استعراض الأقسام

حوارصفحة

كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟
– بدأت حكايتي مع الترجمة حينما بدأتُ أستمتع بروائع الأدب العالمي التي قرأتها وأثّرت بشكل كبير على حياتي الشخصية وألهمتني. بدأت حينها في التفكير بترجمة بعض هذه الروائع الأدبية كي أتقاسم هذا الإحساس الفريد الذي يكاد يكون نوعاً من النيرفانا مع قارئ مفترض تعذّر عليه بسبب عائق اللغة الاستمتاع بتجربة إبداعية تغوص في عمق الوجود البشري.


ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
– آخر ترجمة نشرتها هي كتاب “المطر القديم”، وهو مجموعةُ قصائد للشاعر الأفروأميركي بوب كوفمان، وقد نشرتها “دار الرافدين”. كانت تجربة فريدة من نوعها لأنّ كوفمان ليس شاعراً يسهل نقل شعره، بصوره الغريبة وتعابيره السريالية وإيقاعه، إلى اللغة العربية. كانت تجربة مهمّة بالنسبة إليّ، لأنها مكّنتني من الاطلاع على خطاب مختلف يسخر من اللغة نفسها ويتلاعب بها ويفكّكها، وهي سمة تَميَّز بها كوفمان الذي كان يحب صياغة مفرداته كما فعل في “عزلة مكتظّة بالوحدة”. 

سبق أن أنجزتُ كذلك ترجمات للشاعر الأميركي مايكل روتنبرغ “حبس لأجل غير مُسمى” (دار أروقة)، وكانت تجربة مهمّة أيضاً لأنّ شعره يجمع بين الكلام المتداوَل وسخرية بعض كتّاب “جيل البِيت” (Beat Generation، وهي حركة ظهرت في خمسينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة قادها كتّاب ضد المؤسسة وقيم الرأسمالية ودعت إلى التجديد في الشعر ــ ملاحظة من المحرر)؛ من أمثال فيليب ويلن، وجوان كايغر. هذا بالإضافة إلى أنطولوجيا “أميركا أميركا: مختارات من شعر جيل البِيت” أنجزتُها منذ عامَين وتضمّ مختارات من قراءاتي لدواوين مختلفة لكتّاب “جيل البِيت”، وقد نشرتها “دار أروقة”. 

الآن، أنا أترجم روايتَي “تريستيسا” و”متسكّعي الدارما” لجاك كيرواك، بالإضافة إلى سيَر ذاتية لكيرواك وأنطونيو غرامشي؛ وهذا بناءً على اختياراتٍ شخصية لها علاقةٌ بالكتّاب الذين تأثّرتُ بتجاربهم الفريدة في الحياة، بالتزامهم وإيمانهم بالتغيير، هؤلاء الكتّاب الذين ألهموني بجمالية أعمالهم وتفكيرهم الذي يدعو إلى الاختلاف والانفتاح على الآخر واستكشاف جغرافيا أُخرى من أجل تحقيق الحرية لجميع مكوّنات المجتمع.


ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟
– تتعلّق العقبة الأولى بصعوبة إيجاد ناشر يهتمّ بنشر أدب مترجَم مخالِف لما هو مألوف ومتداوَل في الأسواق. معظم الناشرين يبحثون عن ترجمات لكتّاب أجانب مرموقين، كتّاب حقّقوا شهرةً على المستوى الدولي بمبيعات خيالية وحصلوا على جوائز معروفة أو جرى تحويل كتبهم إلى أفلام سينمائية حقّقت مشاهدات خيالية. يبدو لي أنَّ الناشر العربي اليوم يرضخ في غالب الأحيان إلى ما يمليه عليه اقتصاد السوق، لأنّه يأمل أن يُحقّق أرباحاً مِن خلال المبيعات. هكذا يصبح، للأسف، الرأسمال الفكري والثقافي سلعةً يُحدّد قيمتَها وثمنها طلبُ سوقٍ لا تلتزم بأخلاقيات الإبداع ولا تحترم المترجِم.

ثانياً، هناك عائق كبير له علاقة بالحفاظ على حقوق المترجِم؛ فبعض الناشرين لا يُؤدّون مستحقّات الترجمة ولا يلتزمون بتحديد عدد النسخ المطبوعة والمتوفّرة في الأسواق، ومعظمُ بنود عقودهم مجحفةٌ في حقّ المترجِم الذي يضطرّ في النهاية إلى قَبول ما يُمليه ضمير الناشر عليه، لأنّه يودّ فقط أن يرى كتابَه متوفّراً في الأسواق ويتقاسم لذّة القراءة مع قارئ مفترَض يتقاسم معه نفس آفاق الانتظار. هناك عائقٌ آخر له علاقة بعدم توفر جوائز تشجيعية كافية تمنح خصيصا للمترجم، أو بتقاسم مع المؤلف، يمكنها أن تكافئ أو تعوض المترجم على المجهود والوقت اللذين كرسهما لنقل عمل ما إلى اللغة العربية أو غيرها، كاعتراف وتنويه بسعيه كناشط ثقافي.


هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
– نعم، أقوم شخصياً بعرض ومناقشة ترجماتي على كتّاب ومترجِمين وشعراء وأساتذة متخصّصين في المجال، كما أستشير المؤلِّف نفسَه حينما أجد لبساً في بعض العبارات أو المصطلحات، كما أنّني أتواصل شخصياً مع محرِّرين من دور نشر أجنبية (“نيو دريكشنو” و”سيتي لايتس” مثلاً) وأصدقاء لبعض الكتّاب الذين ما زالوا على قيد الحياة، كما هو الحال مثلاً حينما تواصلتُ مع محرِّر بوب كوفمان، الصديق ريموند فوي، والصديق مايكل روتنبرغ حينما تعلّق الأمر بترجمات فيلب ويلن. وفي بعض الأحيان أتواصل مع بعض أفراد عائلات الكتّاب الذين أشتغل عليهم أو أزورهم كما حدث عندما زرتُ أمينة بركا، زوجة الشاعر الكبير أميري بركا، في مدينة نيووارك بولاية نيوجرسي، مستفسراً عن بعض تفاصيل حياتهما وعلاقتهما بـ “جيل البِيت” و”حركة الفن الأسود”.


كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
– علاقتي مع الناشر مبنية على الاحترام المتبادَل ويحكمها التواصل البنّاء خلال مراحل الترجمة وإعداد العمل للنشر. في بعض الأحيان، أقوم باقتراح عنوانَين لأعمال أحببتها وأثّرت فيَّ شخصياً. هذه الأعمال، سواء كانت فكرية أو خيالية، تتميّز بكونها تحمل فلسفة في الحياة وتجسّد نمط حياة يستحقّ أن يتبنّاه كلّ قارئ يفترض أنّه يتطلّع إلى معرفة الذات والآخر ويسعى إلى تحقيق تغيير إيجابي لظرف إنساني مُزرٍ. وفي فترات أُخرى، يقوم الناشر باقتراح أعمال للترجمة أقبلها إن كانت تتّفق مع ميولي وطموحاتي ومبادئي الشخصية التي تنظر إلى الأدب والفن بشكل عام كميثاق، كوسيلة للتغيير والرفع من وعي الناس.


هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك الأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
– أعتقد أن كلّ عملّ أدبي أو فني ينشأ من فكرة أو مبدأ يكون سبباً في إخراجه إلى الوجود الذي يفكّر داخله ويسعى إلى فهمه، وبالتالي إلى تغييره من الأسوأ إلى الأحسن. وهكذا يستحيل ألّا تحضر اعتبارات سياسية في الكتابة والترجمة، على الأقل هكذا أنظر إلى الأمر من وجهة نظري. لا أريد أن أتحدّث عن حضور نوع من الأيديولوجيا المتأصّلة في كلّ محاولة للإبداع والترجمة، ولكن بالأحرى حضور انشغال بالظرف الإنساني الذي لا يمكن أن يغفله كلّ مترجم واعٍ بدوره كناقل لتجربة إنسانية مثالية. في كثير من الأحيان أميل إلى ترجمة أعمال أدبية وفنية ملتزمة تسعى إلى قلب موازين الثقافة والفكر السائد في مجتمع يخوض في إشكاليات عقيمة.

سيرة ذاتية عن المترجم
شاعر ومترجم وباحث مِن مواليد أكادير عام 1985، حاصل على دكتوراه من “جامعة محمد الخامس”. مِن ترجماته: “أميركا أميركا: أنطولوجيا جيل البيت” (2018)، و”حبس إلى أجل غير مسمّى: قصّة كلب” (2019) لمايكل روتنبرغ، و”المطر القديم” لبوب كوفمان (2020). أصدر مجموعتَين بالإنكليزية: “الآن ستعلم السيّدة جونس: قصائد ثائر يائس” (2015)، و”جروح نتنة محنّطة بالقطران” (2020).


كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجِم له؟
– تكون في أغلب الأحيان علاقةَ صداقة حميمية متبادَلة وتقاسُم للعبء الوجودي، فكثيراً ما يسبق فعل الترجمة فعلَ تواصل يتجاوز الأمكنة والأزمنة نبوح فيه بالأسرار، كما أنه يتحوّل في أحيان أُخرى إلى نقاش حاد للإشكالات والإخفاقات التي نواجهها، يعقبه تصوُّر ما يمكن أن يكون بديلاً مِن خلال العملية الإبداعية والترجمة.


كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
– كما سبق أن ذكرت، أنا أميل إلى ترجمة كتّاب أتقاسم معهم حساسيات جمالية وفلسفة عن الوجود ونمط حياة ينبني على مبادئ إنسانية تدعو إلى الإيمان بالاختلاف ونشر الوعي من خلال الأدب والفنون. فبالضرورة أتأثّر بأسلوب الذين أُترجمهم – مثلاً ديواني الأول والثاني باللغة الإنكليزية يُبين عن تأثّر ملحوظ بأسلوب “جيل البِيت” وتكتسيه مواضيع لها علاقة بفلسفتهم. عندما يكون الفرد مؤمناً بالعمل ويتقاسم نفس الانشغالات الوجودية مع الكاتب أو الجماعة، فبالضرورة يخلق انسجاماً وتناغماً في قرارة نفسه بين الكاتب والمترجم.


كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
– هي قليلة جدّاً وغير كافية ولا أعلم عنها الكثير، ولكن أتمنّى أن تتوفّر للمترجِمين فرص للإقامات الفنية وتُتوَّج مجهوداتهم بقليل من الاعتراف يسمح لهم بأن يشتروا كتباً أُخرى ليترجموها.


الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
– ليست لدي معلومات عن الترجمة المؤسّساتية فأنا لم أشتغل مع أي مؤسسة تهتم بالترجمة. أتمنّى أن تَحترم حقوق المترجم وتكافئه على مجهوداته.


ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
– لا أحد يستطيع اليوم أن ينسلخ من الصورة النمطية التي تنظر إلى الترجمة باعتبارها خيانة، وهو وصف يرتبط في كثير من الأحيان بمساع أيديولوجية محدَّدة تكون بعيدةً كلّ البعد عن نبل وسموّ الأدب والفن والكتابة الإبداعية. إن الترجمة، بالنسبة إليّ، تهدف بالأساس إلى تحقيق الانسجام بين الحساسيات الجمالية للمترجم والكاتب والمتلقّي في الآن نفسه، ولذلك لا أميل إلى ترجمة أيّ نص نثري أو شعري حتى أحس بأنه يُبين عن سمة كونية وحساسية جمالية سامية يمكن الكشف عنها وتقاسمها مع جماعات من القرّاء يمكنهم أن يتفاعلوا معها ويتولّد لديهم إحساس مشترك بتمازج آفاق الانتظار.

وبهذا المعنى ففعل الترجمة لدي، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالشعر، يتطلّع دائماً إلى أن يُصبح إبداعاً ملتزماً خلّاقاً يحرّك رغبةً بشرية كامنة في تغيير الظرف الإنساني. وهكذا تُصبح الترجمة فعلاً وجودياً أوبالأحرى مسألة بقاء من المنظور التفكيكي إن أردنا أن نستعير كلمة survie من دريدا للدلالة على بقاء الفرد بعد كارثة وما يتحمّله من مسؤولية في التعبير والكلام من خلال أعماله التي تبقى إلى الأزل بعد رحيله من خلال الترجمة، مانحة المبدع حياة مضافة sur-vie يمتدّ فيها وجوده من خلال العمل الإبداعي الذي يتجاوز في الأخير مؤلفه.

كثيراً ما تُطرح أسئلة لها علاقة بمواضيع نظرية تحوم حول إمكانية أو تعذُّر ترجمة الشعر في علاقتها بجدلية التركيز على الشكل أو المضمون، غير أنّني لن أتطرّق إليها في هذا السياق، فما يشغلني في المقام الأول هو الالتزام العاطفي الذي يربط المترجِم بالنص المترجَم عندما يتعهّد المترجم بترجمة قصيدة معيّنة يتقاسم من خلالها قيماً ومبادئ وأحاسيس وتطلّعات إنسانية مشتركة. بالرغم من أنه لا يمكن أن نُنكر بأنّ ترجمة عمل أدبي ما أمر محبط في كثير من الأحيان، لأنّ المترجم لا يستطيع أبداً إعادة إنشاء النص الأصلي بكل عظمته، ويرجع ذلك إلى طبيعة اللغات الإنسانية التي لا تشترك في نفس “الرموز” اللغوية و”الأصوات” و”أنماط القصدية”.

أنا أميل أكثر إلى تقاسم رؤية فالتر بنيامين الذي يرى أن الترجمة لا تتعلّق بـ”فقدان” شيء ما؛ على العكس من ذلك، هي وسيلة لـ”كسب” شيء ما من خلال إنشاء نصّ لن يكون نسخة باهتة للأصل، ولكن ستكون له القدرة على “تنسيق” النوايا المتضاربة أصلاً من خلال تحويل لغة الترجمة للإفراج عن لغة “أكبر”. مهما حاول المترجم أن يتقن عمله، تبقى الترجمة، حسب بنيامين، شيئاً مؤقّتاً لأنه “في حياته الآخروية […] يخضع الأصل للتغيير. حتى الكلمات ذات المعنى الثابت يمكن أن تخضع لعملية نضج”، وفي غضون ذلك “يطرأ أيضاً تغيير في اللغة الأم للمترجم”. لذلك “فما بدا حديثاً ذات مرّة قد يبدو مخترَقاً في المستقبل”.


كتاب أو نصٌّ ندمت على ترجمته ولماذا؟
– إلى حدود الآن، لم أندم على ترجمة أيّ نص وأتمنّى ألّا يحدث ذلك في المستقبل.


