استعراض الأقسام

الأدبصفحة

/

صدرت رواية ثنائية بعنوان “زاوية الشمس” جمعت الكاتب التونسي عز الدين الصغيّر والكاتبة الفلسطينية ميّة شلبي كفري عن “دار الفينيق” في الأردن. يدعونا هذا العمل إلى التساؤل عن خصائص الكتابة المشتركة في الأدب، وكيف تكون عملية التأليف إذا خرجت من سلطة الكاتب الواحد فاختلطت بين شريكين.

يضيء لنا الكاتب التونسي تبلور مشروع هذا العمل، فيقول في حديث إلى “العربي الجديد”: “منذ وقت بعيد، كنت أودّ الاشتغال على فهم وإدراك الأسباب والعوامل التي أدّت إلى الحروب المباشرة وغير المباشرة بين العالم المسيحيي-اليهوديّ والعالم الإسلاميّ. وبتأمّلنا في سجلات التاريخ المشترك، يمكن ملاحظة أن القدس كانت محوَر نزاع دائم عبر التاريخ بين الطرفين. مشروع رواية “زاوية الشمس” جاء انطلاقاً من هذه الرغبة، وقد اعتبرتُ أن المشروع في حاجة إلى صوت من الداخل الفلسطيني يشاركني فيه، حرصاً على ما يمكن أن تضيفه التجربة الواقعية الحيّة من دقّة وإلهام، وما يمكن أن تساهم به في دعم توثيق الأحداث والوقائع الدّائرة بميادين المقاومة. وبناءً على ذلك تواصلتُ مع الكاتبة مية شلبي كفري من طولكرم”.

حول أثر هذه الكتابة المشتركة في خدمة النص، يضيف: “أعتبر أنّ الرواية الثنائية من شأنها أن تعمّق الوعي الجمعي وأن تساهم في ترسيخ قيم المقاومة والالتزام بالمثاليات الإنسانية المشتركة”.

يلفتنا أن يقف الكاتب التونسي خلف هذا المشروع الروائي وهو الذي أصدر في السابق أعمالاً بين الشعر والكتابة الحرة مثل “مخطوط هاجر أو القرية التي يخترقها الماء” (2015)، و”وطن الظل” (2017). يقول عن خياره بالاتجاه صوب الرواية: “لم تأت كتابة الرّواية في حياتي من فراغ، وإنّما هي وليدة تجربة بعيدة في الكتابة السردية حين كنت طالباً في تونس ثم شغلتني عنها الالتزامات العلمية حين انتقلتُ إلى بروكسل لمواصلة الدراسات العليا. كما أنني أعتبر أنّ كتابي “مخطوط هاجر” الذي صُنّف ضمن الشعر النثري يمكن أن يتنزّل ضمن الكتابة الروائية. كما أنّ لديّ رواية أخرى بعنوان “معازف الحرية”، كتبتها منذ خمس سنوات ولا تزال تقبع في الظّل، بحثاً عن ناشر”.

ألا يأتي هذا النزوع نحو الرواية ضمن طفرة تعرفها تونس منذ سنوات؟ سألنا محدّثنا عن موقفه من ارتفاع إنتاج الرواية في السنوات الأخيرة في تونس. يجيب: “أعتقد أنّ ما نشاهده من طفرة في الإنتاج الأدبي بصفة عامّة والإنتاج الروائيّ بصفة خاصّة، خلال العقد الأخير، يعكس تحرّراً يقابل الكبت الذي فرضته عقود الدّولة البوليسية والمنظومة التي وضعتها بعنفها وأشكالها الرقابية والتي تلتقي بإكراهات أخرى تفرضها القوى الاستعمارية”. 

يستدرك الصغيّر فيقول: “لكن، هل أنّ هذا التطوّر الإنتاجي كافٍ بينما هناك شرخٌ عميق بين تأليف الكتب وصنعها وتسويقها من ناحية، ومعضلة القراءة بما هي معادلة ثقافية واستهلاكية في آن؟”. يضيف: “مَن مِنّا لا يعرف أنّ تسويق الكتاب، خارج المعارض، يبقى ضيّقاً جدّاً وسقيماً، مع تدهور القدرة الشرائية للمواطن، ناهيك عن تدنّي نسبة القرّاء، وهو إفراز منظومة تربوية متأزّمة وضعيفة لا تشجّع بجدية على تكريس القراءة. والأخطر من ذلك انخراط جلّ النّاشرين في عقيدة ثقافية حداثية متذبذبة، مشرذمة الرّؤية، لا تعكس ما تحتاجه المجتمعات العربية”.

شوقي بن حسن

/

هل مِن جديدٍ يمكنُ أن يقولَه هذا المَقال القصير بشأن رواية ماركيز التي تُرجِمَت إلى ذلك الحشد الهائل من اللغات، وكُتِبَت عنها آلاف الصفحات في كُلّ تلك اللغات؟! لا أدري على وجه اليقين، لكن ما أُؤمن به أنّ لهذه الرواية عَطاءً خاصًّا في أزمنة الوباء. 
لا تلعبُ الكوليرا دور البطولة في الرواية، وهو شيءٌ قد يُوحي به العنوان، وإنما تمثّل خلفيّةً مستمرّةً للأحداث منذ ما قبلَ بداية السَّرد إلى آخِر سطرٍ فيه.

