استعراض الأقسام

الأدبصفحة

صدر حديثاً عن دار الدراويش للنشر والترجمة -كاوفبويرن -ألمانيا الديوان الشعري (يعصرون خمراً) للشاعرة اليمنية غالية عيسى.

وتعد غالية عيسى من الأصوات الشعرية اليمنية الشابة بتجربة شعرية متفردة جمعت بين فخامة اللغة وسلاسة التعبير ورهافة الشاعرية.


 إنني فتاة مزعجة بعض الشي فكل أسرتي تنزعج من اغاني البوب. انا محبوبه في المدرسة و ايضا متفوقة في دراستي، لدي أصدقاء كثر يحبون اغاني البوب. اذهب الى المدرسة الساعة السابعة صباحا. اه ه ه ه  كم اكره هاذه الوقت و صوت المنبه المزعج انه يعكر صباحي و انا احب النوم اقصد اعشق النوم .

  أحببت  الغناء من اغاني البوب ……اتمنا ان اصبح مشهوره , اكلتي المفضلة البيتزااااا أحب الجبن و الصدق و يزداد حبي لها في حاله واحده عندما تكون ساخنه فكل شيء في البيتزا ساخن يوميا يوجد بيني و بين امي مناقشه ساخنه عن الملابس، أمي تريدني ارتدي الفساتين و التنورات و النمط الكلاسيكي و انا اريد ارتدي بناطيل الجنيز و القمصان حتى اصبح  مثل فنانين البوب. لدي جرو يدعى كريستوف .. لطيف بعض الشي.  يعض كل أشيائي في ليلة امس كسر إحدى أقراص أغاني البوب لم اغضب منه .. لأني احبه.

 أدرس  في الثانوية أحب صديقتي “ليا” كاتمة أسراري  متواضعة  ومتفوقة مثلي  في دراستها هناك فتاة تزعجنا دائما تدعى سوزان غيورة و متكبرة و ترى أشيائها  لا مثيل لها ، و قررنا أنا و ليا عندما ينتهي الأسبوع سوف نذهب إلى منزل الشجرة الذي صنعناه  و استغرق وقت طويل  سوف نقوم بتجديد اشيائنا إلى أشياء ينبهر به الآخرين و خصيصا سوزان. بدأنا العمل  بجد وكان كل ما يلزمنا غراء و بعض الأقمشة وكذلك أغاني البوب. كان وقت جميل استمتعنا أنا و ليا كثيرا.

أخيرا انجزنا المهمة بنجاح.. صرخت بأعلى صوتي .. كانت الأشياء رائعة و مبهره .اخترت أضيف لشنطتي صور لفنانين البوب .اختارت  ليا تضيف لمقلمتها بعض الوجوه التعبيرية  الجميلة و أكثر  وجه معبر اعجبني الذي في عيناه قلوب حمرا  يشبه كريستوف جروي عندما كسر إحدى أقراص الأغاني كان وجهه لطيف و مثله.

 –  لقد أتى باص المدرسة .. هيا يا ليا أتى باص المدرسة أنه اليوم المنتظر.

–  انا قادمه يا جيسي .

أخيرا وصلنا  الثانوية، ها هي سوزان المتكبرة و الغيورة  كل معجبين بها كانوا حولها.

 و عندما دخلنا ساحة الثانوية  كل معجبين بسوزان ركضوا نحونا  مبهرين بأشيائنا البراقة و الملفتة.

 قالت سوزان:

ما هذه الأشياء البشعة و القبيحة أشيائي جميلة , لا توجد  مثلها في مدينتنا .

 قالت ليا ساخرة :

 لا يهمنا اشيائك التي تشاهديها جميله فأشيائنا اجمل و صنعناها بأنفسنا.

واضفت وملوحة بيدي بأشيائي في الهواء :

  ولا نشتريها من الخارج .

ودخلت  سوزان إلى صفها حانقة .. وكنا أنا و ليا فخورين بأنفسنا. انتهى اليوم المدرسي وبكل تأكيد كان يوما جميلا .

بعد فترة وصلتني رسالة من سوزان تقول (مرحبا عزيزتي جيسي أدعوك إلى حضور حفلة الهالوين في منزلي و أتمنى أن تحضري فالجميع متواجدون هناك وسوف يكون يوم الثلاثاء ) اندهشت عندما كتبت عزيزتي جيسي لأنها كانت عدوتنا  الوحيدة  أنا و ليا فاتصلت ب ليا واخبرتها بما كتبته ، فقالت لي (هي ايضا كتبت لي رسالة مثل رسالتك و قد اندهشت عندما كتبت عزيزتي ليا ).

 وبعدها ذهبت إلى منزل ليا وجلسنا  نفكر الملابس التي سنرتديها في الحفلة  .

 فقالت ليا:

 أنا سوف ارتدي زي الملاك.

