ماذا لو انِّي الآنَ في عدنٍ ؟
سأمضي، هادئاً ، نحو ” التواهي ” …
والقميصُ الرّطْبُ ، يعبَقُ ، من هواءِ البحرِ .
في باب الجماركِ سوف أستأني قليلاً
ثم أمشي ، نحو أطلالِ الكنيسةِ
سوف أدخلُ:
ثَمَّ أمسحُ من ترابٍ أسوَدٍ ، لوحَ البِلى …
بحّارةٌ غرقى أراهم يملأون مقاعدَ اللوحِ العتيقِ .
أرى، هنالكَ ، بينَهم ، لي رفقةً …
وأصيحُ:
أحمدُ!
يازكيّ !
وياسعيدُ !
ويا
ويا…
إني قطعتُ الكونَ من أقصاهُ ، كي آتي إليكم يا رفاقي
فَـلْـتُـفيقوا لحظةً
إني أتيتُ لكم بماءٍ سائغٍ من رأسِ رضوى
جئتُكُم بالرايةِ الحمراءِ
رايتِكُم
سأحملُها، وإنْ وهنتْ ذراعي …
“
لندن14/2/2014
لا تقلقي ..
وارمي إلى بحرِ النهار
صدرَ الدموع
في ليلهِ الذاوي الضَّمور..
الضِّيقِ
وامضي إلى نارِ الحياة
وعدًا خصيبْ
ينمو على خدِّ الرواء
.. الرائقِ
وامشي مع ضوءِ الفراس/
وعدِ السنا المُشِرِقِ
*
لا تقلقي ..
إني أرى حلمًا يضيءُ
من ناظريكِ
نهرًا طموح
ولتُشعلي .. ولتَشغلي
ولتُحرقي.
*
لا تقلقي ..
إنّ الحياة
تبغي الذي تمشي خُطاه
فوق الطريقِ الواثقِ
إنَّ الحياةْ ..
صبرٌ على عمر اللظى المُحْرِقِ
هزّي الجذوعْ
ولتطرقي باب الحياة ولتطرقي
ولتدخلي نورَ الكلام
ولتكسري صمت الليال
ولتهرقي كأس العذاب
وتعشقي
*
فلتطلقي
وهجَ الجناحْ
بين الخضمْ
.. ولتسبقي
خيلَ الذرى
ولتسكبي مُهَجَ الأَملْ
ولترتقي
ولتكتسي فتنَ الهوى
وعلى الشموسْ
عَلَمٌ طموحْ
فلتخفقي
مُرِّي إلى غيمِ الحديث
ولتهطلي
مطرًا على حُلُمِ المنى.. الرائقِ
مرّي إلى هام الندى/
خدِّ السماءِ الأزرقِ
إني أرى ريحانةً
مختالةً في زورقِ
إني أرى تسبيحهً
تدنو إلى ..
وردِ الضحى في رونقِ
إني أراكِ روعةً
طلاًّ على غصنٍ جميلٍ مورقِ
هذي الشموس..
من ثغركِ الداني إليَّ
فلتطلقي
زغرودةً تمشي إلى
نهر الهوى المتدفقِ
لا تقلقي ..
يا عذبةً .. ريَّانةً /
زهرًا ثوى في خافقي
أمضي إلى ضوع الشذا
في المطلقِ
لا .. لا
لا تقلقي
* * *
4 يناير 1996م
يصدر قريباً عن دار الدراويش للنشر و الترجمة – كاوفبويرن – ألمانيا
كتاب شعر بعنوان ( حافلة تعمل بالدخان و الأغاني الرديئة ) : محيي الدين جرمة
من الكتاب :
تعبت من المشي في الحلم،
لكنني سأظل أحلم،
كما اشتهي ترجمة الأشجار،
ابتكر مكانا جديرا بالحياة،
وأخاطب أمي بطفولة متأخرة :
نظراتك إلي
تشرح ألم الجهات،
يكفي أن تمري بدخان ما،
ليفوز الهواء بجائزة البيئة،
أنام على نعاس يديك،
وأستيقظ دهرا،
فلا أحس بالجوع،
بسبب يقظة الأرغفة الدافئة لمشاعرك
ستبقى الكويت صاحبة أعظم مشروع ثقافي عربي عُني بتقديم المسرح العالمي إلى القارئ العربي، سلسلة “من المسرح العالمي” الشهرية واحدة من بين الإصدارات الثقافية المتعددة، والتي تخرج من الكويت لتصل إلى كل مدن العالم العربي، بأسعار زهيدة جدًا، ربما تغطي ثمن شحنها فحسب.
