استعراض الأقسام

الأدبصفحة

دفاتر تشيهواهوا

مينا 1004

أغسطس/ آب 1956، تشيهواهوا، احترقَتْ. النَّار، رأيتُ جدَّتي تحترقُ.
منَ الدَّاخل والخارج احترقَتْ في شارع مينا 1004. رأيتُ أبي يلفُّها بغطاءٍ، كلُّ شيءٍ من حولنا كانَ يحترقُ: الفراشُ، الستائرُ، السجَّادُ، ولباسُها الَّذي تفحَّمَ.
جمَعَ أبي كلَّ أغراضِها.
“لا تضجُّوا، فالأمُّ نائمةٌ”.
رأيتُهُ مُرتدياً ثيابَ الحِدادِ وربطةَ العُنُقِ السَّوداءَ، في تلكَ الظهيرةِ من آب.
حمَلَها، إلَّا أنَّه لم يأخذ معَه إلا الرَّمادِ والبُكاء.
وبينَما كانَ دُخانُ الجدَّةِ في الصَّالةِ، كانَتْ عمَّاتي يحتسينَ، بمرارةٍ، رواسبَ فناجينِ القهوة.
كانَ لا بُدَّ من محو السَّوادِ المُؤلمِ،
تذويبِ الملحِ والبكاء،
كانَ لا بُدَّ من العِناقِ، من هزيمةِ مشقَّةِ السَّفَر،
كانَ لا بُدَّ من الاستماعِ مَثلاً، لا عن رغبةٍ،
إلى أسطوانة بول آنكا، وهي تدورُ بسرعة 45 دورةً في الدقيقة.
تارةً كانَ حيويّاً،
وتارةً أخرى بدا كلُّ شيءٍ أرجوانيّاً: المرأةُ، التعبُ، أوراقُ أشجارِ الحَوْر.
ثمَّ الزُّجاج، انعكاسُ الأرز في الزجاج، والوجهُ المُحترقُ تحتَ الدُّخان.
حتَّى أُمِّي احترَقَتْ.
انطَفَأَتْ ضحكَتُها في دموعٍ:
“سرِّحي لي شَعري، دعيني أخرجْ
لأرى إنْ كانتِ المَلابسُ قد جَفَّتْ”.
وكنتُ خائفةً.
خائفةً ألَّا تعودَ خُطواتُها البطيْئَة.
من نعومةِ الورق، من التآكُلاتِ الباطنيَّةِ،
من الثقلِ الجَافِّ لأوراقِ اللّبلابِ الَّتي باتَتْ من دونِ جِدار،
من أحواضِ الوردِ الَّتي لم تعُدْ تحتضنُها في الفِنَاء.
كنْتُ خائفةً من تلكَ الغرفةِ العَمياءِ بموتِها.
كنتُ خائفةً من نفسي
ومن أنْ تتسلَّلَ الرِّيحُ
وتأخُذَ معَها غُبارَ شَجَرِ الدِّلْب.

■ ■ ■

10 مارس، نيويورك

1

صمتٌ أبيضُ. لا عَصَافير
الأشجارُ في رقصٍ غيمِيٍّ
على إيقاعِ المَشْهد.
ليس بينَ ما يلدُ ويموتُ إلَّا ثَلجٌ
يفتِّتُ الصَّخرةَ، وصوتُ الرِّيْح:
تلكَ الأصواتُ الغامضة البعيدةُ
الَّتي تجمِّدُ أفعالَنَا المُريبَة.

2

حيواتُنا تعودُ أُخرى خالدة
كمثلِ بريقِ زُجاجٍ
لم يكتملْ،
ونتذكَّرُ عُذوبةَ النَّدَى
كمثلِ أوراقٍ هَشَّة.
هل نحنُ تواريخُ؟ كلَّا
لسنا إلَّا بُقعاً غيرَ مرئيَّةٍ منَ التَّاريخِ،
دُخَاناً عصيّاً على الشَّفافيةِ،
لكنَّنا أيضاً ماءٌ بينَ شجرِ البلُّوط.
هكذا نحتَسي فنجانَ القَهوةِ المُرَّةِ
الَّذي نتأمَّلُ فيه،
ورؤوسُنا إلى الأسفل.

الصورة
غلاف جانيت لوزانو كلاريوند باللغة العربية- القسم الثقافي
3

لا تواريخَ،
بل أرواحٌ تبحثُ عن أغصانٍ تعودُ إلى الحياةِ من جديد.
وكنتُ خائفةً من قواربِ عينيك.
رأيتُ البحرَ يُولَدُ بوضوحٍ لا يُوصَف.
لكنْ، كي تعثُرَ على يديَّ
تلزمُكَ سنواتٌ وأنفاقٌ وأبراجٌ كهربائيَّة.

4

الخوفُ
هو أنْ تجدَ شبهكَ الآخرَ.
ولا يزالُ تفسيرُ الأحلامِ
يُثقلُ علينا نومَنا.
مَن نُمثِّل؟ أيُّ جزءٍ من الحَشَرةِ يَختزنُ السُّمَّ؟
الفصولُ مثل الكلمات،
تحملُ معَهَا موتَها-
ما إنْ تأتي
حتَّى تتركَ فسحاتٍ أُرجُوانيَّة مُتباعدَة.
واللوغوس يا هيراقليطس؟
ما حاجَتي إليه طالَما
أنَّني أرمي الضوءَ
في حضنِ ضوءٍ آخرَ
أمَلاً في العَتمَة؟

5

بينَما تنعكسُ من وراءِ البلَّوْرِ
أشجارُ الخَوْخِ
في خريفٍ تتساقطُ فيه الرَّغبةُ والكَسَلُ،
تناقضاتُ الطبيعةِ وتحوُّلاتُها العاصِفَة
ترجعُ بنا الذَّاكرةُ إلى الصُّورةِ الأولى:
أوه،
أنْ تكونَ عَبَثاً دائماً.

6

ألفاظٌ بعطرِ اليَاسَميْن
في أحواضٍ مُتعَبَةٍ وأساسٍ بالٍ.
نحاولُ أنْ نُعطيَ الجُذُورَ حياةً جديدة،
إنَّما، في أيِّ أحواضٍ نكيِّفُ أحوالَهَا؟
الوقتُ هُنا يُعلنُ صمتَ الضَّحيَّةِ
والأجراسُ حولَه تدقُّ؛
عشبٌ رطبٌ، حشراتٌ على الأوراقِ
وعُقعُقٌ صخَّابٌ. إنَّه صدى الله.
نموتُ في أسفلِ السَّماءِ، في مسافةٍ
هي الأصلُ الأوَّلُ والوحيدُ: فجرٌ وأصواتٌ…
السَّماءُ مِرآةٌ والأرضُ قبرٌ
وليس هناك من خاتمة؛ لا خلاص.
لا شيءَ إلَّا الخيطُ والقُماشُ،
وضوءُ تُفَّاحةٍ في أعماقي.

7

ربَّما كانَ من الأفضلِ
أنْ نَستسلِمَ لِبَهاءِ الأُفْقِ
الَّذي لا يمكنُ دُحضُه.
الحياةُ حُلُمٌ إلَهيٌّ،
وآلِهتُنا الَّتي خلقَتِ الحربَ والكلمةَ
لم تفعلْهَا من سَلامٍ.
النَّارُ تفصحُ.
نتحدَّثُ معَها عنِ الضَّوء؛
نتحدَّثُ معَ تجلِّياتِكَ، أيُّها الضَّوء.
بالوحدةِ، يُولَد الشُّعاعُ الأوَّلُ
وها أنا ذا أراه على ريشِ ديكٍ بُنيٍّ.
تكلَّم عنِ الإلهِ
واغرقْ في الظنِّ.

8

هل عليَّ أنْ أقيسَ مشاعري؟
وهل من طريقةٍ يُقاسُ بها خوفُ الرُّوح؟
ضوءُه يتقدَّمُ ولا رجعَةَ فيه.
تُغذِّيْنا الرَّغبَةُ كمَا تُغذِّي الأزهارُ طائِرَ الطَّنَّان.
طيرانٌ سريعٌ يبعثرُ لونَ السَّماءِ البنفسجيّ
في حينِ جَنَحَتِ الشَّمسُ فجأةً
دونَ أنْ تدركَ أنَّها، منذُ زمنٍ طويلٍ،
ما بَرحَتْ تُشْرقُ.

9

عنِ الأصولِ
يُحدِّثُنا هَذا الضوءُ الضَّائعُ
في قلبِ مَاءٍ قُراح.
أسمعُ ولا أسمعُ
أدخلُ وأخرجُ في صفاءِ البَحرِ
المُتمدِّدِ على عرشِ الصَّمتِ
أو جرفِ المسَاء.
وكلُّ شيءٍ يدنُو، يقتربُ،
ظلُّ قمرٍ صيفيٍّ
وتحليقُ طائِر.
إنَّه الواقعُ الَّذي لا
ترصدُهُ حيواتُنا.