ما الذي تتمنّاه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟
– أتمنّى أن تتوفّر للمترجم الظروف المثالية التي تسمح له بممارسة فعل الترجمة في جو ديمقراطي يسود فيه احترام الكرامة الشخصية ويتم فيه صون حقوقه، كما أتمنّى أيضاً أن تخلق المؤسّسات المسؤولة عن العمل الثقافي والحركية الثقافية والفنية داخل الوطن وخارجه موارد وفرصاً تُشجّع الترجمة وتجعلها ضمن أولويات سياساتها وتخطيطاتها.

عن العربي الجديد

تعمل الدكتورة ميساء الخواجا أستاذاً مشاركاً في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة الملك سعود في الرياض، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها.
وفي هذا الحوار الذي أجريناه معها عبر وسائل التواصل، بسبب إجراءات التباعد التي فرضتها جائحة كورونا، تتحدث عن القصيدة الحديثة التي ترى أنها تتطلب «قارئاً مثقفاً قادراً على أن ينسلخ من ذاكرة القصيدة العمودية»، وتتناول معاناة المرأة التي «تحمل إرثاً كبيراً من التهميش والسلطة الذكورية»، كما ترى أن سلطة المجتمع لها هيمنتها بصورة مضاعفة على المرأة الكاتبة، لا سيما حين تدخل في منطقة «التابو» وتتناول المحرم… ولذلك؛ كما تقول، تلجأ بعض الكاتبات للنشر باسم مستعار، كوسيلة حماية من سلطة الثقافة وسلطة المجتمع. هنا نص الحوار:

