استعراض الأقسام

الأدبصفحة

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي من صعيد مصر مسرحاً رئيسياً لتأملاته في الهامش الاجتماعي والمكاني. فالنجع في الرواية لا يظهر مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء مكتظ بالمهمشين الذين يكتفون بالكفاف ويكافحون من أجل البقاء. وهكذا يغدو المكان بنية ضاغطة تعيد إنتاج الفقر والقهر، تماماً كما تعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

الرواية، الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع في القاهرة، تمهّد لعالمها السردي عبر شبكة من الحكايات اليومية و«النميمة» القروية التي تشكّل متنفساً لأهل النجع في مواجهة قسوة النهار ووحشة الليل. فالحكاية هنا ليست مجرد تسلية؛ بل آلية للبقاء ووسيلة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، حيث يلتف الناس ليلاً حول «كانون» الشاي الثقيل يتبادلون الأخبار والقصص. ومن هذه التهيئة الجماعية تنطلق شرارة الحدث الأساسي في الرواية: اختفاء الشابين «حامد» و«صباح»، وما يثيره ذلك من شائعات وتكهنات بين أهل القرية.

سيزيف معاصر

يستدعي الراوي، الذي تربطه بـ«حامد» علاقة قديمة، صورة هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنية، الذي يعمل «فاعلاً» بالأجر اليومي ويهوى الغناء الصعيدي. وعلى الرغم من أن أهل القرية يطلقون عليه لقب «الأبله»، فإن السارد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن أدانته الجماعة اجتماعياً.

اختيار مهنة «الفاعِل» ليس تفصيلاً عابراً؛ فـ«حامد» يبدو أقرب إلى سيزيف معاصر، عالق في طاحونة العمل اليومي. يبدأ نهاره بحمل الأثقال مقابل أجر زهيد، لا يطلب منه سوى ما يكفي لشراء «دخان المعسل»، بينما يهب بقية يوميته لأمه. هكذا يتكرر الفعل ذاته كل يوم في دورة لا تتغير، بما يحيل إلى استعارة الطاحونة التي تمنح الرواية عنوانها.

ويرسم العديسي ملامح القرية ببطء مشهدي؛ القيظ الحاد، وحقول القصب والذرة، وأسطح البيوت الفقيرة. فالطقس هنا ليس مجرد خلفية؛ بل سلطة رمزية تهيمن على المشهد. فالحرّ «يتبختر» بين الحقول والطرق، كأنه يعلن سيطرته على الجميع، تماماً كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها على حياة الناس. وفي هذا المناخ المشحون تنتشر الشائعات بسرعة، لتتغذى القرية الصغيرة على «فضلات الأخبار»، بينما يتحول خبر هروب «حامد» و«صباح» إلى مادة يومية للسخرية والتندر، بوصفهما عاشقين خرجا على تقاليد النجع.

نباهة شعبية

تكشف علاقة «حامد» بالراديو وأغاني المداحين وأغاني «الكف» جانباً إنسانياً مهماً من شخصيته. فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة حين يلاحظ أن كثيراً من أهل القرية، رغم أميتهم، يتفاعلون بعمق مع معاني القصائد الصوفية التي يرددها المداحون، حتى تلك التي كتبها شعراء كبار مثل ابن الفارض وابن عربي. ويعترف الراوي بعجزه عن تفسير هذه القدرة الحدسية على التقاط المعنى، في إشارة إلى وعي شعبي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

«العندليب الأسود»

في ذاكرة السارد، يظل «حامد» حاضراً كشخصية ملتبسة تجمع بين السخرية والبراءة. فأهل النجع يطلقون عليه لقب «العندليب الأسود» تهكماً على صوته الغليظ وهو يغني، لكنه مع ذلك يحرص على حضور تجمعات المداحين والموالد والأفراح، وكأنه يبحث عن مساحة اعتراف لا توفرها له حياة القرية اليومية.