تدورُ الحكاية – باختزالٍ مُخِلٍّ بالطبع – حول الفتى الحالِم (فلورنتينو أريثا) الذي يقع في حُبّ الصبيّة (فِرمينا داثا)، وتتطور علاقتُهما من خلال المراسَلة إلى وعدٍ بأن يتقدّم لخطبتِها، ثم يُحبِط والدُها (لورنثو) زيجتَهما ويبتعد بابنتِه بعيدًا إلى حيث عائلةُ أُمِّها المتوفّاة، لكنّ الحبيبين المُراهِقَين يظلاّن يتراسلان عبرَ أسلاك البَرق، وحين تعودُ فِرمينا مع أبيها إلى منزلِهما بعد بضعِ سِنين، تقطع علاقتَها بفلورنتينو لأنها تكتشفُ أنّ ما كان بينهما ليس أكثرَ من وهمٍ من أوهام المراهقة.

يتقدّم لخطبتِها الطبيب الناجح الشهير (خوفينال أُربينو)، ويُعمَّر زواجُهما خمسين عامًا، يَخبُران خلالَه كُلّ ما يَخبُره المتزوجون من صُنوف السعادة والشقاء، ويُنجِبان ويصبحان جَدَّين، لينتهي زواجُهما بوفاةِ الدكتور خوفينال.

وفي ليلة العزاء يجدِّد فلورنتينو للأرملة المُسِنَّة فِرمينا تصريحَه بالحُبّ. تنهرُه فِرمينا بعُنفٍ أوّلاً، ثم تعود مراسلاتُهما تدريجيًّا، وتتطور إلى لقاءٍ أسبوعيٍّ في بيتِها بحُضور ابنِها الطبيب (أُربينو) وزوجتِه أحيانًا، وينتهي الأمر بقَبُولِ فِرمينا الخروج في رحلةٍ نهريّةٍ على مَتن سفينةٍ ضِمن أسطول شركة الملاحة النهرية التي يرأسُها فلورنتينو، حيث يُتوَّجُ حبُّهما أخيرًا بعلاقةٍ حميمةٍ كاملة.
ظهورات الكوليرا:
نعرفُ أنّ الدكتور أُربينو الكبيرَ والِدَ (خوفينال) ماتَ شهيدَ الكوليرا وهو يطبّق الطرُق القديمةَ في مكافحة الوباء بين أهل المدينة، بينما يقدّم خوفينال الشابّ العائدُ من دراسة الطبّ في باريس خدمةً جليلةً للمدينة بتطبيق أحدث وسائل الوقاية والحَجر الصحي وتوصيات عِلم الصحّة العامّة، فينجح في الحَدّ من انتشارِها نجاحًا كبيرًا لم يُتَح لأبيه المُخلِص.

أمّا لحظة تعرُّف خوفينال إلى فِرمينا فتأتي مع استدعائه للتثبُّت من تشخيصٍ قدّمَه أحدُ زملائه لحالتِها إثرَ وعكةٍ صحيّةٍ مرَّت بها، حيث شخّصَها الزميلُ خطأً باعتبارها مُصابةً بالكوليرا.

كذلك تظهر الكوليرا في الإشارات المتكررة التي تُشيرُها (ترانسيتو أريثا) والدة فلورنتينو إلى وَلَه ابنِها بمحبوبتِه، فهو ولَهٌ يصِلُ به إلى حالةٍ من الهُزال والضعف لا يُوصِلُ إليها بخلاف الحُبّ إلاّ الكوليرا! نصطدم بالكوليرا أيضًا في مشهدٍ مُفجِعٍ، هو مشهدُ رحلة المُنطاد الأولى في المدينة، تلك التي تشارك فيها فِرمينا إلى جواز زوجِها خوفينال باعتبارِها في منزلةٍ اجتماعيّةٍ تكادُ تكونُ فيها هي سيّدة المدينة الأولى.

فبينما يحلّق المُنطادُ عاليًا، يقع بصرُها على عشرات الجُثَث لمرضى الكوليرا قُربَ مدينةِ منشئِها الفقيرة. وأخيرًا، تصحبُنا الكوليرا إلى المشهد الأخير، فبعد أن يصعَد المسافرون إلى متن السفينة قاصِدِين المدينةَ التي يعيش فيها أبطالُ الرواية، تتعرّف فِرمينا خُلسةً على وجوهٍ كثيرةٍ لمَعارِفها، وتفزعُ لذلك أشدَّ الفزع لحساسية موقفِها كأرملةٍ مضى بالكادِ على وفاة زوجِها عامٌ واحدٌ فخرجَت في رحلةٍ نهريةٍ للتنزُّه مع حبيبِها القديم، لاسيّما أنها امرأةٌ في الثانية والسبعين، فيصل فلورنتينو مع القبطان إلى حَلٍّ بأن يُعلِنَ الأخيرُ للصاعِدين إلى السفينة وجودَ حالاتٍ مُصابةٍ بالكوليرا، ويغادرون السفينةَ بالفعل إلى سفينةٍ لشركةٍ مِلاحيّةٍ أخرى، ويرفعُ القبطان رايةَ الوباء الصفراء.

لكنّ التفتيش الصحّيّ يقابلُ السفينة ويَطلُب من قبطانِها إنزالَ الحالات إلى بَرٍّ قريبٍ لتوقيع الكشف الطبيّ عليهم، فيصل القبطان مع فلورنتينو إلى مَخرجٍ من هذه الورطة بأن تأخذ السفينةُ الوِجهة المضادّة لتعودَ مِن حيثُ أتَت، ويقترحُ فلورنتينو أن يظلّوا هكذا إلى الأبد، فرارًا من تطفُّل الآخَرين!