> ماذا يعني لكِ «الغموض» في التجربة الشعرية الحداثية…؟ لماذا تميلين للقصيدة التي تحتوي على قدر من الغموض، كما كتبتِ مرة؟
– الغموض هو حالة شعرية في الأساس، وفي رأيي أنه يرتبط بتكثيف اللغة والصورة. اللغة الشعرية تحمل قدراً من الانزياح عن اللغة العادية ونوعاً من لعب الدوال الذي ينشئ عالماً خاصاً بالقصيدة، كما تحمل ميلاً إلى بناء الصورة وفق عالم الشاعر الخاص، وهو عالم قد لا يتفق بالضرورة مع عالم المتلقي أو مع وعيه وإدراكه. ومن تعارض هذه العوالم قد تنشأ حالة من الغموض التي تتطلب إعادة القراءة لفك شيفرات النص وملء فراغاته. وقد وجدت نفسي أميل إلى هذا النص المراوغ الذي لا يسلم قياده بسهولة، النص الذي يثير نوعاً من التحدي في كشف طبقاته والغوص إلى عوالمه.
> أليست هذه الرؤية قريبة من الصورة الرمزية في شعر أدونيس، الذي يقول «أنا مع الحلم، أريد أن تكونَ القصيدة حلماً»؟
– قد ألتقي مع أدونيس حين يطلب ألا تكون القصيدة حاضرة أمام القارئ كالرغيف، لكني في الوقت نفسه لا يستهويني النص الذي يتحول إلى أحجية ولعب لغوي لا يصل إلى شيء. دوماً أرى أن هناك منطقة من الظلال التي يلتقي فيها القارئ والنص لينشأ بينهما حوار يعيد فيه القارئ كتابة النص مرة أخرى وتتحول القراءة إلى شيء منتج وفعال وممتع في الوقت نفسه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغموض ليس هو المقوم الأول والوحيد في شعرية القصيدة، فهناك قصائد تستمد شعريتها من التفاصيل ومن مفردات الحياة اليومية، وتلك لها جمالياتها الخاصة بها التي يصعب تجاهلها أو إنكارها.
> قلتِ إن القصيدة الحديثة تتطلب «قارئاً مثقفاً قادراً على أن ينسلخ من ذاكرة القصيدة العمودية»، علماً بأنك لاحظتِ أن «الذاكرة الثقافية تساعد متلقي القصيدة العمودية على فكّ شفراتها»… هل تختلف آلية تلقي النصّ القديم عن آلية تلقي النصّ الجديد؟
– نعم، القصيدة الحديثة تتطلب مثل هذا القارئ المثقف، فهي قصيدة تمتلئ بمحمولات كثيرة وتماس مع ثقافات متعددة، وفي الوقت نفسه تعتمد على لغة مراوغة وصورة شعرية لا تبنى وفق مفاهيم البلاغة المألوفة. ولا ننسى أيضاً وجود قصيدة النثر التي تهدم الذاكرة الثقافية المألوفة عند متلقي الشعر العربي القديم، فهي أيضاً تعيد صياغة مفهوم الشعر وفق مقاييس قد لا تتقبلها تلك الذاكرة. هذا كله يتطلب قارئاً مثقفاً وقارئاً قادراً على فهم التحولات وتقبل الحوار مع المفاهيم التي تناقض ذائقته الشعرية.
صحيح أن الذاكرة الشعرية تساعد متلقي القصيدة العمودية على فك شفراتها، فهي تضعه في المنطقة المألوفة والمريحة، وتمده بآليات القراءة والتفاعل أيضاً. لكن تلك الذاكرة ستصدم بما هو أقرب إلى هدم مفاهيم الشعرية المألوفة كأن يُطلب من المتلقي أن يتفاعل مع شعر يخلو من الوزن، أو مع لغة تفرغ الألفاظ من دلالاتها، وصور تحاول التواؤم مع تناقضات العالم كما يراها الشاعر. عندها يجد المتلقي نفسه خارج تلك المنطقة المألوفة ويضطر إلى إعادة صياغة مفاهيمه ليتمكن من تلقي تلك القصيدة أو تذوقها.
الشعراء الشباب
> كيف ترين أثر «التجريب» في أعمال الشعراء الجدد؟ هل هو محاولة انفتاح على المدارس الغربية؟
– التجريب في أعمال الشعراء الجدد يأخذ جوانب مختلفة، ولا أستطيع أن أحيله بشكل مطلق على الانفتاح على التجارب الغربية، لكن أيضاً لا أنكر تأثير الاطلاع على النماذج الغربية وهيمنة نمط معين من القراءات على تجربة الشعراء الشباب. لاحظت من خلال قراءتي لعدد من التجارب حضور لأسماء شعرية غربية معينة، إضافة إلى حضور ثقافات فكرية تحيل في جزء منها إلى من عرفوا بأساتذة اليأس، وكان لهذا أثره في هيمنة ثيمات معينة في تجارب عدد من أولئك الشعراء الشباب.
لا يعني هذا أن كل الشعراء الشباب قد أخذوا هذا المنحى الكتابي، كما لا يعني أيضاً الحكم على تلك الأعمال بالضعف والتراجع الفني بقدر ما يعني بروز ملامح قد ترجع إلى هيمنة ثقافة العولمة والتكنولوجيا ونوع من التأثير الفني والفكري لشعراء وفلاسفة غربيين.
> قلتِ إن الظاهرة الشعرية الجديدة، أسفرت عن «تراجع الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير»… و«غياب الصوت الإنساني الجمعي، وتراجعه إلى خلفية المشهد الشعري، مع تراجع دور المثقف الفاعل والإيمان بقدرة الإنسان على التغيير. لقد بدت النصوص وكأن أصحابها لا ينتمون إلى مكان أو زمان محددين»… ماذا يبقى من الشعر إذا تمّ تجريده من فردانيته وذاتيته؟
– كما تحدثتُ سابقاً، عن هيمنة ثيمات العزلة والانقطاع عند عدد من الشعراء الشباب، وتراجع دور المثقف في تجربة بعضهم. وفي رأيي، أن هذه السمات تعود بالشعر إلى الذاتية، لكن بصورة تختلف عما طرحته بعض الاتجاهات السابقة كالرومانسية مثلاً. إنها عودة إلى الإيمان بالفرد وإلى انعزاله في عالمه الذاتي وغياب الجمعي كما ذكرت. هذا يخلق عالماً شعرياً تدور فيه الذات حول نفسها ولا ينفي ذلك الشعرية عن ذلك العالم. الشعر فضاء فسيح ويصعب تحديده بمنطقة دون أخرى، أي أننا يصعب أن نربط الشعرية فقط بالحديث عن الجماعة وإحداث التغيير، كما يصعب أن نربطه بالتعبير الفردي عن العالم الحميم والفضاءات الخاصة بالشاعر فقط؛ فالأمر منوط بآليات الكتابة وكيف تقدم القصيدة نفسها للمتلقي.
> قلتِ أيضاً «إن المشهد الشعري قد أخذ يشهد تحولاً صوب الهامشي والعرضي»، ومع ذلك، كما أشرت، فإن ما يكتبه الشعراء الشباب في الخليج العربي يندرج في إطار التحولات الكبرى التي يشهدها العالم (…) واستجابة للتحولات السريعة التي تمر بها أوطانهم»… ألا يوجد تناقض بين الرؤيتين؟.
– لا تناقض هنا؛ فالهامشي والعرضي هو جزء من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، فهناك أصوات تتعالى ضد قوانين الهيمنة وثقافة المركز، وترى أن المهمش له دوره وصوته الذي لا يقل أهمية عن صوت ما عرف بالمركز.
– المرأة والكتابة
> ما هو الاختلاف بين ما تكتبه المرأة عما يكتبه الرجل…؟ هل يمكن التسليم بوجود أدب نسوي له سماته الخاصة؟
– ما زال هذا الأمر يشكل اختلافاً كبيراً عند دارسي الأدب النسوي إلى الآن، وأنا لم أجد – بشكل دقيق – معجماً خاصاً يمكن أن تستخدمه المرأة عند الكتابة فيميز لغتها عن لغة الرجل، كما أني لا أتفق مع من يقولون إن المرأة تكتب عن عالمها الخاص وتجربتها الأنثوية بشكل أكثر دقة من الرجل، فالأدب تخييل في المقام الأول، وهناك أدباء رجال كتبوا عن عوالم المرأة بشكل عميق. هناك أدب تكتبه المرأة وآخر يكتبه الرجل ولا أحبذ تقسيم الأدب وفق جنس المبدع، لكن دراسة سمة معينة في الروايات التي تكتبها المرأة أمر مشروع نقدياً دون أن يعني التراتبية بأي شكل من الأشكال.
> يلاحظ الدكتور عالي القرشي، في دراسة له حول القصيدة الجديدة، أن «من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية التي تجد دعماً لها في التبني الاجتماعي لما تلوح به من قيم، وما تفرضه، نتيجة للإرث التاريخي الطويل…»؟ ماذا تقولين عن ذلك؟
– الإنسان يكتب عالمه في المقام الأول، والمرأة تحمل إرثاً كبيراً من التهميش والسلطة الذكورية التي حصرتها في عوالم ضيقة، وذاكرة ثقافية قسمت الفضاء إلى عالمين منفصلين، فكل ما هو خارجي يرتبط بالرجل، وما هو داخلي يرتبط بالمرأة. وحين كتبت المرأة فإنها كتبت هذا الصراع الذي عاشته، وجاءت كتابتها تمردا واعيا، أو غير واع، على تلك السلطة. من هنا، فإن ملاحظة الدكتور عالي القرشي فيها الكثير من الدقة، ويمكن أن تنسحب أيضاً إلى النصوص الروائية التي كتبتها المرأة. وهذا أمر طبيعي، لكن المشكلة هي أن تظل المرأة حبيسة تلك العوالم وذلك الصراع فتقع في تكرار التجربة وانغلاقها.
> كيف رسمت الروايات السعودية صورة المرأة، ألا ترين أنها جنت على تلك الصورة بتكريس التهميش والسطحية؟
– نعم، هذا جزء آخر من المشكلة، أن تقع المرأة في تقديم صور نمطية للمرأة فتكثر نماذج النساء المستسلمات اللاتي يعانين من قمع المجتمع وسلطته الذكورية، أو نماذج النساء المتمردات الخارجات على سلطة المجتمع بطريقة أو بأخرى، في حين يمكن أن تغيب صور نساء فاعلات لديهن من الوعي ما يمكنهن من ممارسة أدوارهن في المجتمع دون انسحاب مطلق أو تمرد مطلق. لا ننسى هنا أن بعض الروائيات قد نجحن في تقديم صورة مختلفة للمرأة بعيدا عن البكائيات التي وقعت فيها روائيات أخريات، المرأة التي تعي نفسها ودورها وتعرف موقعها، والتي تعمل وتمارس التغيير.
> نلاحظ أن بعض الروائيات اختبأن خلف قناع الأسماء المستعارة حين اقتحمن بجرأة التابوهات المحرمة؛ روايتا: «القران المقدس» لطيف الحلاج، و«الآخرون» لصبا الحرز، مثلاً…
– يرتبط بما قلناه سابقاً… حيث يحيل مباشرة إلى سلطة المجتمع. إن تجربة الكتابة باسم مستعار ليست حكراً على الروائية السعودية، فقد نشر هيكل روايته في المرة الأولى تحت اسم «مصري فلاح»، وفي الأدب العالمي اختفت روائيات تحت أسماء مستعارة لرجال في الوقت الذي كانت في الكتابة منطقة محرمة على المرأة. كل ذلك يقول إن سلطة المجتمع لها هيمنتها التي يصعب تجاوزها، والتي تمارس بصورة مضاعفة على المرأة، لا سيما حين تدخل في منطقة التابو وتتناول المحرم، تلك مناطق قد يتقبلها المجتمع نسبياً إذا كان الكاتب رجلاً، لكنها سترفض مطلقاً حين تكتبها امرأة، لا سيما أن الأمر يحيل إلى مفاهيم مسبقة عن المرأة تربطها بالعاطفية والخجل، كما تربط فكرة الكتابة في حد ذاتها بالرجل لتبقى المرأة مجرد حكّاءة تروي الحكايات ولا تصنعها. الاسم المستعار هنا يحمي المرأة من سلطة الثقافة وسلطة المجتمع، ويعطيها مساحة حرية كبرى، لا سيما إن كانت لا تستطيع المواجهة أو الوقوف في وجه تلك السلطة.

حوار: ميرزا الخويلدي

.

تعيش الفنانة القديرة سميحة أيوب حالة من النشاط الفني خلال الفترة الحالية إذ تحضر لعدة مشاريع جديدة بين السينما والمسرح والتليفزيون. في دردشتها مع “الجريدة”، تتحدث أيوب عن مشاريعها الجديدة وعودتها للمسرح وغيرها من التفاصيل.

• ما سبب حماسك لتجربة الأداء الصوتي في مسرحية “ألمظ وسي عبده” التي انطلق عرضها أخيراً؟

– أحب المسرح وأعشقه، وعندما عرض علي المخرج مازن الغرباوي الفكرة لم أتردد كثيراً خاصة أنني اعرف مازن منذ سنوات وأعجبتني تفاصيل العرض، وقمت بتسجيل الأداء الصوتي الذي يلعب دورا كبيرا في الأحداث، فالمسرحية من الأعمال المهمة التي عرضت مؤخراً، وسعيدة بمشاركتي فيها.

• تحضرين حالياً لعرض مسرحية “مورستان” التي تعودين من خلالها بعد غياب طويل، حدثينا عن هذا المشروع.

