Blog

  • قطاع الثقافة في الاتحاد الأوروبي يتعرض لخسائر غير مسبوقة بسبب «كورونا»

    قطاع الثقافة في الاتحاد الأوروبي يتعرض لخسائر غير مسبوقة بسبب «كورونا»

    أفادت دراسة بأن قطاع الثقافة في الاتحاد الأوروبي خسر نحو ثلث إيراداته في العام الماضي بسبب من جائحة «كوفيد19» التي لم يسلم من تداعياتها في هذا القطاع سوى ألعاب الفيديو التي سجّلت مبيعاتها ارتفاعاً بنسبة 9 في المائة، فيما تعرّضت عائدات الأنشطة الثقافية والإبداعية لخسائر غير مسبوقة.


    وتشير الدراسة التي وضعتها شركة الاستشارات العالمية «إرنست يونغ» بتكليف من المفوضية الأوروبية، إلى أن القطاع الأكثر تضرراً كان الفنون المسرحية الذي يشمل الرقص والأوبرا والمسرح، والذي تراجعت إيراداته بنسبة 76 في المائة، تليه قطاعات الفنون البصرية والهندسة المعمارية والكتب والإعلانات والأنشطة السمعية البصرية، التي تراجعت بنسب متفاوتة تتراوح بين 20 و40 في المائة مقارنة بعام 2019. وتقدّر الدراسة خسائر القطاع الثقافي الأوروبي في العام الماضي بما يزيد على 199 مليار يورو، أي أسوأ من قطاع السياحة، وبنسبة مماثلة لقطاع النقل الجوي.

    ويقول مارك ليرميت، الأمين العام لـ«رابطة الهيئات الأوروبية للمؤلفين والملحنين»: «العام الماضي كان مأساوياً بالنسبة لكل الأنشطة الإبداعية والثقافية في الاتحاد الأوروبي والعالم. فالقطاع الثقافي كان أول من أوقف أنشطته المباشرة والتوزيعية، ومن الأرجح أن يكون آخر قطاع يستأنفها بعد رفع قيود العزل والإقفال».

    وتفيد الدراسة بأنه لم يسبق أن تعرّض الاقتصاد الإبداعي الأوروبي لكارثة بهذا الحجم، وبأن تداعياتها قد تستمرّ حتى نهاية العقد المقبل. لكنها تشير من ناحية أخرى إلى أنه قبل ظهور جائحة «كوفيد19» كان قطاع الثقافة من أنشط القطاعات في الاتحاد الأوروبي؛ حيث يمثّل 4.4 في المائة من إجمالي الناتج القومي لبلدان الاتحاد، بإيرادات سنوية تزيد على 643 مليار يورو وقيمة مضافة تبلغ 253 مليار يورو.

    يذكر أن قطاع الثقافة كان الأكثر نموّاً بين القطاعات الإنتاجية في الاتحاد الأوروبي بعد أزمة عام 2008، بمعدّل سنوي تجاوز 3 في المائة مقابل اثنين في المائة للقطاعات الأخرى. وهو يوفّر أكثر من 7.6 مليون فرصة عمل؛ أي ثمانية أضعاف ما يوفّره قطاع الاتصالات. وتخلص الدراسة إلى أن الأنشطة الثقافية والإبداعية يجب أن تكون أساسية في برامج الانتعاش الأوروبي من تداعيات الجائحة، وذلك نظراً لدورها المحوري في اقتصادات جميع بلدان الاتحاد.

    وتوصي الدراسة في استنتاجاتها باعتماد مقاربة ثلاثية للنهوض بهذا القطاع تقوم على التمويل، والتأهيل، والتنشيط، أي ضخّ كميات كبيرة من التمويل العام في الأنشطة الثقافية والإبداعية والمساعدة على اجتذاب التمويل الخاص، وتوفير الأطر القانونية المتينة لتحفيز النشاط الإبداعي وصون نموه في الأمد الطويل، وتنشيط هذا القطاع ليلعب دوراً فاعلاً في التطور الاجتماعي.

    وفي تعليقه على الدراسة يقول الموسيقار الفرنسي المعروف جان ميشال جار: «من المؤسف أن نلاحظ كيف أن الثقافة كانت من أولى ضحايا هذه الأزمة في الوقت الذي نحن في أشدّ الحاجة إليها للصمود في وجه تداعياتها النفسية والاجتماعية. هذه الدراسة تعكس الواقع بمرارة وتسلّط الضوء على أهمية الفنون والأنشطة الإبداعية خلال الأزمات، وتبيّن بالأرقام فداحة الخسائر وتطرح الحلول لمعالجتها»

    نقابة المؤلفين الإيطاليين من جهتها عدّت خسارة 30 في المائة من فرص العمل في قطاع الثقافة «خسارة لا يمكن لأوروبا أن تتحمّلها»، ودعت قادة الاتحاد الأوروبي إلى التحرّك بسرعة لمساعدة هذا القطاع، منبّهة إلى الضغوط التي تمارسها المنصّات الرقمية العالمية الكبرى على المؤلفين والمبدعين لخفض أسعار إنتاجهم في الوقت الذي تحقق فيه هذه المنصّات أرباحاً غير مسبوقة منذ بداية الأزمة.

    وبعد تقديم الدراسة أمام وسائل الإعلام، اجتمع نائب رئيس المفوضية الأوروبية فالديس دومبروفسكيس بميشال جار والمخرجة السينمائية الإسبانية إيزابيل كويتشيت، اللذين طالبا بعقد قمة طارئة لمناقشة تداعيات جائحة «كوفيد19» على قطاع الثقافة، ووضع خطة طارئة لإنقاذه ومساعدته في النهوض.

    شوقي الريس

  • وفاة الشاعر والروائي الفلسطيني مريد البرغوثي

    وفاة الشاعر والروائي الفلسطيني مريد البرغوثي

    أعلنت وسائل إعلام فلسطينية، الأحد، وفاة الشاعر والروائي الفلسطيني الكبير مريد البرغوثي عن عمر ناهز 77 عاماً، لتتصدر سيرته سريعاً منصات التواصل الاجتماعي، ونعاه المثقفون بحزن.

    ونشر ابنه الشاعر تميم البرغوثي عبر حسابه على موقع “فيسبوك”: “مريد البرغوثي”، كما غيّر صورة حسابه للون الأسود.

    وُلد البرغوثي في رام الله عام 1944، وسافر إلى مصر عام 1963 حيث التحق بجامعة القاهرة وتخرج في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها عام 1967، ولم يتمكن من العودة إلى مدينته رام الله إلا بعد ذلك بثلاثين عاماً من التنقل بين المنافي العربية والأوروبية.

    تزوج من الروائية المصرية الراحلة رضوى عاشور، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس بالقاهرة، ولهما ولد واحد هو الشاعر والأكاديمي تميم البرغوثي.

    أصدر عدداً كبيراً من دواوين الشعر، إذ نشر ديوانه الأول عن دار العودة في بيروت عام 1972 بعنوان “الطوفان وإعادة التكوين”، وأصدرت له المؤسسة العربية للدراسات والنشر مجلّد الأعمال الشعرية عام 1997.