على صعيد المسرح، ونحن اليوم في مناسبة يوم المسرح العالمي، الذي يصادف السابع والعشرين من مارس من كل عام، تجدر الإشارة إلى هذا المشروع الثقافي الكبير الذي انطلق في مارس 1971، عن وزارة الإعلام الكويتية، ثم استمر بعد ذلك بالصدور عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وقدم للقارئ العربي ما يزيد عن 420 مسرحية عالمية من مختلف الثقافات والحضارات والعصور والحقب، لأعظم كتاب المسرح منذ سوفوكليس ويوربيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم أشهر الكلاسيكيين من أمثال بيير كورني وجان راسين ووليم شكسبير، إلى كتاب المسرح الحديث، هنريك أبسن، أوجست سترندبرج، جورج برنارد شو، أنطوان تشيخوف، لويجي بيرندلو، وبرتولت بريشت ومئات من الكتاب الذين يمثلون مذاهب واتجاهات في الكتابات المسرحية، ومن مختلف القارات واللغات.
وإلى جانب قيمة النصوص المسرحية المنشورة، كانت السلسلة تصدر بأسلوب علمي محكم واشتراطات دقيقة، كالترجمة عن اللغة الأصلية للنص المسرحي، من قبل مترجم مختص معروف، ومراجع مختص في لغة النص وثقافته، بالإضافة إلى مقدمات نقدية تحليلية في إضاءة النص وكاتبه، وقد شكلت مادة مهمة للقارئ العربي الباحث في تاريخ المسرح العالمي واتجاهاته.

على المستوى المحلي كانت تصل بانتظام إلى كل منافذ بيع المطبوعات والأكشاك في عدن، بأسعار رمزية من قبل دولة الكويت ـ الشقيقة بحق ـ وثمن المسرحية في حدود ثمن كوب أو كوبين من الشاي فحسب!، وقد انقطعت هذه السلسلة قليلًا بعد احتلال الكويت، لكنها سرعان ما عادت إلى مكتباتنا من جديد مع بقية المطبوعات الكويتية.
هذه السلسلة للأسف قد انقطعت مرة أخرى منذ مارس 2015 عن مكتباتنا الخاوية، بسبب الحرب وانقطاعنا عن العالم والعصر، ونكوصنا العظيم! وفي ظل هذه التراجيديا القاسية التي تدخل فصلها الخامس، فيما خيوطها الدرامية أخذة في المزيد من التعقيد!!.
صدرت عن دار ثقافة للنشر والتوزيع الترجمة العربية لرواية الكاتب الكوري هوانغ سوك ـ يونغ، المعنونة EVENING STAR ترجمتها من الإنكليزية إلى العربية زينة إدريس تحت عنوان «نجم المساء»، عدد صفحاتها 254 وتمت المراجعة والتحرير في مركز التعريب والبرمجة في بيروت.
«نجم المساء» تدور أحداثها في الستينيّات، في لحظة زمنية تغيّب فيها تشون وصديقه إينهو عن دراستهما وذهبا للإقامة في كهف، ثم انطلقَّا في رحلة طويلة حول بلدهما؛ الذي كان لا يزال يعاني من آثار الاحتلال الياباني والحرب. وبالعودة إلى سيول، يستأنف الطالبان دراستهما مجدّداً، ويشكّلان مجموعة مع صديقهما الجديد، الرسّام تشانغ مو، ويمضون وقتهم في مقهى Mozart.
