استعراض الأقسام

الكتبصفحة

في زاوية “إصدارات.. نظرة أولى” نقف على آخر ما تصدره أبرز دور النشر والجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي وبعض اللغات الأجنبية ضمن مجالات متعدّدة تتنوّع بين الفكر والأدب والتاريخ، ومنفتحة على جميع الأجناس، سواء الصادرة بالعربية أو المترجمة إليها.

هي تناولٌ أوّل لإصدارات نقترحها على القارئ العربي بعيداً عن دعاية الناشرين أو توجيهات النقّاد. قراءة أولى تمنح مفاتيح للعبور إلى النصوص.

مختارات هذا الأسبوع تتوزّع بين الدراسات السياسية والفلسفية والفكرية والسوسيولوجية والرواية والسيرة الذاتية والذكاء الاصطناعي.

ضمن “سلسلة ترجمان”، صدرَت حديثاً عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” النسخةُ العربية من كتاب “إمبراطورية في حالة تراجع: الولايات المتّحدة الأميركية بين الماضي والحاضر والمستقبل” للباحث البريطاني فيكتور بولمر توماس، بترجمة الأكاديمي المغربي توفيق سخان. يعزو الكتاب عوامل تراجع أميركا خلال القرن الحادي والعشرين إلى أسباب داخلية، تكمن أساساً في انكماش الاقتصاد الأميركي، وحالة الإحباط العام التي تسود المجتمع الأميركي جرّاء سياسة اجتماعية مجحفة، وتداعي الأساطير أو العقائد التي قامت عليها الإمبراطورية الأميركية.

“مستقبل الفن الميتافيرس” عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً للباحث فهد الراجحي عن “دار الحضارة العربية”. يناقش العمل جملة من المفاهيم والظواهر التي تواصل تأثيرها على الممارسة الفنية والتنظيرات المرتبطة بها؛ مثل الذكاء الاصطناعي‏، وعلم ‬الأحياء، ‬و‬علم ‬البيئة ‬والفن ‬الحيوي، ‬وفن ‬الألعاب، ‬وفن ‬التطبيقات، ‬ورسم ‬الخرائط ‬ثلاثية ‬الأبعاد‬، والتغيّرات التي يفرضها “الميتافيرس” كفضاء افتراضي على سوق الفن المعاصر، في الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل أنّ الرسم والنحت وغيره من الفنون التقليدية لا تزال تجذب المقتني والمتلقّي أيضاً.

عن “منشورات جامعة شيكاغو” صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من كتاب “العيش هو المقاومة: حياة أنطونيو غرامشي” للمؤرّخ الفرنسي جان إيف فرينيه بترجمة لورا ماريس وتقديم نادية أوربيناتي. يضيء العمل سيرة المفكّر الإيطالي (1891 – 1937) منذ نشأته في جزيرة سردينيا، حيث وُلد لعائلة فقيرة انتقلت للعيش في مدينة تورين في شمال إيطاليا، مروراً بامتهانه للصحافة في الجرائد اليسارية، ثم انتقاله إلى موسكو التي قضى فيها نحو ثلاث سنوات خلال فترة حكم لينين، وعودته إلى إيطاليا لتأسيس الحزب الشيوعي الجديد، واعتقاله وأثره في كتاباته.

عن “دار التنوير”، صدرت مؤخراً رواية “السيد العميد في قلعته” للكاتب التونسي شكري المبخوت وهي خامس أعماله الروائية بعد “الطلياني” (2014)، و”باغندا” (2016)، و”مرآة الخاسر” (2019)، و”السيرة العطرة للزعيم” (2020)، إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان “السيّدة الرئيسة” صدرت عام 2015. تتناول الرواية الجديدة الفضاء الجامعي بكواليسه وعلاقاته المعقّدة والمرتبطة بدوائر المعرفة والسلطة، وهو عالم ليس غريباً عن عوالم المبخوت التخييلية؛ فقد سبق أن حضرت الجامعة في روايتيه “الطلياني” وفي “السيرة العطرة للزعيم”.

في كتابه “نحو إصلاح جنسي في الإسلام”، الصادر مؤخّراً عن “المركز الثقافي العربي”، يواصل عالم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي، البحث في إشكالية الجنس في الفضاء العربي من زاوية سوسيولوجية. وهذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار وصول موجة “الثورة الجندرية” التي تتفرّع عنها ظاهرتان اجتماعيّتان؛ الأولى هي صعود الخطاب النسوي والثانية ظهور بنى تنظيمية لتمثيل الأقلّيات الجنسية. كما يلاحظ المؤلّف أنّ تحوّلات كثيرة طاولت العالم العربي يظلّ أهمّها بروز سلوكيات جنسية جديدة لم تكن حاضرة أو معلناً عنها في العقود السابقة.

“دكتور باركمان ومستر ويبستر” عنوان كتاب جديد يصدر للباحث المصري ممدوح رزق عن “مؤسّسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع”. العمل يستعيد الرواية الشهيرة للكاتب البريطاني روبيرت لويس ستيفنسون “دكتور جيكل وميستر هايد”، ويبحث في أصولها الواقعية كقضية حدثت بالفعل في بوسطن الأميركية، ومن ثمّ يبيّن الباحث المصري صنعة الأدب في تحويل الوقائع إلى عمل فنّي وما الذي يُبقي عليه المؤلف وما يتركه في سبيل بناء عالمه التخييلي وتمرير مجموعة من المضامين يوجزها رزق في قضايا السلطة والكبت والعلاقة بين الأخلاق والغرائز.

عن دار “صفحة سبعة”، صدرت حديثاً ترجمة كتاب “معنى الحياة وقيمتها” للمفكّر الألماني الحائز جائزة “نوبل للآداب” عام 1908، رودولف كريستوف أويكن (1845 – 1926)، بتوقيع محمد المهذبي. وُضع الكتاب في سياق الجدل الذي خاضه الروحانيون من المفكّرين الأوروبيّين، نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، ضدّ الأطروحات الداروينية القائلة بأسبقية البُعد الطبيعي في الحياة. دون أن ينفي أهمّية البيولوجيا في حياة البشر، يحاول أويكن لفت النظر إلى أسبقية “الحياة الروحية”، وإلى ضرورتها في ضمان مبدأ الحرّية للإنسان في وجه الحتمية الطبيعية.