– “مورستان” تعيدني للمسرح بعد غياب استمر نحو 15 عاما، وأشعر بسعادة كبيرة لأن المسرحية قصتها مميزة فهي مأخوذة عن مسرحية “بير السلم” التي سبق أن قمت بتقديمها مع الرحل سعد الدين وهبة لكن اليوم اقدمها مع المخرج الكبير سمير العصفوري وهو أحد أهم مخرجي المسرح، وسبب حماسي الرئيسي للتجربة لأن عودته للمسرح مهمة جدا وواثقة من قدرته على تقديم المسرحية برؤيته التي ستفيد الأجيال الجديدة ليس فقط من الجمهور ولكن من الممثلين وصناع المسرح أيضاً، فالمسرحية ستقدم برؤية جديدة تناسب الفترة الحالية زمنيا وتحمل كثيرا من التفاصيل المختلفة عن النسخة التي قدمتها في الماضي.

• هل كانت لك شروط محددة في العودة للمسرح؟

– أعتبر المسرح بيتي، ولدي رغبة دائمة في تقديم أعمال عليه، لكن لابد ان تكون أعمالا تليق بي وبمسيرتي الفنية ولا تكون اقل مما قدمته، وللأسف بخلاف المشكلات التي واجهها المسرح المصري خلال السنوات الماضية كانت كثير من الاعمال لا تستحق مطلقا ان تقدم على خشبته، فالاعتماد على الهلس والضحك باسم المسرح أمر لم يكن من الممكن ان اشارك فيه على الاطلاق، لذا جاءت عودتي بتجربة مختلفة مع سمير العصفوري الذي يعتبر من أهم مخرجي المسرح في مصر.

• متى ستعرض المسرحية؟

– بدأنا العمل مؤخراً، لكن المسرحية بحاجة إلى تجهيزات كثيرة على المستوى الفني قبل الخروج للنور حتى تليق بالقائمين عليها وبالجمهور الذي سيأتي لمشاهدتها على خشبة المسرح القومي، واتمنى أن نستقبل الجمهور قريباً مع الاجراءات الاحترازية المتبعة بالعروض في الفترة الحالية.

فر• تحضرين لفيلم “ليلة العيد”، حدثينا عن هذه التجربة؟عي

– بالفعل سأعود للسينما من خلال هذا الفيلم بعد غياب طويل امتد لنحو 9 سنوات، وهو مع المخرج سامح عبد العزيز ولم يتم تحديد موعد نهائي لتصويره حتى الآن، لكن ما يمكن قوله هو أن العمل يضم تفاصيل كثيرة ويطرح قضايا مرتبطة بالاضطهاد الذي لا يزال يواجه المرأة في الصعيد رغم الجهود المبذولة لحصولها على حقوقها، ومعالجة الفيلم مكتوبة بطريقة شيقة.

• الفيلم هو التجربة الثانية مع المخرج سامح عبدالعزيز؟

– بالفعل، فهو صاحب اخر افلامي السينمائية ايضا “تيتة رهيبة” وهو مخرج متميز لديه رؤية فنية حقيقية في الاعمال التي يقدمها وتجاربه دائما ما تحقق نجاحا لواقعيتها، وأحببت اعماله قبل ان التقي به، وعندما تحدث معي عن “ليلة العيد” كنت واثقة من انه اختار عملا جيدا سيقوم بتقديمه بالفعل.

• أعلنت عن مسرحية مع الفنان محمد صبحي لكنها لم تخرج للنور، فما السبب؟

– محمد صبحي يقدم مسرحا خاصا يحمل رسالة وفكرة جيدة وممتعا بالوقت نفسه، وهو يعمل بالفعل على النص الذي يفترض ان نتشارك فيه معا لكن لم يتم الانتهاء منه حتى الآن، واتمنى ان يكون جاهزا قريباً.

• ما سبب قلة الاعمال التي تشاركين فيها؟

– الامر مرتبط باختياري للأدوار التي تناسبني وتناسب مكانتي ومرحلتي العمرية، وهناك مشكلة دائما في الكتابات سواء الدرامية أو السينمائية مرتبطة بقصر الاحداث على الشباب وتهميش أدوار الكبار، ومن ثم ليس من المنطقي ان اقبل المشاركة في عمل اجسد فيه مشهدا او مشهدين على الاكثر، وبلا تأثير في الاحداث، وهذا ما تسبب ليس في قلة أعمالي فقط ولكن في قرار عدد كبير من الفنانين الابتعاد وانتظار ما يناسبهم من أعمال.

• هل ستطلين في السباق الرمضاني المقبل؟

– سأشارك في مسلسل “الطاووس” وهو من الاعمال التي ستعرض في شهر رمضان، وأعجبتني فكرة العمل لأنه يطرح العديد من المشكلات التي نعيشها اليوم بسبب مواقع التواصل الاجتماعي.

• انضممت مؤخراً لجمعية أبناء فناني مصر، ما سبب حماسك لهذه الخطوة؟

– تلعب الجمعية دورا كبيرا في الحفاظ على حقوق الفنانين لاسيما البحث عن حقوق حق الأداء العلني للفنانين والتي لا نحصل عليها في مصر بسبب القوانين، وهدف الجمعية القيام بدور اكبر في هذا الملف الذي يضمن توفير حياة كريمة ليس فقط للفنانين ولكن لورثتهم من بعدهم، واتمنى أن تكلل جهودها بالنجاح وخطوة انضمامي لها جاءت لقناعاتي بأهدافها وما تسعى إلى تحقيقه.

مشروعي مع محمد صبحي قائم وأطل في رمضان من خلال «الطاووس»

  • هيثم عسران

ينتمي «لين فنغمين» إلى الجيل الجديد من المستشرقين الصينيين الذين يهتمّون بالثّقافة وباللّغة العربيتَين. يشغل منصب عميد معهد الدراسات العربيّة الإسلامية في جامعة بكين، ونائب رئيس مركز الدراسات الشرق الأوسطية، ونائب رئيس مركز الدراسات الإفريقية في الجامعة نفسها، ورئيس جمعية الصين لدراسات الأدب العربي. ترجم «لين فنغمين» عدداً من الأعمال العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني»، و«امرأة بلا سواحل» و«آخر السيوف» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيِّب صالح، كما نشر عدداً من الدراسات، من بينها «الأدب العربي الحديث في التحوُّل الثّقافي»، و«الدراسات المقارنة بين أدبَي الصين والعرب».

  حوار: حسن الوزاني

ما الأسباب التي كانت وراء اختيارك للُّغة العربيّة لغةً للترجمة والبحث ؟

– يبدو أن اللّغة العربيّة هي التي اختارتني، أو يمكن القول إن القدر اختارني لدراسة اللّغة العربيّة. إذ لم تكن لديَّ أيّة رغبة في دراستها في مرحلة الدراسة الثانوية، وذلك بحكم كوني لم أكن أعرف، حينها، أين يقع العالم العربي. وسيكون أحد أساتذة كلّيّة اللّغات الشرقية وراء تغيير مساري، حين أقنعني باختيار دراسة هذه اللّغة ضدّاً على رغبتي في دراسة الإنجليزية أو الإدارة أو الاقتصاد، أمّا الأمر الذي حفَّزني، أيضاً، على تغيير مساري فهو بحثي عن مقعد في جامعة بكين، باعتبارها أفضل الجامعات في الصين، وأقدمها، وهي الجامعة التي تحتضن كلِّيّة اللّغات الشرقية، حيث يتمّ تدريس اللّغة العربيّة.