يبدأ تشون ومو رحلة تقودهما إلى جزيرة تشيجو، لكنّ مو يموت بمرض السلّ ويتمّ القبض على تشون بتهمة التظاهر. في السجن، يلتقي تشون بـ»الملازم» ويغادر معه للعمل في مواقع البناء وفي البحر. وذات ليلة صافية، يكتشف «نجم الكلب الذي ينتظر عشاءه»، المعروف أيضاً باسم الزهرة. أخيراً، وبعد رغبته في أن يصبح راهباً ونجاته من محاولة انتحار، تمّ تجنيده في الجيش. إنّها حكاية جميلة عن بلوغ سنّ النضج، تمزج بين الحبّ الأوّل والصداقات والبحث الروحي والرغبة في الحرّية، وتنتهي على نحو ساخر برحيل تشون، الشخصية الرئيسة، إلى فيتنام للمشاركة في حرب أمريكية لا مصلحة له فيها… ولا يعرف إن كان سيعود حياً أم لا…
ألّف محمد علي لقمان في حياته – ونشر – روايتين؛ الأولى رواية “سعيد” 1939ـ 1940، الثانية “كملا ديفي” أو “آلام شعب وآماله” مايو/آيار 1947. الروايتان أعادت دار عناوين بوكس نشرهما بمقدمة للناقد د.أحمد علي الهمداني الذي لفت إلى أن لقمان كتب في مذكراته تحت عنوان “الإسهام في تقدم عدن/ طبع أولى رواياتي/ كتابة تاريخ اليمن” في الحلقة “63” الآتي: “كتبت في عام 1940 ونشرت رواية أصف من خلالها حياة العدني، طموحه وتراجعه. وبيعت منها المئات من النسخ وسميتها “سعيد”. وكتب أيضا في مذكراته تحت عنوان “كملا ديفي/ مغامرة إلى الرواية” ما يأتي: “كملا ديفي هو الاسم الذي منحته روايتي التي نشرتها في مايو 1947″، “جاءني ذات مساء صديقي الأمير فضل عبدالقوي من لحج، روى لي بعض المظالم التي ينخلع القلب لها، فألهمني أن أكتب هذه الرواية القصيرة في 67 صفحة في تلك الأمسية. وفي اليوم التالي حملتها إلى المطبعة، فقرأها الأمير وتعهد بتكاليف الطباعة، ثم أخذ 1200 نسخة منها ومضى لتوزيعها، بينما بعت 1800 نسخة أخرى. وقد بيعت بشكل سريع”.
وأضاف الهمداني “على هذا النحو يحدد لقمان تاريخ كتابة روايتيه أو تاريخ الانتهاء من كتابتهما، أو تاريخ إصداره هذين العملين اللذين أدخلا لقمان في مضمار الريادة الزمنية والريادة الإبداعية. لكن معاصر لقمان وصديقه، ورفيقه في حمل مشاعل التنوير في مدينة عدن خاصة، وفي اليمن عامة، عبدالله يعقوب خان يؤكد أن رواية “سعيد” طبعت ونشرت عام 1939. وكتب خان “وقد فتحت مطبعة أخرى هي (مطبعة الكوكب) مع (مطبعة الهلال) إلا أنها لم تكن فيها أحرف عربية، فلم تدم إلا أمدا قصيرا، وذهبت غير مأسوف عليها. واشتراها عربي، وسميت بالمطبعة العربية، وهنا أيضا كان إبراهيم راسم أداة رقي الطباعة العربية، ولقد عمل بجهد ونشاط حتى لكأنه يحاول أن يقدح النار في مياه النيل، وقد خطا اليوم خطوة جديدة، وتعهد بطباعة جريدة محمد علي لقمان الأسبوعية “فتاة الجزيرة”، كما قام بطبع أول قصة “سعيد” في هذه المطبعة عام 1939″.
ورأى أن إشارة خان إلى عام 1939 أربكت الذين كتبوا عن الرواية، فمنهم من يرى أن عام 1940 هو زمن كتابة الرواية وإصدارها، تبعا لما ورد في مذاكرات لقمان، ومنهم من يرى أن عام 1939 هو زمن كتابة الرواية ونشرها، تبعا لما أورده عبدالله يعقوب خان. ومن هنا جمع بعض الباحثين بين العامين 1939ـ 1940على أنهما تاريخ كتابة الرواية ونشرها.
وقال الهمداني إن لقمان يحدد روايته “سعيد” بأنها “رواية أدبية أخلاقية تاريخية، وقعت حوادثها في عدن، ويهديها إلى رئيس نادي الإصلاح العربي الإسلامي بعدن “صديقي الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج اعترافا بما قام به من الخدمات الجليلة في سبيل الإصلاح”. ومن الواضح تماما الإشارة إلى أن الرواية طبعت في المطبعة العربية بعدن. وهو الأمر الذي يدل على صحة ما ذكره الراحل عبدالله يعقوب خان بشأن اسم المطبعة.