وتبرز علاقة «حامد» بوالدته «شفا» بوصفها مساحة الحنان الوحيدة في حياته؛ فهي ترعاه حتى وفاتها بعطف كبير، مدركةً في الوقت نفسه هشاشة وضعه الاجتماعي والهامش الذي كُتب له أن يعيش فيه.

منطقة رمادية

يتداخل صوت الراوي مع ذكرياته عن «حامد» في طبقتين سرديتين: استعادة طفولة مشتركة، وتأمل متأخر في طبيعة هذا الفتى المختلف. فالراوي يشعر منذ الصغر بأن «حامد» ليس طفلاً عادياً، بسبب قوته الجسدية وشروده الدائم وصمته الطويل ونظرته الزائغة. ومع ذلك لا يحسم السارد طبيعة هذا الاختلاف؛ بل يتركه مفتوحاً، مانحاً الشخصية عمقاً إنسانياً يتجاوز الأحكام الجاهزة التي أطلقها المجتمع عليه.

بين الحب وسلطة الجماعة

مع عودة «حامد» و«صباح» إلى النجع، يتسع الصراع بين سلطة التقاليد وتمرد الفرد. وهنا تكشف الرواية عن تبادل مواقع السخرية والهامش، وكأن القرية نفسها مضطرة لإعادة تعريف مركزها. غير أن رهان «حامد» في النهاية يبدو بسيطاً وبالغ الإنسانية: الوقوع في الحب، والتعلق بأغاني الصعيد الشجية التي يجد فيها صدىً لمشاعره، بينما تبادله «صباح» الهوى بالحساسية ذاتها.

بهذا المعنى، تقدّم «طواحين الهوى» سردية عن الهامش الإنساني في الريف المصري، حيث تتقاطع السخرية مع القهر، وتدور حياة الناس في حلقة يومية تشبه دوران الطاحونة، فيما تظل الحكايات ملاذهم الوحيد لمقاومة قسوة الواقع.

/

تنطلق الباحثة البريطانية كاتي دا كونها لوين في كتابها الجديد «غرفة الكاتب: العوالم الخفية التي تشكّل الكتب التي نحبها» (منشورات جامعة برنستون، 2026) من سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: ما الذي يفعله المكان بالنص الأدبي؟ وكيف تسهم الغرفة أو المكتب أو المقهى في تشكيل إيقاع الكتابة وبنيتها؟

مستحضرةً مقولة فرجينيا وولف عن ضرورة امتلاك «دخل ثابت وغرفة يمكن قفلها»، تعيد المؤلفة النظر في الأمكنة التي وُلدت فيها أعمال كبرى من الأدب الحديث، لا بوصفها تفاصيل هامشية في سِيَر الكتّاب، بل كمفاتيح لفهم طبيعة نصوصهم.

من غرفة وولف الخاصة، إلى الطاولة المشتركة لدى إميلي برونتي، ومن مكتب سيغموند فرويد وأريكته الشهيرة، إلى مقاهي باريس التي كتب فيها إرنست همنغواي دفاتره الصغيرة؛ ترسم دا كونها لوين خريطة دقيقة للعلاقة بين الحيّز المادي وشكل العمل الأدبي.

ولا تتوقف الرحلة عند الفضاءات التقليدية، بل تمتد إلى غرف الفنادق التي اختارتها مايا أنجيلو عمداً لتكتب فيها، والحافلات التي حوّلتها لورين إلكين إلى مكتب متنقّل، وطاولات المطابخ التي شكّلت فضاء عمل جماعي لدى أودري لورد ومؤسِّسات دار نشر «نساء ملوّنات».

يغطي الكتاب طيفاً واسعاً من الأسماء، من جيمس بالدوين والأخوات برونتي وأغاثا كريستي وتشارلز ديكنز وجون كيتس، مروراً بـسيلفيا بلاث وويليام شكسبير، وصولاً إلى أسماء معاصرة مثل زادي سميث وهيلاري مانتل.