عن منشورات “إيليبس” في باريس، صدر حديثاً كتاب “بيرغسون: فلسفةُ الجديد”، للباحث الفرنسي أرنو بوانيش. يسعى المؤلّف إلى تقديم مدخلٍ مزدوج إلى فكر الفيلسوف الفرنسي (1859 – 1941): مدخلٌ موضوعاتي، عبر ثيمة الجديد، التي يمكن خلالها قراءة أعماله، ما يقود إلى مدخلٍ تاريخيّ لها يوضَع انطلاقاً من هذه الثيمة. عبر الموازاة بشكل مستمرّ بين مؤلّفات بيرغسون وسيرته، يلاحظ بوانيش كيف أنّ الجديد، باعتباره مفاجأةً، حَكَمَ تطوُّر فكر بيرغسون الذي ظلّ يغيّر في رؤاه الفلسفية والمنهجية وفق المعطيات الجديدة التي كان يقف عليها، بالصدفة أحياناً، خلال أبحاثه التجريبية. كما يشير إلى دور تحليل بيرغسون لفكرة الجديد في اقتراحه أبرز مفاهيمه: المدّة، والتي كان أوّل مَن ميّز فلسفياً بينها وبين الزمان.

“ليل ونهار” عنوان النسخة العربية من رواية الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف (1882 – 1941)، وقد صدرت حديثاً بترجمة باسل المسالمة عن “دار التكوين”. تقدّم صاحبة “السيّدة دالاوي” في هذا العمل (1919) سيرةَ شخصيّتين، هما كاثرين هيلبيري وماري داتشيت، اللتين تختلفان إلى حدّ بعيد في طبيعتهما ورؤيتهما إلى العالَم، لكنْ تجمعهما صداقةٌ وأسئلةٌ مشتركة حول العديد من المواضيع، مثل الحبّ، والعلاقات الغرامية، والزواج، والسعادة، والنجاح. كما انتقد وولف، بشكل ساخر، الأوضاع التي عاشتها إنكلترا تحت حكم إدوارد السابع مطلع القرن الماضي.

لندن

فقدت الساحة الثقافية العربية كاتباً رائداً في إسهاماته الأدبية المتنوّعة والمعرِّف الأول بالأدب الألباني في اللغة العربية. وُلد الكاتب عبد اللطيف الأرناؤوط في دمشق عام 1931 في أسرة ألبانية هاجرت من كوسوفا بعد حرب البلقان (1912 – 1913)، وحظيت بالترحيب هناك شأنها كبقية المهاجرين الذين سمّي حي راق باسمهم في دمشق.

اهتم والده بتعليم أبنائه، وبرز منهم ثلاثة أسماء هامة في الساحة الثقافية؛ هم: عبد القادر الأرناؤوط الفنان التشكيلي والأكاديمي، والشاعرة والروائية عائشة الأرناؤوط. وكان عبد اللطيف أول من أكمل الدراسة الثانوية من أبناء المهاجرين، وتابع دراسته في “دار المعلمين” ليعمل بعدها معلماً ومديراً. ثم التحق بوزارة التربية ليكون أمين تحرير لمجلة “المعلم العربي” حتى سبعينيات القرن العشرين. انتقل بعد ذلك إلى “اتحاد الكتاب العرب”، حيث شغل أمين تحرير “الموقف الأدبي” الفصلية، وكذلك مجلة “التراث الأدبي” (1997)، ثم تفرّغ للترجمة والكتابة.

كان لنشأته في أسرة ألبانية دور في إتقان اللغة الألبانية المحكية، واستفاد من موجة المهاجرين السياسيين الذين وفدوا إلى سورية، وتأسيس أول جمعية للألبان في دمشق عام 1949، حيث أتاحت تعزيز الروابط وتوثيق الصلة باللغة الأم التي بدأ تعليمها كلغة حديثة للألبان، وترافق ذلك مع اهتمامه باللغة العربية التي أحبّها وكتب بها العديد من كتبه. بدأ حياته الأدبية شاعراً وأصدر ديوانه “عزف على قيثارة الوطن”. أما أول كتاب له فكان بعنوان “الأخطاء الشائعة في اللغة العربية” مع زميله خالد قوطرش (دمشق – 1966)، ثم تتالت مؤلفاته لتصل إلى مئة كتاب بين الترجمة والنقد والدراسة.

بدأ عبد اللطيف الأرناؤوط إنتاجه بالتعريف بالشعر الشعبي الألباني وشعر عهد النهضة القومية الألبانية، الذي كان الأساس للشعر الألباني المعاصر والذي عبّر عن الألبان في موطنيهما ألبانيا وكوسوفا. ونشر ترجمة لـ 42 قصيدة متنوعة نشرت في الصحف السورية كـ “دمشق المساء” وجريدة “الأخبار” وجريدة “الثقافة الأسبوعية” وغيرها.

كان أول من ترجم أعمال إسماعيل كاداريه إلى العربية

لعبت الأوضاع السياسية في الوطن الأم دوراً في إنتاجية الكاتب وتفاعله مع المشهد الثقافي. وبدا ذلك مع انطلاقة “الثورة الثقافية” في ألبانيا (1967-1970) التي أحكمت الحصار عليها وعزَلتها عن العالم، بهدف حمايتها من الفكر الغربي ولوثة الليبرالية، مما أدى إلى تدهور شروط الحياة والإبداع وتراجع الأدب. وتوقف الكاتب الأرناؤوط لسنوات عن الكتابة والنشر.