أبطال الرواية:
في اللغة الإسبانية مَعانٍ تُوحي بها أسماء الأبطال الثلاثة، تتجاوب وطبائعهم التي تكشف عنها الأحداث، وهي ملاحظةٌ يصعُب أن نغفلَها ونحن في حضرة ماركيز أحد كبار أساتذة السّرد.

ففِرمينا Fermina اسمٌ يُوحي بالقوّة، وهي بالفعل شخصيّةٌ قويّةٌ تفرضُ حضورَها في كلّ سياقٍ تجدُ نفسَها فيه، بدءًا من بيت أبيها ومرورًا بعلاقتها الأولى بفلورنتينو ثُمّ دخولها مجتمَع عِليَة القوم إثرَ زواجِها بالدكتور أُربينو، فضلاً عن علاقتِها بأمّ زوجِها وأُختَيه اللاتي يفرضن في معاملتهنّ لها صعوباتٍ خاصّةً تتخطّاها هي بالتأقلُم على عِيشتِهنّ، وانتهاءً بتتويج علاقتها بفلورنتينو. 

أمّا خوفينال أُربينو، فاسمُه الأوّل يعني (الشابّ)، وهو أمرٌ يتجاوبُ مع رُوحِه الشابّة التي تجدد للمدينة مظهرَها ومَخبرَها، واسمُ عائلتِه Urbino مُشتقٌّ من المفردة اللاتينية Urbinum التي تعني (مدينة صغيرة)، وهو معنىً ينطوي في تقديري على إشارةٍ إلى نذره حياتَه لمدينته، وإلى ابتلاع الحياة العامّة له بالكامل، فهو رجُل المدينة الأوّل لعقودٍ خمسةٍ تقريبًا، تمثّل عُمر زواجِه من (فِرمينا). ولعلّ المشهد الذي يذكرُ (فرمينا) وهي تتذمّر ذاتَ يومٍ وتصرخُ فيه: “إنك لا تعرفُ كم أنا تعيسة”، ثمّ ردَّه عليها باكيًا في هدوءٍ: “عليكِ أن تعرفي أنّ الزواجَ الناجحَ ليس المبنيَّ على السعادة، وإنما هو المبنيُّ على الاستقرار”، هو مشهدٌ دالٌّ على ذهنيّة (أُربينو) المهووسة بالنظام وإنزال الأشياء منازلَها. هذا رغمَ ما في زواجهما من لحظاتٍ سعيدةٍ كثيرةٍ تذكرُها فِرمينا بامتنان.

أخيرًا يأتي اسمُ فلورنتينو Florentino ومعناهُ (المُزهِر) متجاوبًا مع قوّة الخيال الاستثنائية التي يتمتع بها الرجُل، فهو الذي يُفني صِباه عاشقًا لفتاةٍ تغيبُ عن ناظِرَيه ثلاثَ سِنين ويظلُّ وفيًّا لها، يكتبُ لها عددًا خياليًّا من الرسائل التي تنضحُ بالشِّعر، وحِينَ يسلّم نفسَه لتصرُّف عمِّه (ليو الثاني عشر) ليوظِّفَه في شركة الملاحة النهرية، يجدُ نفسَه عاجزًا عن كتابة خطابِ عملٍ واحدٍ بلهجةٍ محايدةٍ مناسبةٍ لخطابات العمل، فهو يُودِعُ كُلَّ خطاباتِه قدرًا واضحًا من العاطفة المشبوبة! وهو الذي يقضي شطرًا من شبابِه بين العاهراتِ في (الفندق المؤقَّت/ البيت المشبوه) في عِفَّةٍ تامَّةٍ، لكنّه بعد زواجِ (فِرمينا) يتقلّب بين مئاتِ العشيقات، وإن كان يحرص على السّرّيّة التامّة لئلاّ يصل إلى فرمينا خبرُ فُجورِه حتى بعد زواجِها، وهو انتهاءً ذلك الذي ظلَّ حُبُّه لفتاته الأولى حيًّا في قلبه حتى مات عنها زوجُها بعد خمسين عاما!   

ولعلّ طبيعة عملَي أُربينو وفلورنتينو تُخبرُنا بشيءٍ عن موقفِهما من العالَم، فأُربينو طبيبٌ مخلصٌ لقضيّة تخليص الأجسادِ من الكوليرا.

وأهمُّ أعراض الكوليرا المعروفة في الطبّ المذكورة في الرواية هو الإسهال العنيف المؤدّي إلى الجفاف والموت.

أمّا فلورنتينو فهو يبدأ ظهوره في الأحداثِ موزِّعًا للبريد، ثُمّ يعمل في مكتب البرق، وينتهي في شركة المِلاحة النهرية، وفي شبابِه يجلسُ في (دَرب الكَتَبَة) ليكتُبَ رسائلَ للعُشّاق العاجِزين عن صياغة مشاعرِهم.