بين السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي، يفكّك الكتاب صورة «الإلهام الغامض»، ليقدّم قراءة تُبرز تداخل العزلة والرفقة، والاستقرار المادي والمكاني، في تشكيل التجربة الإبداعية. فالمكان، كما تقترح دا كونها لوين، ليس خلفية صامتة، بل عنصر فاعل في نحت الأفكار وتحديد إيقاعها.

وينتهي العمل بفكرة بسيطة وعميقة في آن: الكتابة فعلٌ يولد في عالم ملموس — من طاولةٍ ومقعدٍ وضوء نافذة — قبل أن يتحوّل إلى كتابٍ على رفّ، يخفي وراء صفحاته أثر المكان الذي شهد ولادته.

في «جدارية»، يبدو هذا الإصدار دعوةً لإعادة النظر في أمكنة الكتابة اليوم، والتفكير في العلاقة الخفية بين الجدران التي نكتب بينها، والنصوص التي تبقى بعدها.

في عالم تتسارع فيه الإيقاعات حتى تكاد الأيام تفقد ملامحها ، وتختزل فيه معايير النجاح أحيانا في أرقام عابرة وصور سريعة الزوال ، يبقى الإنسان الطموح هو الثابت وسط هذا الاضطراب كضوء صغير لا ينطفئ ، وكبوصلة خفية تعيد للخطوات اتجاهها حين تتشابه الطرق ، لتبرز لنا من ذلك تجربة الدكتور المصري ” علي الدكروري ” ، لا بوصفها مجرد قصة نجاح مهني بل باعتبارها سيرة إنسانية تتشكل من تفاعل الفكر مع العمل ومن إيمان عميق بأن الإنجاز الحقيقي يبنى ببطء ووعي وأثر ممتد 

ففي ظهوره الأخير عبر برنامج ” بنفكر في بكره ” لم يكن الحوار استعراضا لمسيرة حافلة بقدر ما بدا تأملا هادئا في معنى الرحلة نفسها ، كان حديثه أقرب إلى جلسة مصارحة مع الزمن ، حيث تتراجع الضوضاء وتظهر التفاصيل التي لا تراها العناوين الكبيرة من : بدايات متواضعة وخطوات صغيرة ومحاولات لا تبدو استثنائية في ظاهرها ، لكنها كانت مشبعة بإصرار لا يعرف التراجع ، لقد اتسم حضوره بنبرة هادئة توحي بأن التجربة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب كي تثبت نفسها ، وأن الحكمة كلما تعمقت ازدادت بساطة ووضوحا ، فتحدث عن مسافة طويلة بين الفكرة والتنفيذ ، وعن ليال من العمل المتواصل ، حيث لا يكون الصبر انتظارا سلبيا بل فعلا يوميا من البناء والتصحيح والتعلم ، فمن هناك في تلك المساحات غير المرئية ، يتشكل جوهر النجاح الحقيقي ، ففي واحدة من عباراته التي بدت كخلاصة تجربة طويلة أشار إلى أن النجاح لا يقاس بسرعة الوصول بل بالقدرة على الاستمرار رغم الرياح ، وبالخطوات المتتابعة التي تقيم صرحا لا تهزه العواصف ، وهي رؤية تعيد تعريف ” القمة ” ذاتها ، فالقمة ليست نتيجة اندفاع سريع بل ثمرة توازن دقيق بين الرؤية والعمل وبين الطموح والصبر ، حين يصبح الطريق مدرسة وتتحول الرحلة إلى إنجاز قائم بذاته 

غير أن ما يمنح هذه التجربة بعدها الثقافي والإنساني هو إعادة تعريف غاية النجاح ، فالمسألة، في تصوره لا تتعلق بتحقيق إنجاز فردي بقدر ما ترتبط بقيمة الأثر ، لان النجاح الذي لا ينعكس خيرا على الآخرين يظل ناقصا ، أما حين يتحول إلى فرص تخلق ومعرفة تنشر وأمل يمنح ، فإنه يغادر حدود المكسب الشخصي ليصبح طاقة اجتماعية قادرة على صناعة مستقبل أفضل 