في الضفة الأخرى من الوطن تمكّن الكاتب من زيارة موطن أسرته في كوسوفا، الذي أصبح إقليماً يتمتع بحكم ذاتي واسع تحت مظلة جمهورية يوغسلافيا السابقة. ومع الاختلاف الكبير بين النظامين، استعاد الأرناؤوط حماسه السابق نحو ثقافته الألبانية ومعاودة الإنتاج الأدبي ولا سيما بعد تعرّفه على أهم الشعراء والكتّاب الألبان.

وجاء الانعطاف الكبير في مسيرة عبد اللطيف الأرناؤوط الأدبية عندما عرّف الكاتب العربي بأهم الكتاب الروائيين في ألبانيا، ومن بينهم المرشح المتكرر لجائزة نوبل للآداب إسماعيل كاداريه المولود في 1936 الذي أصبح نائب “الجبهة الديموقراطية”، وهي الواجهة الشكلية للحزب الحاكم. ووضعه ذلك في زاوية إشكالية لم ينج منها في ما بعد. كانت بدايات ترجمات الأرناؤوط لكاداريه هي قصيدته الطويلة “يوميات الجيل”.

أما أولى ترجماته الروائية فكانت رواية “جنرال الجيش الميت”، وهي الرواية التي فتحت له طريق الشهرة، وصدرت الرواية عن “وزارة الثقافة السورية” في 1981، وأتيح لها الانتشار خارج سورية، ثم أتبع ذلك برواية “الحصن” في 1986 التي حظيت بالاهتمام أيضاً. في ذلك الوقت بدأت ترجمة كاداريه إلى اللغات العالمية كالإنكليزية والفرنسية وغيرها، ونجد صدى هذه الترجمات في العربية كرواية “من أعاد دورنتين” بترجمة أنطوان أبو زيد وروايتا “مدينة الحجر” و”الوحش” بترجمة عفيف دمشقية. كما صدرت الرواية الشهيرة “قصر الأحلام” بترجمة حياة الحويك.

تداخل صدور هذه الروايات مع فجر التغييرات في أوروبا الشرقية، والذي وصل تأثيره إلى ألبانيا، كتحدٍ لآخر قلعة للستالينية في أوروبا، ونجحت في تبني تحوّل ديموقراطي منذ نهاية 1990 انتهى بتسلم الحزب الديموقراطي الحكم بعد أول انتخابات حرة.

وتتالت ترجمات الأرناؤوط لروايات كاداريه بإصدار “وزارة الثقافة السورية” رواية “العرس” في 2006 ثم رواية “الملف هـ” في 2008 ورواية “لجنة الاحتفال” في 2009. ولم يكتف الأرناؤوط بترجمة هذه الروايات لكاداريه فألف كتاباً عن مؤلفها بعنوان ” اداريه شاعراً وروائياً: تأملات في أعماله المترجمة إلى العربية”، وفيه قال كلمته الفاصلة حول كاداريه الذي انتُقد لأجل موقعه في النظام الشمولي السابق ولجوئه إلى باريس حينها: “يجب أن يُحكم على عظمة أدب إسماعيل كاداريه بعيداً عن مواقفه السياسية وتحولاته، فالسياسة تتبدّل والإنسان يتغير”. ورغم إشكالية هذا الرأي فإن الاهتمام بأدب كاداريه استمر وانتقل التعريف به إلى بيروت والقاهرة.

ويُلاحظ هنا أن عبد اللطيف الأرناؤوط لم يتوقف عند هذا الكاتب بل قام بترجمة مجايلين له من الكتاب الذين لم يسبق الترجمة لهم والتعريف بهم، لتكون دمشق مركزاً للتعريف بالأدب الألباني في العالم العربي.

إضافة إلى هذه الريادة في ثقافته الأم فإنّ انتماءه إلى الثقافة العربية واهتمامه بالأدب والتأليف والنقد دفعه إلى كتابة المقالة والقصة والدراسات الأدبية والنقدية. هكذا نجد مجموعة من الكتب التي تتناول مسيرة وإبداع عدد من الكتاب والشعراء كعبد السلام العجيلي ومعروف الأرناؤوط وعبد الوهاب البياتي وسليمان العيسى وشفيق جبري وغيرهم. وانحاز الكاتب باهتمام واضح لأدب المرأة رداً على التهميش الذي رآه مجحفاً بحقها، فأصدر عدداً من الكتب حول كتابات غادة السمان وليلى العثمان وعائشة الأرناؤوط وسعاد الصباح وغيرهن في عنوان واحد “الأعمال غير الكاملة”، متناولاً أعمالهن ومسيرتهن الإبداعية.

كما كتب للأطفال مجموعات قصصية وقصائد شعرية صدرت عن “اتحاد الكتاب العرب” و”وزارة الثقافة السورية”.

أما إنتاجه في اللغة الألبانية، فقد كتب مجموعات شعرية منها: “ما وراء الجبال والبحار” و”لهيب الشوق”، وقام بترجمة مسرحية “الغرباء” لعلي عقلة عرسان.

مع هذا الإنتاج المتنوّع، قدّم الأرناؤوط “زبدة القول وخلاصة المسيرة الإبداعية” في كتابه “تجربتي مع الثقافة والأدب”. أما المسيرة الحياتية فخصّها بكتيّب بعنوان “أوراق بعد الستين من العمر”.

هكذا أخلص عبد اللطيف الأرناؤوط لثقافته الأم، فكان رائداً في نقلها إلى اللغة العربية والتعريف بهذه الثقافة المتوارية، كما أخلص لثقافته العربية التي اكتسبها وأحبها وأبدع بها كتبه الكثيرة.

  • كاتبة من سورية
  • محسنة الخطيب

منذ أوّل أمس الخميس، يُقام في مقر بلدية مدينة ليون الفرنسية “الملتقى الدولي لرسومات الصحافة”، والذي يمثّل تظاهرة تعمل على إيجاد فضاء تواصل وتشابك بين فناني الكاريكاتير والمصوّرين الفوتوغرافيين والمصمّمين.

يتواصل الملتقى حتى يوم غد، ويشارك فيه عدد من أشهر رسامي الكاركاتير؛ مثل الإيراني مانا نايستاني، والفرنسي لاكومب، كما تشارك الفنانة التونسية نادية الخياري المعروفة بشخصية القط ويليس.