■ ■ ■

فاصل

تعالَ
دعني أُقبِّلْ عينَيكَ، هُناكَ حيثُ يسكبُ الفجرُ ضبابَهُ على الأرضِ. اِقْرأْ معي صفحاتِ تاريخٍ لم يُروَ، أثرَ خُطواتٍ على الثلجِ، أيدي حنانٍ تتلاشى معَ الوقتِ، اِقْرأْ معي لُغتَكَ الرَّمليَّةَ الَّتي تتلاشى في كثبان.
أيتها العزلة، تنبئني بمَصيري!
وأنتِ، انخُري صمتي، يا هياكلَ السَّمكِ!

  • القصائد من مجموعة جديدة صدرت ترجمتها بالعربية حديثاً تحت عنوان “المرأةُ.. التعبُ.. أشجارُ الحَوْر” عن “سلسلة آفاق عالمية”

بطاقة

Jeannette L. Clariond شاعرة مكسيكيَّة من أصول لبنانيَّة. حاصلة على الإجازة في الفلسفة والأديان المكسيكيَّة القديمة. رسَّخت نفسها في بانوراما الشِّعر المكسيكيِّ كواحدة من أبرز الأصوات الشعريَّة الأنثويَّة. لها ما يقارب عشرة دواوين شعريَّة؛ بينها: “لحظات الماء” (2007)، و”ذاكرة مُقْفِرة” (2002)، و”دم خفيف” (2011)، و”دفاتر تشيهواهوا” (2013). حازت العديدَ من الجوائز؛ أبرزها “جائزة سان خوان دي لا كروز” الشعريَّة عام 2018.

ملأَ الصَّخَبُ رُدهةَ العيادة، بيد أنّه لم يكُنْ أوّلَ ما بثَّ الذُّعْرَ والاشمئزاز. سبقَ ذلك صوتُ الجرّارِ الزِّراعيّ الذي استخدمهُ الرّجالُ الخمسة لجَرّ البَغلِ المُحتضر. اختلط الصَّوتان ببعضهما؛ الجَرّارُ الدّابّةُ والبغلُ العَثِرُ بشحيجِه. نفَرٌ من الناس ادّعوا أنّ الرّجال لم يحملوه بالمقطورة، إنَّما ربطوه مُباشرةً بالجَرّار، وشآبيبُ الدّم تنفرُ من بَدَنِه اللّاهث طولَ الطريق.

وحدَه صدقي، مُنظّمُ الدَّور في العيادة، أفادَ بأنّ البغلَ نُقِلَ بالمقطورة، وعندَما رمَوهُ منها انتفضَ على قدميه. في حين نسُوا وهم يهربون إرجاعَ المقطورة إلى وضعيَّتها أثناء القيادة، فحطّمتْ قوساً حجريّاً ومرايا سيّاراتٍ ثلاث.

لم يكن الطّبيبُ الستينيّ ليستوعبَ التهديد من قتْلِ البغلِ أمام ناظريه وفي فناء عيادَتِه. لو ذبحوا دجاجةً لحقّقوا مُبتغاهُم أسرع، وأعفوا أنفسهم من عناءِ الإعدام. فالبغلُ، رغمَ اكتهالِهِ، حَرونٌ شَمُوسٌ، ما أنْ وطأ الأرضَ حتى رمَحَ على قائمتيه الخلفيّتَيْن، ناشباً طولَهُ الفارعَ في السّماء، فبدا كلُّ مَن يتربَّصُ به قزَماً مُجلّلاً بالغُبار.

يُقالُ إنّ للقبائل مُعتقداً: إذا أرادَت صيد الغزلان تتركُ لها منفذاً لتهربَ منه، لأنّها إذا ما حوصرت من أربع جهات تختفي وتتبدّد. لكنْ ماذا عنِ البغال، التي إنْ تلمّست غريزتُها الأذى، تُلقِ بنفسِها من شاهق… تنتحر. المُهمُّ ألَّا تدعَ يداً طويلة تغدرُ بها؛ يبدو أنَّ ما تقولُه الأساطير لا ينسحبُ على الواقع دائماً.

راقبَ البَلديّون الرّعاديدُ المشهدَ مِن طُوَقِ بيوتِهم، دون أن يُغيثوا طبيباً طالما عدُّوهُ مسيحاً يبرِئ أسقامَهم المُتكاثرة. صرخةٌ شاحبةٌ أُطلِقتْ من غلامٍ غيرِ مرئيٍّ: “إيّاكُن. إيّاكن البغل يا عمّي، لأنو مرصود”. لم يُسمَعْ غيرُ ذاك الاعتراض، فالاحتجاج بطبيعة الحال كان من أجل البغل لا الطّبيب!

بعدها حلّ شَللٌ مُطبق؛ إذ غُربِلَ لَبَانُ البَغلِ برشقتَيْ طلقٍ من بندقيّة “بيريتّا” مُخصّصةٍ لصيد الطُّيور، فهوى مثلَ ماردٍ خانتهُ قواه، راطماً خطمَه بحجرٍ صقيل، كاظّاً على لسانِه بأسنان خشبٍ، مُسْلِماً رأسَه المُشظَّى تحتَ الأقدام العَفِرَة.

تمارضُوا مَلقاً كما استغلّ بعضُهم الفُرصة ليعرِضَ خدماتِه

انتهتْ معركتُهم معه حَيّاً، وبدأتْ معركتُهم معهُ مَيْتاً، أعملَ رجلٌ الْمِهَدّة في قوائم البغلِ الأربع. ما لم يتكسَّرْ من عظامِه خلعَهُ بالمِقراط أو نشَرَه. بينما بَقرَ اثنان بطنَهُ بمعوَلٍ مُدبّبٍ غير حادٍّ، حتّى استحالَ أشلاءً موزّعةً بين غرفتي الانتظار والمُعاينة. أمسكَ أحزمُ الرِّجال مِعى الحيوان ونكثَ روثها صارخاً بعينيِ الطَّبيب: “فْتاح تمَّك المرّة الجاي منشان إحشيلك إياه بخراك… حاشا السّامعين”، ثمّ مسحَ العالقَ على يَديه ببياضِ حائطٍ نظيف.

مُلطّخينَ بدمِ البغل انسلُّوا إلى جَرَّارِهم الخَرِب، عندها حطّمَ خروجُهم قوساً حجريَّاً وعدّةَ مرايا، وكأنّ هولَ الإعدام لم ينقصْه سوى إمضاءٍ أخير.

بدأ المُحيطُ ينسربُ صوبَ العِيادة، وأطلقت جمهرةٌ اللّعناتِ على ذلك الصّنفِ من البَشر: “الله يهدّ جبرهن على حالهن… لا رحمة ولا شفقة”، متعاطفين مع مسيحِهم المُحترَم، يُلَملمون أشلاء الحيوان الضّخمة، ثمّ سرعان ما زادَ عددُهم. استغلّوا انكسارَ مِثالٍ ما كانوا ليحسبوه مُنهزِماً أمام حفنة أوباش.

طوى الطّبيبُ حقدَه أمامَهم، وبادَلَهم ابتساماتٍ صفراء، ولم يُعِرْ فضولَهم الخبيث أيَّ جواب: “أكيد هذا لأنك ثابت وما بترضخ لابتزاز ولاد الحرام، مش هيك يا حكيم؟”، “يِمكنُّن مِنْ متعاطي الحبوب، المُعيذْ الله!”. حتى ذلك الغلام الخَفِيّ حاولَ الظّهورَ على أكتاف الحُطام، كالأطفال ثقيلي الدّم. فاقتحَمَ المشهد مُردّداً عبارَته مباشرةً، لا من وراء صخرٍ كتيمٍ: “ما تْخاف يا حكيم، هذا البغل ما بيموت، وحياة البَرَكة إنّو عزيز ومرصود هيك بيقول جدّي، بدّو يرجع وينتقم منُّن”. نظرَ الطَّبيبُ إليه شزراً، ثم تجاهلَه دون انتباه. كلُّ ما فعلهُ أنَّهُ انهمَّ بإزالة الرّوث واللَّحم العالق على عُلَبِ الدّواء، وتطهير ميزان حرارة فموي صُودِفَ فوق مكتبِه لحظتها.

لم ينقطعِ المُراجعون عن العيادة رغمَ الفوضى، والرَّوائح النّتنة. فتمارَضُوا مَلقاً، كما استغلّ بعضُهم الفُرصة ليعرِضَ خدماتِه في تنظيف العيادة مقابلَ معاينة مَجّانيّة، أو علبة دواء تُصرَفُ بنصفِ ثمنها… هكذا حتّى انحسرَ اكتظاظُ الخوف عن روحِ المكان، وحلّ رضا مُريح لم يُعرَف مصدرُه. قيل: إنَّ دمَ شُؤمٍ قد تفجّرَ، وهو لا غروَ قربانٌ عن البلد وأهلِه. وقِيلَ: إنَّ ثلاثَ بناتٍ توأم وُلِدْنَ لامرأة عرجاء ظَنّوها عاقراً طويلاً، وما كانَ رجُلُها ليفرَح كلَّ الفرح لولا سرٌّ غيرُ مفقوهٍ يلفّ البنات التوأم… وقيلت ادّعاءاتٌ كثيرة.