وهنا لا تبدو الأفكار الطموحة غاية بحد ذاتها ، بل بداية لمسؤولية أكبر ، فالفكرة التي تبقى في حيز الاحتمال تظل وعدا مؤجلا ، أما حين تترجم إلى عمل منظم ومؤثر فإنها تتحول إلى قوة تغيير حقيقية ، ليتجاوز النجاح بذلك لغة الأرقام والأرباح ويدخل مجال الرسالة والمعنى ، إن تجربة ” الدكروري ” ليست مجرد حكاية صعود مهني ، بل سردية إنسانية عن العلاقة بين الفكر والفعل وبين الطموح والعطاء ، وهي تذكير بأن الرقي لا يقاس بالألقاب أو الشهادات بل بما يتركه الإنسان من أثر حي ، وبما يزرعه من فرص وأفكار في حياة الآخرين ، فالقمة في جوهرها ليست مكانا نصل إليه بل قيمة نعيش بها ، والطموح حين يقترن بالحكمة يتحول إلى أداة بناء ، والعمل حين يستند إلى القيم يصبح طريقا نحو مجتمع أكثر وعيا وأملا 

وهكذا تتحول التجربة من قصة نجاح فردية إلى رسالة أوسع بأن الإنسان هو نقطة البداية ، وأن القيم هي الأساس ، وأن العمل هو الطريق ، وأن الحلم مهما كان كبيرا لا يكفي وحده بل يحتاج إلى عقل يديره وقلب يمنحه المعنى وإرادة تترجمه إلى فعل ، حينها فقط يصبح الطموح بصمة لا تمحى ، وحكاية تمتد آثارها إلى ما بعد صاحبها كضوء يظل حاضرا حتى بعد أن يغادر المشهد .

/

يمثل شهر رمضان، لدى كثير من الأدباء والمفكرين، محطة ثقافية خاصة تعيد ترتيب أولوياتهم الإبداعية؛ إذ تتراجع وتيرة الكتابة لصالح القراءة، التي تتحول من عادة عابرة إلى فعل تأملي يومي عميق. فالخلوة الروحية التي يمنحها الصيام، والمناخ الإيماني والاجتماعي المصاحب له، يفتحان أمام المبدعين مساحات أوسع للتفكير وإعادة صياغة علاقتهم بالذات وبالعالم.

في هذا السياق، يرى الكاتب والناقد السوري سامي داوود أن القراءة “نشاط يومي كالغذاء”، لا ترتبط بطقوس خاصة، بل تشكل حاجة مستمرة لشحذ التأمل وفهم الوجود الإنساني. ويؤكد أن العزلة شرط جوهري للكتابة، وأن التعبير الحقيقي يظل فعلًا جماليا عصيًا على الاستنساخ أو “البرمجة”، لأنه يمنح الكاتب فرصة لاكتشاف ذاته قبل مخاطبة الآخرين.

أما الروائية المصرية رشا عدلي فترى أن لرمضان إيقاعًا مختلفًا؛ فهو شهر اللقاءات والدفء العائلي، ما يخفف من كثافة القراءة والكتابة، دون أن يلغي حضورهما. تميل في هذا الشهر إلى القراءة المتأنية للروايات ذات النفس الطويل، بينما تنخفض وتيرة الكتابة الإبداعية استجابة لخصوصية الزمن الرمضاني، مع بقاء مشروعها الروائي ممتدًا كخيط لا ينقطع.

ومن جانبه، يصف الباحث اللبناني جوزيف عيساوي طقوسه في الكتابة بعد الإفطار، حيث يختار العزلة داخل المقاهي المزدحمة، ليتحول النص لديه إلى “أنا آخر” يتحاور معه. ويؤكد أن القراءة فعل جاد يتطلب حضورًا ذهنيًا واحترامًا للنص، وأن لحظة الكتابة لا تخضع لوقت محدد بقدر ما ترتبط بصفاء داخلي واستعداد معرفي يتعزز في رمضان.