على هامش الملتقى يُقام معرض يتضمّن 200 رسماً كاريكاتيرياً تعود إلى فناني كاريكاتير حاضرين خلال التظاهرة مثل: ويليم، وبانشو، وكامبون، وديبيون، وريمي مالينغراي، وسوف.

كما يجري تقديم كتاب مؤرّخة الفن الفرنسية فابيين ديسو والذي يحمل عنوان “خطوط ملتزمة”؛ حيث تقدّم المؤلفة الفنانين الذين اعتمدت عليهم في دراستها، كما تبيّن العلاقة بين فن الكاريكاتير والالتزام بالقضايا السياسية والبيئية والاجتماعية.

ضمن فعاليات اليوم الأخير، غداً، تقام حلقة نقاش حول حضور الجزائر في الرسومات الكاريكاتيرية وفي كتب الأشرطة المصوّرة، ويتساءل المشاركون إن كان هناك تحوّل بين صورة الجزائر اليوم مقارنة بالفترة الاستعمارية.

باريس

صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط – إيطاليا، مجموعة شعرية جديدة للشاعر الفلسطيني رائد وحش حملت عنوان “كتاب الذاهبين”، وذلك ضمن سلسلة “براءات”، التي تصدرها الدار وتنتصر فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.

كرس رائد وحش مجموعته هذه لتناول موضوعة الموت من زوايا عديدة، في بحثٍ شعريّ يرمي إلى تقديم مقاربة خاصة للموت، حيث تسأل القصائد: ما الموت فعلًا؟ هل له جسد وملامح وشخصية؟ كيف وبماذا يفكر؟ ماذا يريد؟ هل ثمة حقّاً سيناريو مرسوم سلفاً لرحلة الميّت إلى عالم آخر؟ هل يجري ذلك كما قالت به الأساطير أو الأديان؟ أم أنّ هناك قصة أخرى؟

تأتي كل هذه الأسئلة وغيرها من أجل الوصول إلى خلاصة ترى في الموت ليس مآل الأشياء وحسب، بل هو أصلها قبل ذلك، فكلُّ ما يولد يأتي منه، مثلما أنّ كل ما يذهب يمضي إليه. وهكذا يغدو الموت صانعًا أولًا للحياة، وضمنًا للدين والفن والثقافة. يغدو الموت مفتاح الوجود الأول والأكبر.

من فكرة الزوال التي ترافق الريح، إلى أسطورة القرين الشخصيّ التي تجعل المصائر البشرية مرايا للموت، إلى محاولة العثور على اللغة السرية التي يتكلم بها الموت نفسه، إلى كل ما يحمله هذا العالم من معاني التحول والتبدل والانتقال؛ تصل قصائد المجموعة إلى أن الموت حجر كبير لا يتوقف في النمو، وكل ما يموت إنما ينضم إلى ذلك الحجر العملاق، الذي سيكبر ويكبر إلى اللحظة التي يدرك فيها الجميع، حين يغدون جزءاً منه، أنهم مصنوعون من حجر واحد.

في المجموعة ست قصائد، أربع منها طوالٌ، إلا أن هذه القصائد كلها تتقاطع في قصصها وشخصياتها في القصيدة الأخيرة، التي تلتقي فيها كل الشخصيات، وتنتهي إليها كل الخطوط التي الحكائية التي فُتحت على مدار الصفحات.

أخيراً جاء الكتاب في 88 صفحة من القطع الوسط.

من الكتاب:

لا وجود لنحتٍ

الحجارة ذاتها تصنع تلك الوجوه

تبني الكتل التي تريد

وتوهمكم أنكم صانعوها.

لا وجود لتماثيل

وما تضعونه في مدائنكم

ليكون تمائم ضد الموت

هو الموت ذاته.

لا وجود لنحت،

قلتُ لكم من قبل،

في رسائل سابقةٍ:

كيف يكون ثمة نحت

وأصل الأزاميل معدن

وأصل المعدن حجر؟

كيف يكون هناك نحّاتون

وأصل الأيدي عظمٌ

وأصل العظم حجر؟

عن الكاتب

رائد وحش شاعر وكاتب وصحافي من فلسطين – سوريا، من مواليد دمشق 1981. عمل محرّرًا في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية السورية والعربية. “كتاب الذاهبين” مجموعته الشعرية الخامسة.

صدر له في الشعر: “دم أبيض” 2005، و”لا أحد يحلم كأحد” 2008، و”عندما لم تقع الحرب” 2012، و”مشاة نلتقي.. مشاة نفترق” 2016، وفي النثر “قطعة ناقصة من سماء دمشق” 2015، وفي الرواية “عام الجليد” 2019.

قام الممثّل المصري الرائد عمر وصفي (1874- 1945) برحلة إلى سورية في عام 1897 بصحبة أستاذه أبو خليل القبّاني، بحثاً عن المطربة ملكة سرور التي كانت تغنّي في حلب، لتنضمّ إلى الفرقة التي أنشأها القبّاني وضمّت فنانين آخريم منهم الممثّلة السورية مريم سماط (1870 – 1950).

نشَر وصفي مذكّراته في مجلَّة “الصباح” القاهرية طَوَالَ العام 1931 في ستِّ وثلاثين حلقة، والتي مثّلت شهادة مهمة على تلك المرحلة الغامضة من تاريخ المسرح العربي، على لسان آخر الأبطال الأحياء من ذلك العهد، الذي لم ينل حظّه الوافر من التوثيق، بينما نشرت سماط مذكراتها في جريدة “الأهرام” عام 1915 بعنوان “التمثيل العربي” في خمس حلقات، والتي تعدّ أوّل مذكّرات لممثّلة في الثقافة العربية.

“سيرة الأجواق المسرحية العربية في القرن التاسع عشر – مذكّرات الممثّلين عمر وصفي ومريم سماط”، عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً عن “منشورات المتوسط” في ميلانو، من إعداد الباحث الفلسطيني السوري تيسير خلف.