أي أنّه يقومُ طيلةَ حياتِه بدَور مساعدة الآخَرين في متابعة شغفِهم، سواءٌ الشغفُ بالمحبوب أو بالسَّفَر. هذا بينما يُعاني هو نفسُه إمساكًا وراثيًّا مُزمِنًا لا يساعده في مواجهَته إلا الحُقَن الشرجيّة! 
في رأيي أنّ طبيعتَي هذين العملَين تضعُنا أمامَ صرامةِ عالَم أُربينو الذي لا يُريد للإنسان أن تتسرّبَ منه رُوحُه في نزف سوائلِ جسدِه/ الكوليرا/ العِشق، في مقابل استسلامِ عالَم فلورنتينو لنزيف العاطفة، فهو يكتبُ رسائل الحُبّ لنفسِه وللآخَرين، ويستسلم للحُقَن ليستبدِل بإمساكِه راحةَ النزف، فضلاً عن استسلامِه للعلاقات الجسديّة المُحرَّمة الكثيرة التي يبذُلُ فيها ماءَه في سخاء.

وبعدُ، فيبدو أنّ وقوع فِرمينا بين عالَمَي هذَين الرجُلَين يمثّل وضعَ الحياةِ بين قُطبَي النِّظام والعاطفة. إنّ الأرملةَ تذكُرُ حياتَها الطويلةَ مع زوجِها، تلك الحياةَ التي لا يمكنُ في التحليل الأخرِ وصفُها بالتعاسة، لكنّها حين تتأمَّلُها لا تعرفُ إن كانت الأعوامُ الخمسون هي الحُبَّ الحقيقيَّ مُجسَّدًا أم شيئًا آخَر.

وهكذا تتركُنا الروايةُ لسؤالٍ مفتوح: أيُّهما المَتنُ وأيُّهما الهامش؟ أُربينو أم فلورنتينو؟ المدينةُ أم الزهرة؟ موعِدُ العملِ أم رسالةُ الحُبّ؟ الزواجُ أم عواطِفُ المراهقة؟ وما يعمِّقُ السؤال هنا أنّ عواطفَ المراهقةِ تعيشُ في الرواية إلى أن تَرِثَ الزِّيجةَ التي استمرّت نصفَ قَرن.  

الشيخوخةُ والموت:
يراقبُ فلورنتينو علامات الشيخوخة وهي تغزو جسدَه رُويدًا رويدًا، وحين ينظر إلى القُروح المبثوثة في جسدِه بفعل عدوى السَّيَلان والأمراضِ المنقولةِ جِنسيًّا يعتبرُها أقربَ إلى غنائمِ الحَرب.

أمّا حين يظفرُ أخيرًا بقُبلةٍ من فِرمينا على سطح السفينة، فإنّه يُفاجأ برائحة الشيخوخة في أنفاسِها، ثم يفكّر أنّ أنفاسَه هي الأخرى تعبق بالتأكيد بذاتِ الرائحة، لاسيّما أنه يَكبُر فِرمينا بأربعة أعوام (وهي بالمناسبة رائحةٌ مُثبتةٌ علميًّا يرجِعها بعضُ الدراساتُ الحديثة إلى تصاعُد مادّة نونينال nonenal في أجساد المُسِنِّين). 
هكذا يكتمل الانشغالُ بالجسَد في رواية ماركيز، وهو انشغالٌ يضعُنا أمام سؤال ثنائيّة الرُّوح والجسد حين تجدُ فرمينا نفسَها في بؤرة اتّهام المجتمَع والأُسرة بعدم مناسبة الحُبّ للمُسِنِّين. هل تَهرَم الرُّوح كما يَهرَم الجسد؟ 

في مقابلِ العشق الباقي على إصراره في رُوحِ فلورنتينو، نجدُ أنّ الصَّبيَّة (أميريكا فيكونيا) ذات الأربعة عشر ربيعًا التي دخلَت في وِصايَتِه وأقام معها علاقةً جنسيةً ثم هجرَها ليستأنفَ علاقتَه القديمةَ بفرمينا، هذه الصبيّة بإقدامِها على الانتحار مثَّلَت جوابًا محتمَلاً على ذلك السؤال الأخير. لقد فقدَت روحُها المقاومةَ سريعًا وهي في مَيعة الصِّبا، أي أنَّها رُوحٌ شاخَت في جسَدٍ يبدأ شبابَه!

حكاياتٌ مستورةٌ في الرواية:

تبدأ الرواية بموت اللاجئ الأنتيليّ (جيرميا) الذي كان صديقًا للدكتور خوفينال، واكتشاف هذا الأخير أنّ الميِّت كان على علاقةٍ محرَّمةٍ بامرأةٍ لم يكن أحدٌ يعرفُ عنها شيئا.

أمّا قُرب نهاية الرواية، فتثور شائعةٌ تصلُ إلى فِرمينا بأنّ زوجَها الراحل كان على علاقةٍ بأعزّ صديقاتِها، وتهجُر صديقتَها لهذا السبب، لكننا نعرفُ أنّها محضُ إشاعةٍ رغم انتهاء الرواية وهي مقتنعةٌ بخيانة الزوج.

كذلك ففِرمينا تصدّقُ فلورنتينو في النهاية حين يخبرُها بأنه بَقِي على عُذريّته طيلة حياتِه من أجلِها، لكننا نعلمُ أنه قرر الكذب متعمّدًا، كأنّ جسدَه الذي دنّسَته الخَطايا هو محضُ شيءٍ ثانويٍّ، بينما رُوحُه المُخلِصة لفرمينا هي ما يُهِمّ.