هكذا، لا يكون رمضان شهر انقطاع عن الإبداع، بل موسمًا لإعادة شحنه. فالقراءة فيه تغدو غذاءً للروح، وتجديدًا للترسانة المفاهيمية، وتطهيرًا للوعي من ضجيج الواقع. ومن رحم هذا التأمل الهادئ، تولد كتابة أكثر نضجًا وعمقًا، تنفتح على آفاق فكرية وإنسانية أصيلة

/
بقلم .. دعاء هزاع الجابري 

في ليال يغمرها المطر كوشاح من نغم خافت ويتمدد فيها الشتاء طويلا ، كأنه يسعى لأن يروي حنينا أزليا لا يرتوي ، نفتش عن كلمات تشعل في أعماقنا جمرة دفء لا تطفئها الرياح ، ونبحث عن حكاية تنصت لقلوبنا أكثر مما نحسن نحن الإصغاء إليها ، عن سطور تعرف كيف تحملنا برفق إلى عالم يتلاشى فيه وجع الدنيا ، ويعلو فيه صوت الروح صافيا بلا ضجيج 

هناك ، بين صفحات كتاب وآخر ، حيث تصفر الأوراق بمرور السنين ، كما لو أنها تحفظ ذاكرة اللمس ، تتفتح لنا أبواب لا يصل إليها النهار ، وتولد كلمات تبحر بنا على مهل نحو موطن دفء يأبى الفراق ، موطن يتشبث بنا حتى آخر لحظات بزوغ الفجر ، وكأن الفجر ذاته يتردد قبل أن يطل ، خشية أن يقطع علينا حلاوة التجلي في تلك اللحظة الساكنة بداخلنا 

نلتف بليل محاك من الكلمات ، ليل يشبه حضنا ناعما لا يرى ، وفي أيدينا فنجان شاي إنجليزي يتصاعد بخاره ، كأنه روح الكتاب القادمة 

إلينا بدفئها ، وعلى الطاولة قطعة كعك تفوح منها رائحة البيوت القديمة ، تلك البيوت التي لا تستعاد إلا بين دفتي رواية وأخرى ، ومع كل فصل جديد  نسافر بلا إذن : إلى تلال إيرلندا المسكونة بالندى ، إلى قلاع اسكتلندا حيث ينام الزمان شامخا ، إلى أزقة باث التي تخبئ بين حجارتها أنفاس قرون مضت ، ونمسك بحقائب من خيال ، ونلف أوشحة من شوق يعتصرنا ، ونمضي في دروب لم نعرفها إلا حين كتبتها لنا يد كانت تؤمن بأن العالم لا يتسع إلا للحلم إذا جاء مكتوبا ، تلك اليد ، يد امرأة نسجت من الرقة وطنا ، ومن البساطة رحلة ، ومن الحكاية موقدا يذيب صقيع هذا العالم ، امرأة ليست روائية فحسب ، بل سحر ودفء في قلب هذا الكون الشاحب 

إنها جين أوستن ، التي كتبت لنا قصصا لا تقرأ بل تعاش ، قصصا نضعها على صدورنا كما توضع الذكريات الثمينة ، ونرتلها في ليالي الوحدة كترنيمة تمنح القلب سببا للنبض ، وشغفا متجددا للحياة ، هي التي جعلت الكلمات تمشي على أطراف أصابعها كي لا تكسر صمت الأحلام ، ووهبتنا شخصيات تشبهنا : تحب مثلنا ، وتنتظر مثلنا ، وتخطئ وتخاف وترتجف كما ترتجف قلوبنا الساكنة وسط ضجيج هذا العالم ، امرأة أعادت إلينا دفء الروح حين كدنا نفقده ، ومنحتنا حكايات تفتح لليل نافذة ، وللروح ملاذا ، وللقلب لغة لا يعرفها سواه 

ففي أعمالها وجدنا حنينا يوقظ ذاكرتنا ، ودفئا يسكب الطمأنينة في قلوبنا وشغفا يعيد إلينا رغبتنا في الكتابة ، كأنها تضع القلم بين أيدينا وتهمس : اكتبوا ، فالعوالم لا تخلق إلا بالكلمات  