يضمّ الكتاب مذكرات ممثليْن عاصرا بداية ظهور الفرق المسرحية المحترفة في مصر

يضمُّ الكتاب المذكّرات الفنية لهذين الممثلين اللذين عاصرا بداية ظهور الفرق المسرحية المحترفة في مصر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر، إلى جانب مقدّمتين إضافيّتيْن، توضّحان أهمّيتهما في تاريخ الفن الرابع عربياً.

يكتب خلف في مقدّمته: “وإن كانت مُذكّرات مريم سماط مُختَزَلَة إلى حَدٍّ كبير، فإن مُذكِّرات عمر وصفي أكثر تفصيلًا وإحاطة بتفاصيل تلك المرحلة التَّأسيسيَّة للنهضة الفنِّيَّة التي ترفل فيها مصر منذُ قرن ونصف القرن، بمُساهمة حاسمة من فنَّانين ومُبدعين سُوريِّيْن، فرُّوا من الجَوْر الحَمِيْدِيِّ؛ وَوَجَدُوا في أرض الكنانة جنَّة الحُرِّيَّة التي كانوا بها يحلمون”.

ويشير إلى أن أبا خليل القبَّاني اتّفق مع شريكه عبد الرزاق بك على تكوين فرقة جديدة أواخر عام 1894، لتمثّل في مسرح شارع عبد العزيز لأن الملاهي كانت قد انتقلت من جواره، وتكوّنت الفرقة من بنات سماط (مريم وهيلانة وحنينة) وعمر وصفي، والمُطرب الشيخ حسن صالح، وعمر فايق، الاختصاصي في أدوار المُلُوك، واختصَّت بالروايات المُؤلَّفة بدل المُعرَّبة، حيث كانت تمثّل “عنتر بن شداد”، و”وَلَّادة بنت المستكفي”، و”عفيفة”، و”الأمير محمود”.

ويوضّح وصفي في مذكّراته كيف شهدت تلك العروض رواجاً كبيراً، حيث يقول: “ما شاهدتُ مثل هذا الإقبال من قبل.. تزاحُمٌ على باب التياترو لا مثيل له، وتعارُكٌ على شُبَّاك التذاكر، وقد تاجر الكثيرون في هذه التذاكر التي كانوا يشترونها من التياترو ويبيعونها بأضعاف ثمنها، وفي ليلة التمثيل، كان البوليس، مُشاة ورُكباناً، على باب التياترو حفْظاً للنظام”.

وتلفت سماط في مذكّراتها إلى وجود فرقتين عاملتين في تلك الفترة هما “جماعة المعارف” التي كان يرأسها محمود أفندي رفقي، وثانيهما جوق أبي خليل القباني وكان يقوم بأدوار البنات في كلا الجوقتين شباب من الممثلين، حيث التحقت بالفرقة الثانية وواصلت التمثيل على الخشية قرابة خمسة وعشرين عاماً.

ميلانو

في ثمانينيات القرن الماضي، برز في المشهد الثقافي السوري الأكاديميُّ طالب عمران (وُلد في طرطوس عام 1948) بعدّة روايات، ممثّلاً لما سُمّي “أدب الخيال العلمي”، بعدما عاد من “جامعة عليكرة” الهندية بدكتوراه في العلوم الرياضية – المنظومات التفاضلية، ليشتغل أستاذاً في كلية الهندسة بجامعة دمشق. لكن بعد أربعين سنة أصبح أغزر كاتب قصصي وروائي في العالم العربي في مجال “أدب الخيال العلمي”، بعد أن وصلَت مجموعاته القصصية ورواياته إلى سبعين؛ ابتداءً من “ضوء في الدائرة المعتمة” (اتحاد الكتاب العرب في دمشق 1980) وانتهاءً بـ”في البحث عن المدينة المفقودة” (وزارة الثقافة السورية 2021).

لكن، مع الوفرة الكمية التي بلغها عمران في هذا المجال، من دون الخوض في قيمتها الفنية، أصدر مؤخّراً رواية “كنوز إسكندر بيك” (دمشق 2021، لا تذكر الطبعة اسمَ الناشر)، التي انتقل فيها إلى مجال آخر لم يُوفَّق فيه لاعتبارات عديدة، فنّية وسياسية، لا تحتملها “رواية” من هذا النوع لتُغطّي على سبعين رواية ومجموعة قصصية له في مجال الخيال العلمي.

وفي الحقيقة، تنطلق هذه الرواية ممّا يفوق الخيال التاريخي (الموجود في الروايات الألبانية) لما جرى في ألبانيا في القرن الخامس عشر من قتال بين القائد الألباني العثماني المتمرّد على السلطان جورج كاستريوت، الذي اشتهر باسمه العثماني إسكندر بك بعد إسلامه، والحملات العثمانية عليه وصولاً إلى القتال الدائر في سورية خلال 2011 – 2018، وما حلّ بها من خراب بسبب “الإرهابيّين”، ليجعل بذلك أحداث الرواية تدور بين الماضي المفترَض والحاضر المشخّص ما بين ألبانيا وسورية، مع حرص واضح على أدلجة الماضي والحاضر هنا وهناك.

حرصٌ واضح على أدلجة الماضي والحاضر في سورية وألبانيا

وربما من المهم، هنا، ذكر أنَّ المؤلِّف قام بزيارة إلى ألبانيا قبل أسابيع لترويج كتابه هناك، واعترف لكاتب ألباني بأنّ كلّ ما كان يعرفه عن ألبانيا كان من قراءته لروايات اسماعيل كادريه المترجمة، وخاصّةً رواية “الحصن” التي تدور حول مقاومة إسكندر بك للحملات العثمانية التي أُرسلت لحصاره في حصنه بمدينة كرويا في وسط ألبانيا، وهو ما يذكره صراحة في روايته، مع استشهاده عدّة مرات بما ورد فيها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما قام به كادريه من أدلجة في روايته لصالح النظام الشمولي الحاكم في ألبانيا آنذاك، نجد أنّ عمران سار على هذا النحو في الأدلجة في روايته، سواء فيما يتعلّق بألبانيا أو ما يتعلّق بما جرى في سورية بين 2011 و2018.