واخترت  زي الخفاس وبدأنا نفتش في خزانة ليا و لم نجد سوى قماش أبيض و سلك و بعض الريش فقالت :

اعتقد ان هذا يكفي لي و لم يتبقى لي سوى الكرتون الذي سأرسم فيه الجناح و ألصق به بعض الريش أما بالنسبة للقماش الابيض سوف اخيطه ولم يتبقى لي سوى السلك الذي سوف ألصق به العمود في الجناح و العمود الآخر سوف اشكله على شكل دائرة على رأسي . فأعجبتني فكرتها.  لم يتبقى سوى زي الخفاش . فذهبنا إلى منزلي مسرعين وفتحت خزانتي ووجدت قماشا اسودا و كرتون و بعض أدوات التجميل و بدأنا نخيط ملابسنا بدقه وقد كان وقتا طويلا ، وانجزنا الملابس و تبقى لدينا الأجنحة فاستعملت المقوى الذي وجدته في خزانتي وبدأت أرسم عليه  .

انجزنا الملابس و الأجنحة وتبقى لي بعض الرسومات المرعبة على وجهي أما بالنسبة لليا فتبقى لديها السلك لتلصقه في الجناح ، وبعد وقت طويل انجزنا المهمة بنجاح واصبحنا مستعدين لحضور الحفلة فذهبنا أنا و ليا إلى منزل سوزان وقد كان الجميع متواجد هناك واتت سوزان مسرعة نحونا .

 وقالت بخجل :

أنا آسفه يا جيسي ويا ليا لأنني قسيت عليكم كثيرا وكنت أغار منكما وأنتم لطفاء معي وقد كنت شريرة معكم اما المعجبين بي فقد كنت ادفع لهم المال كي يبقوا معي ولكنهم خذلوني ففكرت وقلت لماذا أنا شريرة والناس يكرهونني؟ فقررت أن أكون لطيفه وصادقه مثلكم وفي هذه الحفلة دعوتكم لكي تسامحونني على ما فعلته بكم في الماضي و لن اطيل عليكما الكلام ..  آسفه .

فقلت لها :

انت فتاة لطيفة نحن قبلنا اعتذارك سوف نصبح اصدقاءك .

  قالت سوزان وابتسامه واسعه على وجهها :

اعدكما ان أكون لطيفه وألا اضايقكما بعد الأن .

وكانت ليلة ممتعه جدا فاستمتعنا أنا و ليا و سوزان ,و أصبحنا  أصدقاء نحب بعضنا البعض البعض.

  • قاصة من عدن – 14 سنه.

صوت المروحة القديم حزين جداً ، والضوء الخافت يزيد من حدةِ الاكتئاب ، رائحة الاعترافات المتعفنة كادت تخنقني ، نظرَ إلى عينيّ الضابط لمدة دقيقة تقريبًا ثم قال :

(ما اسمك ؟) قلت على الفور : “سموني سعيد.. لكنني لست كذلك ! “
ضحك بسخرية ثم سأل : وكم عمرك ؟ )

” على تقدير شهادة ميلادي ثلاثة وثلاثون ، أما على تقدير عذابي فهات حاسبة لنحسب “. قلتها بجدية

تجاهل ما قلت وأخذ نفسًا عميقًا وعاد يسأل “لماذا قتلت الطفلة حنان ” ؟

خيم الصمت قليلًا وبدأ صدري يعلو ويهبط ، وقفت ثمَّ عاودت الجلوس ، كأنني لا أدري ماذا أفعل.. بذلت جهدًا كبيرًا حتى أعيد صوتي ، ثم حاولت أن أرغم نفسي على الكلام وقلت :”عملي ، كما هو التحقيق عملك”.

رفع أحد حاجبيه وقال : “أي عمل هذا ؟؟ ثمَّ سأل بحرص وكم مرة قتلت ؟ “

ابتسمتُ نصفَ ابتسامة وقلت :
“ما رأيك بمن يسألك كم مرة حققت ؟”

رد بعصبية : يكفي ، أجبني إجابات منطقية ، ثم تابع هل هناك جماعة سرية تشتغل معها ؟ )

حاولت أن أجيب لكن الكلمات لم تخرج ، شعرت بالجفاف في فمي ، ووجدتني أقول : “وحدي أنا الجماعة”.

قال بنبرة قوية :(و من يعطيك المال مقابل هذا العمل) ؟

ابتسمت ابتسامة تشي بالألم وقلت : “عدو الضحية” .

( وما الذي يجعلك تقدم على القتل)؟ قالها صائحًا ، ثمَّ أخذ نفسًا عميقًا

مسحت شعري ثمّ ذقني ، وقلت شاردًا : “زينة الدنيا ،المال.. ومن غيره ؟!

قال وهو يحك أذنه بخنصرهِ بشكلٍ سريع : ) وماذا تفعل بالمال ؟ ).

لقد تغير طعم فمي بعد هذا السؤال ، وكأنني شربتُ دمًا ، قلت : “أرسله لأهلي.. إنهم بحاجة ماسة له” .

بدأ رأسي يؤلمني قليلًا ، وابتلعتُ ريقي بصعوبة ، ماذا لو أنهم لم يصدقوني وسجنوا أهلي معي ! يا رب أريد أن أتحمل ذنبي وحدي.

قال بعد أن لاحظ خوفي :(أسرتك تعلم من أين تحصل على المال ؟)

لم يبدُ على وجهي أي تعبير ، وقلت : “لو كانت تعلم لماتت أو متُّ أنا”.