وهكذا ، يبقى أثرها فينا ممتدا لا يذوب بمرور الوقت ، ولا يتلاشى مهما تغير العالم من حولنا ، ويبقى معها ذلك الشعور الجميل بأن : الأدب ليس مجرد حكاية تقرأ ، بل وطن يحتوينا حين يبرد كل شيء ، فحين نغلق آخر صفحة ، يبقى دفء الحكاية عالقا في أطراف القلب ، لنقف أمام سؤال لا يبحث عن جواب ، بل عن دهشة أطول عمرا : من أي عالم جاءت جين أوستن يا ترى؟ ، أمن عالم يعرف كيف ينصت للقلوب قبل أن تنطق؟ أم من زمن كانت فيه المشاعر تكتب على مهل ، وتصان كما تصان الأسرار الجميلة؟ ، لعلها أتت من مكان لا يخضع لقسوة الواقع ، من ضفة أخرى للعالم ، حيث الحب لا يشيخ ، والرقة لا تهزم ، والكلمات تولد وفيها دفء البشر جميعا ، أو ربما لم تأت من عالم بعيد ، ربما كانت واحدة منا لكنها رأت ما عجزنا عن رؤيته ، وسمعت ما تجاهلناه طويلا ، فكتبت كي تترك لنا أثرا يدل الطريق ، وكي تهمس في آذاننا كلما اشتد البرد : إن في الحكاية خلاصا ، وفي الأدب حياة أخرى ، وفي الكلمات وطنا لا يخذل ساكنيه

لتبقى جين أوستن هكذا سؤالا جميلا لا نريد له جوابا ، لأن بعض الأسئلة خلقت كي تبقى مضيئة ، تماما كأثرها فينا ” دافئا ، وصامتا ، وأبديا ” .

انتعاش عالمي لأدب الخيال العلمي مدفوعاً بالأزمات والمنصّات الرقمية

يشهد أدب الخيال العلمي في السنوات الأخيرة طفرة لافتة أعادت رسم خريطة سوق النشر العالمية، مدفوعاً بتحولات كبرى في الواقع المعاصر، من الأزمات المناخية والقلق التكنولوجي إلى صعود المنصّات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعدما ظل لسنوات يُنظر إليه بوصفه أدباً ترفيهياً هامشياً، تحوّل الخيال العلمي إلى مساحة تعبيرية عميقة تستكشف مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل سريع التغيّر، ما انعكس على ارتفاع مبيعاته وعودة النقاش حول مكانته الأدبية.

في فرنسا، كشفت دراسة صادرة عن «مرصد الخيال» لعام 2025 عن قفزة في مبيعات روايات الخيال العلمي بنسبة 40% بين عامي 2023 و2024، تزامناً مع ظهور دور نشر جديدة متخصصة بهذا النوع. الاتجاه ذاته برز في الولايات المتحدة، حيث أظهرت بيانات معهد «سيركانا بوك سكان» ارتفاع المبيعات بنسبة 12% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025. أما في المملكة المتحدة، فقد سجلت روايات الخيال العلمي والفانتازيا زيادة وصلت إلى 41.3% بين عامي 2023 و2024، وفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» حول دور منصّة «بوك توك» في تنشيط المبيعات.

ولم يعد هذا الأدب يُختزل في صورته التقليدية القائمة على المغامرة أو الكائنات الخرافية والسفر عبر الزمن، بل بات أقرب إلى أدب استكشافي يوظّف المستقبل لفهم قضايا سياسية واجتماعية وأخلاقية معاصرة. ويرى باحثون في الأدب المقارن أن الخيال العلمي يضخّم قضايا الحاضر مثل الرقمنة والرقابة والذكاء الاصطناعي والكوارث المناخية، ليقدّم قراءات نقدية للمجتمع. وتظل أعمال مثل «1984» لجورج أورويل و«عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي و«هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك نماذج بارزة على هذا التداخل بين الخيال والمخاوف الواقعية.