    جائزة فلسطين

    حصل مريد البرغوثي على جائزة فلسطين في الشعر عام 2000، وترجمت أشعاره إلى عدة لغات وحاز كتابه النثري “رأيت رام الله” دار الهلال (1997) على جائزة نجيب محفوظ للآداب فور ظهوره وصدر حتى الآن في 6 طبعات عربية.

    وصدر باللغة الإنجليزية بترجمة لأهداف سويف، ومقدمة لإدوارد سعيد في 3 طبعات عن دار النشر بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ثم عن دار راندوم هاوس في نيويورك، ثم عن دار بلومزبري في لندن، ثم ترجم إلى لغات عديدة.

  • حكايات جورج البهجوري وسيرته في رسوم على الورق

    حكايات جورج البهجوري وسيرته في رسوم على الورق

    ياسر سلطان

    خط واحد متصل يتقاطع ويدور ويلتف، وما هي إلا لحظات حتى تظهر الملامح واضحة على الرغم ممّا فيها من تحريف ومبالغة. هكذا يرسم الفنان المصري جورج البهجوري كل تفاصيل حياته، تعوّد أن يرسم وجوه الناس، وإذا لم يجد يقف أمام المرآة ليرسم وجهه، المُهّم أن يظل يرسم بلا توقف.

    إلى جوار الرسم، لا مانع من الكتابة والتعليق بكلمات قليلة وعبارات لا تخلو من الطرافة. المئات من هذه الرسومات السريعة التي شكلها البهجوري بالرسم والكتابة تحكي سيرته منذ كان طفلاً في قريته “بهجورة” في صعيد مصر إلى تفاصيل رحلاته عبر عواصم العالم.

    أكثر من مئة من هذه الرسومات السريعة للفنان جورج البهجوري تُعرض حالياً في غاليري مشربية في القاهرة حتى 17 من هذا الشهر. يضم المعرض جانباً من تجربة الفنان مع الاسكتش، وهي تجربة لازمته طوال حياته، فهو فنان نادراً ما تفارقه أدوات الرسم، يرسم في تنقلاته وجلساته، وغالباً ما يوزع هذه الرسومات على الأصدقاء وغير الأصدقاء، أو ربما يحتفظ بها لنفسه أحياناً.

    جورج البهجوري يرسم كما يفكر ويفكر كما يرسم، يمتلك شخصية مرحة تتصيد النكتة من قلب الحوار بسهولة، وربما لهذا خاض تجربة الكاريكاتير في فترة من حياته. في رسوم بهجوري السريعة لابد أن تلمح هذه الطرافة، في خفة الخطوط، أو ملامح الوجه وميله للمبالغة في بناء تفاصيله. يضم معرضه القاهري عشرات النماذج من هذه الرسوم التي ظل يرسمها منذ أن استهوته هذه الغواية، إنها غواية الرسم التي يرى من خلالها العالم. يضم معرضه نماذج عدة من هذه الرسوم السريعة التي ربما تُشكل في مجملها مراحل عمره وسيرته الشخصية مع الرسم. رسوم عارية ووجوه وأشخاص منغمسون في الحديث، وعازفون مع آلاتهم الموسيقية، وآخرون غارقون في صمت. أعمال رسمها في مقهاه المفضل في القاهرة حيث تعود الجلوس، وأخرى تحمل روائح أماكن ومدن بعيدة في الشرق والغرب. بعض هذه الرسوم تُرك على حاله بالأبيض والأسود، وبعضها يحمل مسحة شفافة من اللون، ومن دون انتهاك طبيعة الاسكتش السريعة والمختزلة.

    تعليقات مكتوبة

    كثير من هذه الرسوم يحمل تعليقات مكتوبة أو مدونة أحياناً على خلفية أوراق الرسم، فالكتابة جزء من تجربة الفنان جورج البهجوري، وقد خاض غمارها متأخراً، كما يقول. صدرت للبهجوري على مدار العقدين الماضيين كتب مصحوبة برسوم ولوحات تحكي سيرته الذاتية، بدأها بكتاب “أيقونة فلتس” عام 1997؛ وفلتس هو اسم شعبي في العائلة القبطية. أما أبطال الرواية فهم أبوه وزوجة أبيه وعمه وأقاربه. فتحت له هذه الرواية باب الكتابه عن سيرته، إذ اتّبعها بإصدارات أخرى، منها “أيقونة باريس”، و”بهجر في المهجر” و”أيقونة شعب”. كتابات البهجوري ارتبطت بما يسميه هو المشهدية في الأدب، فهو رسام في المقام الأول، وحين يصف شخصاً ما، أو مشهداً بعينه يتخذ هذا الوصف طبيعة خاصة ومميزة، وبأسلوب لا يخلو من السخرية والفكاهة.

    أما علاقته بالكاريكاتير فتعود إلى بدايات عمله في الصحافة وكان لا يزال طالباً في الفنون الجميلة، فقد كلفه الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس برسم صفحتين يومياً تحت عنوان “أخبارهم على وجوههم” في إحدى المجلات المصرية التي كان يرأس تحريرها عبد القدوس حينها. وفي منتصف السبعينيات واتته فرصة السفر إلى باريس، وهناك اتخذ قراراً بالبقاء ليضع فصلاً جديداً من تجربته، فقد مثلت باريس أحد أهم المحطات في حياته، وكان لها تأثيرها الواضح على فنه وإبداعه في ما بعد. في باريس كان لديه الوقت الكافي للقراءة والمشاهدة من جديد، وتضاءلت مساحة الصحافة من أولوية اهتماماته.

    يعدّ البهجورى من أكثر الفنانين المصريين ارتباطاً بالشارع، هو يتجول ملتهماً بعينيه كل تفاصيل المدينة كي يُعيد صوغها من جديد. يحمل كل وجه من الوجوه التي يرسمها في أعماله ذاكرة رحبة للمكان تختلف وتتغير تفاصيلها من وجه إلى آخر، فالوجوه في مخيلته ترتبط بالأماكن ولا تنفصل عنها. هو يمارس فنه أينما حل، فبخطوط بسيطة متقاطعة لا يتوقف مسارها على سطح الرسم تتشكل هذه الوجوه والملامح، والتي تُهيّء نفسها للاستقرار والظهور بين الحين والآخر على سطح لوحاته الكبيرة. في أعماله المعروضة يرصد البهجوري مظاهر الحياة في المدينة، مستحضراً ذكريات وشخصيات كثيرة من الماضي، وجوهاً لساسة وكتاب وموسيقيين، أو حتى أشخاصاً مجهولين التقى بهم على نحو عابر.