وكأن نور المكتب قد انطفأ فجأة ، وخلت أني سأعيشُ في هذا الظلامِ إلى الأبد ، أطبق عينيه قليلًا وقال : (كم عدد أفراد أسرتك ؟ )

ابتسمت ابتسامة طفلٍ رضيع حين تذكرت أسرتي وأجبت : “لدي أم وأختان ، الكبرى تزوجت وتطلقت ولديها أربعة أطفال وتعيش في بيتنا ، والأخرى لم تتزوج “

عشنا بصمت لبضع لحظات ثمَّ قال : مانوع الأسلحة التي تقتل بها ؟)

_ الرصاص ، السكين ، وأضفت مؤخرا السم.
قلت الأخيرة وقد اعتراني احساس غريب !

سأل : ( وما الذي جعلك تجيء بقدميك وتعترف ؟
وحين لم يأته أي رد ، عاد يسأل ساخرًا : هل صحا ضميرك فجأة ؟ )

قلتُ هامسًا : ” في الحقيقة أنا مت عند جريمتي الأخيرة ” ثم رفعتُ صوتي ” وجئت هنا لأدفن فقط مع أني لا أستحق الإكرام ! “

سادت لحظات من السكون ، فقال خارجًا عن صمته :
( هل تعلم ماهي عقوبتك ؟ )

أحنيت برأسي ، ورحتُ أفكر.. ثمّ قلت : “ترى ما هي عقوبة المجرم بعد أن يموت ؟ “

قال بصوتٍ واضح : يموت مرةً أخرى.)

شعرت بأنَّ هنالك أشياء داخل رأسي تتحطم ، وأن شعري سيتساقط على الفور ، أغمضت عيني وأنا أسأل : ” كم مرة يموت الإنسان ؟ “

نظر إلي نظرة تشي بالتعجب ، والاستهزاء ، وقال آمرًا : توقف عن الأسئلة ، أنا من أسأل فقط)

أخذت نفسًا عميقًا كما لو كانت هناك يد تخنقني وبعدت للتو ، حركت شفتي ولكنني لم أنبس بكلمة ، وبعد لحظات على هذه الحال قلتُ أخيرًا : ” ترى ماذا سيكون سبب موتي هذهِ المرة ؟ “

ابتسم بسخرية ووضع يده على ذقنه وقال :(وماذا كان سبب موتك في المرة الأولى ؟)

” قتلني قَتلُ طفلة ” !

قلتها وتوقفت عن الحركة.

قاصة من عدن

وتتناول القصة المصورة الظروف المعيشية الصعبة لبعض الأطفال، فتلقى نظرة جادة على ضعفهم فى عالم الكبار، وتبعث برسالة مهمة للأطفال الذين تشبه حياتهم حياة “بوى” بطل القصة مفادها: “أنت لست وحدك، إنها ليست غلطتك، يجب أن تخبر أى شخصٍ تثق به عما يحدث لك، لأن حياتك لا يجب أن تكون على هذا النحو”.
الرجل الغاضب 
 وقالت در النشر فى بيان لها، إن الكتاب مناسب للأطفال من سن 5 سنوات، وكذلك للآباء والمعلمين وعلماء النفس ومستشارى الأسرة وغيرهم من البالغين الذين لهم علاقة بالآباء والأطفال.
وعن المؤلفة جرو داهل والرسام سفاين نيهوس:
جرو داهل (مواليد 1962) تكتب للأطفال والبالغين، واشتهرت كمؤلفة لكتب الأطفال بكتبها الشعرية حول موضوعات لا تحظى باهتمام كبير، وتحتل مجموعاتها الشعرية “ألغاز المطر” و”مائة ألف ساعة” مكانة بارزة فى الشعر النرويجى الحديث، كما نشرت عددا من الروايات والقصص القصيرة.
وسفاين نيهوس (مواليد 1962) رسام وكاتب أطفال نرويجى، هو الأخ التوأم لرسام الكاريكاتير إيجيل نيهوس، تلقى تعليمه فى الأكاديمية الوطنية النرويجية للحرف والصناعات الفنية فى أوسلو من 1981 إلى 1985، عمل رسامًا فى العديد من الصحف، ومنذ 1995 يؤلف ويرسم للأطفال مع زوجته جرو داهل، يستخدم تقنيات رسم متنوعة من القلم الرصاص والألوان المائية إلى الملصقات الورقية والتقنيات الرقمية.

وحسبما ذكرت صفحة “الكتبجى” على موقع التواصل الاجتماعى “تويتر” تعرض هذه النصوص السردية وجها غير مألوف عن بيسوا، وستدهش القارئ بعمقها الفلسفى وجرأتها فى طرح المواضيع الكبرى كالذات والحياة والموت وغيرها التى كانت تشغل الكاتب.

المتسول

ويضم كتاب “المتسول وقصص أخرى” اثنى عشر نصا لم ينشر من قبل للكاتب والشاعر فرناندو بيسوا، تشكل جزءا يسيرا من النثر التخيلى الذى تركه الكاتب.

إنها قصص فلسفية أو فكرية –كم يسميها بيسوا نفسه- ومفارقة لان الحالات التى تقدمها تتعارض مع الحس المشترك بعضها على شكل حكايات ذات مغزى، والأخرى.