وبعد التحاقي بجامعة بكين؛ قصدَ تعلُّم اللّغة العربيّة، بدأتُ اكتشف جمال هذه اللّغة، بالرغم من الصعوبات التي تطرحها أمام كثير من الصينيين. وبفضل علاقتي باللّغة العربيّة، ستتاح لي فرص زيارة كثير من البلدان العربيّة، واكتشاف جانب من جغرافيا هذا العالم المذهل، والإحساس بعواطف المجتمعات العربيّة. ولا شكّ في أن اللّغة العربيّة فتحت لي باباً مشرعاً على عالم مختلف جدّاً، يمنحني إمكانية الاستمتاع بمعالم الثّقافة العربيّة والإسلامية المذهلة.

ترجمتَ عدداً من النصوص الأدبيّة العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيّب صالح. ما الذي قد تحمله ترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة للقارئ الصيني ؟

– أشير، أوّلاً، إلى كون عدد الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة إلى اللّغة الصينية قد جاوز، بشكل عامّ، المئتي عنوان. أمّا بالنسبة إلى الأعمال المذكورة التي ترجمُتها، فتعكس أبعاداً مختلفة من الثقافات العربيّة الإسلامية، ويخصّ ذلك مجموعة «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، التي تحمل الأفكار الوطنيّة والقومية العربيّة. بينما يمنح نصّ «جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، للقرّاء الصينين، إمكانيةَ التعرُّف إلى معالم التسامح والتعدُّد الثّقافي، والتعدُّد الديني في العالم العربي، خصوصاً مع وجود الثّقافة المسيحية في منطقة الشرق الأوسط، بشكل لا يمسّ حضور الثّقافة الإسلامية. أمّا رواية «دومة ود حامد»، للطيب صالح، فتقرِّب القارئ الصيني من موضوع الحداثة كما تعيشها المجتمعات العربيّة، حيث يمكن أن تتعايش التقاليد العربيّة، والثّقافة الغربية، في السودان، وفي أيّة دولة من الدول العربيّة، وذلك اعتباراً لأهمِّيّة الأفكار الحديثة كأساس للتحديث، دون التضحية بالتقاليد. بخصوص نصّ «الأمير» للروائي الجزائري واسيني الأعرج، هو يُظهر للقرّاء الصينيين مقاومةَ العرب للاستعمار الفرنسي، وشجاعةَ المسلمين ضد المستعمرين، وكذلك مظاهرَ الحوار الثّقافي بين الثّقافة العربيّة والإسلامية، والثّقافة المسيحية، وبين الثّقافة الشرقية والثّقافة الغربية.

كيف ترى، من موقعك، اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة؟

– أظن أن اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بأعمال ترجمة هذه الأعمال، هو أقلّ من اهتمامهم بالأعمال الغربية والروسية المترجمة إلى اللّغة الصينية. وإن كانت بعض الحوادث تغيِّر، أحياناً، مستوى هذا الاهتمام؛ فمثلاً: فتح فوز نجيب محفوظ بجائزة «نوبل» للأدب، البابَ أمام اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين ليس بأعمال نجيب محفوظ فحسب، بل بعدد مهمّ من الأدباء والشعراء العرب الآخرين. وبعد حادث (11) سبتمبر (2001)، تزايدت رغبةُ المثقّفين الصينيين في التعرُّف إلى الثّقافة العربيّة الإسلامية، وكذلك الأمر بعد حرب الأميركان على العراق، وتغيُّرات «ربيع العرب»، وغيرها من الحوادث المهمّة التي تجعل المثقّفين يهتمّون بالعالم العربي، من خلال قراءة الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة.

ما هي، بنظرك أهمّ العقبات التي يمكن أن تواجه المترجم الذي يشتغل على النصوص الأدبيّة العربيّة ؟

– أظن أن أهمّ العقبات التي يواجهها المترجم الذي يشتغل على النصوص العربيّة، تتعلَّق، بشكل خاصّ، بترجمة القصائد. لقد قال أدونيس، في محاضرة ألقاها في جامعة بكين، إن ترجمة الشعر خيانة. وأفهم من كلام أدونيس أن ترجمة القصائد، دائماً، تخالف قصد الشاعر؛ بسبب اختلاف دلالات الكلمات؛ إذ لا يمكن أن ننقل كلّ معاني القصيدة إلى لغة ثانية. ولعلَّ هذا الرأي قريب من تصوُّر الشاعر الصيني «سيتشوان» الذي يرى أن قضايا ترجمة الشعر لا تخصّ مشكلة اللّغة، فقط، بل تهمّ، أيضاً، قضيّة الثّقافة، وقضيّة تيّار الفكر الأدبي، وقضيّة مفاهيم الإبداع، وكذلك قضيّة عادات القرّاء. وإذا كان من الممكن ترجمة معاني الكلمة، فمن الصعب ترجمة القوافي والعروض إلى لغة أخرى، بل قد لا نستطيع نقل كلمات القصيدة إلى لغة أخرى، إذا كان لها أكثر من معنى.

كيف ترى مسارات الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينية، على مستوى الاتِّجاهَيْن؟

– أعتقد أن وضعيّة الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينيّة، على مستوى الاتِّجاهَيْن، ظلَّت -خصوصاً، خلال القرن الماضي- غير متوازنة، وكانت الغلبة، على الأقلّ، على المستوى الكمّي، لصالح الترجمة من اللّغة العربيّة إلى الصينية. بينما شهد القرن الحالي تطوُّراً كبيراً على مستوى تعليم اللّغة الصينية، سواء في الدول العربيّة، أو في الصين؛ إذ ارتفع عددُ أقسام اللّغة العربيّة، في الجامعات الصينية، من ثمانية أقسام إلى ثمانية وأربعين قسماً. وهو ما يشكِّل أساساً ومحفِّزاً لتطوُّر الترجمة في المستقبل.

من جهة أخرى، أنشأت الحكومة الصينية عدداً من البرامج الثّقافية لتشجيع الترجمة، ودعمها، من بينها برنامج «الترجمة المتبادلة بين الصينية والعربيّة»، الذي تمَّ إطلاقه في إطار التعاون بين الحكومة الصينية وجامعة الدول العربيّة، وبرنامج «الترجمة المتبادلة بين الصين والكويت»، وغيرها من البرامج الكثيرة، كان من نتائج ذلك ازدياد أعداد الكتب الصينية المترجمة إلى اللّغة العربيّة في السوق الثّقافية العربيّة. على العموم، تظلّ وضعية أعمال الترجمة بين اللّغتَيْن: الصينيّة، والعربيّة، محدودة، برغم الجهود المبذولة من الجانبَيْن في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع وجود كثير من الكنوز التي تزخر بها كلٌّ من الثّقافة العربيّة الإسلامية والثّقافة الصينية، والتي تحتاج إلى الاكتشاف.