    تمتلىء أعمال البهجوري بالصخب والبهجة، وهو يُشكل معالمها بخطوطه المنفلتة والمتقاطعة في كل اتجاه، هذه الخطوط التي تُحاصر عن عمد هذه المساحات اللونية الموزعة على مساحة الرسم. هو يُحَوّل الجسد الذي طالما رسمه قبل ذلك عارياً أو مستتراً إلى كتل ومساحات متراصة وراسخة، منفصلة ومتداخلة مع ما يحيط بها من عناصر أخرى وخلفيات قاتمة ومضيئة. أما اللون فيتمايل تارة بين الأصفر والأحمر الملتهب، وأخرى بين الأبيض والأخضر والرماديات الهادئة.

    ولد الفنان جورج البهجوري في مدينة الأقصر في جنوب مصر عام 1932، وهو واحد من الفنانين المصريين البارزين. اشتهر في بداياته برسوم الكاريكاتير السياسي، وتحمل أعماله مزيجاً من الحس التعبيري والتكعيبية، وتتميز بألوانها الزاهية. حصل البهجوري خلال مسيرته الفنية على العديد من الأوسمة الوطنية والدولية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في الكثير من عواصم العالم.

  • يُعلِّمُني الحب ألاَّ أحب

    يُعلِّمُني الحب ألاَّ أحب

    وَأَنْ أفْتَحَ النَّافِذَهْ عَلَى ضِفَّة الدَّرْبِ

    هَل تَسْتَطيعين أنْ تَخْرُجي مِنْ نداءِ الحَبَقْ

    وَأَنْ تقسمِيني إلى اثْنَيْن:

    أَنْتِ ، وَمَا يَتَبِقَّى مِنَ الأُغْنِيَهْ؟

    وَحُبٌ هو الحب

    فِي كُلِّ حُبِّ أرى الحب مَوْتاً لِمَوْتٍ سَبَقْ

    وَريحا تُعَاوِدُ دَفْعَ الخُيُول إلَى أمِّهَا

    الرِّيح بَيْنَ السَّحَابَة والأوْدِيَهْ

    أًلا تَسْتَطِيعينَ أَنْ تَخْرُجِي مِنْ طَنينِ دَمي

    كَيْ أْهَدْهِدَ هَذَا الشَّبقْ؟

    وكَيْ أُسْحَبَ النَّحْلَ مِنْ وَرَق الوَرْدَةِ المُعْدِيهْ؟

    وَحُبٌ هو الحب ، يَسْأًلُنِي:

    كَيْفَ عَادَ النَّبِيذُ إلَى أْمِّه واحْتَرقْ

    وَمَا أًعْذَبَ الحب حِينَ يُعذب

    حِينَ يُخرِّب نَرْجسَةَ الأْغْنيهْ

    يُعَلِّمُني الحب أن لاَ أحب

    وَيَتْرُكُني في مَهَبِّ الوَرَقْ

  • ترجمة عاشرة تعيد “كوخ العم توم” إلى القراء العرب

    ترجمة عاشرة تعيد “كوخ العم توم” إلى القراء العرب

    رواية الأميركية هارييت بيتشرستو ما زالت معاصرة بعد 170 سنة على صدورها

    تعاود رواية “كوخ العم توم” للروائية الأميركية هارييت بيتشرستو، الظهور باللغة العربية مرة عاشرة بترجمة المصري عبد الفتاح عبد الله (مؤسسة هنداوي) الأمر الذي يطرح سؤالاً حول الأسباب التي تدفع لترجمة عمل أدبي أكثر من مرة، فهناك كثير من الأعمال الإبداعية العالمية التي حظيت بعدة ترجمات، فالإلياذة لهوميروس تُرجمت خمس مرات للعربية أقدمها لسليمان البستاني عن الفرنسية 1904، والقدر نفسه من الترجمات حظيت به “الكوميديا الإلهية” لدانتي.

    ترجمات عشر

    وهناك كثير من الأعمال الروائية المعاصرة التي حظيت بعدة ترجمات ربما أشهرها “مئة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز، بست ترجمات لكل من سليمان العطار، وصالح علماني، وسامي الجندي، ومحمود مسعود، ومحمد الحاج خليل، وكريم محمود.

    لكن ما من عمل أدبي ربما يتخطى الترجمات التي حظيت بها رواية “كوخ العم توم” العشر، وذلك خلاف التلخيصات لها والنصوص المسرحية المتحولة عنها، وأقدم ترجمة لها تعود لمنير البعلبكي عام 1953، ثم توالت الترجمات: حلمي مراد، وفؤاد أندراوس، وسليم خليل قهوجي، وأكرم الرافعي، وحسين محمد القباني، وميخائيل حداد، وذكري حاج حسين ومحمد نديم خشقة، وهيلينا عبد النور، وصولاً إلى عبدالفتاح عبدالله.

    ونشرت تلك الرواية للمرة الأولى قبل نحو 170 سنة، وتتناول مأساة الزنوج في الولايات الجنوبية الأميركية، وكان لها بالغ الأثر في اندلاع حرب تحرير العبيد 1861، ومن فرط تأثرهم بهذه الراوية أعتق بعض الروس عبيدهم وقت نشرها، ويشير منير البعلبكي في مقدمة ترجمته إلى أن “ستاو” حين التقت الرئيس أبراهام لنكولن عام 1862 في أوج الحرب الأهلية، هرع ليستقبلها قائلاً: “إني سعيد أن أرحب بك بوصفك مؤلفة تلك القصة التي أحدثت هذه الحرب العظيمة”. إلا أن هناك من يشكك في أن يكون لنكولن قال ذلك. وتصنف هذه الرواية من الروايات الواقعية ويؤثر عن مؤلفتها قولها إنها لم تؤلف هذه القصة، إنما فقط دونت بعض ما شاهدته في الولايات الجنوبية. وتعد هذه الرواية أولى الروايات التي كانت بين الكتب الأكثر مبيعاً، حتى أنها فاقت الكتاب المقدس في هذا الصدد وقت صدورها.

    تدور الرواية حول قسوة حياة الزنوج في ظل العبودية، إذ يقوم السيد شيبلي مالك المزرعة في كنتاكي ببيع عبده المخلص “توم” وكذلك ابن جاريته “إليزا” ذي الأربعة أعوام، وحين تعرف الأخيرة ببيع طفلها تقرر الهرب وتذهب إلى توم كي تخبره بأن سيده قد باعه إلا أنه يرفض الفكرة مفضلاً ألا يخون ثقة السيد الأبيض. وتنطلق إليزا في رحلة هرب مثيرة صحبة طفلها إلى كندا حيث ستجد من يساعدها على إلحاق زوجها بها، فيما يلتقي توم الطفلة الملائكية “إيفا” على السفينة وتنجذب إليه وتدفع والدها إلى شرائه، وقبل وفاتها بمرض عضال تحرض والدها على تحرير توم، إلا أن موته يمنع حدوث ذلك، ويباع “توم” إلى تاجر عبيد قاس يلقى حتفه على يديه من شدة التعذيب.