في المقابل، لعبت المنصّات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» في «تيك توك»، دوراً محورياً في هذا الانتعاش. إذ تشير بيانات «سيركانا بوك سكان» إلى أن واحداً من كل 12 كتاباً ورقياً يباع عالمياً يعود انتشاره مباشرة إلى تأثير صنّاع المحتوى على المنصة. وقد ساهمت هذه الظاهرة في تحقيق نجاحات قياسية لأعمال حديثة، مثل رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، التي دفعت دور النشر إلى طباعة مئات الآلاف من النسخ منذ الإصدار الأول. كما أعادت المنصة إحياء روايات قديمة، مثل «أغنية أشيل» التي تضاعفت مبيعاتها بعد سنوات من صدورها، فضلاً عن استمرار صعود مبيعات «1984» بمعدلات سنوية ملحوظة.

هذا التحول الرقمي لم ينعش المبيعات فحسب، بل كسر أيضاً احتكار النخب الثقافية لمنح «الشرعية الأدبية»، إذ باتت قوائم الأكثر مبيعاً، التي يقودها جمهور شاب عبر المنصّات الاجتماعية، عاملاً مؤثراً في إعادة تقييم هذا الجنس الأدبي.

وتتزامن هذه الطفرة مع تحوّل في نظرة النقاد إلى الخيال العلمي، خصوصاً مع تصاعد قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والحريات الفردية. فقد ظل هذا الأدب طويلاً مهمشاً بوصفه «أدباً شعبياً»، قبل أن يتعزز الاعتراف به بوصفه مختبراً فكرياً واجتماعياً يستشرف المستقبل لفهم الحاضر. وترى الكاتبة أورسولا ك. لو غوين أن الخيال العلمي «أداة قوية لاستكشاف معنى أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول»، فيما يعتبر عدد من الكتّاب والنقاد أن هذا الجنس الأدبي بات من أكثر الأشكال قدرة على دمج الأسئلة التكنولوجية والإنسانية في سرد روائي معاصر.

ويؤكد نجاح أعمال حديثة وحصولها على جوائز أدبية كبرى، إلى جانب إعادة إحياء الكلاسيكيات، أن الخيال العلمي لم يعد على هامش المشهد الثقافي، بل أصبح أحد محركاته الأساسية، وفضاءً رحباً لقراءة الحاضر عبر مرايا المستقبل.

افتتح معرض دمشق الدولي للكتاب، يوم الجمعة، أبوابه أمام الزوار وسط إقبال جماهيري واسع ومشاركة عربية ودولية تتجاوز 500 دار نشر، مع حضور سعودي لافت إذ تحلّ المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الدورة إلى جانب دولة قطر. وتأتي المشاركة السعودية بعد انقطاع دام 15 عاماً، ضمن توجه ثقافي يسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي السعودي المعاصر، الذي يجمع بين الأصالة والحداثة.

وأوضح مدير عام الإدارة العامة للنشر في هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، بسام البسام، أن الجناح السعودي صُمم ليعكس تنوع الثقافة في المملكة، من خلال عرض نماذج من الأزياء التراثية لمنطقتي الحجاز والوسطى، إلى جانب آلات موسيقية مثل الربابة والقانون التي أسهمت في تطور الموسيقى السعودية. كما يضم الجناح صالة عرض سينمائي يُعرض فيها الفيلم السعودي «نورة» المصوّر في مدينة العلا، والذي شارك في عدد من المهرجانات الدولية.

وتتضمن المشاركة السعودية برنامجاً ثقافياً يضم نحو تسع ندوات حوارية وأمسية شعرية، تُقام على المسرح الرئيسي للمعرض وداخل الجناح السعودي، إضافة إلى حضور عدد من دور النشر السعودية. وأشار البسام إلى أن هذه المشاركة تأتي ضمن خطة استراتيجية لهيئة الأدب والنشر والترجمة تستهدف الحضور في نحو 20 معرض كتاب حول العالم خلال العام الجاري، مؤكداً أن معرض دمشق يحتل مكانة خاصة ضمن هذه الخريطة الثقافية.