وأوضح أن لقمان كتـب في مقـدمة روايـة “كملا ديـفي أو آلام شعـب وآماله”: “وقعت حوادث هذه القصة في إحدى الولايات الهندية، وإن كانت الأسماء خيالية. وجنوب الجزيرة العربية بحاجة إلى من يضحي في سبيل النهوض بها إلى مستوى عال يرفع من قدرها. وفي هذا الجنوب الشيء الكثير من الإسراف والعبث بمصالح الناس. فلعل لنا في هذه القصة عظة، ولعل لنا في حوادثها عبرة!..”.
ويؤكد لقمان واقعية الروايتين، ويشير مباشرة إلى أن الهم الوطني- السياسي ـ الاجتماعي هو الذي يشغله في هذين العملين. وتتغلب فكرة الإصلاح الشامل في بنية المجتمع اليمني على ما عداها في الروايتين. هنا يبدو الاتجاه الإصلاحي والنهضوي في صورة واضحة لا غبار عليها. ولعل إهداء الرواية إلى “أمي… منك تعلمت الصبر على المكاره في سبيل كل غاية سامية”، يفسر الشيء الكثير مما تحمله هذه الرواية القصيرة. فهو يرى في المرأة رمز الصمود والتحدي، وعنوان التجاوز والتغيير. كما أن لقمان يرى أن “كملا ديفي” تعني “زهرة الآلهة” كما كتب ذلك في مذكراته، وهو تعبير هندي. والقصة هي مقاربة بين نظام الحكم الفردي للإدارة في ولاية هندية مستقلة، وحكم الأقلية في أرضنا”.

وقال الهمداني إنه على هذا النحو تصور الرواية الصراع بين الخير والشر في الحياة البشرية، وتفسر معاني انتصار الخير على الشر على امتداد الحدث أو الأحداث التي تلم بالشخصيات أو يلم بها الأبطال. الأفق التعليمي – الوعظي واضح ومفتوح على كل الاحتمالات في العملين، ولا يتحفظ المؤلف في الإشارة إلى ذلك في السياق الروائي، سواء كان ذلك في السرد أو الحوار، وتطغى أفكار لقمان وآراؤه على ما عداها، حتى تصبح الشخصيات لا هم لها سوى تنفيذ ما يخطط له الكاتب. يجتمع في هذين العملين الواقعي والمتخيل، الرومانسي والميلودرامي، والتأثري الانطباعي، وكل ذلك من أجل الاستيلاء على عقل القارئ وعواطفه، وتحريك مشاعره ليقوده المؤلف خلف مبتغاه، ومن أجل الإفصاح المباشر عن المضمون الذي يتجسد في انتصار الخير، والعدالة الاجتماعية، والسعادة الإنسانية على مستوى الأسرة والمجتمع، وعلى مستوى الخاص والعام.
وأشار إلى أن لقمان ترك أعمالا سردية أخرى، وكتب الأقصوصة وقد نشرت له مجموعة من الأقاصيص في الكتب الثلاثة الصادرة تحت عنوان “افتتاحيات ومقالات وأشياء أخرى من “فتاة الجزيرة”. ومن المهم الإشارة إلى أن المحامي لقمان كتب كذلك للمسرح، فقد ذكر عمر عوض بامطرف أن محمد علي لقمان “شكّل لجنة من أجل أن تشرف على إعداد قصة “صلاح الدين الأيوبي” للمسرح في عام 1929، وكان لقمان أول من كتب الفصول الهزلية التي قدمها كوميدي عدن المشهور عبدالقادر صالح وعبده عكبار، وأن لقمان قدم من تأليفه مسرحية “القائد المغرم” إلى “نادي الإصلاح العربي” في التواهي عام 1933″. وقد نشر الباحث عبدالله بن أحمد باوزير في كتاب “ندوة المناضل محمد علي لقمان/ رائد حركة التنوير في اليمن، المنعقدة في جامعة عدن من13 إلى 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2006” مسرحية للقمان تحت عنوان “الشاب السكير أو الخمر أم الكبائر”، وكان المحامي لقمان قد نشرها في صحيفة “العرب” الأسبوعية الصادرة في سنغافورة، عندما كان مراسلا لهذه الصحيفة، في العددين “62 و63″ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1932”.