    ميلودراما روائية

    وتتمتع الرواية بأسلوب ميلودرامي ذي حبكة بوليسية، تعمل على تحريك المشاعر الإنسانية، فيها شخصيات واضحة المعالم والميول إما طيبة طوال الوقت أو أخرى على النقيض من ذلك. فـ”توم” في الرواية يتمتع بكل صفات النبالة وإيمان حقيقي بالمسيحية، يرفض أن يخون سيده، يعرض نفسه للعذاب من أجل إنقاذ الآخرين. وتعج الراوية بكثير من هذه المشاهد الميلودرامية من بينها الحوار الذي يودع فيه توم أسرته الصغيرة، قبل أن يأخذه سيده الجديد إلى الولايات الجنوبية المعروفة بقسوتها مع العبيد “أبلغي السيد أرثر أنني سأحبه ما حييت كما أفعل دوماً، أخبريه ألا يشعر بالسوء لأنه باعني، كنت على استعداد أن أضحى دوماً بحياتي من أجله”. ولا تغيب الميلودرامية حتى عن حبكة الرواية ككل إذ تهيمن عليها المصادفة بشكل كبير.

    فالكل يتوقع أن يلاقي توم حياة صعبة في الجنوب إلا أن القدر يسخر له في سفينة العبيد الطفلة “إيفا” البالغة من العمر خمسة أعوام التي تعجب به وبحكاياته، وحين تسقط من أعلى السفينة يقفز إلى الماء وينقذها فيشتريه والدها ليعيش حياة سعيدة معها. إيفا التي تحنو على الجميع وتتحدث بلسان أكبر من عمرها، تحب العصاة والمذنبين ذات طابع ملائكي، تلك الشخصية التي أحبها كل من قرأوا الرواية في عصرها وشهد اسمها رواجاً واسعاً بسببها، تموت بمرض مفاجئ بعد أن تجعل والدها يتعهد بتحرير توم، وفي اليوم الذي يهم فيه أن يحرره يقتل والد إيفا، ليباع توم لنخاس قاسي القلب، وفجأة يأتي ابن صاحب المزرعة القديمة التي يعيش فيها توم فينقذه من الجلد.

    المصادفة الحاسمة

    والمصادفة تعلب دوراً كبيراً في الرواية، ففي اللحظات الحاسمة التي يكون فيها مصير البطل على المحك يأتي الإنقاذ المفاجئ من السماء، ومن ذلك في رحلة هرب إليزا التي أنجبت ولدين ماتا، قبل طفلها هاري ذو الأربعة أعوام. يقرر سيدها أن يبيعها، وبالمصادفة تعرف أن ابنها قد بيع فتهرب ومعها ابنها وتنجح في ذلك عبر سلسلة من المصادفات وأناس كثر يساعدونها في الوصول إلى وجهتها.

    وسعت “ستو” من خلال الميلودراما التي اتبعتها في نصها إلى تجسيد المشاعر الإنسانية حول قسوة العبودية من التفريق بين الرجل وزوجته وأبنائه ومنها المشهد الذي يعرف فيه أبناء توم الصغار بأمر بيع والدهم (همس موس “اصمت وأغلق فمك ألا تعرف أي شيء؟ لقد بيع والدنا”. نظر الأطفال بعيون متسعة وقد تسببت تلك الكلمات المخيفة في أن يتوقفوا عن انخراطهم في اللعب… “إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شخص هو أن يُباع أو أن يسافر في النهر”. وكذلك تفريق الأم عن أبنائها وبيعهم مثلما جرى مع إليزا ووالدتها. وهناك الفتاة توبسي التي أخذها النخاسون وهي صغيرة ولا تعرف مثل كثر من هما والداها، وجرى تعذيبها بقسوة عند سادتها البيض ما جعلها تستمرئ التعذيب وتسعى إلى أن يضربها سادتها الجدد.

    الترجمة العربية الأولى صدرت في 1953 (دار العلم للملايين)

    وتضفي “ستو” على مشهد موت بطل روايتها “توم” صورة للمسيح الذي يتحمل المعاناة من أجل خلاص الآخرين. يضحي بنفسه من أجل سادته البيض ومن أجل رفقائه في الألم من الزنوج. يُعذب من أجل امرأة ضعيفة كان يعطيها ما يجمع من قطن حتى تتم نصابها فلا تُعذب. يُجلد لرفضه أن يقر بمكان السيدتين اللتين هربتا بعد أن كان سيدهما يعتدي عليهما جنسياً، ويرضى بأن يعرض نفسه للموت في سبيل إنقاذهما. إلا أن هذه الصورة لا تظهر بوضوح في ترجمة عبد الفتاح عبد الله الذي عمد إلى حذف كثير وتلخيص أحداث الرواية بشكل أخلَّ برسم أحداث العمل الأصلي.

    ومن الجدير ذكره هنا، أنه في القرن التاسع عشر كانت تعد هذه الرواية دفاعاً عن الزنوج إلا أن هذه الصورة تغيرت في القرن العشرين وأصبحت شخصية توم سبة وتهمة تستخدم لوصف أسود البشرة الخاضع لذوي البشرة البيضاء متواطئاً مع اضطهادهم للزنوج، بل إنه بات ينظر إلى “كوخ العم توم” على أنها عنصرية.

    عبد الكريم الحجراوي 

  • قصيدة:لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ

    قصيدة:لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ

    يُعَدُّ مارك ألكسندر أوهو بامبي (Marc Alexandre Oho bambe) من أبرز الشُّعراء الذين نشأوا بين أحضان الكتب والقصائد. وُلِدَ سنة 1976، بمدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون. تَحَصَّلَ على  جائزة «بول فيرلين» من الأكاديمية الفرنسية، سنة 2015. يقتفي هذا الشاعر آثار الأدباء ذوي النزعة الإنسانية، من قبيل: رينيه شار، وإيمي سيزير..، وتتغنّى قصائده بمجموعة من القيم، من بينها: الإيثار، والحُبّ، والثورة، والبحث عن الإنسان، والحضّ على المشترك الإنساني. تأتي قصيدته «لقد أُلْغِيَ الغَدُ» لتُعيد تجسيد هذه القيم في ظل الأزمة التي نعيشها الآن، حيث نظمها في أثناء الحجر المنزلي الذي صادفَ إقامته بمدينة «أبيدجان».

    لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

    هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

    أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

    رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ.

    تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

    إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

    رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة..

    رُبَّما!

    مَا فَائِدَةُ الشِّعْرِ؟

    سُؤَالٌ رُوحِيٌّ مَا فَتِئَ يَتَرَدَّدُ في دَوَاخِلِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَة.

    وفي دَوَاخِلِي، ما يزال صَوْتُ سيزير يُعيدُ على مَسامِعِي جوابَهُ الجَامِعَ المَانِع:

    «يُفِيدُنَا الشِّعْرُ في تَحَمُّلِ العالَم».

    كُلُّ شَيْءٍ قِيلَ.

    ولكنِّي أقول، أيضًا، على خُطَى الأستاذ، والأَمَلِ،  وبكل تواضع:

    الشِّعْرُ

    يُذَكِّرُنَا

    بِأَنْفُسِنَا،

    ضُعَفَاءَ

    حِينَ تُنْحِلُنَا الهَشَاشةُ

    لا مَقرَّ لَنَا.