الخيال التاريخي وما فوق التاريخي

اختار طالب عمران موضوع روايته الجديدة من توليفة تجمع بين التاريخ الألباني في بداية الحكم العثماني وتاريخ سورية في نهاية حكم المماليك وبداية الحكم العثماني، وبين الحاضر سواء في ألبانيا المعاصرة التي “غزاها” بعض العرب بحجّة الدعوة للإسلام لأجل التمتّع بالزواج من فتياتها أو في سورية التي “غزاها” الغرباء من العرب وغير العرب لتدمير البلاد.

لكن لأجل حبكة كهذه، تجاوَز المؤلّف ما هو موجود ومستهلَك في الخيال التاريخي في الروايات الألبانية ليُبدع جديداً لم يسبقه إليه أحد من الكتّاب الألبان. وهكذا تقوم هذه الحبكة على وصية للقائد إسكندر بك قبل وفاته إلى أقاربه وأتباعه أن ينجوا بأنفسهم من العثمانيّين وأن يذهبوا إلى اليونان أو سورية التي كانت تحت الحكم المملوكي المعادي للعثمانيّين، إذ يمكن أن يلقوا هناك الأمان لهم. وكان من هؤلاء أحد أحفاد إسكندر بك الذي حمل معه “كنوزاً” من المخطوطات الألبانية التي تتضمّن ما كتبه المؤرّخ الألباني عبد اللطيف عن معارك إسكندر بك من داخل الحصن، وهي مخطوطاتٌ تختلف عن السردية العثمانية للمؤرّخ العثماني الذي كان يرافق الجيش العثماني. وتنتهي الرواية بعد مسلسل مطوّل على طريقة “الأبطال والحرامية” في دمشق القديمة وحاراتها وأنفاقها إلى العثور على هذه “الكنوز” من المخطوطات التي نُقلت إلى ألبانيا وأصبحت الآن “تُدرس بحرفية متقنة من قبل خبراء في الخط والآثار القديمة” حسب ما يرد في الصفحة الأخيرة للرواية (ص 276).

ما هو فوق الخيال التاريخي في هذه الحبكة هو أنّ الألبان كانوا يمرّون بحالة انتقالية في القرون الوسطى، وبالتالي لم يكن يوجد لديهم بعدُ لغة ألبانية مكتوبة في ذلك الوقت، ولا مخطوطات باللغة الألبانية، ولذلك ربما لاحظ المؤلّف خلال زيارته إلى ألبانيا بعد صدور روايته عدم وجد وثيقة واحدة بالألبانية في “متحف إسكندر بك” المهيب في حصن كرويا، الذي بُني خلال الحكم الشمولي، سواء بخطّه أو بخطّ أحد من كُتّاب الرسائل لديه.

شخصنة الرواية

مما يلفت النظر في هذه الرواية أنّ المؤلّف كسر الحاجز بين الواقع والإيهام بالواقع، سواء بالتصدير الذي كتبه كأكاديمي للرواية (ص 3)، والذي عبّر فيه عن إعجابه بالقائد إسكندر بك، أو باختياره لنفسه شخصية رئيسية (باسم تيسير) فيها. فمنذ الصفحة الأولى، لدينا إشارات كثيرة إلى نفسه وعمله في الجامعة والإعلام وشهرته ومعرفة ضبّاط وعناصر الحواجز في سورية له… وهكذا تبدأ الرواية في الصفحة الأولى (ص 5) من اتصال هاتفي يتلقّاه وهو “في مكتبه في الكلية” من زوجة زميله الذي راح ضحية “تفجير إرهابي”. وعندما قرّر السفر إلى ألبانيا وانطلق إلى المطار “كان يمر على الحواجز سريعاً، وغالبية من فيها يعرفونه من خلال اسمه المشهور” (ص15). وحتى عندما وصل إلى مطار بيروت “لم تكن إجراءات المطار معقّدة، وقد أبدوا له احتراماً لكونه أستاذاً في الجامعة” (ص 16)، وحتى عندما يجد من يعرفه في مطار إسطنبول يُعرّف بنفسه قائلاً: “أنا أكتب الرواية والقصة، وأغلبها عن الأزمان المقبلة” (ص 27)، وعندما وصل إلى مطار تيرانا والتقى بصحافي، عرّف نفسه: “أنا كاتب… أكتب عن المستقبل” (ص 30-31) وغير ذلك الكثير.

لكنّ المفاجأة تأتي في نهاية الرواية، حينما يكتشف بعد عودته إلى دمشق للبحث عن “الكنوز” التي جاءت مع حفيد إسكندر بك، أنّه من أصل ألباني، وأنّ “جدّه البعيد في القرن الخامس عشر” تزوج حفيدة إسكندر بك التي جاءت آنذاك إلى دمشق هرباً من العثمانيّين، وتنتهي بقصة حب مع ألبانية تعرّف عليها في ألبانيا (سالي) وعاد معها إلى ألبانيا بصحبة “الكنوز” التي عثرا عليها.

فوبيا الأتراك والعثمانيين

تكشف الرواية، منذ الصفحة الأولى، عن شخصنة أُخرى تُميّز كلّ العمل، ألا وهي الفوبيا من كلّ ما هو تركي وعثماني، والتي أصبحت تُعبّر عن المزاج الرسمي الجديد في سورية بعد “سنوات العسل” (2000 – 2011). ولا شكّ في أنّ اختيار شخصية إسكندر بك بعد أن تحوّل من قائد عسكري في الجيش العثماني إلى قائد معادٍ له خدم هذا المسار الروائي، إذ تعجّ الرواية بما قام به الجيش العثماني في القرى المجاورة للحصن خلال حصار إسكندر بك وبعد وفاته، ثم ما قام به العثمانيون بعد فتحهم لسورية من “مذابح وحشية في كلّ مكان” (ص 78). ويرتبط هذا الموقف بتركيا الأردوغانية التي سعت إلى إحياء التراث العثماني الذي لم يكن يلقى معارضة خلال تحسّن العلاقات بين البلدين، لكنّه تحوّل إلى فوبيا بعد 2011.