ولد الشاعر بيسوا كما جاء فى ”شذرات من سيرة” كتبها المهدى أخريف، يوم 13 يونيو عام 1888 فى الطابق الرابع من المنزل رقم 4 بساحة سان كارلوس فى لشبونة وتوفى يوم 30 نوفمبر 1935 فى لشبونة أيضا.

 عاش طفولته الأولى مع والديه ومع جدته لأمه، ديونيسيا، التى كانت تعانى من نوبات جنون تتميز بعدوانية شديدة العنف،  لقد عاين، وهو طفل، العديد من الأزمات الحادة لجدته تركت فيه آثارا عميقة، وجعلته يعانى منذ فترة مبكرة الخوف من الجنون، قبل أن يصبح هو نفسه عرضة لنوبات هستيرية حادة بين الفينة والأخرى، نوبات سماها هو ”الموجات السوداء”.

والد بيسوا: خواكيم سيبرا بيسوا، كان موظفا ذكيا ومثقفا وله اهتمام بالنقد الموسيقى فى ”يومية الأخبار”، وقد نشر بحثا صغيرا عن فاجنر. أما أمه، ماريا مادالينا نوغيرا، فقد درست فى معهد إنجليزى وكانت على ثقافة أدبية فنية وموسيقية واسعة، أعلى بكثير مما كان متوفرا لنساء عصرها، وكانت تتحدث وتكتب بتمكن تام، بالفرنسية والإنجليزية وعلى معرفة بالألمانية واللاتينية.

أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية، وتساهم في نشر الوعي عربيًا وعالميًا بالقضية الفلسطينيّة، استشهد بعد تفجير سيارته من قبل الموساد الصهيوني عام 1972.

ولد غسان كنفاني في عكّا شمالي فلسطين المحتلة في 9 نيسان/إبريل عام 1936، وعاش في يافا حتى أيار/مايو 1948، حيث أجبر على اللجوء مع أسرته إلى لُبنان، ثم سوريا، تنقل في حياته بين بيروت و الكويت ودمشق والعراق، وهو عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والناطق الإعلامي باسمها، وقد عُرف صحفياً تقدمياً جريئاً، دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة.

أصدر حتى تاريخ وفاته المبكّر ثمانية عشر كتابًا، وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني.

 في أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات، وتُرجمت معظم أعماله الأدبية إلى سبع عشرة لغة ونُشرت في أكثر من 20 بلداً، وتمّ إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية في بلدان عربية وأجنبية عدة، اثنتان من رواياته تحولتا إلى فيلمين سينمائيين. وما زالت أعماله الأدبية التي كتبها بين عامي 1956 و1972 تحظى اليوم بأهمية متزايدة.

نشأته وحياته

والده

والد غسّان من أسرة عادية في عكّا، كان الأكبر بين أشقاءه، ولم يقتنع والده بتدريس ابنه، إلّا أنّ الابن التحق بمعهد الحقوق ب القدس في ظروف غير عادية، استعان بجهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته ليتخرّج محاميًا.

كافح والد غسّان مع زوجته، وكان يترافع في قضايا معظمها وطنية خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارًا، وكانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية، وقد كان للرجل أثرًا كبيرًا في حياة ثالث أبناءه، وهو الشهيد غسان كنفاني.

غسان في طفولته

هو الوحيد بين أشقائه الذي ولد في عكا، والتحق بمدرسة الفرير في يافا، درس اللغة الفرنسية، ودرس الابتدائية في يافا، إلّا أنه لم يكمل دراسته إثر أعمال اليهود ضد الفلسطينيين فيها، وبعد قرار تقسيم فلسطين، فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم إلي عكا وعاد هو إلى يافا. أقامت العائلة هناك من تشرين أوّل عام 1947 إلى أن أجبر على الهجرة أواخر نيسان 1948.

غادر غسان إلى صيدا إثر هجوم الصهاينة على عكّا، واستأجرت العائلة بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا، واستمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يومًا في ظروف قاسية، قبل الانتقال إلى حلب في سوريا، ثم إلى دمشق في نزلٍ قديم، لتبدأ رحلة قاسية في حياة الأسرة هناك، وقد عاش غسان طفولته هادئًا بين جميع إخوته.

ما بعد اللجوء

شارك غسان أسرته في دمشق حياتها الصعبة. عمل والده المحامي أعمالاً بدائية بسيطة، أخته عملت بالتدريس، هو وأخوه صنعوا أكياس الورق، ثم عمالاً، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية.

بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة، فأخذ غسان إلى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.

وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته، وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات في مدرسة “الاليانس” بدمشق، والتحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي، بالإضافة إلى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.

القوميون العرب

انخرط في حركة القوميين العرب، وكان يضطر أحيانًا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له إحراجًا مع والده الذي كان يحرص على  إنهائه لدروسه الجامعية، وكان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين إخلاصه ولرغبة والده.

قي أواخر عام 1955 التحق غسان للتدريس في المعارف الكويتية، وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهى التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق.

غسان والقراءة

كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن 600 صفحة، وكان يقرأ ويستوعب بطريقةٍ مدهشة.

وهناك بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقًا سياسيًا بتوقيع “أبو العز”، لفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 1958.

في الكويت كتب أولى قصصه القصيرة “القميص المسروق”، والتي نال عليها أوّل جائزة أدبية في مسابقة.