    بشرًا

    قادرين

    ومُذْنِبِين

    بما اقترفَتْ أَيَادِينَا؛ خَيْرًا وَشَرًّا.

    أولئك الناسُ الذين يُطِلُّونَ مِنَ النَّوافِذ وَيُغَنُّونَ وَيُصَفِّقُونَ.

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

    فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا

    مَحْجُورٍ.

    كُلُّ مَوْجَاتِ التَّضَامُنِ هَاتِهِ، كُلُّ عِبَارَاتِ المَحَبَّةِ والتَّعَاطُفِ هَاتِهِ، نَحْوَ الخَلاَصِ،

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

    كُلُّ تِلْكَ المُبَادَرَاتِ الإِبْدَاعِيَّةِ الخَلَّاقَةِ، التي تُزْهِرُ في الرَّبِيعِ، وَتُبْدِعُ الجَمَالَ  والانْسِجَامَ، تِلْكَ المُشارَكَاتُ، بالآلافِ، لِلْمُوسِيقى،  لِلصُّوَرِ والكلماتِ، لِلْمَشاعِرِ الغَالِيَةِ،  لِلثَّقَافَةِ، التي تُنْهِضُنَا وَتَسْمُو بِنَا؛

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

    كُلُّ الأَيْدِي التي تَقْبِضُ على القُلُوبِ، لِكَوْنِها لا تَمْلِكُ أنْ تَمُدَّ أيَادِيَ تَهُبُّ إلى المُسَاعَدَةِ، إلى المَحَبَّةِ، إلى مَحَبَّةِ المُسَاعَدَة..

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ؛

    الشِّعْرُ الذي يُذَكِّرُنَا

    بِأَنْفُسِنَا.

    سَنَحْلُمَ

    سَنَبْتَكِرُ

    أو سنموتُ

    معًا.

    الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّنَا، أَحْيَانًا، نُعَارِضُ

    أَنْفُسَنَا.

    إِنَّهُ يَجْعَلُنَا نَقِفُ

    وَجْهًا لِوَجْهٍ

    أَمَامَ حَالاَتِنَا المُسْتَعْجَلَةِ المَنْسِيَّة

    حَيَوَاتِنَا المُزَيَّفَة

    أَحْلَامِنَا المَهْزُومَة

    مَسَاراتِنَا الدَّاخِليّة الضَّائِعَة

    في جُنُونِ الأيَّامِ التي تَمُرُّ

    بِنَا أَوْ بِدُونِنَا..

    وَجْهًا لِوَجْهٍ

    أَمَامَ أَنْفُسِنَا.

    إِذَنْ،

    بِكُلِّ شَفَافِية وَصَرَاحَة..

    دُونَ حِجَابٍ

    دُونَ سِتَارٍ

    أو أَقْنِعَةِ مَطَرٍ.

    وَجْهًا لِوَجْهٍ

    أَمَامَ مهازل انْتِظَامِ

    اللاَّنِظَامِ العَالَمِيِّ

    الذي هُوَ نَفْسُهُ يَسْتَمْتِعُ بِنَا،

    ما دَامَ يُجْبِرُنَا على العيْشِ دُونَ البحْثِ عنِ المَعْنَى،

    وُجُوهُنَا إلى الأَرْضِ، مُنْكَفِئِينَ على المِقْوَد ،

    لِنَرْتَطِمَ بالحَائِطِ، بِسُرْعَةٍ عَالِيَة.

    لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

    هل هي نهاية العالم

    أو، بالأحرى، نهاية عالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

    في جراند- بسام،

    على شاطئ يُعَذَّبُ ،

    أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ

    سُذَّجٌ بَرِيئُونَ

    مِثْلَ جَمِيعِ أَطْفَالِ العَالَمِ.

    أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَتَقَاسَمُونَ الحَيَاة..

    يَرْكُضُونَ جَمِيعًا

    خَلْفَ الفَرَحِ الدَّائِرِيِّ

    مِثْلَ كُرَةٍ زَاهِيَةِ الأَلْوَانِ،

    بِابْتِسَامَةٍ في العَيْنَيْنِ

    مُثبتَةٍ على أَفْكَارِي؛

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

    الجَمِيعُ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا،

    في شُرْفَةِ المَنْزِلِ

    مِثْلَمَا كُنَّا أَمْسِ في شُرْفَةِ

    ذَوَاتِنَا؛

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

    أَمَامَ الأَسْلِحَةِ الخَارِقَة،

    مُوَاطِنَاتٍ، وَمُوَاطِنِينَ،

    لَنْ نَنْجُوَ دُونَ أَنْ يُحِسَّ

    كُلٌّ مِنَّا بِالآخَرِ؛

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

    مَحْجُورًا

    فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

    مُحَاصَرًا،

    أَحْيَانًا،

    بِالزَّمَنِ الذي نَفْتَقِدُه

    وَبِكُلِّ تِلْكَ الأَشْيَاءِ التي تَحُثُّنَا على الإِسْرَاعِ في الحياة.

    وَلَكِنْ، هَلْ هَذِهِ هي الحَيَاة؟

    دُونَ فَرَحٍ عَمِيقٍ، فَريسَةً لِلْيَأْسِ،

    لِضُغُوطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ التي نَفْرِضُهَا

    على أَنْفُسِنَا طَوَاعِيَة!

    الشِّعْرُ يُعِيدُنَا

    إِلَى شَاِطئِ أَحْلَامِنَا المُؤَجَّلَة

    إِلَى قَافِيَةِ آمَالِنَا المُهَجَّرَة

    إِلَى وَقْفِ «أَنَانِيَّتِنَا» المَغْرُورَةِ التي لا نَظِيرَ لَهَا

    إِلَى الفَنِّ الذي يَرْبِطُنَا وَيُسْلِمُنَا

    إِلَى سِرِّ النُّجُومِ المُلْتَقَطَة

    في الطِّينِ أو تَحْتَ الأَحْجَارِ المَرْصُوفَةِ لِهَذَا الشَّاطِئ،

    شَاطِئِ إفريقيا الخَالِدَة.

    الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

    في وَرَقَاتِ  هِيبْنُوس، وفي صَوْتِ شَار، الجَهْورِيّ،

    بِأَنَّ عَلَيْنَا «أَنْ نُحِبَّ نَفْسَنَا كَثِيرًا،  هَذِهِ المَرَّةَ، أيْضًا، وَأَنْ نَتَنَفَّسَ بِقُوَّةٍ تَفُوقُ رِئَةَ الجَلَّاد»

    الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

    بِأَنْفُسِنَا

    أَحْيَاءً

    مُفْعَمِينَ بِالحَيَاة

    بَشَرًا فَانِينَ

    يتصرَّفُونَ، غالبًا،

    وكأنَّهم غَيْرُ وَاعِينَ

    بفَنَائِهم،

    ساخرين من الأشْخَاصِ الخَيِّرِينَ، الصَّالِحِينَ

    الذينَ يَسْعَوْنَ إلى التَّصَرُّفِ بِأَنَاقَةٍ 

    مَعَ السَّاخِرينِ والمُبْتَذَلِينَ،

    الذينَ هُمْ في صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ،

    في حَرْبٍ

    ضِدَّ المَعْنَى

    ضِدَّ النُّبْلِ

    ضِدَّ السِّلْمِ

    ضِدَّ الأَرْضِ

    ضِدّنَا جَمِيعًا، رِجَالًا ونِسَاءً، 

    وَضِدَّ أَنْفُسِهِمْ،

    أَيْضًا،

    يَسْتَقِلُّونَ

    ظَهْرَ الرِّيحِ

    بِابْتِسَاماتٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ هُنَاكَ؛

    هُوَ ذَا الشِّعْر.

    الرَّسَائِلُ النَّصِّيَّةُ الّتِي يَكْتُبُهَا إِلَيَّ فرِيد وأَلْبِير، عَبْرَ وَاتْسَاب، مُنْذُ أُسْبُوعٍ،  تَقْرِيبًا، في نفْسِ السَّاعَةِ الزَّرْقَاءِ، سَاعَتِنَا؛

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

    كُلُّ تِلْكَ القُلُوبِ المُكَوَّمَةِ التِي يُعَانِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا،  مُتَقَابِلَة.. كُلُّ أُولَئِكَ الأشْخَاصِ الذينَ يَهَبُونَ فَنَّهُمْ، يَقُومُونَ بِدَوْرِهِمْ، وَيَقِفُونَ دِرْعًا وَاقِيًا في وَجْهِ الخَوْف؛

    هُوَ ذَا الشِّعْر.ُ

    الأَخُ الرَّفِيقُ الّذي قَابَلْتُهُ قُرْبَ أَدْجَامِي، وَاضِعًا قِنَاعَهُ الوَاقِيَ علَى جَبْهَتِه،  صَائِحًا بِصَوْتٍ قَوِيٍّ وَوَاضِح: «الفيرُوسُ هُنَاكَ، لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَى هُنَا،  فَلَدَيْنَا الفُلْفُلُ الحَارّ، غنامنكو والشَّمْس، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْفيرُوسِ أَنْ يَصِلَ إلى هُنَا؟». قالَ لي ذَلِكَ، وَهُوَ يَطْلُبُ مِنِّي قَلِيلاً مِنْ مُعَقِّمِ اليَدَيْن!

    هُوَ ذَا الشِّعْرُ..

    فِي القَهْقَهَاتِ الَّتِي تَلَتْ جُمْلَتَهُ المُتَوَهِّجَةَ بِرُوحِ الدُّعَابَة.

    لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ!

    هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

    أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

    رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ

    تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

    إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

    رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة!

    رُبَّما!

    «مَا الحَاجَةُ إلى الشُّعَرَاءِ فِي زَمَنِ الضِّيقِ وَالشِّدَّة؟»

    يَتَسَاءَلُ هُولْدِرْلِين.

    وَأَسْمَعُ هُوجُو يُجِيبُ بِكُلِّ إِجْلَال:

    «إِنَّ الشَّاعِرَ، فِي الأَيَّامِ الجَاحِدَة، 

    قَادِرٌ عَلَى إِعْدَادِ أَيَّامٍ سَعِيدَة؛

    فَهُوَ إِنْسَانُ المُدُنِ الفَاضِلَة 

    قَدَمَاهُ هُنَا، وَعَيْنَاهُ هُنَاك.

    هُوَ الّذِي يَعْتَلِي جَمِيعَ الرُّؤُوس

    فِي كُلِّ زَمَانٍ، مِثْلَ الأَنْبِيَاء،

    وَفِي يَدِهِ، الّتي يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ شَيْء

    يَنْبَغِي،  سَوَاءٌ أَذَمَمْنَاهُ لِذَلِكَ أَمْ مَدَحْنَاه،

    يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ المُسْتَقْبَلَ مُتَوَهِّجًا

    مِثْلَمَا يَتَوَهَّجُ المِشْعَلُ الّذِي يَهُزُّهُ بِيَدِه».

    لَمْ أَنْأَ بِنَفْسِي، يَوْمًا، عَنِ الشِّعْر.

    الشِّعْرُ حَقِيقَةٌ وَاحْتِفَاءٌ بِالرُّوحِ،  يَتَغَيَّا إِنْقَاذَ الحَيَاة.

    يَمْنَحُ نَفَسًا لِلنَّفَس، يُجَدِّدُ الرُّؤْيَة.

    لِهَؤُلاَءِ، المُؤَدْلَجِينَ، المُضْطَهَدِينَ، الذينَ أَعْمَاهُمُ النِّظَامُ الذي انْمَحَى اليَوْمَ،  بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ، وكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى مِنْ أَنْ يَنْجَحَ، تَقْرِيبًا، في مَحْوِ قِيَمِ الكَرَامَة، والرَّأْفَةِ،  وَالتَّعَاطُف، وَاخْتِلَافِ الآخَرِ، والبَشَرِيَّةِ المَسؤولَةِ

    مِنْ رُبُوعِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

    لَسْتُ آبَهُ، إِذَنْ، بِالاتِّهَامَاتِ

    تَلْحَقُنِي؛ لأنِّي أَعْتَقِد..

    أَعْتَقِد بِأَنَّ الْغَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ،

    لأَنَّ غَدًا سَيَكُونُ

    مِثْلَمَا أَعْدَدْنَاهُ.. سَنُنْجِزُهُ مَعًا.

    نَعَمْ لَسْتُ آبَهُ بِالاتِّهَامَاتِ.

    «دِفَاعًا عَنْ نَفْسِي، سَأَقُولُ إِنِّي شَاعِر»

    مِثْلَمَا يُؤَكِّدُ رُودْنِي،حَامِلُ النَّار.

    وَالشِّعْرُ، أَيْضًا، يَدْعُونَا

    إلى اصْطِنَاعِ مَسَارَاتٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ البَحْر.

    فَوْقَ الحُبّ.

    وَالشِّعْرُ يَدْعُونَا

    إلى الحَرْبِ

    لِنُفَوِّتَ فُرْصَةَ مَوْتِنَا

    وَلِنَتَعَلَّمَ العَوْدَةَ إلَى الحَيَاةِ مُجَدَّدًا،

    عَلَى قَدْرِ عَزْمِنَا، رِجَالًا ونِسَاءً،

    مُتَمَاسِكِينَ وَمُنْصِفِينَ.