وأكد الهمداني أن لقمان هو الرائد الأول في صناعة رواية يمنية تحـمل مزاج اليمن وملامحه المتـعددة، على وفق المألوف والمتعارف عليه في الرواية العربية منذ التأسيس حتى الأربعينيات. فلم ينشر أحد رواية في كتاب قبل لقمان داخل اليمن. ومن هنا أصبحت مدينة عدن هي الحاضنة الأولى للرواية اليمنية “لقمان -سعيد 1939 ـ 1940، كملا ديفي أو آلام شعب وآماله “مايو/آيار 1947″، “عبدالله الطيب أرسلان – يوميات مبرشت 1948، وربما غيرها لم تصل إلينا”. وما كتب ونشر خارج اليمن لا يعتد به، فهو يمثل البيئة والمجتمع والزمن الذي كتب هذا العمل أو ذاك في داخله.
ولفت إلى أن البنية الفنية في الروايتين بسيطة، غير معقدة، وتتحرك الشخصيات على وفق إرادة المؤلف، ولا تستطيع هذه الشخصيات التمرد على خطة الكاتب في ترتيب أفعالها وتصرفاتها، فهي طوع بنانه يوجهها حيثما يشاء، وفي أي وقت يشاء، ولا يحمل الحدث تعقيدا ما في تطوره وتصاعده وفي خفوته وانحساره، وفي تعرجه والتواءاته. تلك كانت بعض خصائص البدايات في صناعة الرواية العربية، وتلك ميزاتها التي عرفت بها، ولم يستطع لقمان أن يتجاوزها، وهو الذي كتب روايتيه على غير مثل أو شبيه في اليمن في تلك الفترة التاريخية والإبداعية.
وكنت قد كتبت في كتابي “دراسات في القصة اليمنية المعاصرة، الصادر في بيروت عن المطبعة العصرية، وهو من إصدارات وزارة الثقافة والسياحة في صنعاء، في عام 2004، وهو عام صنعاء عاصمة للثقافة العربية، ما يأتي: تعتمد الأقصوصة في المرحلة الأولى “من التأسيس حتى أواخر الستينيات” على البنية الحبكية القديمة “البداية، الوسط، النهاية”، وعلى الحدث الخارجي المباشر، كما تتكئ على التقريرية والمباشرة، وتلجأ إلى الخطابة في بعض الأحيان. تقف الأقصوصة في هذه المرحلة على الحادثة المباشرة، وعلى الفعل المباشر، وتقوم على السرد المتواصل، ولا يدخل الحوار في البناء الفني للأقصوصة إلا في النادر، ولا يؤثر في قليل أو كثير على مسارها المعماري إذا وجد. ولا تخرج مواضيع الأقصوصة في هذه المرحلة عن مجرى الحياة اليومية العادي والرتيب؛ وهي لا تتعمق في قضايا الوجود الكبرى، ولا تبحر في أعماق القضايا التاريخية الاجتماعية إلا في النادر، وإذا حدث شيء من هذا فإنها لا تحقق نجاحات هائلة في تقديم تعميمات واسعة، وخلق نماذج فنية مدهشة.
ويبدو أن كل هذا ينطبق على كل البنى السردية، ومنها الرواية في مرحلتها الأولى؛ مرحلة التأسيس.
وختم الهمداني أنه من المهم أن يقرأ القارئ هذين العملين الرائدين في الرواية اليمنية في القرن العشرين، ليعرف أن ريادة لقمان كانت زمنية وإبداعية على السواء، وأن لقمان هو الذي سنًّ للكتاب طريق الرواية في اليمن.
محمد الحمامصي
في مكان ما . رقصت تحت قرص الشمس ،غرست قدميها في الرمال المحمصة ،تمايلت منتشية،و بحركة دائرية صنعتها بفستانها الأبيض المزركش بالورود الصغيرة والكبيرة زرعت بساتين من الورد حولها.كانت قد وضعت حذاءها الأبيض اللؤلؤي بعيدا عن أمواج البحر الجائع . لكنها لم تنتبه فقدانها للمكان الذي وضعته فيه ؛ إلا بعد عشر رقصات. عاجزة تماما عن التذكر رغم حرصها الشديد عليه ،قد نسيته عند لحظات الفرح ،انساب بكل بساطة من ذاكرتها كما لو كان شيئا شديد التفاهة.تحاول تذكر المكان بشتى الطرق من دون جدوى ؛وكأن أحدهم قد أطفأ ذاكرتها في تلك اللحظة بالذات .