والخلاصةُ أنّ القارئَ فقط هو مَن يعرفُ الصدقَ مِن الكذِب في هذه الأمثلة، وهو ما يشكّكنا في صِدق ما نعتقِدُ أننا نعرفُه عن علاقاتنا بالآخَرين في الحياة الواقعية! لكن بقَدر ما يغزو الشكُّ نفوسَنا، لا نَجِدُ مَخرجًا من خوفِنا من الحكايات المستورةِ في الحقيقة إلاّ أن نتسامَحَ معها، وإلاّ فلَن نستطيعَ أن ننقُلَ قدَمًا في هذه الحياةِ الملأى بالأسرار.

السؤالُ مرّةً أخيرة: المدينةُ أم الزهرة؟

في زمنِ الوباء يتراءى لنا للوهلة الأولى أنّ المدينةَ هي المَتن، فالمهمُّ أن ننجو من تهديد الكوليرا/ كورونا/ الوباء أيًّا ما كان اسمُه، وسبيلُ النجاةِ هي تلك التي يختطُّها أمثالُ الدكتور أوربينو من العلماء القادِرين.

لكننا حين نُنعِم النظر نكتشفُ أنّنا لا نُريدُ أن ننجُو إلا لنعبُرَ إلى لحظة التمتُّع بالزهرة، فالحُبُّ المتحرر من الشُّروط كما يقدّمه فلورنتينو هو خُلاصةُ خبرةِ الحياةِ وأصفى ما يُقَطَّرُ منها.

وإذَن، فالزهرةُ ليست مُجرَّدَ هامش. وبغَضّ النظَر عن الموضع الذي نتوقّع فيه أن نَجِد الزهرة – فهو لحظة العلاقة الحميمة بين عاشِقَين متحرّرَين من كل القُيود، أو هو لحظة سُجود عاشقٍ إلهيٍّ لا يخافُ النّارَ ولا يطمعُ في جَنَّة – فإنّ الزهرةَ في التحليلِ الأخيرِ هي قَلبُ المَتن، وهي السببُ العميقُ لوجودِ المدينة. هكذا، لا يمكننا أن نحتملَ تدابيرَ الوباء إلا لكي نَعبُرَ فوقَها إلى الزهرة، إلى الحُبّ.

محمد سالم عبادة

/

أصدر الصحافي عماد الدين رائف كتابه ” ليسيا أوكراينكا” عن “دار المصور العربي”. ويضم الجزء الأول من أعمال الأديبة الأوكرانية ليسيا أوكراينكا النثرية، التي كتبتها بين 1888 و1913، على أن يليه كتاب ثان نهاية العام الحالي، وذلك بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الخمسين بعد المئة لولادتها (1871- 1913).

وللمناسبة نظمت السفارة الأوكرانية في لبنان مؤتمراً إفتراضياً، افتتحه السفير الأوكراني في لبنان إيهور أوستاش. وتخلّلته محاضرات وقراءات بالأوكرانية لروايات وقصائد الكاتبة. يذكر أنّ ليسيا أوكراينكا (اسمها الحقيقي لاريسا كوساتش) لم تكن شاعرة وقاصة كبيرة فحسب، بل ناقدة ومترجمة وباحثة في التراث الشعبي وناشطة اجتماعية وحاملة راية حقوق المرأة في بلادها. وقد غدت رمزاً لأصالة أوكرانيا واستقلالها، وأحد الأعمدة الثلاثة التي قام عليها الأدب الأوكراني الحديث، إلى جانب إيفـــان فرانكـو وتاراس شيفتشينكو.

بعبارة “سآمل ولو فُقد الأمل”، واجهت ليسيا مرض العضال، وأبدعت أدباً لا يموت، فبقيت حيّة في قلوب الناس. خلّدتها الشعوب السلافية بإعادة نشر أدبها وإنتاجه في المسرح والسينما والتلفاز والغرافيتي. وتنتشر نصبها التذكارية والمؤسسات التعليمية والمكتبات والشوارع التي تحمل اسمها في مناطق مختلفة من العالم.

/

اعلنت الهيئة العلمية لــ “جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب”، فتح باب الترشيح للجائزة في دورتها للعام 2021.

الجائزة التي أطلقتها “مؤسسة عبد الحميد شومان”، تمنح تقديراً لنتاج علمي متميز في السنوات الخمس السابقة للترشح (2016-2020)، ويؤدي نشره وتعميمه إلى زيادة في المعرفة العلمية والتطبيقية، والإسهام في حل مشكلات ذات أولوية محلياً وإقليمياً وعالمياً، ونشر ثقافة البحث العلمي، وفق بيان للمنظمين.

وتشمل الجائزة حقول العلوم الطبية والصحية والعلوم الهندسية والعلوم التكنولوجية والزراعية، وكذلك حقل العلوم الأساسية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية، إضافة إلى العلوم الاقتصادية والإدارية.

وتبلغ قيمة الجائزة 20 ألف دولار، علماً أن آخر موعد لقبول طلبات الترشيح هو 31 مارس المقبل.