يقتصر ما يعرفه عن ألبانيا على ما قرأه من ترجمات لكادريه

لكنّ الموقف من العثمانيّين، الذي يرد عادةً بمقاربة الأسود والأبيض في المؤلّفات التاريخية والأدبية العربية المعاصرة، لا يفترض أن يقود بالضرورة إلى فوبيا أُخرى من الأتراك أو من كلّ ما هو تركي؛ فنظراً إلى أنّ خطّ سفر المؤلف – سعد في الرواية – إلى تيرانا يمرّ عبر مطار إسطنبول، يُصبح انتقاد ما هو تركي مباحاً حتى في الأمور التي لا يُتّفق عليها، ومن ذلك انتقاد رجال الشرطة في مطار إسطنبول لإهمالهم لما يحدث في المطار من خطف للشنط من السيّدات، وحتى انتقاد “فقر” الوجبات المقدَّمة على “الخطوط الجوّية التركية”!

اللون الواحد للإرهاب

على الرغم من العنوان وما يوحيه، يتشكّل انطباع لدى القارئ هو أنّ الهدف من هذه الرواية هو تسويق لسردية واحدة من السرديات الموجودة في سورية عما حدث خلال 2011 – 2018. فنظراً إلى مكانة المؤلّف في الإعلام السوري، نجد أنّ الرواية يسودها لون واحد للإرهاب، وهو الذي يسوّقه الإعلام الرسمي منذ 2011. فمنذ الصفحة الأولى، تبدأ الرواية باتصال هاتفي مع البطل – سعد في الرواية – من زوجة زميله في الجامعة (الدكتور صلاح) الذي “استشهد من جرّاء قذيفة هاون أصابت سيّارته وهو فيها داخل الحرم الجامعي” (ص 12- 13)، بينما تأتيه إلى مكتبه في الجامعة بعد دقائق طالبة تطلب مساعدته لنقلها من شعبة إلى أُخرى، وعندما يسألها عن ذلك تسترسل في خمس صفحات تسرد له معاناتها المؤثرة في طريق قدومها مع أختها من الرقّة إلى دمشق أمام “حاجز للغرباء” يحولون فيه ابتزاز النساء (ص 6- 12).

ولأجل تعزيز هذه السردية الأحادية عن الإرهاب الذي دمّر سورية نجد أن المؤلف عرف كيف يحول القسم الثاني من الرواية، التي يقوم فيها مع طالبة الدكتوراة الألبانية التي تَعّرف عليها في تيرانا في البحث عن “كنوز إسكندر بك” في دمشق القديمة، إلى مسرح لاستعراض مدى انتشار “الجماعات الإرهابية” فوق الأرض وتحتها (في الأنفاق)، والتي كانت تعتقد أنّ “الكنوز” تشتمل على ذهب مخبوء. وهكذا يتعرّض أبطال الرواية (سعد وسالي وإدوارد) إلى خطف وتهديد وتعنيف من قبل هذه “الجماعات الإرهابية” التي تتميّز النساء فيها بملابس تدلّ على هوية نمطية، لكن ينتهي الأمر دوماً بتدخُّل الجيش ونجاحه في القضاء على هذه الجماعات، سواء في الشوارع أو في البيوت أو الأنفاق تحت الأرض.

بعد سبعين رواية ومجموعة قصصية من “الخيال العلمي”، تأتي رواية طالب عمران الجديدة مفاجأةً للقارئ؛ ابتداءً من شكل غلافها الذي يَصلح لكتاب آخر غير الرواية، وطباعتها الرديئة التي تخلو من اسم دار نشر أو مطبعة، ووصولاً إلى حبكتها المفتعلة التي تستلهم ما فوق الخيال التاريخي لتُحوّل الرواية إلى “لعبة أبطال وحرامية” في دمشق القديمة وضواحيها بين “حماة البلاد والإرهابيّين”.

  • كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري

يظهر بوضوح ملامح الفضاء الحاضن للحقيقة الإنسانية المتنازع عليها بين (الذات والغير) في المجموعة القصصيىة “توبة مؤجلة”، للكاتبة السعودية تهاني إبراهيم مخيزن، وتفعل الكاتبة ذلك عبر آليات جديدة لإنتاج المعنى، ذلك الذي يستهدف الأشياء المتفلتة والتفاصيل الدقيقة في حياة الإنسان العادية؛ ولهذا الغرض اعتمدت في قصصها على التكثيف الحدثي، والإدهاش الرصين، والسرعة في تعقب الصور الصغيرة التي على الرغم من إحساسنا بها بسيطة في حياة الشخوص، إلا أنها بدت عبر تقنيات العمل الفني، وقائع ذات قيمة ومغزى ودلالة كبيرة.
من أجواء القصص نقرأ:
–    “زيارة مفاجئة” فاجأته بزيارة عابرة، فوجدت عنده ظل أنثى أخرى، تركته، وفي طريق الخروج، اكتشفت أنها تدثرت به من البرد.
–    “أظافر” تطيل أظافرها، تهتم بتشذيبها، لتجرح بها كل من يقدّم قلبه لها.
–    “أصابع” كان يظن أن أصدقاءه مثل أصابع يده، يجمعهم كف الوفاء. تعرَّض لضائقة مالية، أخرج يده من جيبه، فوجدها بلا أصابع.
تضم المجموعة القصصية “توبة مؤجلة” عدداً من القصص القصيرة والقصيرة جداً، نذكر من العناوين “ظنون”، “الأفق الباهت”، “علبة ألوان”، “اللقاء المستحيل”، أروقة المغادرة”، “أصابع”، “ثقب في القلب”، “بركة”، “الباب الأسود”، “شفاء”، وغيرها.
صدرت المجموعة عن الدار العربية للعلوم ناشرون  بالتعاون مع نادي جازان الأدبي، وجاءت في 80 صفحة.
 