تتَّسم المدرسة الاستشراقية الصينية بخروجها عن سلطة التصوُّرات الغربية التي لم تستطع التخلُّص من التصوُّرات الاستعمارية. كيف تتصوَّر، من موقعك، دواعي هذا الاختيار الذي يطبع الاستشراق الصيني؟

– قبل أن أجيب عن هذا السؤال، يجب عليَّ أن أبيِّن لكم طبيعة تمثُّل الصينيين لمصطلح «المدرسة الاستشراقية الصينية». فمن المعروف أن علم الاستشراق، بمفهومه الاصطلاحي الضيِّق، يحيل على اهتمام العلماء الغربيين بالدراسات الإسلامية، والدراسات العربيّة. في مقابل ذلك، يوسِّع الصينيون مجال المصطلح ليشمل، ليس الدراسات الإسلامية والعربيّة، فحسب، بل الدراسات التي تهمُّ الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها من الدول الآسيوية، أيضاً؛ لذلك، أُفضِّل أن أستخدم مصطلح (الاستعراب) أو علم الاستعراب. وبالفعل، إن معظم الأساتذة والباحثين الصينيين المتخصِّصين في علم الاستعراب هم ضدّ هيمنة التصوُّرات الغربية، وضدّ المركزية الغربية، إذ لا يتبعون وسائل الاعلام، لأنهم يعرفون اللّغة العربيّة، ويقرأون الصحف والمجلّات والكتب العربيّة؛ وهو ما يتيح لهم إمكانية التعرُّف إلى الأوضاع الحقيقية في الشرق الأوسط، بدون وضع ثقتهم العمياء في الميديا الغربية.

حاوره/صالح البيضاني

شهد اليمن في التسعينات ازدهارا ثقافيا كبيرا فزاره أهم الشعراء والأدباء العرب والعالميون، واستقطبت جامعاته قامات فكرية وأدبية هامة، بينما كان الكتاب اليمني منتشرا في الداخل والخارج، لكن كل ذلك تبخر مع اندلاع الصراعات. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر والمترجم والأكاديمي اليمني أحمد علي الهمداني حول تجربته وماضي وحاضر اليمن الثقافيين.

يجمع أحمد علي الهمداني بين البحث الأكاديمي وكتابة الشعر والترجمة، حيث بدأ مسيرته الأدبية، كما يشير في حواره مع “العرب”، في العام 1972 بقصيدة حملت عنوان “الغروب” والتي كانت بمثابة إشراقة حياته الشعرية.

 وعن رحلة البداية يقول “كان الشاعر إدريس حنبلة هو الذي شجعني على كتابة القصيدة العمودية. وأذكر تماما أنني أتيت إليه في مكتبه في الشيخ عثمان وأنا أحمل أبياتا من القصيدة فأخذها مني وكتبها بالألوان على ورق مقوى أبيض وجعلني أصدق أنني شاعر. كانت هذه الخطوة الأولى في التأليف، ‘صارت الغروب’ قصيدة طويلة جدا من بحر الكامل وتعبد طريق الشعر أمامي”.

ويضيف “في هذه الفترة بدأت أنشر محاولات في المقالات والدراسات، وفتح القاص والكاتب أحمد محفوظ عمر مجلة التربية الجديدة لي ونشرت فيها حتى غادرت عدن إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الأدب الروسي، حيث درست اللغة والأدب الروسي خمس سنوات حصلت فيها على الدبلوم أي الماجستير، وأكملت الدكتوراه في خاركوف ودافعت عنها في جامعة موسكو. كل هذا فتح أمامي غنى وتعدد وتنوع الأدب الروسي والسوفيتي على السواء، وأمدتني الدراسة بمعين لا ينضب من المعرفة والفكر والترجمة ومناهج الدراسات الأدبية واتساع اللغة الروسية في استيعاب مفردات الحياة المختلفة”.

عوالم جديدة

 يقول الهمداني إن علاقته بالترجمة بدأت خلال دراسته الجامعية في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث شرع بترجمة أعمال تشيخوف التي لم تترجم إلى العربية أو التي ترجم بعضها عن لغة ثالثة غير اللغة الروسية، وامتد شغفه بتشيخوف بعد إكماله دراسة الدكتوراه، حيث حصل على منحة علمية لمدة عام لدراسة الفن الدرامي عند تشيخوف، وهي المرحلة التي قام خلالها بترجمة عدد من الأعمال وكتابة أعمال أخرى، قبل أن ينتقل في عام 1991 للعيش في جمهورية مولدافيا.

عاش في مولدافيا حتى عام 1994 وهي السنوات الأكثر خصوبة، كما يقول، في مجال اشتغاله بالترجمة، حيث عمل على ترجمة عدد كبير من الدراسات والبحوث والنصوص الإبداعية المختلفة لعمالقة النقد الروسي وعلماء الأدب الروس الذين تخصصوا في تشيخوف وجوجل وكوبرين. ظهرت هذه الدراسات في ما بعد في كتبه المنشورة تحت عناوين مختلفة مثل كتاب “البندقية التي لا تطلق النار” و”نصوص من الأدب الروسي”.

ولم تتوقف اهتمامات الدكتور الهمداني بالترجمة  حتى بعد عودته إلى مسقط رأسه في مدينة عدن سنة 1994، حيث التحق أستاذا بجامعة عدن، التي أصبح في ما بعد نائبا لرئيسها، وهناك ترجم رسالته في الدكتوراه التي حملت عنوان “تشيخوف في النقد العربي”، ونشر رسالتين في الأبعاد الموضوعية والخصائص الفنية لمسرحيات تشيخوف في النقد العربي.

ويشير الهمداني إلى أن تعيينه في عام 1995 نائبا لرئيس جامعة عدن لشؤون الدراسات العليا والبحث العلمي، لم يعرقل مسيرته في الأدب والترجمة، وعن تلك الفترة يقول “انغمست في الحياة الأكاديمية كل الانغماس. وقد زادتني هذه الحياة قدرة على التأليف والتصنيف والترجمة والنشر وإعادة النشر، فنشرت أكثر من 60 كتابا إبداعا وتأليفا وترجمة وإعادة طباعة، ومن المهم الإشارة في هذا الصدد إلى أنني أعتز بكوني شاعرا يكتب القصيدة العمودية والتفعيلية. وقد تركت في هذا المجال ثلاثة دواوين هي ‘الهمداني‘ وديوان ‘أعلن الآن‘ و‘اتركوا وطني في سلام‘”.

وفي إجابته على سؤال حول غياب الأدب اليمني عن خارطة الترجمة في العالم، يرى الدكتور الهمداني أن الأدب اليمني مازال محصورا بين جدران اليمن، ولا يخرج منه إلى الآخر العربي أو العالمي إلا القليل الذي لا يعتد به، إضافة إلى غياب معاهد تعلم الترجمة، والاكتفاء بما تخرجه الجامعات من مدرسين في كليات اللغات الأجنبية، كما أن الذين يتقنون الترجمة بجهودهم الذاتية قليلون، لافتا إلى ظهور القليل من الترجمات التي نقلت بعض الأعمال اليمنية إلى بعض اللغات الأجنبية، لكن الذين يقومون بها كتاب أجانب في الأغلب الأعم.

وقد ألقت دراسة الأدب الروسي وترجمته بظلالها على تجربة الهمداني الثقافية والإبداعية، فالأدب الروسي أدب عالمي، وعن هذا التأثير يقول “استيعاب وفهم الأدب الروسي كانا منتهى الطموح لكل مثقف يدرك قيمة هذا الأدب العالمي الإنساني الذي رفد العالم كله بأجمل أعماله السردية والمسرحية والغنائية. وقد فتح الأدب الروسي أمامي عوالم جديدة وآفاقا رحبة فدرست الأدب الروسي من التأسيس إلى التأصيل إلى التطور والانتشار، من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين”.