/

 

ومَا عليكَ سِوَى الاِنْتِظَارِ، ولَسَوْفَ يَهْتَدِينَ
إليكَ –
الإوَزَّاتُ، فوقَ السِّبَاخ، يَطِرْنَ خَفِيضَاتٍ،
[جَانِحَاتٍ]،
يَطِرْنَ وهُنَّ يَتَلأْلَأْنَ باسْوِدَادِ المَاءِ تَلَأْلُؤًا
ولَسَوْفَ يَهْتَدِينَ إليكَ

والغَزَالاتُ –
الغَزَالاتُ مَا أَجْمَلَهُنَّ، في المَدَى،
كَأَنَّ أجْسَادَهُنَّ لا تَحُولُ دُونَ سَبِيلِهِنَّ
بَتًّا، وبَتًّا،
وعلى مَهَلٍ يَمْشِينَ مَشْيًا بَرَاحًا
يَمْشِينَ [في الأُفْقِ ذاك]
بَيْنَ حُزَمٍ برونْزِيَّةٍ من ضِيَاءِ الشَّمْسِ

ما الذي يَحْدُو بِهِنَّ وَاقِفَاتٍ في الوُجُومِ
هكذا –
ما الذي يَحْدُو بِهِنَّ إِنْ لَمْ يَكُنَّ في الاِنْتِظَارِ
لابِثَاتٍ لا حَرَاكَ بِهِنَّ، أَوْ بِالكَادِ، أَوْ بِالكَادِ،
حتى تُصَابَ أَقْفَاصُهُنَّ بِدَاءِ الصَّدَأِ،
وحتى يَنْتَابَ الشُّجَيْرَاتِ كَذَاكَ الرُّعَاشُ،
في [مَهَبِّ] الرِّيحِ
يَنْتَابَهُنَّ وهُنَّ يُقْعِينَ عَارِيَاتٍ من الوَرَقِ

ومَا عليكَ، مَا عليكَ، سِوَى أَنْ تَدَعَ الأَمْرَ
يَجْرِي في أَعِنَّتَهِ:
وأَنْ «تُسَيِّبَ» تلك الصَّرْخَةَ، أَنْ «تُسَيِّبَهَا»،
مِثْلَ تَسْيَابِ ذاك القَمَرِ –
ذاك الذي أَعْجَفَتْهُ الأَرْضُ، صَاعِدًا بِالتَّمَامِ،
صَاعِدًا بِدّوَّارَةٍ من سِهَامٍ

وإلى أَنْ يَتَرَاءَينَ من أَمَامِكَ
مِثْلَ أَشْيَاءٍ مَيْتَةٍ، [أَوْ كَأَجْسَادٍ] تَنُوءُ بِلَحْمِهَا
أَسْرَاجًا –
وأنتَ هُنَاكَ تَمْتَطِيهَا جَرِيحًا، ولكنْ، ولكنْ،
بِإِطْلالٍ قَاهِرٍ

شعر لويز غلوك

ترجمة /وداد الصفدي

/

صدرت حديثاً عن “دار الرافدين للنشر” الترجمة العربية لكتاب “محاورات غوته مع إيكرمان وسوريت”.

الكتاب الذي حرره يوهان بيتر إكرمان نقله إلى العربية إبراهيم جار الله.

ويقول إيكرمان إن تلك المحاورات “جاءت نتيجة لدافع طبيعيّ طافٍ بعقلي لكي أسطر أي جزءٍ عن تجربتي أرى أنّه ذو قيمة ومميز. إضافة لذلك فقد كنت أشعر دائماً أنني بحاجة للتعلم، ليس فقط عندما التقيت بهذا الرجل العظيم، بل عندما عشت معه لسنوات”.

/

أصدرت دار ماركيز للنشر والتوزيع العراقية،كتابا جديدا للباحث سعيد بوخليط، تحت عنوان :ألبير كامو ورسائل إلى ماريا كازارس.تضمن بين دفتيه،ترجمة لأولى الرسائل الغرامية،التي تبادلها كامو والفنانة المسرحية والسينمائية ماريا كازارس،شملت فقط غراميات سنوات(1948- 1944).
علاقة حب مميزة جدا،عاطفيا وجسديا وفكريا،مثلما تكشف عن ذلك مضامين الرسائل وكذا الاعترافات الشخصية لماريا كازارس،سواء عبر سيرتها الذاتية أو من خلال بعض همساتها الإعلامية،امتدت لحقبة زمنية قاربت خمسة عشر سنة؛ابتداء من تاريخ 6 يونيو 1944،موعد أول لقاء جمع بين كامو وماريا كازارس في باريس،بدعوة من صديقهما المشترك ميشيل ليريس،بمناسبة نشاط ثقافي محوره قراءة في قطعة فنية لبيكاسو،غاية يوم30 دجنبر 1959،حينما بعث كامو إلى حبيبته ماريا،رسالة تحدد الموعد القادم. لقاء لن يتحقق قط، للأسف الشديد،نتيجة الرحيل التراجيدي المفاجئ لكامو؛بعد حادث السيارة المفجع،يوم 4 يناير1960 .
إذن،تبلورت إرهاصات اللحظة الأولى لهذا المسار العاشق،بعد اللقاء بين ألبير كامو وماريا كازارس عند ميشيل ليريس،يوم 19 مارس/آذار 1944،خلال عرض قرائي في المسرحية السيريالية لبابلو بيكاسو المعنونة ب”رغبة ممسوكة من الذيل”،حينئذ اقترح كامو على الممثلة الشابة والتلميذة السابقة في معهد الفن الدرامي،المتعاقدة مع مسرح ماثورينس،أداء دور شخصية مارتا في مسرحيته “سوء تفاهم”. بدأت التدريبات على العرض المسرحي،في غضون ذلك أغرم كامو بالفنانة ذات الأصول الاسبانية،ليلة 6 يوليو/تموز 1944،وبعد نهاية مراسيم أمسية أقيمت عند المخرج شارل دولان،أصبح كامو وكازارس عاشقين بامتياز.
حوار عاطفي استثنائي قارب متنه الأصلي ثمانمائة وخمسا وستين رسالة،عرضها عمل أثار صدى مدهشا على امتداد ألف وثلاثمائة صفحة.شكَّل في نهاية المطاف،هذا المجموع الهجين المتأرجح بين الرسالة التقليدية،والمذكرات الشخصية،وحكايات الأسفار ثم الحماس الممجد للرغبة،رواية مرتكزة على علاقة إيروسية قوية،لم نكن ننتظرها أصلا من كامو.شخص فاتن وجذاب،لكنه متحفظ في ذات الوقت،وقليلا ماينزع نحو البوح عن أسراره الشخصية،نفس الحقيقة تنطبق على كازارس بل وبامتياز،وقد لاحقتها شهرة كونها ممثلة صاحبة مزاج حاد ومتقلب.