يضم هذا الكتاب “أشكال الحداثة في الرواية العربية” قراءات الكاتب فتحي أبورفيعة لعدد من الروايات المهمة التي توالى صدورها منذ أوائل القرن الحالي، ولقيت اهتماما كبيرا من قبل النقاد والمهتمين بالشأن الأدبي، ومنها روايات “حيث لا تسقط الأمطار” لأمجد ناصر، و”بروكلين هايتس” لميرال الطحاوي، و”بيت الديب” لعزت القمحاوي، و”التلصص” لصنع الله إبراهيم، و”وشم وحيد” لسعد القرش، و”عناق عند جسر بروكلين”، و”شجرة العابد” لعمار علي حسن، و”فتاة الحلوى” لمحمد توفيق، و”شهرزاد على بحيرة جنيف” لجميل عطية إبراهيم.
يؤكد أبورفيعة تصديره لكتابه الصادر عن مؤسسة بتانة أن أهم ما يميز هذه الروايات هو ما حفلت به من اتجاهات حداثية ميزتها عن غيرها من الروايات التي نشرت في الفترة نفسها، كما شهدت تلك الفترة انطلاق ثورات الربيع العربي في تونس ومصر، ولعل بعضها تناول ـ إشارة أو تلميحا ـ هذا التطور البارز في التاريخ العربي.
ويرى أنه ربما يتفق نقاد الرواية الحديثة على أشكال الحداثة وسعت كل شيء، فصارت تنطوي على جميع الأشكال الحديثة للرواية. وإذا كان لي أن أختار نموذجا دالا على مثل هذه الرواية، فإنني أختار على الفور رواية “بروكلين هايتس” للروائية ميرال الطحاوي، وهي الرواية التي جمعت أكبر عدد من الموضوعات التي تتناولها الرواية الحديثة، والتي أخذت شكل المخيال أو “الكلاديسكوب” الذي يعرض على القارئ مختلف صنوف الحياة المعاصرة والمعقدة، بدءا من قضايا الاغتراب والهجرة إلى قضايا النسوية والنزوح الثقافي العابر للحدود، وشكلت “هند” بطلة الرواية شخصية تستعصي على الوصف أو الاختصار، وهي تنضم فورا إلى كوكبة الخالدات في الرواية المصرية مثل “زينب” في رواية محمد حسين هيكل التي تحمل نفس الاسم، و”سلوى” محمود تيمور في “سلوى في مهب الريح”، و”زهرة” نجيب محفوظ في “ميرامار”.

وفي تقديمه يشير الناقد د.جابر عصفور إلى أن الكتاب يمكن وصفه بأنه نقد حداثي عن أعمال حداثية، ولذلك لم يكن من الغريب أن يطلق فتحي أبورفيعة على كتابه “أشكال الحداثة في الرواية العربية”، فهو يتناول أعمالا خارجة عن المألوف أو المعتاد، بعضها يفيد من الواقعية السحرية، لكنه لا يستوردها من الخارج، وإنما يعثر عليها في تراثه الديني بسير الأولياء، كما فعل عمار علي حسن في “شجرة العابد”، وبعض الروايات يحاول أن يصوغ تشكيلا أوبراليا من أوجاع المنفى وانفراط عقد العمر، كما فعل أمجد ناصر في روايته “حيث لا تسقط الأمطار”، بينما يلجأ البعض الثالث إلى نوع من الكرنفالية الصاخبة، كما فعل جميل عطية إبراهيم في “شهرزاد على بحيرة جنيف”، ويراوح البعض الرابع متاهة النص وغواية السرديات الكبرى، كما يفعل عزت القمحاوي في “بيت الديب”، والبعض الخامس يلجأ إلى شعرية القبح وخشونة الواقع السردي كما يفعل صنع الله إبراهيم في “التلصص”، أما سعد القرش فإنه يصوغ سردية ثورية تستحق التحية، أما عز الدين شكري في “عناق عند جسر بروكلين” فإنه يصوغ مرثية للأبطال الذي فاتهم قطار الربيع العربي، فظلوا متوحدين يواجهون غروب الحياة ومقدم الظلام، ويبقى محمد توفيق في “فتاة الحلوى” حيث يصفه أبورفيعة بأنه عالم افتراضي يراوح بين ساحة الهروب من الواقع وإدانة للثورة.
ويوضح أن هذه الروايات تشغلنا بدوالها قبل مدلولاتها، وذلك على تفاوت بينها بالطبع، والفارق واضح بين رواية تبحث عن أصالة تحفر في شفرات النص التراثي بمناقب الأولياء كما يفعل عمار علي حسن في روايته التي لا تعترف بحدود الزمان والمكان، واصلة الغرائبية بالعجائبية في صياغات جديدة لسير الأولياء الشعبية بما يجعل منها نصا حداثيا بامتياز. 
ويضيف جابر عصفور “وهناك هذا الشعور الغالب بالتقاط لحظات النهاية في حياة الشخصيات التي تشارف جميعها النهاية، كما لو كانت رواية من روايات النهايات التي تقف على الخط الأخير الذي يتحول فيه الخيط الأبيض إلى خيط أسود، كما يحدث في “عناق عند جسر بروكلين”. وهناك أوجاع المنفى التي تتفتت فيها الكتابة، فتتحول إلى حبات لا يجمعها عقد كما في رواية ميرال الطحاوي، لكن ما يجمع بين هذه الروايات جميعها ـ ما قرأت منها وما لم أقرأ ـ هو هذا الحس الحداثي الذي يجاوز المعاصرة إلى المغايرة التي تبحث عن شيء مراوغ تومئ إليه ولكنها لا توصلنا إليه، ولذلك جذبت هذه الروايات انتباه أبورفيعة فكتب عنها كتابة حداثية، أعني تنشغل بالمراح الحر للدوال، لتصل إلى أبعاد غنية ومتعددة من الدلالات.

محمد الحمامصي