يبدو أنَّ ما تقولُه الأساطير لا ينسحبُ على الواقع دائماً

سرَتْ شائعة البغل المرصود، وأنّ روحَه لن تنفكّ تطوفُ بالمكان أربعينَ يوماً، وقد تلتبِسُ بأحد المارّة في المحيط إذا ما حانتْ لها ساعةُ غَفلة. لكنّ أحداً لم يُولِ تلك الرّوحَ حذَراً، بقدر الخوف الذي أُولِيَ لعيونٍ تتبعُ أولئكَ الأوباشَ، وترصدُ المكانَ لصالِحِهم… بعد عدّة أيام، أخبرَ الطبيبُ مُنظّمَ دوره أنّ المغادرة مُتاحَة كونه ينوي الذهابَ صوبَ قلبِ المدينة في إجازة مفتوحة. أراد من وارء ذلك معاقبة بلديّين تخلّوا عنه، حسبَ زَعْمِهِ، في وقتِ مِحنتِه.

على الطريق، شعرَ صدقي وكأنّ الصباحَ لا يتزحزحُ من مكانِه، نظرَ من نافذة الباص إلى تلال جرداء مُرقّشة بنقاطٍ غبراء تتحرّكُ ببطء، إنّها مجرّد بغالٍ برّية مسكينة.

أقلقَ قدومُه في غير موعدِ الإجازة أمَّه، إلّا أنّها ما برحتْ تقطفُ تفّاحاتِ الدّم من تحت جلد الجدّة المُعمِّرة. لم يقوَ على التّملُّص من الرّواية المكرورة لجدّته عن أبيه المقتول منذ 30 عاماً، ها هو يسمعها طازجةً للمرّة الثانية في أقلّ من عشرة أيام، استمع إلى “كيفَ قُتِل والدُه غِيلةً لأنّه شهمٌ نبيلٌ وأعداؤه أجبنُ من أن يواجهوه”، استمعَ إلى أنّهم تربّصوا به ليلاً، وإمعاناً في التَّمثيل علّقوا جُثّتَه في سقف مزار نبيّ الله ذي الكَفل في آخر حيّهم المَحظيّ بالتّشريف.

وقبل أن تُنهي الجدة مرويَّتَها التي لا تكلُّ عن تكرارها، اخلتطَ حابلُ الدّم الجديد بنابل الدّم القديم. سَهمَ نظرُه، وفمُ الجدّة لا يَني يبخُّ رائحةَ الموت المترصِّد. وشخصُ والده، يطوفُ في مقام نبيّ الله باكياً، ويُغَلُّ كما قربانه جَاثياً، ولا يُقبَلُ منه. أمّا أمّه فيتقطّعُ جلدُها بتفّاحاتٍ من دَمٍ، وصوتُ شحيجٍ مجهولُ المصدر يُصمُّ الآذان، أماراتُ إنطاقٍ بالحقّ ولو بعد حين.

فتحَ صدقي عينيه على نَفَسِه المُنقطِع فَوَجدَ نفْسَهَ في غرفتِه، ولم يمرَّ على نومه سوى ساعتين، لا تَسُدّان جوعَه إلى نوم عميق بعد كُلِّ ما مرَّ به. دفعَه الأرق إلى شُبّاك غرفته، أخذ يدخّن بشراهةٍ، وأصواتُ الأذكارِ والآيات تنبعثُ من جِوارات الحيّ، ومُكبّراتٌ تُؤْذِنُ باقتراب المَولد، وأخرى بـ”واذكُرْ إسماعيلَ واليسَعَ وذا الكفلِ وكلٌّ منَ الأخيار”.

امتدّتِ الإجازة فبدأ الحيُّ يُصبِحُ مُتنفّساً، ويتحسّنُ أداءُ نومه، إذ خفّف توتُّرَه السيرُ اليوميّ، والتردّدُ إلى مقام نبيِّ الله. تلقّى اتّصالاً من الطبيب حدّثَهُ فيه عن النّقابة التي ستفتَحُ تحقيقاً في الاعتداء، كونَه جزءاً من اعتداءات مُتسلسلة. أحسّ أنّ قاعدةً تسنُده في مواجهة كلام جدّتِه الذي دَهمَهُ بجبَلِ خوفٍ أسود أثقل من موقعةِ إعدام الشّاحِج الحمراء. لم يستطع تسمية ذلك الإحساس، عبّ نفَسَاً عميقاً وتفطَّنَ إلى منزلة رماديّة… لعلّه الرّضا.

بطاقة

كاتب قصة من مواليد عام 1992، مُجاز من قسم اللّغة العربية في “جامعة دمشق”. نشر مقالات في النقد الأدبي في مواقع وصحف عربية عدّة. يُحرِّرُ “صحيفة المُتلمِّس”، وهي منصة إلكترونية تأسّست عام 2020 وتُعنى بالكتابات النقدية حول الآداب والفنون والترجمة وتكتبها مجموعة من الأسماء العربية الشابة. كذلك عمل في إنتاج محتوى صوتي، بالإضافة إلى عمله في الصحافة الثقافية.

أنس الأسعد

“في كلّ مكان من المنفى” عنوان مختاراتٌ من قصائد الشاعرة الفلسطينية الأميركية ناتالي حنظل (1969) بترجمة أحمد م. أحمد، صدرت حديثاً عن دار “فواصل” في اللاذقية. كُتبت القصائد بين عامي 2005 و2019، ولعنوان الكتاب ما للقصائد من دلالة على المنفى المتعدّد. كما تحضر في المختارات التراجيديا الفلسطينية المعاصرة واللجوء السوري الراهن، وتجارب العيش في بلدان عديدة بين العالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية.

في القسم الأول من القصائد، “حيوات المطر” (2005)، تُعيد ناتالي حنظل العالم إلى تصوّراته القديمة الأصيلة، وتستخدم الشعر لفهم مأساة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. كما تُعيد صِلاتها بالمدن والثقافة الفلسطينية، ويحضرُ في قصائد هذه المجموعة صوتُ الفلسطيني المُبعَد. إذ تعيد الشاعرة الصراع مع المُحتلّ إلى وجه حضاري مرتبط بالمكان والثقافة: “قصيدةٌ/ ذكرياتُنا المتخمَةُ بالدفاتر البالية/ والطلاء الباهت، والحيطان المتداعية/ فهل علينا، كي نفهمَ هذا المكانَ، أن نفهمَ/ عويلَه، وكي نفهم عويلَه علينا أن نفهمَ أشعارَه/ وكي نفهم أشعارَه/ علينا أن نفهمَ الآلام؟”.

الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد إلى الانتماء

وفي قصيدة “بيت لحم”، يلمح القارئ التَنائي الذي طال بين المكان وأهلهِ بفعل التهجير. كما يتوضّح على نحو شديد الرّقّة ألّا فصام بينهما، فالمُحتلّ دخيل. وتُشركُ الشاعرة عناصر المكان من شجرٍ وحجر في نصوصٍ تعيدُ المكان إلى البشر الذين صنعوه: “جاؤوا ليقولوا لي إنّي/ لا أفهم المكانَ الذي ورثتُه/ وهكذا سوف يساعدوني على المغادرة”. على ضوء ذلك، شِعرُ ناتالي حنظل شِعرُ قضيّة، غير أنّه شِعرٌ خالٍ من الشعارات النضاليّة. وإنّما هو صوتٌ نسائيّ خافت يسعى إلى إعادة الصِّلات مع جزءٍ من ماضي شعبه، ليأخذ شِعرها مكانه في حيزٍ شخصي وعام. كما ليس شعرها شعراً للعودة، وإنّما هو استعادة للمكان. ونلمح في قصيدة “غرباء في داخلي” صورةَ شاعرةٍ تقيم كي ترحل، ومن خلال تلك اللوعة الأبدية للإقامة والرحيل ينمو الشعر. ونقرأ في قصيدة “بيت لحم”:
“تسكنُ أسرارٌ في المسافة التي تتخلّل خطانا.
وتتردّدُ أصداءُ كلمات جدّيَ في أحلامي،
إذ تحفظ السُّنونُ سبّحتَه ومدينتَه.
رأيتُ بيتَ لحم، وقد غرقتْ في الغبار، خاويةً، مِزْقة جريدةٍ تاهتْ في
شوارعها الضيّقة.
أين ذهب الجميعُ؟ تردِّدُ رسومات الجدران والأحجار.
أين بيت لحم الحقيقية – التي جاء جدّيَ منها؟
ثمة مناديل جفّفتْ الآلام من يديّ.
وتستمرّ أشجار الزيتون والدموعُ بالتذكّر.
أغذّ السير حتى أصلَ عجوزاً عربياً في رداء أبيض.
يرمقني بنظرة ويغادر. ألحق به – أسألُه لماذا يسير مبتعداً؟
يتابع السير. أتوقف، أتلفّتُ حولي، وأُدرِكُ
أنّه ترك لي أسراراً في المسافة التي تتخلّل خطاه”.