مرضه

ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت، وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها، وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955، فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، تفاخر بها أمام رفيقاتها.

عام 1960 حضر غسان كنفاني إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية، وقد قام بلقاءاتٍ أدبية وفكرية وسياسية فيها، كما كان يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة “المحرر” في العاصمة اللبنانية، والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل اثنين.

زواجه وحياته

لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحفي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين.

عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمرًا طلابيًا شارك فيه وفدًا فلسطينيًا، وضم أيضًا وفدًا دانماركيًا، كانت في هذا الوفد “آني هوفر”، وهي فتاةٌ دنماركية سمعت للمرة الأولى عن فلسطين وقضيتها، عقب لقاء الوفد الفلسطيني، ورغبت بالاطلاع بشكلٍ أكبر على هذه القضية، فسافرت إلى البلاد العربية، وصلت دمشق ثم بيروت.

في بيروت، اقترحوا على الفتاة مقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، زار غسان مع الفتاة الدنماركية مخيمات اللاجئين، وعرّفها على القضية الفلسطينية وشرح مواضيعها لها، وقد كانت شديدة التأثر بحماس غسان للقضية، مع الظلم الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني.

ولم تمض على ذلك أيام، حتى تقدّم غسان من الزواج بالفتاة، وقد عرّفها على عائلته، وعرّفت هي الأمر لعائلتها عبر رسائل أرسلتها.

تزوّج غسان من آني في 19 تشرين أول/أكتوبر 1961، وقد رُزقا بطفليْن، هما فايز في 24/8/1962، وليلى في 12/11/1966.

غسان والأطفال

كثيراً ما كان غسان يردد: “الأطفال هم مستقبلنا”. لقد كتب الكثير من القصص التي كان أبطالها من الأطفال. ونُشرت مجموعة من قصصه القصيرة في بيروت عام 1978 تحت عنوان “أطفال غسان كنفاني”. أما الترجمة الإنجليزية التي نشرت في عام 1984 فكانت بعنوان “أطفال فلسطين”.

أدب غسان والقضية الفلسطينية

إنّ إنتاج غسان كنفاني الأدبي، يتفاعل دائمًا مع حياته وحياة شعبه، فقد كتب ما عاشه وما عاشته قضيته، ومنها “عائد إلى حيفا”، التي وصف فيه رحلة أهل حيفا في انتقالهم إلى عكا؛ وقد وعي ذلك، وهو ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع. ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.

“في أرض البرتقال الحزين”، تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية، أمّا “موت سرير رقم 12″، استوحاها من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض، بينما كتب “رجال في الشمس” مستوحيًا من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت على أثر عودته إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي الصورة الظاهرية للأحداث، أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.

في قصته “ما تبقى لكم”، التي تعتبر مكملة “لرجال في الشمس”، يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.

أما قصص “أم سعد” وغيرها، فكانت كلها مستوحاة من حياة أشخاصٍ حقيقيين، وفي فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 1936 في فلسطين فأخذ يجتمع إلى ناس المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة، والتي سبقتها والتي تلتها.

غسان وشعراء المقاومة

لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضرته عنهم ومن ثم كتابه عن “شعراء الأرض المحتلة” مرجعًا مقررًا في عدد من الجامعات وكذلك مرجعًا للدارسين.

الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيوني كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان “في الأدب الصهيوني”

عمل في الصحف والمجلات العربية التالية:

عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأى” في دمشق.
عضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت
رئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت.
رئيس تحرير “فلسطين” في جريدة المحرر.
رئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت.
صاحب ورئيس تحرير “الهدف” في بيروت.
كما كان غسان كنفاني فنانًا مرهف الحس، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كما رسم العديد من اللوحات الفنية التي تتحدث عن فلسطين وبعض المواضيع الاجتماعيّة والسياسيّة.

من مؤلفات الشهيد

قصص ومسرحيات:

موت سرير رقم 12 (قصص قصيرة).
أرض البرتقال الحزين (قصص قصيرة).
رجال في الشمس (قصة فيلم المخدوعون).
الباب (مسرحية).
عالم ليس لنا (قصص قصيرة).
ما تبقى لكم (قصة فيلم السكين).
عن الرجال والبنادق (قصص قصيرة).
أم سعد (رواية).
عائد إلى حيفا (رواية قصيرة).
العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان (قصص لم تكتمل).
جسر إلى الأبد (مسرحية).
القبعة والنبي (مسرحية).
الشيء الآخر (رواية بوليسية/صدرت عقب استشهاده).
القنديل الصغير (قصص للأطفال).
بحوث ودراسات أدبية:

أدب المقاومة في فلسطين المستقلة.
فارس فارس (مقالات نقدية نشرت باسم مستعار).
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968.
في الأدب الصهيوني
مؤلفات سياسية:

المقاومة الفلسطينية ومعضلاتها.
ألف كبيرة من الدراسات والمقالات التي تعالج جوانب معينة من تاريخ النضال الفلسطيني وحركة التحرر الوطني العربية (سياسياً وفكرياً وتنظيميًا).
جوائز نالها:

نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته “ما تبقى لكم”.
نال اسمه جائزة منظمة الصحفيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975.
منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990.