لاشيء الآن على سطح ذاكرتها سوى رمال محمصة ،وقرص شمس مبتسم و أمواج بحر جائع أو غاضب ، والكثير من القواقع العابسة والنوارس التي بدت لها مريبة لسبب ما لم تستطع تفسيره .
-أين وضعته ساعديني أيتها النوارس
المريبة أرجوك ؛ قالت لنفسها. هل قرر أن يصبح قوقعة عابسة ؟ أم عساه اتسخ بشيء ما فجرته إحدى السرطانات اللطيفة إلى البحر لتغسله؟
لكن متى كانت السرطانات لطيفة !؟
*
شعاع مشاكس يتسلل من النافذة الصغيرة والوحيدة في غرفة المستشفى،يقترب من عينيها،يدخلهما ،شيئا فشيئا..،وهج حذاءها الأبيض المتلألئ هذا كل ما تراه عيناها المغمضتان.
يقول الطبيب :
-كل شيء على ما يرام قد تجاوزت مرحلة الخطر .
قالت الخالة :و دموعها تغسل وجهها مرارا وتكرارا هذا يعني أن من الممكن أن تستيقظ صغيرتي في أي لحظة
كم هو قليل حظك في الحياة يا ابنتي ! وراحت تكمل نحيبها الذي بدا في تلك اللحظة أنه لن ينتهي .
أومأ الطبيب برأسه وقال بصوت حازم : ستكون بخير عليك أن تتماسكي وتصبري ؛وكأنه يقول بملء صوته: انظري لكل هؤلاء الجرحى والمرضى واشعري بالحزن لاجلهم . يأس وبؤس ومآس متشابهة وهذا كل عزائنا .
*
على إحدى الصخور البحرية ؛ كحورية تنتظر قدوم أميرها وجدته ، لبسته على عجل و راحت تركض والنوارس تزفها بطريقتها الخاصة،كانت تشعر بأن النوارس مهتمة لأجلها كما لو أن علاقة عميقة وقديمة تربطهما.
المطار هو وجهتها،إنها عروس والفرحة لا تسعها ،وكل من في هذه المدينة الحزينة سيبتهج لأجلها في هذا اليوم ، وأخيرا سيبتسم لها القدر، وأخيرا ستلتقي بشريك حياتها على أرض لا تعرف الأحزان ،أرض لم تشرب الدم حتى التقيؤ ، أرض لم يكن ثوبها الوحيد هو الأسود . تسير نحو حلمها كراقصة محترفة ،تؤدي رقصة على وقع موسيقى (بحيرة البجع) ، بضع خطوات، بضع معاملات ،وبعض صبر يفصلها عن سعادتها التي طالما تمنتها .
*
في صالة المطار مسافرون كثر يتهيأون لقاء أحلامهم، لكل منهم حلمه الخاص وحكاية وصوله الخاصة .جلست بالقرب من زجاج فاصل بينها وبين ساحة المطار،تراقب هبوط الطائرة
بتمعن،إنها الطائرة التي تحمل الحكومة الجديدة؛ أملهم الأخير ومحاولتهم الألف للسلام .
-أيتها الطائرة ، تأخرت كثيرا قالت محدثة نفسها.
قد أكلت الحرب كل شيء ،أبي،أمي إخوتي، منزلنا ،شارعنا ، لم يتبق شيء يستدعي البقاء،الحرب بشعة جدا وشرهة كثيرا، وهذه البلد تلفظنا كلما دخلناها. إنها لاتحبنا مهما أحببناها هي لاتحب أمثالنا ،لم يتبق لنا شيء أيتها الطائرة ووصولك الآن لا يعنيني .
في ساحة المطار* تجمعوا كالنمل ، يزفون ملكتهم بحفاوة ، صحفي يسجل كل صغيرة وكبيرة ،مصور حريص كل الحرص أن لا يفوت. عدسته وجه من الساسة ، سياسيون بريش منفوش يتبخترون من شاشة لأخرى، وحدهم الجنود كانوا مسامير منسية وثابتة على ساحة المطار.