/

صدر للناقد العراقي حاتم الصكر دراسة جديدة بعنوان ثلاثي هو «تنصيص الآخر: في المثاقفة الشعرية، والمنهج، ونقد النقد». عن دار خطوط وظلال في عمان 2021 ولأن الكتاب كبير الحجم (264 صفحة) متعدد الموضوعات، فقد اقتصرنا في قراءتنا الأولى له على بعض ما احتواه من دراسات وأبحاث، استوقفتنا بما فيها من وجهات نظر جديدة.
فالمؤلف الصكر في مقدمته يلح بشدة على أن المثاقفة ـ أي تبادل الأثر والتأثير بين الآداب العربية وغيرها من أوروبية وأمريكية ـ لا تنفصل قطعا عما يعرف بالمقارنة الأدبية comparative فكل منهما تؤدي إلى الأخرى.
سواء اتبعنا في دراستنا الاستقصائية الأعراف الفرنسية للأدب المقارن، أو الأمريكية التي لا تشترط التأثر المباشر في مواقفها التحليلية من نظرية المقارنة. ولهذا فإن اقتراب الشاعر العربي ـ مثلا ـ من الآخر ـ وإن لم يقم اقترابه على الاقتباس أو التضمين ـ فإن هذا الاقتراب يكسبه رافدا مهما من الروافد التي تؤدي لتعميق مجرى الحداثة في هذا الشعر، وتبعا لذلك يجني الشعر العربي من ذلك ثماراً جديدة.
وفي ضوء ذلك يحاول الصكر أن يجيب عن السؤال الذي يعنيه أدبيا بتنصيص الآخر. وهنا لا بد في رأيه من النظر في ثلاثة أطراف، هي: المؤثِّر، على سبيل المثال إليوت، فهو مؤثر بالنسبة لصلاح عبد الصبور، والمتأثر، صلاح عبد الصبور في مسرحياته الشعرية فقد تأثر بإليوت، والأثر أو التأثير، وهو التنبيه على الوجوه التي يتجلى فيها ذلك الأثر داخل النص موضع الدراسة المقارنة. وتبعا لذلك تقوم الدراسة المقارنة عند الصكر على ثلاثة أركان، أو كما يسميها مستويات هي: المستوى المقارني أي الإجرائي، والمستوى الأيديولوجي، وأخيرا المستوى الفني.
فعلى المستوى الأيديولوجي، ينبغي لنا أن نسعى لتحجيم الاستشراق، أي لا ضرورة للنظرة المرتابة نحو الأدب الغربي. أما على المستوى الفني فينبغي ألا نغض النظر عما يتراءى لنا مما يعد سرقة أدبية من سرقات المحدثين. وأن نفرق بين ذلك وذلك الذي يعد من قبيل التناص اللاشعوري، أي غير المتعمد، وغير المقصود. وفي هذا السياق يشير الصكر لدراسة إحسان عباس بصفتها نموذجا لبعض شعر البياتي (1955) وما فيها من تنبيه لبعض التوافق بينه وبين إليوت على مستوى الصورة، والمعادل الموضوعي.
وبالقدر نفسه يشير لما نشر عن اقتباسات بدر شاكر السياب من الشاعرة إيديث سيتويل، ولا سيما من قصيدتها المشهورة «ما يزال المطر يسقط» التي ظهرت منها اقتباساتٌ في قصيدة السياب «أنشودة المطر» وذلك ما تنبه له كل من نذير العظمة ومحمد شاهين.

أدونيس وسرقاته

وفي هذا الفصل الجيد من كتابه «تنصيص الآخر» يتناول الصكر سرقات أدونيس، لا بصفتها ضروبا من التناص، بل بصفتها انتحالا مثلما جاء في عنوان كتاب كاظم جهاد «أدونيس منتحلا» (1993) وما كان أومأ إليه المنصف الوهايبي من استنساخ أدونيس الحرفي لبعض كتابات النفري (محمد بن عبد الجبار 354هـ) وما أكده عبد القادر الجنابي في كتابه الموسوم بعنوان «رسالة مفتوحة إلى أدونيس» التي لم يكتف فيها باتهام الشاعر المذكور بالسرقة والسطو وحسب، بل يتهمه علاوة على ذلك بعدم فهم الصوفية، والتصوف، في انتقاد غير مبطن لكتاب أدونيس عن»الصوفية والسيريالية» (1992). فعلى الرغم من أن هذا الكتاب حظي باهتمامات ذوي البصر بالتصوف، إلا أنه، في رأي الجنابي، وفي رأي الصكر، يضيف للشاعر السوري المزيد من الفضائح، بدلا من الإنجاز الشعري والفكري. ولهذا يدعو الصكر، في نهاية هذا البحث السجالي عن المثاقفة الشعرية، لعدم الخلط بين السرقات والتأثر، والحذر من أن تعد مثل هاتيك السرقات ضربا من التثاقف، إذ ينبغي التفريق بين الاقتباس الحرفي، والأخذ المباشر الذي يبلغ حد السطو على أفكار الآخرين، ورؤاهم الشعرية، وبين الأثر الذي يقع الشاعر تحت سحره وقوعاً غير شعوري.