عن موقع البوابة

صادفت يوم 20 مارس/ آذار المنصرم الذكرى 21 لرحيل الأديب والروائي اليمني، زيد مطيع دماج (1943 ـ 2000)، أحد الذين كتبوا بواكير القصة القصيرة في اليمن، وصاحب الرواية الشهيرة “الرهينة”، التي صدرت طبعتها الأولى عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت عام 1984، وتم اختيارها كواحدة من أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين.
بعد قرابة أربعة عقود على صدور الطبعة الأولى من رواية “الرهينة”، التي ترجمت إلى سبع لغات عالمية: الفرنسية؛ الإنكليزية؛ الألمانية؛ الروسية؛ الهندية؛ الصربية؛ السويسرية، ما تزال “الرهينة” علامة فارقة في منجز الرواية اليمنية المعاصرة. وإضافة إلى الترجمات التي حظيت بها، فقد صدرت في طبعات عربية عدة، ما جعل منها روايةً محظوظةً، ومن أكثر الروايات العربية، وليس اليمنية فحسب، ترجمةً إلى لغات العالم.
اختيرت “الرهينة” من قبل اليونسكو لتصدر ضمن مشروع “كتاب في جريدة”، العدد الرابع، سنة 1998، وهو المشروع الذي بدأ قويًا، وحظي بانتشار ومقروئية كبيرين، لكنه لم يدم طويلًا. ومعروف أن “الرهينة” هي العمل الروائي الوحيد والمكتمل والمنشور لزيد مطيع دماج، حتى الآن، لكنها ليست العمل الوحيد في قائمة إرثه السردي، فهنالك روايات مثل: “المدرسة الأحمدية (ابن الدستوري)”؛ “الهروب الكبير”؛ “سلطان الخبت”؛ “جسر إلى السيل”؛ “مقتل الفقيه مقبل”.
“رواية “الرهينة”، التي ترجمت إلى سبع لغات عالمية: الفرنسية؛ الإنكليزية؛ الألمانية؛ الروسية؛ الهندية؛ الصربية؛ السويسرية، ما تزال علامة فارقة في منجز الرواية اليمنية المعاصرة”
وفي مناسبة استذكار زيد مطيع دماج، بعد أكثر من 20 عامًا من رحيله، يبدو الأمر مؤسفًا للمهتمين بأدب الرجل، فلا تزال ثمة رواية مفقودة كليةً، من بين رواياته، هي رواية “سلطان الخبت”، وبحسب الموقع الرسمي للأديب الراحل: (“سلطان الخبت” هي أول مشروع روائي أنجزه دماج في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، لكن مسودتها النهائية والوحيدة فقدت، أو بالأصح تمت مصادرتها). ونشير هنا إلى أن جهاز الأمن السياسي، أو ما كان يسمى بجهاز الأمن الوطني، هو من قام بمصادرة مسودة الرواية وهي في طريقها إلى المطبعة في واقعة تعسفية قذرة، بينما هي المسودة الوحيدة التي كانت لدى الكاتب. والحال نفسها مع مخطوط رواية “المدرسة الأحمدية (ابن الدستوريّ)”، مع اختلاف في طبيعة الفقدان: (كتبت “المدرسة الأحمدية” كثاني رواية ضمن مشروع ثلاثية روائية تبدأ بـ”الرهينة”، ثم “المدرسة الأحمدية”، وثالثتهما “الهروب الكبير”. وتدور أحداث الرواية خلال فترة الخمسينيات من القرن المنصرم، وتحديدًا فترة ما بعد ثورة 1948، وما قبل ثورة 1963. الرواية تحتوي على خمسة فصول، ولا يزال الفصل الأخير منها مفقودًا)، وفقًا للموقع الإلكتروني نفسه.

انتشار وترجمات
بعد أربعة أعوام، على صدور “الرهينة”، في نسختها الأولى، صدرت الطبعة الثانية لها في عام 1988، عن دار الشؤون الثقافية ـ بغداد، لتتوالى الطبعات: الثالثة، 1997، دار رياض الريس ـ بيروت؛ الرابعة، 1999، مهرجان القراءة للجميع ـ القاهرة؛ الخامسة، 2010، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ـ صنعاء. أما الترجمات، فأول ترجمة للرواية كانت إلى الفرنسية عام 1991 عن دار EDIFRA، وفي 2013، ترجمت مرة أخرى إلى الفرنسية عن دار ZOE/ سويسرا؛ كما ترجمت إلى الإنكليزية في 1994 عن دار INTERLINK BOOK، وإلى الألمانية في 1999، ثم إلى الروسية واليابانية والإسبانية (1988 ـ 2003)، وإلى الهندية في 2006، وإلى الصربية في 2007.

أصداء
خروج رواية “الرهينة” إلى النور في عام 1984، قوبل منذ الوهلة الأولى بتفاعل كبير من القراء، وباتت الرواية تشق طريقها إلى الأضواء يمنيًا وعربيًا. وهنا يقول الشاعر والروائي، همدان دماج، ابن الروائي زيد دماج: “ما زلت أتذكر صدى ذلك النجاح رغم صغر سني في ذلك الوقت، وعدم معرفتي بالمشهد الثقافي في اليمن. كان الجميع يتحدث عن الرواية، بدءًا من مدرس اللغة العربية، وانتهاءً بالأقارب وأصدقاء الوالد. لا أتذكر أنني قرأتها في ذلك الحين، لكنني كنت أعيش في بيئة تأثرت كثيرًا بنجاح الرواية”.