في القسم الثاني من الكتاب، “الحُبّ والأحصنة الغريبة” (2010)، يصبح الشعر أداةً للتلّقي، لا للقول. إذ يلمس مناطق غير مدركة من الشعور: “ذات يوم، والخيول تمرّ من أمامي/ ألقى أحدُها في داخلي الغرابةَ”. في هذه المجموعة من القصائد يفترّ الشعر عن تساؤلاتٍ تشيرُ إلى نفسٍ مضطربة توّاقة إلى الحُبّ. ونرى الاضطراب في صورٍ قلقةٍ غير متهادية، مثل “عالية هذي الجبالُ/ وواطئة، واطئة وعالية”، و”لا رغبةَ إلّا الريح”. كما تُجهد الشاعرة نفسها في الاعتراف بتردّدها حيال الحُبّ في قصيدة “سيرة ذاتية للّيل”. وفي قراءة ذاتها الحائرة يلمح القارئ أنّ الشاعرة ــ عبر تلقيّها ما يحدث من حولها ــ تقترب من نفسها أكثر. تسأل: “أما مِن جسرٍ في مكان ما؟”، وتجيب في قصيدة أخرى: “مَن قال إن علينا أن نكون غرباء/ حين نصغي إلى الموسيقا ذاتها؟”. إذاً، تتناسل الأفكار والمفردات واحدةً من الأخرى، وتستخدم الشاعرة كلماتٍ كي تُعرّف كلمات أخرى، خصوصاً في قصيدتها “فراشات سوداء؛ تانغو ضائع”. ونقرأ من قصيدة “انتماء”:
“مائة نفَسٍ تشقُّ الهواءَ
وأنا أستندُ
إلى شجرة الصنوبر الوحيدة التي وجدتُها.
إنْ يكنِ الوقتُ باكراً أم متأخراً، الجوُّ عليلاً أم قائظاً،
فالحقولُ جافّة. الصيف وشيك.
والأحصنةُ أنّى نظرتَ،
عدْوُها غرائبيّ كما في حلم،
لكنّي لا أستطيع أن أتذكر
كيف أناديها،
فأنتحي جانباً، وأرقبُ عبورَها”.

في القصائد المختارة من مجموعتها “شاعرة من الأندلس” (2012) يحضرُ المكان لا بصفتهِ مُحتَلّاً، وإنّما بصفتهِ مقدّساً، وبالتالي مبهماً، وقد تعمّد بالآلام: “أمشي في الشارع الرئيس/ والناس/ كأنهم يعرفون أمراً لا أعرفه/ قد رحل فرانكو/ لكن من الصعب نسيان خارطة العظام/ التي تركها وراءه”. وهي تبحث عمّا يجمعها بالمكان وعن تآلف عدّة أصوات حضارية في داخلها.

يلمح القارئ تعثّرها في الانتماءين، فشعرها إيفاءٌ لانتماءاتٍ تحاول تجديد صلاتها معها. في قصيدة “باقة زهر”، وفي العديد من القصائد المختارة في هذه المجموعة، الحُبُّ موضوع لا تغادره، بدءاً من الجسد (“كيف يصوغ جسدك الهواءَ/ فيسبغ على الفضاء الملامحَ؟”)، إلى الانتماء (“لكي تفهم لماذا/ وأنت تمشي/ ستُملي الأوراقُ/ طريقةَ النبض/ على قلبك/ سيستغرق سنواتٍ”). إذ مع تعثّر تحقّق انتمائها للمكان، كأنّما بدأتْ تبحثُ عن انتماء آخر: “نحتاج أن نلفّقَ شيئاً ما/ يخصّنا: بلدَنا الأمّ/ اللون الأبيض الأخّاذ/ الظلّ المُفرَغ/ والورقة المتأجّجة”. مكانٌ وجدتْهُ الشاعرة في الحُبّ الذي يتناوب مع الزمن لعبتهما الأثيرة. لكنّ المكان، في معظم القصائد، هو ما يوحي بالعاطفة. نقرأ في قصيدتها “سبع نجوم في إشبيلية”:
“الجدران أكثر رقّة الآن،
تتشبث يداي بالصخب الذي تركته وراءك،
الفقد الذي يصمُّ الحُجرة.
انظر، هناك حريق شبَّ تحت البساط الفارسي،
هناك خطّ من الفضّة يتأجّج
حول لُفافتك.
أعطني زنبقةً،
قصّ عليَّ حكاية القمر،
حين باعَدَ ما بين جسدينا
ليفسح مكاناً للحمائم
في قاع قلبينا”.

في “النجم اللا مرئي” (2014)، نقرأ شهادات عن اغتراب أهالي بيت لحم في أميركا اللاتينية، وعن اللجوء السوري. وتحضرُ مفردة “العودة” إلى جانب مفردة الموت، كأنّهما صنوان. وكذلك الحُبّ يلتقي مع الموت في سبيلٍ واحد: “متُّ من جديد سعياً وراءك”. كما في القصائد المختارة من هذه المجموعة حضورٌ لمفردات البيت، وهو بصورة خاصّة البيت العربي في إسبانيا، وفي قصيدة “بيت” نقرأ:
“أحلمُ ببيتٍ حيث الأرواح مُسالمةٌ
حيث تَجسُّدُها رنينٌ في السّواد،
بيِّنَةٌ وبلا تجَلٍّ،
حيث سأنادي كلَّ مَن أعرف
وأولئك الذين لم ألتقِ بهم من قبلُ –
فهل سيُلبّون؟
سأطلب منهم أن يتناولوا غُصناً
من شجرة ويتحلّقوا حول الطاولة –
إذ في كلّ وُريقةٍ نقشٌ عتيق
من الكنعانيين أو الإغريق”.

تتآلف صلتها بفلسطين مع عدّة أصوات حضارية في داخلها

في القسم الأخير من الكتاب، “من الحياة في ألبوم البلاد” (2019)، تجمع قصيدتها “أصل” فلسفتها عن الجسد والحُبّ وعلاقته بالزمان والمكان، وهي قصيدة مُثلى للتعبير عن شعر ناتالي حنظل: ” – لماذا تترجمني؟/ – أريد أن أفهم كلَّ مُفردةٍ في جسدك. / – تعني كلَّ تكوين؟ / – أعني كلَّ نبْرة/ – أتعني حيث لا يمرُّ الزمن؟ / – حيث الماضي هو ما سيأتي. / – ذلك حين نتوصّل إلى مراقبة الوردة في طورِ تحوُّلِها إلى بحر”. في شِعرها إيقاع قصير متصاعدٌ وكلماتها تناوبٌ بين عاشقين يبحثان عن لقاء لا عن هَجر: “والآن حين تخطر أنت على البال، أظنُّ:/ أنك قرّرت ألّا/ تهوى مكاناً آخرَ/ وأنني، سأبقى أقتفي آثارك/ على كامل جسدي/ كما لو أنه خريطة عالَمٍ مثاليّ”. لكنه لقاءٌ يخبّئ خيبتها من أمكنةٍ شَقَّ عليها الانتماء إليها: “الحب ليس كذبة، لكن البلاد كذلك، صحيح؟”. ونقرأ في قصيدة “قطار منتصف الليل إلى جورجيا”:
“لم يكن ابنُ عمّي، النقيبُ في الجيشِ
يتحدث الكثيرَ،
لكنه فيما بعد كتبَ إليها:
ألم يَفقْ هيامي بكِ
الصمتَ في قسوته؟”.

في الكتاب قصائد متفرّقة تحضر فيها المدن العربية مثل حلب ودمشق ويافا وحيفا وصور وعكا. مدنٌ تعرفها، بلا شكّ، ناتالي حنظل التي وُلدت لعائلة من بيت لحم ونشأت بين جمهورية الدومينكان وفرنسا وعاشت وتنقلت في بلدان مثل بريطانيا وإسبانيا وروسيا وأميركا اللاتينية، قبل أن تستقر في الولايات المتحدة. درست حنظل الأدب والفنون في بريطانيا والولايات المتحدة، ونشرت سبع مجموعات شعرية وأنطولوجيا بالإنكليزية للشاعرات العربيات المعاصرات بعنوان “شعر نساء عربيات”، كما شاركت في أكثر من عشرين إنتاج مسرحي ككاتبة أو مخرجة أو منتجة. حازت على العديد من الجوائز، مثل مثل “جائزة نادي القلم في أوكلاند”، و”جائزة الكتاب الفلسطيني”، و”جائزة الكتاب العربي الأميركي”، و”جائزة فيرجينا فوكنر للتميّز في الكتابة”، وهي أستاذة للأدب في “جامعة كولومبيا” الأميركية.

  • كاتب من سورية

سومر شحادة

في عام 1998، دعت منى أتاسي، إحدى المسؤولتَيْن عن “غاليري أتاسي” في دمشق، كلّاً من فاتح المدرّس وأدونيس إلى عقْد حوارٍ في منزلها، يدور بشكل أساسي حول تجربة المدرّس الذي كان قد تحوّل في ذلك الوقت إلى رمزٍ فنّي وموضوع احتفاء في المشهد الثقافي السوري.

