفلة “إيفا” البالغة من العمر خمسة أعوام التي تعجب به وبحكاياته، وحين تسقط من أعلى السفينة يقفز إلى الماء وينقذها فيشتريه والدها ليعيش حياة سعيدة معها. إيفا التي تحنو على الجميع وتتحدث بلسان أكبر من عمرها، تحب العصاة والمذنبين ذات طابع ملائكي، تلك الشخصية التي أحبها كل من قرأوا الرواية في عصرها وشهد اسمها رواجاً واسعاً بسببها، تموت بمرض مفاجئ بعد أن تجعل والدها يتعهد بتحرير توم، وفي اليوم الذي يهم فيه أن يحرره يقتل والد إيفا، ليباع توم لنخاس قاسي القلب، وفجأة يأتي ابن صاحب المزرعة القديمة التي يعيش فيها توم فينقذه من الجلد.

المصادفة الحاسمة

والمصادفة تعلب دوراً كبيراً في الرواية، ففي اللحظات الحاسمة التي يكون فيها مصير البطل على المحك يأتي الإنقاذ المفاجئ من السماء، ومن ذلك في رحلة هرب إليزا التي أنجبت ولدين ماتا، قبل طفلها هاري ذو الأربعة أعوام. يقرر سيدها أن يبيعها، وبالمصادفة تعرف أن ابنها قد بيع فتهرب ومعها ابنها وتنجح في ذلك عبر سلسلة من المصادفات وأناس كثر يساعدونها في الوصول إلى وجهتها.

وسعت “ستو” من خلال الميلودراما التي اتبعتها في نصها إلى تجسيد المشاعر الإنسانية حول قسوة العبودية من التفريق بين الرجل وزوجته وأبنائه ومنها المشهد الذي يعرف فيه أبناء توم الصغار بأمر بيع والدهم (همس موس “اصمت وأغلق فمك ألا تعرف أي شيء؟ لقد بيع والدنا”. نظر الأطفال بعيون متسعة وقد تسببت تلك الكلمات المخيفة في أن يتوقفوا عن انخراطهم في اللعب… “إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شخص هو أن يُباع أو أن يسافر في النهر”. وكذلك تفريق الأم عن أبنائها وبيعهم مثلما جرى مع إليزا ووالدتها. وهناك الفتاة توبسي التي أخذها النخاسون وهي صغيرة ولا تعرف مثل كثر من هما والداها، وجرى تعذيبها بقسوة عند سادتها البيض ما جعلها تستمرئ التعذيب وتسعى إلى أن يضربها سادتها الجدد.

الترجمة العربية الأولى صدرت في 1953 (دار العلم للملايين)

وتضفي “ستو” على مشهد موت بطل روايتها “توم” صورة للمسيح الذي يتحمل المعاناة من أجل خلاص الآخرين. يضحي بنفسه من أجل سادته البيض ومن أجل رفقائه في الألم من الزنوج. يُعذب من أجل امرأة ضعيفة كان يعطيها ما يجمع من قطن حتى تتم نصابها فلا تُعذب. يُجلد لرفضه أن يقر بمكان السيدتين اللتين هربتا بعد أن كان سيدهما يعتدي عليهما جنسياً، ويرضى بأن يعرض نفسه للموت في سبيل إنقاذهما. إلا أن هذه الصورة لا تظهر بوضوح في ترجمة عبد الفتاح عبد الله الذي عمد إلى حذف كثير وتلخيص أحداث الرواية بشكل أخلَّ برسم أحداث العمل الأصلي.

ومن الجدير ذكره هنا، أنه في القرن التاسع عشر كانت تعد هذه الرواية دفاعاً عن الزنوج إلا أن هذه الصورة تغيرت في القرن العشرين وأصبحت شخصية توم سبة وتهمة تستخدم لوصف أسود البشرة الخاضع لذوي البشرة البيضاء متواطئاً مع اضطهادهم للزنوج، بل إنه بات ينظر إلى “كوخ العم توم” على أنها عنصرية.

عبد الكريم الحجراوي