ويضيف همدان في حديثه لـ”ضفة ثالثة”: لم أكن أعرف في ذلك الوقت (ربما مثل كثيرين) أن نجاح “الرهينة” ما هو إلا بداية لانتشار عربي، ثم عالمي، ستحرزه الرواية خلال السنوات التالية. غير أنه كشف أن نجاح الرواية الكبير واللافت “لم يكن مدهشًا لوالده، لكنه بالتأكيد كان سعيدًا به”. 

ويلفت همدان الانتباه إلى أنه: معروف عن زيد مطيع دماج قلة حديثه عن أعماله الأدبية، وعدم انشغاله بما يُكتب عنها، مرجعًا ذلك إلى “شخصيته المتواضعة التي عُرف بها”. وهنا يتذكر همدان أنه في فترة لاحقة، سأل والده عن عدم اهتمامه بأصداء الرواية، فكان رده أنه يؤمن بأن مهمته الأساسية هي الكتابة، تنتهي بإنجاز العمل، وتبدأ بكتابة عمل آخر: “كان يرفض الدخول في الجدالات الأدبية والفكرية التي أحدثتها أعماله، مكتفيًا بمتابعتها بشكل عابر، وتوثيقها قدر الإمكان”.
ويستطرد همدان دماج: “ليس هنالك ما يجعلني أندهش من نجاح وشهرة رواية كـ(الرهينة)، فثقافتي السردية كافية لاستنتاج مبررات شهرة الرواية التي كلما أعدت قراءتها اكتشفت في خبايا نصها الممتع شيئًا جديدًا يضاعف من إعجابي الشديد بها”.
إلى ذلك، يتفق همدان مع ما ذهب إليه بعض النقاد من أن شهرة “الرهينة” قد أثر سلبًا على شهرة زيد مطيع دماج، كقاص كتب أعمالًا قصصية قد لا تقل إبداعًا عن “الرهينة”. وهنا يقول: “عادة ما يحدث مثل هذا لدى الأدباء الذين يكتبون أكثر من جنس أدبي، ويبدعون فيها كلها. فعلى سبيل المثال، طغت شهرة عبدالعزيز المقالح الشعرية على شهرته كناقد أدبي، رغم ما لأعماله النقدية من مكانة مرموقة في عالم النقد”.
عندما كُتبت “الرهينة”، كان همدان ما يزال في العاشرة من عمره، لهذا، فهو لا يتذكر تفاصيل كتابتها، لكنه ينوه في حديثه لـ”ضفة ثالثة” أنه يتذكر طقوس والده الكتابية في ذلك الوقت، والمتمثلة في إغلاق باب مكتبته في المنزل منذ السابعة والنصف مساءً، منعزلًا للكتابة: “أتذكر أننا لم نكن ندخل عليه إلا للضرورة. غير أنه حكى لي في فترة لاحقة أنه تفرغ لكتابة (الرهينة) خلال شهر رمضان من ذلك العام، فلم يكتب أي شيء آخر (مقالات، أو قصص قصيرة) سوى الرواية”.

ويستدرك همدان في هذا الصدد: “أستطيع القول إن ذلك العام كان خلال الفترة التي قرر فيها والدي التفرغ للأدب بعد مشوار غير قصير من النشاط السياسي والمناصب الحكومية التي تقلدها مقتنعًا بمنصب صغير في وزارة الخارجية (مدير عام)، رافضًا تعيينات دبلوماسية في الخارج”.

