تتزامن ذكرى رحيل كوكب الشرق أم كلثوم مع نفحات قدوم شهر رمضان، لتستعيد أغانيها الدينية والروحانية حضورها، ناشرة أجواءً من الخشوع والسكينة. ولم يكن غناؤها الديني محطة عابرة في مسيرتها، بل تجربة فنية متكاملة صهرت فيها قوة النص، وعمق اللحن، وصدق الأداء، ليغدو صوتها أحد الملامح الراسخة في الذاكرة الإيمانية للمصريين والعرب.
قدّمت أم كلثوم الغناء الديني بوصفه حالة روحية متكاملة، لا مجرد إنشاد، فاختارت نصوصًا لكبار الشعراء مثل أحمد شوقي، أحمد رامي، وبيرم التونسي، وتعاونت مع كبار الملحنين، وفي مقدمتهم رياض السنباطي، لتصوغ أعمالًا خالدة جمعت بين عمق الكلمة وسمو اللحن وصدق الأداء.

“نهج البردة” و”ولد الهدى”.. مدائح نبوية خالدة
القصائد للشاعر أحمد شوقي، ومن ألحان الموسيقار رياض السنباطي
في هاتين القصيدتين، قدّمت أم كلثوم مدح الرسول ﷺ بأسلوب يجمع بين الوقار الفني والسمو الروحي، فبدت كمنشدة صوفية تحمل رسالة، لا مطربة تبحث عن التصفيق.
وغنت أم كلثوم “نهج البردة” في 1946، وإنشودة «ولد الهدى» فى الاحتفال بالمولد النبوى الذى أقيم بالنادى الأهلى عام 1949.
“يا رسول الله خذ بيدي”.. توسل من القلب
قصيدة تمتلئ بالتضرع والرجاء، يغلب عليها الطابع الصوفي، وتكشف قدرة أم كلثوم على نقل الإحساس الديني الخالص دون افتعال، قدمتها خلال زيارتها للمغرب عام 1968، حيث شاركت كوكب الشرق فرقة الكورال المغربية في أداء مديح “يا رسول الله خذ بيدي” وهي أغنية مغربية من الحان الموسيقار المغربي صالح الشرقي في حفل خاص أقيم في بمراكش بحضور الملك الحسن الثاني .
“لغيرك ما مددت يدا”.. حنين الروح
الأغنية من تأليف طاهر أبو فاشا، وألحان كمال الطويل، وهوعمل بالغ الصفاء، تتحول فيه الأغنية إلى دعاء صريح، يؤكد الإيمان المطلق بالله، ويعكس فلسفة روحية عميقة في اختيار أم كلثوم لنصوصها الدينية، وقدمتها عام 1955.
“القلب يعشق كل جميل” وبساطة الكلمة
الأغنية للشاعر بيرم التونسي، ومن ألحان رياض السنباطي، كتب بيرم قصيدة “القلب يعشق” باللهجة المصرية القريبة من لهجة عامة الشعب، لهجة المصري البسيط الذي يمني نفسه بزيارة بيت الله الحرام، فاختلفت عن أغاني أم كلثوم الدينية الأخرى التي إعتمدت علي القصائد، وغنتها أم كلثوم في 1971.
“حديث الروح”.. الفلسفة في ثوب ديني
القصيدة للشاعر الباكستاني محمد إقبال (ترجمة أحمد رامي)، ولحنها رياض السنباطي.
قصيدة تتأمل العلاقة بين الإنسان والخالق، قدّمتها أم كلثوم بإحساس بالغ العمق، فكانت من أكثر أعمالها قربًا للتأمل
رباعيات الخيام.. الأسئلة الكبرى
رباعيات الخيام هي قصيدة لعمر الخيام وترجمة أحمد رامي، أنتجت عام 1950، ولحن رياض السنباط، وبرغم طابعها الفلسفي، فإن «رباعيات الخيام» تطرح أسئلة المصير والإيمان والقدر، ما يجعلها حاضرة بقوة في تاريخ الأغاني الدينية لأم كلثوم .
“سلوا قلبي”.. الحكمة والمدح
سلوا قلبي هي قصيدة في مدح الرسول ألّفها الشاعر أحمد شوقي في عشرينيات القرن العشرين، ولحنها رياض السنباطي وغنتها أم كلثوم عام 1946.
قصيدة دينية ذات طابع حضاري، تمجّد سيرة الرسول ﷺ وتاريخ الأمة، وقد أدّتها أم كلثوم بلحن مهيب جعلها أقرب إلى نشيد خالد يتجاوز الزمن.
“إلى عرفات ه”.. الشوق لزيارة بيت الله
الأغنية للشاعر أحمد شوقي وألحان رياض السنباطي، تعد من أجمل ما قدم في الغناء الديني العربي، ارتبطت بموسم الحج، تصور حالة الشوق لمن يتمنى زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأداء فريضة الحج.
هكذا ظل الغناء الديني عند أم كلثوم جزءًا أصيلًا من إرثها الفني، وصوتًا لا يزال يرافق الوجدان العربي في لحظات التأمل والخشوع، خاصة في ليالي رمضان.