التوازي بدلا من التأثر

يحدث أن يتناول عدد من الشعراء المنتسبين لثقافات متعددة موضوعا واحداً، فتظهر في أعمالهم تلك بعض وجوه الشبه التي تستدعي الدراسة المقارنة، على الرغم من أن ذلك لا ينسحب عليه ما يقال عادة عن الأثر والتأثير. ولذلك لا تقوم المثاقفة الشعرية لدى حاتم الصكر على التأثر وحده، بدليل أننا نجد أفكاراً متشابهة تتكرَّر لدى شعراء زاروا أو أقاموا في نيويورك، وكتبوا عنها قصائد. وهذه الدراسة المقارنة لعلها تقوم على مبدأ التوازي، بدلا من الأثر والتأثير. فالشعراء الذين كتبوا شعرا عن المدينة المذكورة كثر، بدءاً من وايتمان صاحب «أوراق العشب» وأمين الريحاني، ولوركا وجبران خليل جبران، مرورا بالبياتي وأدونيس ومحمود درويش وراشد حسين وسعدي يوسف، وانتهاء بالعراقي سركون بولص، وحسام السراي. فعلى الرغم من التباين اللافت في اتجاهات هؤلاء الشعراء، إن كان الأمر على المستوى الأيديولوجي ـ البياتي الماركسي ـ أو الفني ـ أدونيس السيريالي ـ أو النفسي ـ حسام السراي، وسركون بولص، أو الثقافي ـ جبران، والريحاني ـ فإن هؤلاء الشعراء جميعا يلتقون على رأي واحد، ونظرة واحدة، وهي هجاءُ ـ إذا ساغ التعبير- هذه المدينة، جريا على مذهب الأمريكي وايتمان، الذي تعزى إليه المحاولة الأولى على هذا الصعيد. ونعني بها هجاء المدن. فالمؤلف لا يفتأ يعزو لرواد المدينة من الشعراء العرب أمثال جبران والريحاني والأجانب أمثال لوركا وسنغور، والمعاصرين أمثال البياتي وأدونيس وسعدي يوسف وراشد حسين ومحمود درويش، المواجهة الضدية لها بصفتها كيانا من الإسمنت المسلح، الذي يفتقر للحياة، ويخلو من الروح. فهي عند بعضهم حشد من الثياب بلا رؤوس، وعند آخر صدأ يملأ الجسور، وفراغ يعم القلب. وعند شاعر آخر أرض الزيف. وهي عند آخر هيكل عظمي مكتمل بروح هزيلة، لا تدب فيه الحياة. وهي عند محمود درويش في قصيدته «طباق» (2003) المهداة إلى إدوارد سعيد بعد عام من وفاته بابل القديمة، أو سدوم. وعند حسام السراي لا تعدو كونها حانة كلّ روادها من الكلاب. وعند أدونيس في «قبر من أجل نيويورك» (1971) تمثال امرأةٍ ترفع خرقة في إحدى يديها، فيما تخنق باليد الأخرى طفلة اسمها الأرض، في إشارة ساخرة منه لتمثال الحرية.

د.حاتم الصكر


يستخلص الصكر من هذا التتبع الاستقصائي لصورة نيويورك في قصائد من الشعر العالمي، والعربي، إن الشعراء قد يتفقون من غير تواطؤ على الدخول في موضوع ما، والخروج منه بالشيء ذاته، أو التصور نفسه عن ذلك الموضوع. وهو قريب مما سماه العرب قديما «التوارد» فجل الشعراء الذين ذكرهم، وذكر قصائدهم، دخلوا نيويورك حالمين، وخرجوا منها ثائرين ساخطين، لأن المدينة لم تكن كما توقعوا، بل كان العشبُ فيها دولارا، والكنيسة مصرفا، ودار الأوبرا بنكا. وهي أشبه ما تكون بوحش حجري، وحانة للكلاب، في شارع يطلق عليه شارع الملوك. وهي فيما يؤكده أمين الريحاني (1910) مجد كاذبٌ، وقلبٌ خاوٍ.
وفي الكتاب الذي يضم دراسات عدة يقف المؤلف بنا إزاء ركن آخر من أركان المثاقفة الشعرية، ألا وهو تنوع المؤثر، وتنوع ضروب التأثر الناجمة عن تنوع المؤثر، واختلافه من حين لآخر. وفي آخر يقف بنا عند الاستشراق، وارتباكات الهوية، وفيه يجد القارئ تحليلا شيقا لقصيدة درويش «طباق» وهي من ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» وكان المؤلف قد أشار إليها مراراً في الفصل السابق.
وصفوة القول هي أن هذا الكتاب يتضمن فصولا تجمع بين الشمول، للظواهر قيد الدراسة، مع الإحاطة بالكثير من التساؤلات التي يتطلبها موضوع المثاقفة، والمقارنة، والمنهج النقدي.

ابراهيم خليل