بدلاً من يومٍ واحد، دام الحوار أربعة أيام؛ وكان محتواه، المسجَّل، موجّهاً إلى النشر في كتاب. غير أن رحيل المدرّس بعد أشهر قليلة (1922 – 1999) حال دون ذلك، ليتأخّر صدور الكتاب عشر سنوات، حيث أنتج “غاليري أتاسي” طبعة محدودة منه وزّعته على عدد من المثقّفين السوريين والعرب، تحت عنوان “فاتح وأدونيس: حوار” (2009).

عن دار “كاف بوكس”، صدرت حديثاً النسخة الإنكليزية من هذا الحوار، بعنوان “حوار فاتح أدونيس: الحدس والعقل”، بترجمة رولا بعلبكي. ويتضمّن العمل، أيضاً، نصّاً للشاعر السوري جولان حاجي، وآخَر للباحثة في الفن التشكيلي آمبرا دانتون، إضافةً إلى عدد من الأعمال الورقية للمدرّس، والتي تُعَدّ جزءاً من مقتنيات مجموعة “مؤسّسة أتاسي”.

يلعب أدونيس، خلال أيام الحوار الأربعة، دور المُسائل والمحفّز على النقاش، إذ يطرح على المدرّس عشرات الأسئلة التفصيلية، إن كان حول سيرته الشخصية، أو حول عمله، ورؤيته الفنية، وحتى الفلسفية، ونظرته إلى فنانين آخرين. أسئلةٌ تنتقل، بفعْل التداعي الحُرّ، لتناقش مسائل في السياسة والفكر والقومية والتاريخ والانتماء والكثير من الموضوعات.

على أن الحوار لا يتحوّل أبداً إلى لقاءٍ صحافيّ تُبرَز من خلاله شخصية المدرّس وآراؤه؛ بل إنه يتّخذ صيغةً جدلية، حيث يتّفق كلّ من التشكيليّ والشاعر على القليل من الأفكار والمواضيع (ولا سيّما الفنّية) ويختلفان على الأغلب منها (الفكرية والسياسية والتاريخية)، ما يضع متلقّي الحوار أمام خطابين ونظرتين مختلفتين تماماً ليس إلى سورية وفنّها فحسب، بل وإلى الثقافة العربية أيضاً.

بيروت

في السيرة التي نشرها عام 2006 حول بول سيزان، (“سيزان”، منشورات “فوليو”)، رسم الباحث والناقد برنار فوكونييه صورةً للتشكيلي الفرنسي الشهير (1839 ــ 1906) لم تعد غريبةً عليه اليوم، باعتبارها تتقاطع مع ما يمكن استخلاصه من مراسلاته ومن مجمل مَن كتبوا عنه ممّن عايشوه: رجلٌ يعتزل بنفسه بعيداً عن المجتمع؛ يتجنّب عرض أعماله إلّا على القلّة القليلة ويُبدي حذراً من تحوّلها إلى فرجةٍ للرائح والغادي، أو إلى موضوعٍ للنقاش.

وإذا كان الرسّام الفرنسي قد شهد، في سنوات عمره الأخيرة، تحوّل لوحاته فعلاً إلى موضوع للمديح في الصحف، فإنه لم يرَها، بالتأكيد، وهي تغطّي جدراناً وصالاتٍ كاملةً. اليوم، مع المعرض الذي يقترحه “مشغل الأنوار” (أتولييه دي لوميير) في باريس، بات من الممكن رؤية هذه الأعمال وهي تغطّي حرفياً الجدران، لا من خلال تعليقها عليها، بل عبر عرضها على شاشات جدارية عملاقة، في معرض رقميّ افتُتح منتصف الشهر الماضي ويستمرّ حتى مطلع 2023.

بعد فنسنت فان غوخ وكلود مونيه، جاء الدور إذاً على سيزان ليكون واحداً من رموز الحداثة الفنّية الذين تجري استعادة أعمالهم في عروض رقمية؛ عروض تقترح تجاوز تجربة المشاهدة التقليدية ــ المتمثّلة بالوقوف وجهاً لوجه أمام اللوحة ــ إلى “الانغماس” أو “الانغمار” في عالم الفنان، عبر الجلوس في صالة تُعرض على جدرانها وسقفها وأرضيّتها واحدة من لوحاته أو أكثر.

يحمل المعرض عنوان “سيزان، أنوار البروفنس”، في إشارة إلى الإقليم الذي وُلد ورحل فيه الفنانُ جنوبَ فرنسا، وترك عدداً كبيراً من الأعمال التي تصوّر مشاهدَ ومعالم طبيعية وحضرية فيه. يشمل المعرض جُلّ هذه الأعمال، ولا سيّما تلك السلسلة من اللوحات التي يصوّر فيها جوانب من جبل سانت فيكتوار، أو مدينة ليستاك التي عاش فيها. كما يقترح المعرض عدداً من أشهر لوحاته، وفي مقدّمتها “لاعبا الورق”.

يضيء المعرض على التأثير الكبير لطبيعة إقليم بروفنس ولضوئه المتوسّطي في تجربة سيزان وفي اختياراته اللونية التي ستجعل منه واحداً من أشهر الملوّنين في تاريخ التشكيل الفرنسي. وإلى جانب الصالات التي تقدّم لوحاته، يخصّص المنظّمون صالةً تُعرض على جدرانها وأرضيّتها اسكتشات ذاتية للفنان وإلى جانب مقاطع مختارة من مراسلاته ومن سيرته الذاتية.

باريس

وصل البريد الإلكتروني الذي ينتظره إمره بعد شهرين، وأثناء قراءته لرسالة محرر دار النشر، شعر أنه اقترب من تحقيق هدفه، لكنه سقط فجأة في الهاوية. فقد كتب له جُملاً مهذبة يهنِّئه فيها على روايته المختلفة والتجريبية، ولكن للأسف يصعب نشرها وفقاً لخطّهم التحريري.

كان هذا هو قرار إعدام الرواية، وقرار ظالم هكذا كان ينبغي أن يُقال بهذا التهذيب. الرواية جيدة، لكنها لا تناسبهم. قال إمره لنفسه: “هل يخدعون طفلاً؟ لقد نشروا كتباً سخيفة من قبل، مثل كتاب “انذُر نفسكَ لله”.. ألا توجد قيمة لروايتي مقارنة بمثل هذه الكتب؟”.

كان إمره يعرف أن مثل هذه الكتب تُقرأ كثيراً، وتحصد الكثير من الإعجابات على فيسبوك. كلما كانت الجملة سيئة أعجبت الناس على مواقع التواصل الاجتماعي. مثلاً، تكتب إحداهنّ: “يَنسى العقل من يرحل، ولكن هل ينساه القلب؟”، فتجد التعليقات الكثيرة بـ”لا يَنسى.. لا يَنسى”، وبعض التعليقات يظن أصحابها أنهم أكثر ذكاء فيكتبون: “اتركي من يترككِ، وابحثي عن الذي يليق بكِ”.

جُنّ إمره عندما تذكّر أن الأدب في بلده وصل إلى هذه المرحلة. فكَّر أن يفتح صفحة على فيسبوك باسم مستعار، لكتابة مثل هذه الأشياء السخيفة التي تعجب الناس، ربما يربح بعض النقود، لكنه تراجع عن ذلك، لأنه مهما كتب بشكل سيئ، فلن يكتب مثل هؤلاء. فالكتب التي قرأها سوف تؤثّر في النهاية على كتابته. ومهما تعذَّب إمره، كان عليه أن يقبل بالأوضاع الحالية كما هي، لأنه وُلد في زمن فساد المجتمع.

فكّر في أن يصبَّ بعض الزئبق الساخن في أُذنَي الناقد

الشيء الذي أزعج إمره هو التقرير الذي أرسله له المحرر بالخطأ. حيث أرسل رواية إمره وروايات أخرى لأحد النقاد ثم أرسل بالخطأ تقرير الناقد اللاذع عن الرواية. أصبح هذا التقرير أحد أبرز أسباب عوامل هدم أحلام إمره. كان الناقد قد كتب:
“عزيزي نجاد…

الروايات التي أرسلتها لي في الأيام السابقة سيئة وضعيفة، لكن بينها رواية وقحة وصاحبها يثق في نفسه أكثر من اللازم. هذا الطفل الذي يُدعى إمره كاراجا، لم ير أي شيء في الحياة بعد، وقد غاص في الأدب العالمي. عيسى، باراباس، كافكا، ماذا حدث لهؤلاء الكُتّاب الشباب. لماذا لا يبحثون عن موضوعاتهم الخاصة في الحياة التي يحاربونها؟ لا تؤاخذني، هذا الولد لن يكتب شيئاً بأفكاره هذه، ولن يصبح كاتباً أو ما شابه. إذا أرسل لك كتاباً مرّة أُخرى، فرجاء لا ترسله لي لأنه أزعجني كثيراً. وقراري واضح”.