من جانبه، عبّر الروائي أحمد السماري، عضو الوفد الثقافي السعودي، عن تفاؤله بمستقبل المعرض، مشيراً إلى أن المشاركة السعودية تمثل دعماً مهماً للحراك الثقافي وتسهم في تعزيز التبادل المعرفي. ولفت إلى أن العلاقة بين الحضور الثقافي والسياسي لا يمكن فصلها، لما لها من دور في دفع المجتمعات نحو التقدم وتعزيز الوعي الثقافي.

بدوره، أكد الدكتور معجب العدواني، أحد ممثلي الوفد الثقافي السعودي، أن حضور المملكة كضيف شرف يحمل دلالات معرفية وثقافية تتجاوز الطابع الرسمي، ويعكس رسالة تضامن وتواصل إنساني بين السعودية وسوريا، مشيراً إلى أن اللقاء المباشر بين المثقفين يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإبداعي. كما شدد الروائي يوسف المحيميد على أن هذه المشاركة تمثل حضوراً ثقافياً ذا رمزية خاصة في ظل تعافي المشهد الثقافي السوري وعودة الاستقرار.

ويضم المعرض أكثر من 100 ألف عنوان في مختلف المجالات المعرفية، إلى جانب برنامج ثقافي حافل يتضمن ما يزيد على 650 فعالية بين ندوات وجلسات حوارية وأمسيات أدبية وفنية، ما يجعله من أبرز الأحداث الثقافية في البلاد بعد سنوات من التوقف. كما يتضمن إطلاق سبع جوائز ثقافية لدعم الكتّاب ودور النشر، وإعلان مبادرات من بينها «كتابي الأول» لإصدار 100 عنوان جديد خلال عام 2026، وبرنامج «زمالة دمشق» للترجمة، ومبادرة «مسار ناشئ» لدعم المواهب الشابة في مجال النشر والكتابة.

وتستمر فعاليات المعرض من 6 إلى 16 فبراير الجاري، يومياً من العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً، فيما يُفتح يوم الجمعة من الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً. وتأتي هذه الدورة بعد انقطاع دام خمس سنوات، علماً بأن أولى دورات معرض دمشق الدولي للكتاب أقيمت عام 1984، وظلّ لسنوات طويلة أحد أبرز الفعاليات الثقافية المنتظرة في المشهد العربي.

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية، اليوم الأربعاء، القائمة القصيرة لدورتها الـ19 خلال مؤتمر صحفي أُقيم في هيئة البحرين للثقافة والآثار، بمشاركة لجنة التحكيم وعدد من القائمين على الجائزة، على أن يُعلن العمل الفائز في أبوظبي يوم 9 أبريل/نيسان 2026.

وضمت القائمة ست روايات هي: «أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، «منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، «فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، «أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، «الرائي» للعراقي ضياء جبيلي، و«غيبة مي» للبنانية نجوى بركات.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وأدبياً لافتاً، بمشاركة كتّاب من مصر والجزائر والعراق ولبنان تتراوح أعمارهم بين 37 و69 عاماً، فيما تطرح الروايات قضايا إنسانية وراهنة بأساليب سردية مختلفة. كما يضم السباق كتّاباً سبق أن بلغوا مراحل متقدمة في الجائزة، من بينهم أحمد عبد اللطيف وأمين الزاوي وسعيد خطيبي.

رئيس لجنة التحكيم، الناقد التونسي محمد القاضي، أشار إلى أن الأعمال المختارة تجمع بين الغوص في النفس البشرية واستحضار التاريخ وقراءة الواقع العربي الراهن، مؤكداً أن الرواية العربية تواصل تطورها وانفتاحها على أساليب جديدة وقضايا معاصرة. من جانبه، لفت رئيس مجلس الأمناء ياسر سليمان إلى أن الأعمال المرشحة تعكس حيوية السرد العربي وقدرته على الربط بين المحلي والإنساني، وبين الماضي والحاضر، بما يعزز حضور الرواية العربية لدى القراء عربياً وعالمياً.