حياة مأساوية
غير بعيد، ظل الاعتقاد السائد لدى كثير من قراء رواية “الرهينة” أنها كانت انعكاسًا لتجربة ذاتية عاش تفاصيلها الكاتب. ويعزو همدان ذلك “إلى قوة الإقناع التي امتلكتها الرواية على لسان بطلها الراوي”. غير أن الحقيقة، يتابع همدان، أن والدي لم يكن في يوم من الأيام رهينةً، وقد اضطر في أكثر من مقابلة صحافية أن يوضح ذلك: “كان صغيرًا جدًا، عندما تم أخذ العديد من أبناء عمومته (منهم ابن عمه الشاعر أحمد قاسم دماج) كرهائن، بناء على أمر من الإمام (حينذاك) لجنوده وسواريه باحتلال منازل أسرة (آل دماج)، في محاولة للضغط على جدي، المناضل الشيخ مطيع دماج، الذي كان قد أعلن تمرده الرسمي على الإمام، وهرب إلى عدن، وكتب من هناك مقالاته اللاذعة ضد الظلم والتخلف”. غير أن “حياة الرهائن المأساوية لم تكن خافية على من عاشوا تلك الحقبة المخيفة من تاريخ اليمن”، وفقًا لهمدان، الذي ينوه في هذا السياق، بـ”وعي المؤلف/ الراوي، ومعاشرته لتفاصيل تلك الحقبة”، خاصة وأن كثيرًا ممن أُخذوا رهائن ماتوا في السجون، لهذا كان هناك اختلاط (أعتقد أنه منطقي) بين الخيال والواقع، “وأستطيع القول إنه كان خيالًا واقعيًا، إن جاز لي التعبير”.
ونشير هنا إلى أنه صدرت لدماج في القصة القصيرة خمس مجموعات، هي: “طاهش الحوبان”، 1973، ثم صدرت في طبعة ثانية، 1979، وطبعة ثالثة، 1980؛ “العقرب”، 1982؛ “الجسر”، 1986؛ “أحزان البنت مياسة”، 1990؛ “المدفع الأصفر”، 2001. وبمناسبة الاحتفاء بـ”تريم عاصمة الثقافة الإسلامية” سنة 2010، صدرت الأعمال القصصية الكاملة لدماج في مجلد احتوى مجموعاته الخمس المذكورة آنفًا. كما صدر له كتاب سردي من الذاكرة بعنوان “الانبهار والدهشة”، عام 2000. وكتب دماج عدة مقالات سياسية واجتماعية في الصحافة اليمنية والعربية.
انتمى دماج إلى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كواحد من أعضائه، كما أنه كان عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، واتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، وسكرتير عام مجلس السلم والتضامن اليمني، وعضو مجلس السلم العالمي. أسس مجلة “أصوات”، كصاحب امتياز، المجلة التي تخصصت في إبراز الأحدث في الأدب اليمني والعربي، وترأس تحريرها الشاعر اليمني، محمد حسين هيثم (نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 ـ مارس/ آذار 2007). أما وظيفيًا، فقد تولى دماج عدة مناصب حكومية، بعيد انتخابه عضوًا في مجلس الشورى (أول برلمان منتخب في اليمن سنة 1970) وشغل منصب رئيس لجنة الاقتراحات والعرائض وتقصي المظالم في المجلس. في يناير/ كانون الثاني 1976، عين محافظًا للواء المحويت، ثم عضوًا في مجلس الشعب لفترتين متتاليتين منذ عام 1979. وعين بعدها وزيرًا مفوضًا وقائمًا بالأعمال في دولة الكويت عام 1980. وفي سنواته الأخيرة، عين مستشارًا لوزير الخارجية، ثم وزيرًا مفوضًا في المملكة المتحدة عام 1997، ليداهمه الموت في 20 مارس/ آذار 2000، في المستشفى الجامعي في لندن عن عمر يناهز السابعة والخمسين.

تعليميًا، كان زيد مطيع دماج محظوظًا، قياسًا بكثير من أبناء جيله في تلك الحقبة البائسة والمظلمة من تاريخ اليمن تحت حكم الأئمة، في ما قبل ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، إذ حظي بتعليم جيد، فبعد أن تلقى تعليمه الأولى في (المعلامة: الكتّاب) في قريته بلواء إب (وسط اليمن)، استفاد من مكتبة زاخرة عاد بها والده من عدن (في 14 مايو/ أيار 1944 فر والده مطيع بن عبدالله دمّاج من سجن “الشبكة” في تعز إلى عدن، وبدأ يكتب مقالاته الشهيرة في صحيفة “فتاة الجزيرة” ضد نظام الأئمة في صنعاء، وأسس مع رفاقه في ما بعد “حزب الأحرار”)، وتولى والده تعليمه وتثقيفه، فقرأ كتب الأدب والتاريخ والسياسة، وكان من أهمها “روايات الإسلام” لجرجي زيدان. وفي عام 1957، التحق بالمدرسة الأحمدية في تعز، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية، ثم في 1958 أرسله والده لينال قسطًا من تعليم جيد في مصر، حيث أتمّ الإعدادية في “بني سويف” في صعيد مصر عام 1960، والثانوية في طنطا عام 1963. وهنا التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة عام 1964، لكنه تركها بعد سنتين ليلتحق بكلية الآداب/ قسم صحافة، بعد أن برز توجهه الأدبي. وفي أثناء ذلك، بدأت تباشير مقالاته السياسية وبواكير أعماله القصصية، التي وجدت لها منبرًا وحيزًا في مجلة “اليمن الجديدة”، آنذاك.


ماذا لو انِّي الآنَ في عدنٍ ؟
سأمضي، هادئاً ، نحو ” التواهي ” …
والقميصُ الرّطْبُ ، يعبَقُ ، من هواءِ البحرِ .
في باب الجماركِ سوف أستأني قليلاً
ثم أمشي ، نحو أطلالِ الكنيسةِ
سوف أدخلُ:
ثَمَّ أمسحُ من ترابٍ أسوَدٍ ، لوحَ البِلى …
بحّارةٌ غرقى أراهم يملأون مقاعدَ اللوحِ العتيقِ .
أرى، هنالكَ ، بينَهم ، لي رفقةً …
وأصيحُ:
أحمدُ!
يازكيّ !
وياسعيدُ !
ويا
ويا…
إني قطعتُ الكونَ من أقصاهُ ، كي آتي إليكم يا رفاقي
فَـلْـتُـفيقوا لحظةً
إني أتيتُ لكم بماءٍ سائغٍ من رأسِ رضوى
جئتُكُم بالرايةِ الحمراءِ
رايتِكُم
سأحملُها، وإنْ وهنتْ ذراعي …

لندن14/2/2014