تحت هذه الأسطر كان يُكتب اسم الناقد، حَذَاقات حِصَارلي جيل، وملاحظة: “لا يوجد تغيير في موعد يوم السبت، أليس كذلك؟”. وكان يفهم من هذه الجملة أن الناقد والمحرر صديقان مقرّبان ويلتقيان خارج العمل أيضاً. انزعج إمره كثيراً مما حدث، وبحث على الإنترنت وهو يقضم أظافره التي أوشكت على الانتهاء، فوجد أن الناقد في الخامسة والخمسين من عمره، وكان معلّماً للأدب في مدرسة مجهولة. كان شَعره قد تساقط، وله وجه رقيق بلا شارب، ونظّارة. عرف إمره أن الناقد متزوج ولديه طفل، وربما يلتقي هو والمحرر بشكل عائلي. كان شكل الناقد لا يوحي أن لديه طفلا.

خرج إمره وتمشَّى في الشوارع لساعات دون أن يدري إلى أين يذهب، مشى جانب الطريق بين السيارات وهو يتخبط في الناس. أخيراً ذهب إلى طريق الساحل، على اليسار سور بيزنطي، وعلى اليمين بحر مرمرة والسفن الراسية فيه تبدو كاللوحة. لم يهتم إمره بهذا المنظر لأنه كان منشغلاً بالاستعداد للانتقام. أول ما سيفعله أنه سيكتب رسالة بلهجة حادة إلى الناقد والمحرر، وستصبح هذه الرسالة عن دور النشر والمحررين والنقاد مدخل إمره إلى تاريخ الأدب. ثم سيذهب ليعرف مكان عمل الناقد، وعنوان بيته، وأماكن تحركاته، وسيجهّز عقاباً ذكيّاً للناقد بما يليق بخيال روائي.

■ ■ ■

كتب إمره رداً للمحرر بعد ثلاثة أيام. كان عنوان البريد الإلكتروني: “إلى المحرر والناقد”. انتظر ثلاثة أيام لكي يهدأ قليلاً حتى لا تمتلئ رسالته بالشتائم وهو لا يريد ذلك. أراد أن يُثبت لهما أنهما يخطئان في ما يفعلان، وأن التاريخ شهد الكثير من أمثالهما، لكنهم لم يستطيعوا حجب الأدب الحقيقي. بدأ رسالته بشرح قصة الكاتب سعيد فائق، الذي سأله القاضي عن عمله فقال له كاتب، فقال القاضي لكاتبة المحكمة: “اكتبي يا بنتي، إنه بلا عمل ويدور في الفراغ”.

تحدّث بعد ذلك عن الكتب التي تحقّق نسب مبيعات عالية حول العالم، والسينما، والموسيقى، كما رفض اتهام الناقد له بتقليد الكتاب الغربيين. ألا يوجد أكثر من كاتب أميركي أو أوروبي كتب عن أفريقيا أو الهند أو اليابان، فلماذا لا يكتب كاتب تركي عنهم؟

استمر إمره في رسالته كالآتي:
“عزيزيَّ المحرر والناقد.
كنت أتمنى أن نناقش هذه الموضوعات معاً وجهاً لوجه، ولكن أتصور أنكما لن تقبلا، ولذلك أود أن أسأل سؤالاً، وأنتظر ردّكما على الأقل على هذا السؤال: “ما هي النقطة المشتركة بين هؤلاء الكُتّاب: مارسيل بروست، جيمس جويس، مارك توين، جورج برنارد شو، فرجينيا وولف، إدغار آلان بو، بنجامين فرانكلين، أبتون سنكلير، والت ويتمان، ألكسندر دوما… وبدون إطالة أنا سأجيبكما. الرابط المشترك بين هؤلاء الكتاب أن دور النشر قد رفضت نشر أعمالهم، واضطروا أن ينشروا أعمالهم بأنفسهم، حتى إن “عوليس” و”البحث عن الزمن المفقود” قد رُفضتا بنفس الشكل. إننا نحكي عن العالم الذي رفض جاك لندن ستمئة مرة. أليس لديكما الفضول لمعرفة المحررين والنقاد الذين رفضوا نشر كبار الكُتّاب، وما هو قدر هؤلاء في الوسط الأدبي، لأنهم أخذوا قرارات كهذه؟ لو أن هؤلاء الكُتّاب لم ينشروا لأنفسهم، كم كنا سنُحرم من أهم الأعمال، ومن يدري كم من الكتب التي أُلقيت في القمامة وكانت بأهمية كتاب “الحرب والسلام” و”دون كيشوت”؟ إن الروايات الكبيرة التي هي ميراث الإنسانية، هي الكتب المحظوظة التي نجت من إرهاب النقاد والمحرّرين”.

تابع إمره رسالته بهذا الشكل. كان لديه شك في قراءتهما لها بشكل كامل مثلما حدث مع روايته، وأن حل هذا الأمر أن يتحدث مع الناقد وجهاً لوجه، ويجعله يعتذر عما فعل. ولن يتم هذا الأمر بشكل طبيعي، فلن يسمعه الناقد ولن يقبل خطأه. كان يجب توفر ظروف أخرى لكي يتلقَّى الناقد عقابه.

لم يكتب إمره رسالة ثانية إلى الناقد، لأنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في الخطة الثانية. لا يريد أن يشكَّ الناقد في شيء. كان يستمتع بالتخطيط لقتل الناقد كل مساء، وفي نفس الوقت، يفكر: “كم شخصاً مثلي يخطط الآن لقتل أحدهم يا ترى؟”. ولو كان كل من خطط للقتل قد قتل بالفعل لتضاعف عدد القتلى في العالم مائة مرة. خطرت على باله خطة جيدة لتنفيذ جريمته بأن يصبَّ الزئبق الساخن في أذنيه، هكذا ستكون جريمة نظيفة وظريفة في نفس الوقت، ليس فيها مسدس وسكاكين ودماء، فقط قليل من الزئبق الساخن في أذنيه.

كان يرى نفسه سيفاً لكلّ الكتّاب الذين تحطّمت قلوبهم

فكَّر أن هذه الخطة صعبة من ناحيتين، إيجاد الزئبق وكيفية اقترابه من الناقد للدرجة التي تمكنه من وضع الزئبق في أذنيه. وبعد أن فكر قليلاً تذكر أن العثور على الزئبق ليس مستحيلاً، فهناك زئبق في الترمومترات القديمة، ولديه بعض منها. هذا يعني أن العائق الأول قد زال، يبقى العائق الثاني، وهو الاقتراب من الناقد. كان عليه أن يعرف عنوان بيت الناقد أولاً.

أخذ موتوسيكل ابن عمه وذهب إلى المدرسة التي يعمل فيها الناقد. انتظر حتى موعد انتهاء اليوم الدراسي، أكل بعض الكعك، وبدأ ينظر إلى المعلمين الذين خرجوا بعد الطلاب بوقت كثير. لم يكن الناقد بينهم، فانتظر عشر دقائق أُخرى، وعندما أوشك على الذهاب رأى الناقد. كان الرجل النحيل يرتدي قبعة ومعطفاً خفيفاً، وفي يده شنطة قديمة، ومن ثقلها كانت كتفه اليمنى منحنية قليلاً. وكان يرتدي حذاءً قديماً، ويتقدم نحو إمره. مرّ بالقرب منه ثم اتجه نحو محطة الباص. في انتظاره أخرج كتاباً من جيبه وبدأ في القراءة، ثم صعد إلى الباص الأزرق المزدحم، وتعقبه إمره بالموتوسيكل.

عبرا من طرق مزدحمة ثم نزل الناقد في المحطة الخامسة. مشى مائة متر ثم دخل إحدى الحارات، ومنها إلى بناية تشير إلى أنه من متوسطي الحال. ركن إمره الموتوسيكل أمام حديقة ودخل وراء الناقد ثم قرأ اسم حصارلي جيل على زرِّ جرس البناية في المنزل رقم 8. كان مدخل البناية قديماً ومظلماً، والحوائط بلا دهان، وكانت رائحة الكُرُنب تفوح من البناية. كان المنزل رقم 8 في الطابق الثالث يطل على البناية من الخلف. أحذية كثيرة أمام أبواب المنازل الأُخرى، ولم يكن أمام باب منزل الناقد غير ممسحة الأرجل. لاحظ إمره أن باب منزل الناقد ليس فيه عين سحرية، لأنه قديم للغاية وأوشك على السقوط. كان يرغب في لقاء الناقد أولاً، ويثبت له أنه على حق، قبل أن يدخل بيته هكذا في صمت، ولذلك كان عليه أن يجد خطة أُخرى. يجب أن يجد وقتاً تكون فيه زوجة الناقد وابنه خارج البيت. ولكن كيف سيرتب هذا؟ لم يكن هناك أماكن أُخرى تأتي إلى عقله. إذا رأى الناقد وتحدث معه، فهل من الممكن أن يشرح له ما يريد؟ حتى موضوع صبِّ الزئبق الساخن في أذنيه لم يكن مناسباً أن يفعله أمام الناس.