ويضيف “لقد بدأ الأساتذة الروس من الفلكلور الروسي تدريسنا كل مراحل الأدب الروسي وعرجوا على تاريخ الأدب الروسي القديم الذي يمتد منذ ظهور الكتابة في روسيا في القرن العاشر الميلادي حتى نهاية القرن السابع عشر الميلادي. ثم درسنا الأدب الروسي الجديد الذي يبدأ من إصلاحات بطرس الأول في بداية القرن الثامن عشر الميلادي حتى نهايته، ودرسنا الأدب الحديث وهو يمضي على امتداد القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين. ودرسنا الأدب السوفيتي الذي يبدأ مع قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وينتهي مع انهيار الاتحاد السوفيتي”.

ويتابع “كل ذلك عبّد الطريق أمامي في فهم جزء من الثقافة العالمية واستيعاب أدوارها المختلفة، ولم يغفل الروس تدريسنا الأدب الغربي والأميركي، ومن هنا انتقل مركز الثقل في نشاطي الإبداعي من الشعر والمقالات إلى الدراسات والبحوث. وانكببت على قراءة الأعمال السردية الروسية التي كتبها عباقرة الأدب الروسي والسوفيتي. وأصبح من الصعب علي أن أفهم من يكتب عشرين صفحة وقال عنها رواية”.

يؤكد الهمداني أن المشهد الثقافي اليمني تراجع كثيرا بفعل الحرب وتوقفت الكثير من النشاطات والفعاليات الإبداعية، كما أسهم التشرذم والتقزم والعودة إلى الوراء، بحسب تعبيره، في تقهقر الإنتاج الأدبي والفكري والمسرحي.

 ويضيف “صعد إلى الواجهة من لا ناقة ولا جمل له في حقل التأليف والتصنيف. وادعى الإبداع من لا يعرف حقيقته ولا مظانه، وصار الكثير يهتفون بما لا يعرفون، ومع هذا تظهر بين آونة وأخرى إرهاصات معقولة ومقبولة، ذاتية وشخصية، لكنها تضيع في غثاء السيل، ولا يلتفت إليها إلا في النادر الذي لا يقاس عليه، كما أغلقت دور النشر اليمنية، وأنهت عملها ولم تعد تطبع الكتب وتنشرها، وحتى المكتبات التي كانت تطبع الكتب في بعض الأحيان لم تعد تمتهن هذا العمل الجليل”.

ويشير إلى أن حركة الكتاب القادم من الخارج أصبحت شبه معدومة. فلم تعد المجلات المتخصصة تدخل اليمن. ولم تعد الثقافة ومستلزماتها من أولويات الدولة، لكن من المهم الإشارة إلى أن هناك جيلا جديدا يتخلق في هذه الظروف غير المواتية ويحاول الإعلان عن نفسه في مختلف مجالات الإبداع.

مدينة ثقافية رائدة

ساهمت مدينة عدن في تشكيل التجربة الثقافية للهمداني، وعن تأثير هذه المدينة عليه كشاعر على وجه التحديد، وعن دورها التنويري والثقافي عموما، يقول “كانت عدن مدينة الحب والسلام والهدوء والطمأنينة، ومدينة العيش المشترك والتعاون والسلم الاجتماعي. وأنا من المخضرمين الذين عاشوا ستة عشر عاما في ظل الحكم البريطاني. ولدت في عدن وأبي من مواليد عدن وجدتي لأبي ولدت في عدن. أمي جاءت من حبيش. وجدي لأبي جاء من همدان”.

ويضيف “كل هذا جعلني أنظر إلى الناس والحياة بعين الحب والعدالة، فلم تستطع المناطقية والقروية ولا القبلية أن تغزو فكري. درست في عدن وأكملت الثانوية في ثانوية عدن. وكانت عدن مدينة الصحافة والطباعة والكتاب. فقد كان فيها حتى عشية الاستقلال أكثر من سبعين صحيفة ومجلة ومنشورات والعشرات من النوادي الإبداعية والإصلاحية الفكرية والعشرات من المطابع والمكتبات. وقد كتبت كتابا جمعت فيه كل ذلك تحت عنوان عدن من الريادة الزمنية إلى الريادة الإبداعية الصادر عن هيئة الكتاب في صنعاء”

ويرى الهمداني أن عدن كانت مدينة الكتاب الذي يأتي إليها من كل أنحاء العالم من دون استثناء ومدينة المجلات القادمة بحرا وجوا وبرا من كل جهات العالم، وكانت هذه الأشياء تصل طازجة وطرية. يصدر الكتاب في القاهرة فيصل إلى عدن في غضون أسبوع.

وكانت مكتبة عبادي في عدن، وقد تأسست عام 1884، أول مكتبة في اليمن كله، وربما في الجزيرة العربية. وهي الرائدة في نشر الكتاب على امتداد قرن ونصف القرن، لكنها تحولت اليوم إلى مكتبة لبيع المواد القرطاسية والمكتبية.

ويشتهر الهمداني في الوسط الثقافي اليمني باهتماماته الوافرة بإحياء تراث العديد من الأدباء اليمنيين المؤسسين مثل محمد علي لقمان وإدريس حنبلة ومحمد سعيد جرادة وغيرهم، وعن خلفيات اهتمامه بتسليط الضوء على هذه التجارب، يقول: لقد كتبت في مسار نشاطي الإبداعي التأليفي مجموعة من الكتب والمؤلفات عن الرواد في حركة الأدب اليمني المعاصر، إدريس حنبلة ومحمد سعيد جرادة وعبدالرحيم الأهدل ومحمد علي لقمان وعدد كبير من الأدباء والكتاب. وقد حوى كتابي الأخير الصادر في عمان الأردن تحت عنوان ‘أدباء وكتاب وفنانون’ دراسات في الأدب اليمني المعاصر أربعين شخصية يمنية إبداعية. في الحقيقة لم يكتب أحد عن هؤلاء قبلي. وإن حدث شيء من هذا في النادر الذي لا يقاس عليه، فهو إشارات تحتاج إلى مراجعة جادة.

لقد أردت أن أرفع الظلم السياسي أو الإبداعي الذي لحق بهؤلاء جراء السياسة الخرقاء في بعض الأوقات. هل تستطيع أن تتصور أن محاصرة لقمان الأب والابن وغانم استمرت أكثر من ربع قرن. ولم يستطع أحد أن يقترب من محمد علي لقمان على الإطلاق. اليوم هناك أحد عشر مؤلفا عنه كتبتها ونشرتها داخل اليمن وخارجه. أضف إلى ذلك أن الدراسات تركزت على ثلاثة شعراء وكتاب في اليمن هم الزبيري والبردوني والمقالح وأهمل الباقون إلى حد كبير. فقررت الاهتمام والعناية بالآخرين. ولم أنس الزبيري فألفت عنه كتابا تحت عنوان ‘الزبيري شاعر التغيير في اليمن’.

لقد أردت أن ألفت النظر إلى هؤلاء المؤسسين في تاريخ الأدب اليمني المعاصر والحديث. وقد نجحت في ذلك، وأصبح اسم لقمان في كل مكان.

وفي الوقت الذي مازال الدكتور أحمد الهمداني يواصل مسيرته لإنصاف رواد الأدب اليمني، يقول في كلمة أخيرة، تغلب عليها مرارة الحزن والحسرة مما آلت إليه أوضاع المشهد الثقافي اليمني “اليوم أنا في السبعين من عمري نشرت أكثر من ستين كتابا إبداعا وترجمة وجمعا وإعادة طباعة. لم تلتفت الدولة لهذا الجهد المبذول، ولم تكرمني. ولم أنل شيئا من الشكر والتقدير من المؤسسة الرسمية، في الوقت الذي كرمني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأصدر قرارا بمنحي وسام بوشكين وهو أعلى وسام ثقافي في روسيا الاتحادية”.