    ترجمة/فيصل أبو الطُّفَيْل

  • لين فنغمين: المستعربون الصينيّون ضدّ المركزيّة الغربيّة

    لين فنغمين: المستعربون الصينيّون ضدّ المركزيّة الغربيّة

    ينتمي «لين فنغمين» إلى الجيل الجديد من المستشرقين الصينيين الذين يهتمّون بالثّقافة وباللّغة العربيتَين. يشغل منصب عميد معهد الدراسات العربيّة الإسلامية في جامعة بكين، ونائب رئيس مركز الدراسات الشرق الأوسطية، ونائب رئيس مركز الدراسات الإفريقية في الجامعة نفسها، ورئيس جمعية الصين لدراسات الأدب العربي. ترجم «لين فنغمين» عدداً من الأعمال العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني»، و«امرأة بلا سواحل» و«آخر السيوف» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيِّب صالح، كما نشر عدداً من الدراسات، من بينها «الأدب العربي الحديث في التحوُّل الثّقافي»، و«الدراسات المقارنة بين أدبَي الصين والعرب».

      حوار: حسن الوزاني

    ما الأسباب التي كانت وراء اختيارك للُّغة العربيّة لغةً للترجمة والبحث ؟

    – يبدو أن اللّغة العربيّة هي التي اختارتني، أو يمكن القول إن القدر اختارني لدراسة اللّغة العربيّة. إذ لم تكن لديَّ أيّة رغبة في دراستها في مرحلة الدراسة الثانوية، وذلك بحكم كوني لم أكن أعرف، حينها، أين يقع العالم العربي. وسيكون أحد أساتذة كلّيّة اللّغات الشرقية وراء تغيير مساري، حين أقنعني باختيار دراسة هذه اللّغة ضدّاً على رغبتي في دراسة الإنجليزية أو الإدارة أو الاقتصاد، أمّا الأمر الذي حفَّزني، أيضاً، على تغيير مساري فهو بحثي عن مقعد في جامعة بكين، باعتبارها أفضل الجامعات في الصين، وأقدمها، وهي الجامعة التي تحتضن كلِّيّة اللّغات الشرقية، حيث يتمّ تدريس اللّغة العربيّة.

    وبعد التحاقي بجامعة بكين؛ قصدَ تعلُّم اللّغة العربيّة، بدأتُ اكتشف جمال هذه اللّغة، بالرغم من الصعوبات التي تطرحها أمام كثير من الصينيين. وبفضل علاقتي باللّغة العربيّة، ستتاح لي فرص زيارة كثير من البلدان العربيّة، واكتشاف جانب من جغرافيا هذا العالم المذهل، والإحساس بعواطف المجتمعات العربيّة. ولا شكّ في أن اللّغة العربيّة فتحت لي باباً مشرعاً على عالم مختلف جدّاً، يمنحني إمكانية الاستمتاع بمعالم الثّقافة العربيّة والإسلامية المذهلة.

    ترجمتَ عدداً من النصوص الأدبيّة العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيّب صالح. ما الذي قد تحمله ترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة للقارئ الصيني ؟

    – أشير، أوّلاً، إلى كون عدد الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة إلى اللّغة الصينية قد جاوز، بشكل عامّ، المئتي عنوان. أمّا بالنسبة إلى الأعمال المذكورة التي ترجمُتها، فتعكس أبعاداً مختلفة من الثقافات العربيّة الإسلامية، ويخصّ ذلك مجموعة «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، التي تحمل الأفكار الوطنيّة والقومية العربيّة. بينما يمنح نصّ «جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، للقرّاء الصينين، إمكانيةَ التعرُّف إلى معالم التسامح والتعدُّد الثّقافي، والتعدُّد الديني في العالم العربي، خصوصاً مع وجود الثّقافة المسيحية في منطقة الشرق الأوسط، بشكل لا يمسّ حضور الثّقافة الإسلامية. أمّا رواية «دومة ود حامد»، للطيب صالح، فتقرِّب القارئ الصيني من موضوع الحداثة كما تعيشها المجتمعات العربيّة، حيث يمكن أن تتعايش التقاليد العربيّة، والثّقافة الغربية، في السودان، وفي أيّة دولة من الدول العربيّة، وذلك اعتباراً لأهمِّيّة الأفكار الحديثة كأساس للتحديث، دون التضحية بالتقاليد. بخصوص نصّ «الأمير» للروائي الجزائري واسيني الأعرج، هو يُظهر للقرّاء الصينيين مقاومةَ العرب للاستعمار الفرنسي، وشجاعةَ المسلمين ضد المستعمرين، وكذلك مظاهرَ الحوار الثّقافي بين الثّقافة العربيّة والإسلامية، والثّقافة المسيحية، وبين الثّقافة الشرقية والثّقافة الغربية.

    كيف ترى، من موقعك، اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة؟

    – أظن أن اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بأعمال ترجمة هذه الأعمال، هو أقلّ من اهتمامهم بالأعمال الغربية والروسية المترجمة إلى اللّغة الصينية. وإن كانت بعض الحوادث تغيِّر، أحياناً، مستوى هذا الاهتمام؛ فمثلاً: فتح فوز نجيب محفوظ بجائزة «نوبل» للأدب، البابَ أمام اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين ليس بأعمال نجيب محفوظ فحسب، بل بعدد مهمّ من الأدباء والشعراء العرب الآخرين. وبعد حادث (11) سبتمبر (2001)، تزايدت رغبةُ المثقّفين الصينيين في التعرُّف إلى الثّقافة العربيّة الإسلامية، وكذلك الأمر بعد حرب الأميركان على العراق، وتغيُّرات «ربيع العرب»، وغيرها من الحوادث المهمّة التي تجعل المثقّفين يهتمّون بالعالم العربي، من خلال قراءة الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة.

    ما هي، بنظرك أهمّ العقبات التي يمكن أن تواجه المترجم الذي يشتغل على النصوص الأدبيّة العربيّة ؟

    – أظن أن أهمّ العقبات التي يواجهها المترجم الذي يشتغل على النصوص العربيّة، تتعلَّق، بشكل خاصّ، بترجمة القصائد. لقد قال أدونيس، في محاضرة ألقاها في جامعة بكين، إن ترجمة الشعر خيانة. وأفهم من كلام أدونيس أن ترجمة القصائد، دائماً، تخالف قصد الشاعر؛ بسبب اختلاف دلالات الكلمات؛ إذ لا يمكن أن ننقل كلّ معاني القصيدة إلى لغة ثانية. ولعلَّ هذا الرأي قريب من تصوُّر الشاعر الصيني «سيتشوان» الذي يرى أن قضايا ترجمة الشعر لا تخصّ مشكلة اللّغة، فقط، بل تهمّ، أيضاً، قضيّة الثّقافة، وقضيّة تيّار الفكر الأدبي، وقضيّة مفاهيم الإبداع، وكذلك قضيّة عادات القرّاء. وإذا كان من الممكن ترجمة معاني الكلمة، فمن الصعب ترجمة القوافي والعروض إلى لغة أخرى، بل قد لا نستطيع نقل كلمات القصيدة إلى لغة أخرى، إذا كان لها أكثر من معنى.