فكر إمره أولاً في شراء قطع من الغاتو ووضع السم فيها وإرسالها إلى بيت الناقد، وكانت ستكون طريقة بسيطة لموته، ولكن عائلته هي المشكلة، لأنه لم يكن يريد أن يُجري مذبحة كاملة لكل العائلة. تخيَّل شكل ابن الناقد وهو يأكل الغاتو بسعادة بجوار أمه البريئة. ولكن إذا فعل هذا فلن يتحدث إلى الناقد أيضاً، وهو يريد أن يتحدث معه ويثبت له أن أمثاله من يضرُّون بالأدب. يريد أن يجعل الناقد نادماً عما فعل وأن يعتذر له. كان إمره يرى نفسه سيفاً لكلِّ الكُتّاب الذين تحطّمت قلوبهم.

بعد أن حلّ المساء، ركب إمره الموتوسيكل وانطلق بين زحام إسطنبول. كان ينظر إلى الناس في العربات ويفكر في عدد الذين يخططون مثله الآن للقتل.

قضى تلك الليلة في تطوير الخطط لجريمة القتل، وفي اليوم التالي ذهب أمام بيت الناقد ولكن بدون الموتوسيكل. اختار وقتاً مناسباً، رأى الناقد وهو يدخل البناية بنفس ثيابه التي رآه بها من قبل، ودخل آخرون من بعده. لم يكن بينهم من هم في عمر زوجته أو ابنه.

في اليوم التالي ذهب إمره إلى نفس المكان في نفس الوقت، ورأى الناقد وهو يدخل إلى البناية، وبعد نصف ساعة صعد إلى الطابق الثالث، وبضوء الهاتف المحمول وجد باب المنزل رقم 8. كان صوت التلفزيون والأطباق تأتي من البيوت الأُخرى، لكن منزل الناقد ساكن تماماً. وضع أذنه على الباب لكي يسمع أي شيء ولكن لم يصله الصوت. وفي هذه الأثناء، سمع إمره صوت أحدهم يفتح الباب في الطابق الثاني، وبعد توقف الصوت نزل إمره وخرج من البناية ثم نظر إلى البيت فوجد ضوءاً واحداً مشتعلاً.

فكر إمره بهذه الليلة في حياة الناقد. على الأرجح لا يوجد أحد غيره في البيت، ربما سافرت زوجته وابنه، لكن هذا الأمر غير وارد في أيام الدراسة، وربما يعيش كل منهما في بيت منفصل. كان يتوقع أن يكون الناقد وحيداً في البيت، لأنه يعود بيدين فارغتين كل يوم إلى البيت أو يأخذ أشياء صغيرة. إنه لا يشبه رب الأسرة، وبدأ إمره في الشعور بالفضول تجاه حياة الناقد. كان يبحث عن معلومات حول الناقد نهاراً، وفي الليل يخطط لقتله. كانت تأتيه أفكار مختلفة للقتل، لكن خطة الزئبق الساخن كانت تستقر في رأسه أكثر من غيرها. ولكن لسبب ما، بدأ في الشعور بمشاعر مختلفة. ليس تعاطفاً أو ما شابه. وربما كان يعجبه أن يكون قد شغل حيزاً كبيراً في حياة هذا الناقد، ولذلك كتب عنه ما كتب، رغم أنه لا يعرفه.

من الشخص الذي من الممكن أن يكون هو الأهم في حياة شخص ما؟ ربما أمه التي ولدته وربته ووهبته الحياة. ومن يكون الشخص الثاني في الأهمية بالنسبة لشخص ما، وهل من الممكن أن يكون هو الشخص الذي يأخذ حياته؟ ووفقاً لإمره، فإن أهم شخص في حياة الناقد هو أمه محمورة حصارلي جيل، والشخص الثاني هو إمره كاراجا. هل يا ترى بسبب هذه الفكرة، يذهب إمره للوقوف أمام بيت الناقد كل يوم، وهل يتعقب الناقد لهذا السبب، ويقرأ كتبه، ويحاول أن يعيش معه نفس الحياة؟ هل يحاول إمره الهروب من همومه بهذه الطريقة؟ لا، إنه يريد أن يعاقب الناقد ليس لمسألة شخصية، ولكن يريد أن يثأر لكلّ الكُتّاب الذين تعذبوا مثله. لم يكن يشك في حبّه للسلام، فهو لا يُحزن حتى النملة.

بطاقة

Zülfü Livaneli كاتب ومُخرج وموسيقي وسياسي تركي من مواليد 1946 في منطقة إيلجين بقونية. سُجن بعد الانقلاب العسكري في بلاده عام 1971 بسبب نشاطاته السياسية، ما دفعه إلى مغادرتها عام 1972؛ حيث عاش متنقّلاً بين اليونان والسويد وفرنسا والولايات المتّحدة، قبل أن يعود إليها عام 1984. أخرج عدّة أفلام، وتُرجمت أعماله الروائية إلى لغات عديدة، كما حُوّل بعضُها إلى مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية

زولفو ليفانلي

نصف حياة

يبدو أنّني عالقٌ في الحياة اليوميّة
إنّني عالقٌ في هذا الوقت المسمّى “الآن”
أحسب في رأسي كيف يستطيع المرء عيش حيواتِه؛
العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين
كم أنّ العيشَ سيكون غدًا أجملَ
وكمّ أنّني لم أتعلّم بعدُ كيف أصير
يا إلهي، وهل يستطيع المرء أن يصير شيئاً؟
لم أدرك هذه الحماقة بعد
أفكّر أن أسأل كلّ من عاشوا وكلّ من ماتوا
لماذا عندما نحبّ يكبر أحبّتنا أسرع؟
لماذا نختار أن نحيا في التعب
من جعل عاطفتنا تجاه الكِبَر شديدة
وكأنّ الإنسان يحيا في عجزه؟
نكفّ عن كوننا يافعين
عندما نعرف أخيراً أين نذهب بأيدينا
عندما يروّضها التخلّي
كأنّه الماء السّاخن الذي يسكب فوق سمكة حيّة
ننتهي عندما نفرغ جيوبنا من أيدي الآخرين
لا أريد لأحبّتي أن يكبروا
كلّ ما أريده فقط
أن لا ينتهي شيء أبداً
وأنّ أكفّ عن العيش نصف حياة
فلا أحد يعرف شكل النهاية
إلّا الموتى
والذين عاشوا وحيدين.

■ ■ ■

يد العمر الفائت

أوراق يديكَ غائرة في الشتاء
تنتظر مسلسل الزمن المرتقب
إنه الكِبر
تكبر دون شقاوة
فقط شخص جيّدٌ على كنبة
مستوحدٌ مع رفوف مكتبته
تستلقي
إنّكَ لست هي لكي تستلقي مثلها
ظنّاً منك أنك بذلك تستحضر وجودها الغائب
لكنّ الوضعيّة لا تلائم رجلا أحبّ وحدته أكثر من امرأته
لأنّه لولا أفكار الوحدة لكنت وحيداً أكثر
تصنع أشياءَ لكي تذكّرك
تضع يدك على وجهك
كما كانت تفعل هي معك
تحاول استحضار الصورة
لكنّك تحتاج أن تصدّق تلك المخيّلة إلى أبعد الحدود
إلى أن تصير أنت المرأة التي غابت عنك
لكي تكون لمستك حينها عقلانيّة
لكنّك سرعان ما تدرك
أنّ هذه اليد البائسة هي يدك أنت
يدٌ كبيرة مثل العمر الذي فاتك
وها هي الآن تتبدّد مثل مطر فوق عشب
لكنّها لك أنت
ولم تترك للآخرين
كما فعل رأسك
الزائغ في ذكراهم

■ ■ ■

الأيدي معبدُ الآثام

وجهيَ المخبّأُ فوق سرير كتفك
طرف الثوب النازل عن سريري
مثل طير مذبوح
إنّه لي
ويدك التي وضعتها على وجهي
أصبحت لي
مخدّة للنوم العميق الكسول
وكلّ يوم أسرق منك كويكباً
لي أحزان يا بنت
كأنّني المسيح
لا أفتح ذراعيَّ للعناق
بقدر ما أطلب الموت على خشبات عمري
لكنّها يداكِ معبد لآثامي

■ ■ ■

زيت الجرّار دموعه

لم تضع امرأةٌ يدَيها على وجهي
لكي تمسح عنه الشّوك والظُنون، والبلاغة
لا أريد أن أكون بليغاً
أريد فقط أن أتمكّن من الكلام
أن أصف حالي ببساطة
كمن فاض وجهه في ابتسامة دون جهد
كم تلاشى الصدأ عن وجهي المحموم
كم ذاب مثل الثلج في قماشة راحتيك
كانت العاطفة لقاحاً
كيف صارت عدوى؟
كيف صارت سرّاً ينبت داخل رجل ميْت؟
مثلما تنبت الأضواء في العيون الرحيمة
أعرف أنّه أحياناً يجدر بي أن أُرَحَّل
إلى بؤرة سيّارات مكسورة
إذْ أشعر وكأنّني جَرّارٌ قديم مركون قرب حقل
منسيّ
كأنّ جسدي دُقّت فيه مسامير الأيّام الرطبة
وبات متصلّباً من شدّة ما بحث عن صاحب
لكنّني وبالرغم من كلّ ذلك
لم أركض لمعانقة أيدي السائحين والمشاة
لم أطلب أن أُنقل فوق أكتافهم العابرة
ظننتُ أنّ زهور الصبّار يمكن ضمّها
لأنّنا نبتنا معاً ولا أعرف غيرها
شممتها ولم أفهم لماذا بكيت
لقد بكيت طوال حياتي
ولم يكن ذلك بسبب حساسيّة الربيع
بكيت وظننت أنّه من الطبيعيّ
أن يرشح الجرّار القديم زيته
لم أكن أعرف أنّني كنت أعيش
مجاوراً الألمَ طوال تلك السنين