*
ببطء حركت عينيها، تمسح بنظرها أرجاء الغرفة . جدران وأرضية بيضاء و شاحبة ، سرير بارد بغطاء و وسادة بيضاء وباهتة ، نافذة صغيرة و وحيدة يتسللها شعاع مشاكس يداعب قدميها العارية من تحت الغطاء ،رن صوت صغير في رأسها صوت كانت تعرفه جيدا ،إنها النوارس كانت في داخلها وفي كل مكان طوال الوقت !، همست النوارس :
-إنه تحت السرير !
-من تكونين أيتها النوارس ؟!
-نحن جميع من أكلته الحرب في هذه البلدة الحزينة ! .
حاولت النهوض مسرعة لكن قدميها لم تطيقا حملها، قدماها لم تعودا موجودتين أساسا ؛ قد أكلت الحرب قدميها؛ عندما كانت تلتهم ساحة المطار بشراهة.
سقطت من على السرير ارتطمت بالأرضية ، صرخت بهلع ؛كان حذائها تحت السرير !.
*
وحدها النوارس كل صباح تسمع وقع حذائها على أرضية صالة المطار ، فتأخذ بالتمايل والدوران، تهبط وترتفع مع كل خطوة تخطوها العروس إلى الأمام ؛ بقدمين راقصتين تؤدي بحيرة البجع وفستان أبيض مزركش بالورود الصفيرة والكبيرة وحذاء قد طلي بدماء الجنود المنسيين لساحة المطار !.
*حادثه محاولة تفجير طائرة مجلس الوزاره في اليمن.. عدن30/12/2020
يصدر عن “دار عناوين للنشر” قريبآ في جمهورية مصر العربية، كتاب تحت عنوان “نقد الشعر اليمني المعاصر” للدكتور/ مبارك سالمين أستاذ علم الأجتماع الثقافي بجامعة عدن في اليمن.
وقال د. سالمين أن الكتاب يتصدر بحث أدبي في ميدان (نقد النقد) وهو محاولة قمت بها لسببين: أولهما أدبي وثانيهما, أكاديمي, والسبب الأدبي رغبتي الأكيدة في المساهمة في حقل من حقول الأدب المهملة نسبيا, وهو حقل النقد وبالذات ( نقد النقد ) واما السبب الأكاديمي فيتمثل في تقديم مساهمة متواضعة لتنبيه طلاب الدراسات العليا من خطورة الوقوع في شرك المدرسة –المنهج، عند اختيارهم المناهج المؤطرة لأبحاثهم.
وأوضح الدكتور/ مبارك في تصريح صحفي بهذا الصدد أنه يجب ان يختار الباحث منهجه القرائي بالإستناد الى درجة ملامته للأثر الأدبي المراد دراسته، لافتآ ان هذا الأمر يتطلب من ا لباحت ان يقرأ ويستوعب ويتمثل، ثم يختار منهجه ليكتب نصه الموازي للأثر الادبي.
وعبر د. مبارك عن اعتقاده من أن هذه الطريقه هي: خطوة تقلل كثيرآ من أحتمال الوقوع في شرك المنهج – المدرسة. وحبائلها. ونوة باختياره للناقدين الدكتور سعيد سالم الجريري، والأستاذ عبدالرحمن ابراهيم، في هذه المحاولة التطبيقية، عندما تطرق إليهما في الكتاب، واصفآ ذلك الذكر الا من باب توجيه التحية لهما فقط.
وبين محتوى الجزء الثاني من الكتاب الذي هو عبارة عن مجموعة من المقالات المتنوعة في ميدان علم الإجتماع الثقافي ومجال الأدب ( ملاحظات سريعة )_ متبوعة ب ” بانوراما” ومقالات عن اليمن وعدن، مختومة بعدد من المقالات تحية لجمهورية مصر العربية, كونها الأم التي احتضنت الكاتب أثناء مرحلة التفرغ العلمي في جامعة أسيوط، وهي الفترة التي كتب فيها معظم المقالات المنشورة في هذا المصنُف الرائع، حيت كتبها في مصر ورتبها تنضيدآ وتبويبآ في المبروكة مدينة “عدن” .

د. مبارك سالمين
وتمنى في ختام تصريحه أن يجد القارئ في الكتيب قسطآ ولو يسيرآ من المتعة والفائدة، التي فقدناها في وطننا، بسبب نتائج أستمرار الحرب القاسية على مدى هذه السنوات.
نبيل غالب