    كيف ترى مسارات الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينية، على مستوى الاتِّجاهَيْن؟

    – أعتقد أن وضعيّة الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينيّة، على مستوى الاتِّجاهَيْن، ظلَّت -خصوصاً، خلال القرن الماضي- غير متوازنة، وكانت الغلبة، على الأقلّ، على المستوى الكمّي، لصالح الترجمة من اللّغة العربيّة إلى الصينية. بينما شهد القرن الحالي تطوُّراً كبيراً على مستوى تعليم اللّغة الصينية، سواء في الدول العربيّة، أو في الصين؛ إذ ارتفع عددُ أقسام اللّغة العربيّة، في الجامعات الصينية، من ثمانية أقسام إلى ثمانية وأربعين قسماً. وهو ما يشكِّل أساساً ومحفِّزاً لتطوُّر الترجمة في المستقبل.

    من جهة أخرى، أنشأت الحكومة الصينية عدداً من البرامج الثّقافية لتشجيع الترجمة، ودعمها، من بينها برنامج «الترجمة المتبادلة بين الصينية والعربيّة»، الذي تمَّ إطلاقه في إطار التعاون بين الحكومة الصينية وجامعة الدول العربيّة، وبرنامج «الترجمة المتبادلة بين الصين والكويت»، وغيرها من البرامج الكثيرة، كان من نتائج ذلك ازدياد أعداد الكتب الصينية المترجمة إلى اللّغة العربيّة في السوق الثّقافية العربيّة. على العموم، تظلّ وضعية أعمال الترجمة بين اللّغتَيْن: الصينيّة، والعربيّة، محدودة، برغم الجهود المبذولة من الجانبَيْن في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع وجود كثير من الكنوز التي تزخر بها كلٌّ من الثّقافة العربيّة الإسلامية والثّقافة الصينية، والتي تحتاج إلى الاكتشاف.

    تتَّسم المدرسة الاستشراقية الصينية بخروجها عن سلطة التصوُّرات الغربية التي لم تستطع التخلُّص من التصوُّرات الاستعمارية. كيف تتصوَّر، من موقعك، دواعي هذا الاختيار الذي يطبع الاستشراق الصيني؟

    – قبل أن أجيب عن هذا السؤال، يجب عليَّ أن أبيِّن لكم طبيعة تمثُّل الصينيين لمصطلح «المدرسة الاستشراقية الصينية». فمن المعروف أن علم الاستشراق، بمفهومه الاصطلاحي الضيِّق، يحيل على اهتمام العلماء الغربيين بالدراسات الإسلامية، والدراسات العربيّة. في مقابل ذلك، يوسِّع الصينيون مجال المصطلح ليشمل، ليس الدراسات الإسلامية والعربيّة، فحسب، بل الدراسات التي تهمُّ الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها من الدول الآسيوية، أيضاً؛ لذلك، أُفضِّل أن أستخدم مصطلح (الاستعراب) أو علم الاستعراب. وبالفعل، إن معظم الأساتذة والباحثين الصينيين المتخصِّصين في علم الاستعراب هم ضدّ هيمنة التصوُّرات الغربية، وضدّ المركزية الغربية، إذ لا يتبعون وسائل الاعلام، لأنهم يعرفون اللّغة العربيّة، ويقرأون الصحف والمجلّات والكتب العربيّة؛ وهو ما يتيح لهم إمكانية التعرُّف إلى الأوضاع الحقيقية في الشرق الأوسط، بدون وضع ثقتهم العمياء في الميديا الغربية.

  • كيف تمكَّن رجل واحد من توصيل الكتب على دراجته   لنشر متعة القراءة

    كيف تمكَّن رجل واحد من توصيل الكتب على دراجته لنشر متعة القراءة

    يضع “ماتيا غارافاليا” كتابًا باللون الأخضر الزاهي في سلة ويشاهده يرتفع إلى أعلى حتى يصل إلى الشرفة. هذه هي إحدى الطُرق الذكية التي يعتمدها لتوصيل الكتب إلى عملائه خلال فترة الإغلاق الشامل

    ويختفي بعد ذلك على دراجته وسط الشوارع المتقاطعة والمرصوفة بالأحجار المُدوَّرة في مدينة “تورينو” في إيطاليا. وصل “ماتيا” الآن إلى محطته الخامسة في جولة اليوم، وهي توصيل الكتب بنفسه من متجره Libreria del Golem إلى عشرات العملاء الذين لا يمكنهم مغادرة منازلهم في جميع أرجاء مدينة “تورينو”. عندما تفشى فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في إيطاليا، كاد يضيع حلمه بامتلاك متجر لبيع الكتب، ولكن بمساعدة بسيطة من “خرائط Google” وبفضل شغفه بركوب الدراجات، استطاع أن يجد طريقة لمواصلة حلمه.

    ماتيا في متجر بيع الكتب Libreria del Golem.

    ثابر “ماتيا” مدّة ثلاثة أعوام ونصف في العمل على متجره حتّى أنّه كان يصل الليل بالنهار، ولكنه واجه التحدي الأصعب عند تفشّي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). وبعد الإغلاق الشامل للمدينة، بدأت الأنشطة التجارية المحلية في البحث عن طُرق جديدة للبقاء على تواصل مع العملاء وأفراد المجتمع.

    في 25 شباط (فبراير) 2020، نشر “ماتيا” صورة له ولدراجته على وسائل التواصل الاجتماعي وأضاف إليها العنوان “يمكنني توصيل الكتب إليكم”. واستطاع بعد ذلك توصيل الكتب بأمان إلى الأشخاص الذين لا يمكنهم الذهاب إلى المتجر، سواء من خلال رفع الكتب إلى العملاء في سلة أو وضع الطرود بعناية على حافة النافذة. وعلّق “ماتيا” على ذلك قائلاً: “الأفكار الصغيرة هي نواة التغيير الكبير”.

    خلال أيام، زادت كمية الكتب لديه وارتفعت مبيعاته بمقدار ثلاثة أضعاف. وعاد “ماتيا” إلى العمل، ولكن مع مجموعة جديدة من التحديات. كان “ماتيا” يقضي ساعات في رسم الخرائط بالقلم الرصاص على الورق، محدّدًا 50 نقطة توصيل للطلبات يوميًا. كان رسم الخرائط يستغرق وقتًا أطول من توصيل الكتب، لذا كان لا بدّ من إيجاد حلّ مناسب.

    لزيادة طلبات التوصيل، كانت صديقته “غيدا”، وهي طاهية محلية، تجهِّز أحيانًا قطعة من حلوى التيراميسو اللذيذة بنفسها وتغلّفها كهدية مع كل كتاب يتم توصيله.

    فلا شكّ أن هذه الكتب قد أضفت جوًا من السعادة والبهجة في جميع أرجاء المدينة، ما أثمر عن شراكة بين “ماتيا” و”دينيس كابادونيا” صاحبة متجر الكتب NORA Book & Coffee. فبدلاً من خوض منافسة بين المتجرين، عملا معًا للوصول إلى عدد أكبر من العملاء ومساندة بعضهما بعضًا.