■ ■ ■

تعقيم

أيدينا التي نغسلها كلّ يوم
حبّذا لو تنطق يوماً ما
كما علّمونا في حصص الدّين
لعلّها تشكونا إلى الله
وتُخبره كيف أنّنا جرّدناها من ذكرياتها
من جروحها القديمة
وروائح عابريها
من دمعها السخيّ
الذي ذرفناه فوقها
كما يذرف البحر نفسه فوق سفينة ليعانقها
ستسأل الله، ماذا حدث للجرح المتروك على إصبعها منذ الطفولة
الذي يذكّرها بفرض صلاة قديم كنت قد فوّته
لقد عقّمنا عمراً كاملاً بالفعل
مسحنا من ذاكرتها كلّ اللقاءات
التي كنّا نتعرّف فيها على يد إحداهن قبل وجهها
لقد أصابها التطهير بالخرف
عادت بيضاء كقطعة قطنيّة
جفّت بسبب البُعد
وذبلت لأنّها لم تعد تذكر اسم صاحبها

■ ■ ■

للحزن قبضة رجل

كان يبدو على وجهها
أنّ ثمّة شخصاً ما ينتظر عودتها
وأنّ المسافة بينهما أرهقتها
ترى ذلك في عينيها وفي تلفُّتها الدائم
تمسك هاتفها بحذر شديد
تشدّ عليه بقسوة
كأنّها نسيت يد شخص تحبّه بين يديها
كأنّ الأغراض كلَّها هي يده بين يديها
أسقطت يدها برقّة فوق فخذها
كأنّها تريح قبضتها قليلاً
لأنّها اعتادت أن تتعب أمامه هكذا
لأنّه اعتاد أن يلحق بقبضتها أينما ابتعدت
لأنّها فكّرت فيه بشدّة
حتّى سبقها جسدُها في التودّد لصورته في رأسها
كانت تبدو جميلة من أجل أحدهم
لكنّك تعرفها حقّ المعرفة
وتعرف أنّه الحزن
هو ما تتركه وحيداً في بيتها
لكي تهرع إليه راكضةً كلّ يوم

■ ■ ■

امسحي البُعد قليلاً

عندما ترحلين
لا تُلوّحي لي من بعيد
اقتربي وامسحي البعد قليلاً
ثمّ ضعي كفّك فوق كفّي
ولوّحي كأنّ بيننا زجاجاً سميكاً يملؤه ضباب أفواهنا
قلبي لا يخفق
إلّا للّمسات الذاهبة ككلاب أضاعت طريق بيتها
أن تلوّحي لي من بعيد
هذا يعني أن تمسحي غباري
وأن تُلوّحي لي من قريب

  • شاعر من لبنان
  • باسل الأمين

تصلح التحليلات التي جاءت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940 ــ 2015) في كتاباتها حول تهميش النساء وإقصائهنّ من المشهد السياسي العربي، على حال الفنانات العربيات بالمجمل. فكما بالسياسة، يظلّ تقديم الفنّانات العربيات في المشهد الثقافي مفارِقاً لحضورهنّ الكبير فيه، إذ غالباً ما يُنظَر إلى أعمالهنّ من باب الاستثناء أو الإطراء، وكأنّ اشتغال المرأة الفنّي ليس إلّا عملاً موازياً أو ثانوياً بالنسبة إلى اشتغال الرجل ـ الفنّان، الذي يُقَدَّم كمعيارٍ في المشهد الفني، كما في غيره من حقول النشاط الاجتماعي.

على أنّ هذه المعطيات بدأت بالتغيّر في السنوات الماضية ــ وإنْ كان هذا التغيّر نسبياً ــ بفضْل إعطاء الحركات النسوية العربية مؤخّراً بعضاً من ثمار نشاطها خلال العقود الأخيرة، وبفضل موجات النقد النسائي التي شهدها العالَم خلال الفترة القريبة المنقضية، الأمر الذي ساهم في تحرير الخطاب حولهنّ وحول دورهنّ في حقول مثل الفن، ما وضع الفاعلين وأصحاب القرار الثقافي أمام معادلات جديدة لا بدّ لهم من التعامل معها. لكنْ يبقى الأملُ ألّا تستند النظرة الجديدة إلى الاشتغال النسائي الفنّي على مقولات الإطراء و”احتواء” الأقلّية، بل على اعتراف فعليّ بهذا الفن وبقيمته.

في “المتحف الوطني للتصوير” بالرباط، افتُتح في الثامن من آذار/ مارس الجاري معرضُ “نساء فوتوغرافيات”، الذي يستمرّ حتى الثامن من حزيران/ يونيو المقبل، ضامّاً أعمالاً لمصوّرات مغربيات من مختلف الشرائح العمرية. وإن كان موعد إطلاق المعرض قد تزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق النساء، فإن المنتظَر من حدث كهذا ألّا يكتفي برمزية هذا التاريخ، بل أن يتعدّاه إلى اقتراح نظرة موسّعة على حال المشهد الفوتوغرافي المغربي وعلى دور النساء فيه، ويمكن القول إن المعرض ينجح في أداء هذه المهمّة.

أوّل ما يدفع إلى هذا القول هو عدم اكتفاء المنظّمين بتقديم “عيّنة” من الاجتهاد الفوتوغرافي النسائي في المغرب، بل بإتاحة ما يشبه بانوراما له، حيث يوفّر المعرض مئات الأعمال لـ24 فنانة فوتوغرافية؛ يُضاف إلى هذا التنوُّع الكبير في الاشتغالات والرؤى المطروحة من خلال هذه الأعمال، التي تجمع بين الصور الفنية، والتسجيلية، والصحافية، إضافة إلى أعمال تنتمي بوضوح إلى النضال والنشاط النسويين. وإلى هذا وذاك، يقترح المعرض مروحةً واسعة من الخبرات، حيث تُعرض أعمال فنّانات قارّات في المهنة إلى جانب صورٍ لفنانات حملن الكاميرا في الأشهر القليلة الماضية فقط.

وعلى سبيل المثال، يقترح المعرض سلسلةً من الصور أنجزتها الممثّلة فاطمة الزهرة الهويتر خلال فترات العزل الصحّي التي عاشها المغرب والعالَم في العامين الماضيين، وهي تشرح أن إنجاز سلسلة الصور هذه كان ثمرةً للصدفة ولظروف العزل الصحّي، وليس لامتهان الفوتوغرافيا. وإلى جانب أعمال الهويتر التي تُعالج المواضيع التي طرحها الحظر الصحّي من عُزلة ووحدة وأزمات اقتصادية وأُخرى عائلية وزوجية، تحضر صور فنانة مثل صفاء مازيغ، التي تكشف تقنيات المزج والتلوين التي تستخدمها، وكذلك صورها الذاتية، عن علاقةٍ ليست بالجديدة بالتصوير؛ الأمر نفسه ينطبق على أعمال المصوّرة هند مومو، التي تخرج في أعمالها من الثيمات المباشرة إلى فضاء فنّي، حُلميّ، يحوّل الصورة إلى عمل فنّي قائم بذاته بمعزل عن القطعة التي تصوّرها من الواقع.

تتوزّع الأعمال المشاركة في فضاءات وصالات تقوم كلٌّ منها على ثيمة معيّنة، حيث يبدأ المعرض بفضاء يضمّ أعمالاً تسعى إلى تفكيك الكليشيهات حول المرأة، والمرأة المغربية على وجه الخصوص، إن كان في المخيال الاجتماعي أو ذلك الاستشراقي، في حين تُخَصَّص صالاتٌ أُخرى للتصوير المفهومي، والتجريبي، أو لأعمال حول الذاكرة، وأُخرى تميل إلى الشعرية.

الفنّانات المشاركات في المعرض هنّ: أمينة بن بوشتة، لالة السعيدي، لمياء الناجي، ياسمينة بوزيان، ديبورا بنزاكن، ياسمينة علوي، غيتا علوي، صفاء مازيغ، عصماء أخنوش، حسناء الوركة، ياسمين حاتمي، إيمان جميل، ابتهال الرملي، مديحة الصباني، خديجة الأبيض، فاطمة الزهراء سري، إيناس بوعلو، سمية أزحاف، سليمة حمريني، هند مومو، نوار ناصح، فاطمة الزهرة الهويتر، جميلة مستقبل وزينب بلعياشي.

الرباط